النص المفهرس
صفحات 101-120
قال: قال رسول الله ◌َّهِ: ((ما أَصَرَّ مَنِ استَغْفَرَ، وإنْ عادَ في اليومِ سَبْعِينَ
مَرَّةً)، رواه أبو داود، والترمذي، والبزار، وهذا حديث حسن(١).
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ :
قال مجاهد: وهم يعلمون أن مَن تاب؛ تاب اللهُ عليه.
وفي ((مسند أحمد)) عن عبدالله بن عمرو، عن النبي ◌ٍَّ: أنه قال وهو
على المنبر: ((ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُم، وَيلٌ لِأَقْمَاعِ القَولِ،
وَيَلٌ للمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ على ما فَعَلوا وهُمْ يَعلَمُونَ)(٢).
(الثعلبي): قال ابن مسعود: قال المؤمنون: یا رسول الله؛ کان بنو
إسرائيل أكرم [على] الله منا؛ كان أحدهم إذا أذنب ذنباً أصبحت كفارةٌ
ذنبهم مكتوبةً على عتبة بابه: اجْدَعْ أنفَك وأُذُنَكَ، وافعل كذا، فسكت
رسول الله وَّر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله وسلم: ((أَلاَ
أُخْبِرُكُمْ بِخَيرٍ مِنْ ذَلِكَ؟))، فقرأ عليهم الآيات(٣).
(١) رواه أبو داود (١٥١٤)، والبزار في («مسنده)) (١/ ٢٠٥). وهو حديث ضعيف.
انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٤٤٧٤).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ١٩٢ - ١٩٨)، والحديث رواه الإمام أحمد في
(«المسند» (٢ / ١٦٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(٢٢٥٧).
(٣) أورده الثعلبي في ((تفسيره)) (٣/ ١٦٨)، عن ابن عباس ◌ًا، ورواه الطبري في
(التفسير)) (٤ / ٩٥) عن عطاء بن أبي رباح مرسلاً. وقال الحافظ ابن حجر في
((العجاب في بيان الأسباب)) (٢ / ٧٥٤): وهذا سند قوي إلى عطاء انتهى. وروى
الطبري في («تفسيره)) (٤ / ٩٦) نحوه عن ابن مسعود ﴿ه موقوفاً.
١٠١
وقال عطاء: نزلت هذه الآية في نَّهَانَ الثَّمَّارِ - وكنيته: أبو مقبل - أتته
امرأة تبتاع منه تمراً، فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أَجْودُ
منه، فهل لك فيه؟ فقالت: نعم، فذهب بها إلى بيته، فضَمَّها إلى نفسه
وقَبَّلها، فقالت له: اتق الله، فتركها، وندم على ذلك، فأتى النبي ◌َّ وذكر
ذلك، فنزلت هذه الآية(١).
وقال قتادة في قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُوا﴾: إياكم والإصرارَ؛ فإنما هلك
المُصِرُّون الماضون قُدُماً قُدُماً في معاصي الله، لا تنهاهم مخافةُ الله عن
حرام حرَّمه الله، ولا يتوبون عن ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم
على ذلك(٢).
* قوله تعالى: ﴿تُوبُواْ إِلَى اَللَّهِ تَوْبَةٌ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] وقوله تعالى:
﴿وَتُوبُواْإِلَى اَللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اُلْمُؤْمِنُونَ ﴾ [النور: ٣١]، سبق تفسيرها في (الباب
الثاني).
١٨٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هِ، عَنِ النَّبِّ وَ﴿ِ، قالَ: ((مَنْ
حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّتِ وَالعُزَّى! فَلْيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ)) متفقٌ عليه.
(١) أورده الثعلبي في ((تفسيره)) (٣/ ١٦٨)، وقال الحافظ ابن حجر في ((العجاب))
(٢/ ٧٥٥): وهو من رواية موسى بن عبدالله الصنعاني، وهو كذاب.
(٢) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٣ / ١٦٨).
١٠٢
* قوله : ((فقال: في حلفه بالله)):
(ق): (اللات والعزى ومَنَاةُ): أصنام ثلاثة كانت في جوف الكعبة.
وقيل: كانت ((اللات)) بالطائف، و((العزى)) بخَطَّفان، وهي التي
هدمها خالد بن الوليد، و((مناة)) بقُدَيْدٍ، وقيل: بالمُشَلَّل.
وأما ((اللات)): فقيل: إنهم أرادوا تأنيث اسم الله تَكّ.
وقيل: أرادوا أن يُسَمُّوا بعضَ آلهتهم باسم الله، فصَرَفَ الله السِنَتَهُم
عن ذلك، فقالوا: (اللات)؛ صيانةً لذلك الاسم العظيم أن يُسَمَّى به غيرُه،
كما صرف ألسنتهم عن سبُّ محمد ◌َ﴿ إلى (مُذَمَّم)، فكانوا إذا تكلموا
باسمه في غير السب؛ قالوا: (محمد)، فإذا أرادوا أن يَسُبُّوه، قالوا:
(مذمم)، حتى قال النبي محمد ◌َّهِ: ((أَلاَ تَعْجَبُون مِمَّ صَرَفَ اللهُ عَنِّي مِنْ
أَذَى قُرَيْشٍ، يَسُبُّونَ مُذََّماً، وأَنَا مُحَمَّدٌ))(١).
ولما نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام، وعلى الحَلِف بها، وأنعم
الله عليهم بالإسلام؛ بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد
للحلف بها، فأمر النبي وَ ل﴿ من نطق بذلك أن يقول بعده: (لا إله إلا الله)،
تكفيراً لتلك اللفظة، وتذكيراً من الغفلة، وإتماماً للنعمة .
وخص (اللاتَ) بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أكثرُ ما [كانت] تجري
على ألسنتهم، وحكمُ غيرِها من أسماء آلهتهم حكمُها؛ إذ لا فرق بينهما.
و(العزى)): تأنيث الأَعَزِّ، كالجُلَّى: تأنيث الأَجَلِّ (٢).
(١) رواه البخاري (٣٣٤٠) من حديث أبي هريرة ﴿ه بنحوه.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٦٢٥).
١٠٣
(ن): إنما أمر بقول: ((لا إله إلا الله))؛ لأنه تَعاطَى تعظيمَ صورة
الأصنام حین حلف بها .
قال أصحابنا: من حلف باللات والعزى وغيرهما من الأصنام، أو
قال: إن فعلت كذا؛ فأنا يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو
بريء من الله تعالى، أو نحو ذلك؛ لم تنعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر الله
تعالى، ويقول: (لا إله إلا الله)، ولا كفارةَ عليه، سواء فعله أم لا، هذا
مذهب الشافعي، ومالك، وجماهير العلماء.
وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة في كل ذلك، إلا في قوله: أنا مبتدع،
أو بريء من النبي ◌َّز، أو واليهوديةِ، واحتج بأن الله تعالى أوجب على
المُظاهِرِ الكفارةَ؛ لأنه مُنْكَرٌ من القَول وزُورٌ، والحَلِفِ بهذه الأشياء مُنْكَرٌ
وزُورٌ، واحتج أصحابنا والجمهورُ بظاهر الحديث، إذ لم يذكر فيه كفارةً،
ولأن الأصلَ عدمُها فحيث ثَبَتَ فيها؛ شُرِعَ، وأما قياسُهم على الظُّهار:
فيبطل بما استثنوه(١).
* قوله وَّهِ: ((ومن قال: أقامرك)): كانت الجاهليةُ اعتادتِ المُقامرةَ،
وهي مِن أَكْلِ المالِ بالباطل، ولمَّا ذمَّها النبيُّ ◌َّهِ، وبالغ في الزجر عنها
وعن ذكرها، حتى إذا ذكرها الإنسان طالباً للمقامرة بها؛ أمره بصدقة،
والظاهرُ وجوبُها عليه؛ لأنها كفارة مأمورٌ بها.
وكذلك قوله: (لا إله إلا الله) على من قال: (واللات)، ثم هذه الصدقة
غير محدودة ولا مقدرة، فيتصدق بما تيسر له مما يصدق عليه الاسم.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٠٦).
١٠٤
قال الخطابي: يتصدق بقدر ما أراد أن يقامر به، وليس في اللفظ ما
يدل عليه، ولا في قواعد الشرع، ولا للعقل مجال في تقدير الكفارات،
فهو تَحَكُّم، وأبعَدُ من هذا قولُ من قال من الحنفية: إن المرادَ بها كفارةٌ
اليمين، وهذا فاسد قطعاً، لأن كفارة اليمين ما هي صدقة فقط، بل عتق،
أو كسوة، أو إطعام، فإن لم يجد؛ فصيام، فكيف يصح أن يقال: أطلق
الصدقة، وهو يريد إطعام عشرة مساكين، أو أنه مخير بينه وبين غيره من
الخصال؟!
(ن): أمر بالصدقة تكفيراً لخطيئته في كلامه بهذه المعصية.
قال القاضي: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الجمهور: أن العَزْمَ
على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنباً يكتب عليه، بخلاف الخاطر
الذي لا يستقر في القلب(١).
(ط): فيه أن من دعا إلى اللعب فكفارتُه التصدُّق، فكيف بمن
لعب؟! وإنما قرن القمار بذكر الأصنام تأسِّياً بالتنزيل في قوله: ﴿إِنََّا الْخَفُرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَوْلَمُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فمن حلف بالأصنام؛ فقد أشر کھا بالله
في التعظيم، فوجب تدارُكُها بكلمة التوحيد، ومن دعا إلى المقامرة،
فوافق أهل الجاهلية في تصدُّقِهم بالميسر؛ فكفارته التصدُّق(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٠٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٤٣٧).
١٠٥
٣٦٠- باب
المنثوراتِ والمَلَحِ
(الباب الستون بعد المئتين)
(في المنثورات والمُلَح)
(المنثور): المُتفرّق، ولما كانت أحاديث هذا الباب متفرقة لا تجمعها
ترجمة؛ سَمّاها: منثورات.
و(المُلح) بضم الميم، وفتح اللام، جمع مُلْحَةٍ بضم الميم، وهي:
الكلمة المَلِيحة، قاله الجوهري(١)، ولعلها مشتقة من: (مَلُحَ الشيءُ) بفتح
الميم، وضم اللام (يَمْلُح) - بالضم - مُلُوحة، ومَلاحَة؛ أي: حَسُنَ، فهو
مَلِيحٌ ومُلاَحٌ، قال الأصمعي: نِلْتُ بِالمُلَحِ.
١٨٠٨ - عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﴿به، قالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾
الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ، وَرَفَّعَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ
النَّخْلِ. فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ، عَرَفَ ذَلِكَ فِينَاَ، فقالَ: ((مَا شَأْنُكُمْ؟))، قُلْنَا:
يَا رَسُولَ الله! ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ الغَدَاةَ، فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ، حَتَّى
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١ / ٤٠٧) (مادة: ملح).
١٠٦
ظَنَنَّاه في طَائِفَةِ النَّخْلِ، فقالَ: ((غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ؛ إِنْ
يَخْرُجُ وَأَنَا فِيكُمْ، فَأَنَ حَجِيبُه دُونَكُم؛ وَإِنْ يَخْرِجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ،
فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. إِنَّهُ شابٌ قَطَطٌ،
عَيْنُهُ طَافِيَّةٌ، كَأَنِّي أُشَبَّهُهُ بِعَبْدِ العُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ،
فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَائِحَ سُورَةِ الكَهْفِ؛ إِنَّه خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ،
فَعَاثَ يَمِيناً، وَعَاثَ شِمَالاً، يَا عِبَادَ اللهِ! فَاثْبُوا))، قُلْنَا: يا رَسُولَ الله!
وَمَا لُهُ فِي الأَرْضِ؟ قالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْماً: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ،
وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأْيَّامِكُمْ))، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! فَذَلِكَ
اليَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاةُ يَوْمِ؟ قالَ: ((لا، أُقْدُرُوا لَهُ
قَدْرَهُ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! وَمَا إِسْرَاعُهُ في الأَرْضِ؟ قالَ: (كَالغَيْثِ
اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى القَوْمِ، فَيَدْعُوهُم، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَجِيبُونَ
لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ
أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعاً، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي القَوْمَ
فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلينَ
لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالخَرِبَةِ، فَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي
كُنُوزَكِ، فَنْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلاً مُمْتَلِئاً
شَبَاباً، فَيَضْرِبُّهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جِزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ،
فَيُقْبِلُ، وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلكَ، إِذْ بَعَثَ اللهُ
تَعَالَى المَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَهِ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنَارة البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ
١٠٧
بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضعاً كَفَّيْهِ عَلى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ،
قَطَرَ، وَإِذا رَفَعَهُ تَخَذَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُقٍ، فَلاَ يَحِلُّ لِكَافِرٍ بَجِدُ رِيحَ
نَفَسِهِ إِلَّ ماتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتُهِي إِلَى حَيْثُ يَنْتُهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى
يُدْرِكَهُ بِبِابِ لُدِّ، فَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى لَهِ قَوْماً قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ
مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُم بِدَرَجَاتِهِمْ في الجنَّةِ، فَبَيْنَما
هُوَ كَذلِكَ؛ إِذْ أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى ◌َّهِ: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ
عِبَاداً لي لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الظُّورِ. وَيَبْعَثُ اللهُ
يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلى
بُخَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ
بِهَذِهِ مَرَّةً ماءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَّهِ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ
رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْراً مِنْ مِثَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، يَرْغَبُ
نَبَيُّ اللّهِ عِيسَى نَّهِ، وَأَصْحَابُهُ ﴿ إِلى الله تَعالَى، فَيُرْسِلُ اللهُ تَعالَى
عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ،
ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَّهِ، وَأَصْحَابُهُ ﴾ إِلى الأَرْضِ، فَلاَ
يَجِدُونَ فِي الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إلاَّ مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتَنُهُمْ، فَيَرْغَبُ
نَبَيُّ الله عِيسَى وَّهِ وَأَصْحَابُهُ ﴾ إلى الله تعالى، فَيُرْسِلُ اللهُ تعالى
طَيْراً كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ، فَتَحْمِلُهُمْ، فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللهِ، ثُمَّ
يُرْسِلُ الله ◌َكْ مَطَراً لاَ يُكِنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأَرْضَ
حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَقَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَّتَكِ، وَرُدِّي
١٠٨
بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العِصَابَةُ مِنَ الرُّمَانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا،
وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى إِنَّ اللَّفْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ
النَّاسِ، وَاللَّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكْفِي القَبِئْلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللَّقْحَةَ مِنَ
الغَنَمِ لَتَكْفِ الفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَيْتَمَا هُمْ كَذَلِكَ؛ إِذْ بَعَثَ الله تَعَلَى
رِيحاً طَيَِّةٌ، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ
مُسْلِمٍ؛ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ
تَقُومُ السَّاعَةُ)) رواهُ مسلمٌ.
قَوله: ((خَلَّةٌ بَيْنَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ)»: أَي: طَرِيقاً بَيْنَهُمَا.
وَقَوْلُهُ: ((عاثَ)) بالعين المهملة والثاء المثلثة، وَالعَيْثُ: أَشَدُّ
الفَسَادِ. ((وَالذُّرَ)) بِضَمِّ الدَّالِ المُعْجَمَةِ، وَهُو: أَعالي الأَسْنِمَةِ. وَهُوَ
جَمْعُ ذِرْوَةٍ بِضَمِ الذَّالِ وَكَسْرِها، (وَالْيَعَاسِيبُ)): ذُكُورُ النَّحْلِ.
(وَجِزْلَتَيْن)): أَي: قِطْعتينٍ، ((وَالغَرَضُ)): الهَدَفُ الذي يُرْمَى إِلَيْهِ
بِالَّشَّابِ؛ أَيْ: يَرْمِيهِ رَمْيَةٌ كَرَمْي النَّشَّابِ إِلى الهَدَفِ. ((وَالمَهْرُودَةُ)
بالدَّالِ المهملَةِ والمُعْجَمَةِ، وَهيَ: الثَّوْبُ المَصْبُوغُ.
قَوْلُهُ: ((لاَ يَدَانٍ)): أَيْ: لاَ طَاقَةَ. ((وَالنَّغْفُ)): دُودٌ.
((وَفَرْسَى)): جَمْعُ فَرِيسٍ، وَهُوَ القَتِيلُ. وَ(الزَّلَقَةُ)) بفتحِ الزَّيِ واللأَّم
وبالقَافِ، وَرُوِيَ: ((الزُّلْفَةُ)) بضمِّ الزَّي وإِسْكَانِ اللَّمِ وبالفاءِ، وهي:
المِرْآةُ. ((وَالعِصَابَةُ»: الجَمَاعَةُ. ((وَالرَّسْلُ)) بكسر الراء: اللَّبنُ.
١٠٩
(وَاللَّفْحَةُ)): اللَّبُونُ، (وَالِفِئَمُ)) بكسرِ الفاء وبعدها همزة ممدُودَةٌ:
الجَمَاعَةُ. ((وَالفَخِذُ)) مِنَ النَّاسِ: دُونَ القَبِيلَةِ.
* قوله: ((الدجال»:
(ن): ((الدجال)): المُمَوِّهُ، يقال: دَجَل فلان: إذا مَوَّهَ، ودَجَل الحقَّ
بباطِله؛ أي: غطّاه، قال ثعلب: كلُّ كذَّابٍ دَجّالٌ(١).
(ق): وبه سُمِّي الكذابُ الأعورُ، وقيل: سُمِّ بذلك؛ لضربِهِ في
الأرض، وقطعِه نواحيها، يقال: دجل الرجلُ - بالفتح والضم -: إذا فعل
ذلك(٢) .
(قض): سُمِّي دجالاً؛ لأنه يغطي الأرض بأتباعه، من الدَجْلِ، وهو
الخَلْطُ والتَّغْطِيَّةُ، ودِجْلة نهر ببغداد، فإنها غطت الأرض بمائها، أو لأنه
مطموس العين، من قولهم: دجل الأثَرُ: إذا عفا ودرس، أو لأنه كذاب،
فيكون أيضاً من الدَّجْل بمعنى: الخلط؛ فإن الدجال مُلبِّس مُخلِّط،
انتھی (٣)
سبق في (الباب الرابع والأربعين بعد المئة) بيانُ تسميته بالمسيح.
(ن): مذهب أهل الحق: أنه شخص بعينه، ابتلى اللهُ به عبادَه،
وأَقْدَرَهُ على أشياء من مَقدُورات الله تعالى؛ من إحياء الميت الذي يقتله،
ومن ظهور زهرة الدنيا والخِصْبِ معه، وجَنَّتِه ونارِه، ونهریه، واتباع كنوز
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٧٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١١٨).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٣٥٧).
١١٠
الأرض له، وأمرِه السماءَ أن تُمطِرَ فتمطر، والأرضَ أن تُنْبِتَ فتنبت، فيقع
كل ذلك بقدرة الله تعالی ومشيئته، ثم يُعْجِزُه الله تعالی بعد ذلك، فلا يقدر
على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى عليه السلام،
ويُثَبِّتُ الله الذين آمنوا، هذا مذهب أهلِ السنة، وجميع المحدثين والفقهاءِ
والنُّظَّارِ، خلافاً لمن أنكره، وأبطل أمره من الخوارج والجهمية.
وخلافاً للبخاري المعتزلي وموافقيه من الجهمية في: أنه صحيح
الوجود، ولكن الذي يفعله مَخارِفُ وخيالاتٌ لا حقائق لها، وزعموا: أن لو
كان حقاً؛ لم يوثَّق بمعجزات الأنبياء صلوات الله عليهم، وهذا غلط من
جميعهم؛ لأنه لم يَدَّعِ النُّوَّة حتى يكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي
الإلهية، وهو في نفس دعواه مُكَذِّب لها بصورة حاله، ووجود دلائل
الحُدوث [فيه]، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العَوَرِ الذي في عينيه،
وعن إزالة الشاهدِ بكفره المكتوبِ بين عينيه، ولهذه الدلائل ولغيرها لا يغتر
به إلا الرعاع من الناس؛ لشدة الحاجة والفاقة؛ رغبةً في سَدِّ الرَّمق، وخوفاً
من أذاه؛ لأن فتنته عظيمة، تدهش العقول، وتحير الألباب، مع سرعة
مروره في الأرض، فلا يمكث بحيث يتأملُ الضعفاءُ حالَه، ولهذا حذَّرَتِ
الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام من فتنته، ونبّهوا على نقصه، ودلائل إبطاله.
وأما أهل التوفيق: فلا يغترون به، ولا ينخدعون بما معه؛ لما ذكرناه
من الدلائل المُكذِّبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول الذي
يَقْتُلُه ثم يُحيِهِ: ما ازدَدْتُ فيك إلا بصيرةً، هذا آخر كلام القاضي(١).
(ق): كل ما يظهره الله على يدي الدجال مِحَنٌّ امتحنَ اللهُ بها عبادَه،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٥٨).
١١١
وإبتلاهم بها؛ ليتميز أهلُ التنزيه والتوحيد بما يدل عليه العقل السديد من
استحالة الإلهية على ذوي الأجسام، وفتنةُ الدجال نحوُ فتنةِ أهلِ المحشر
بالصورة الهائلة التي تأتيهم فتقول لهم: (أنا ربكم)، فيقول المؤمنون:
نعوذ بالله منك، انتھی(١).
ورواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) بألفاظ زائدة قال: ((معَهُ شياطينُ
يتشَبَّهُون بالأَمواتِ، يقُولونَ للحَيِّ: تعرفني؟ أنا أخوك، [أنا] أبوك، [أنا] ذو
قرابة منك، ألستُ قَدْ مُتُّ؟ هذا ربُّنًا فَاتَّبِعْهُ، فيَقْضِي اللهُ ما يَشاء منهُ) (٢).
وفي ((سنن ابن ماجه)) عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله وَآتِ،
وكان أكثر خطبته حديثاً حَدَّثَنَاهُ عن الدجال وحَذَّرَنَاهُ، فقال: ((إنَّه لم تكُنْ فِتنةٌ
في الأرضِ منذُ ذَرَّأَ اللهُ لَّ ذُرِّيَّةَ آدَمَ أَعظمَ مِن فتنةِ الدَّجَالِ، وإِنَّ اللهَ لمْ يَبعَثْ
نبيّاً إلاَّ حذَّرَ أُمّتَه الدَّجالَ، وأنا آخِرُ الأنبياءِ، وأنْتُم آخِرُ الأُمَمِ ... إنّهُ يَبدأُ
فيقولُ: أنا نَبِيٍّ، ولاَ نَبِيَّ بَعدِي، ثم يُثِّي، فيقولُ: أنا رَبَّكُم، ولاَ تَرَونَ رتَّكُم
حتَّى تَمُوتُوا .. . وإنَّ مِن فِنَتِهِ أنْ يقولَ لأَعْرابِيٍّ: أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَنْتُ لكَ أَبَاكَ
وَأُمَّكَ، أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فيقولُ: نَعَمْ، فيتَمَثَّلُ لهُ شَيطانانِ فِي صُورَةِ أبيهِ
وأُمِّهِ، ويَقُولانِ: يا بُنَّ اتَّبِعْهُ؛ فإِنَّه رَبُّكَ))(٣).
* قوله: «فخفض فیه ورفع»:
(ن): هو بتشديد الفاء فيهما، وفي معناه قولان:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٧٣).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦٣٠٥)، من حديث سلمة بن الأكوع ظه.
(٣) رواه ابن ماجه (٤٠٧٧). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٧٨٧٥).
١١٢
أحدهما: أنَّ (خَفَّضَهُ)) بمعنى: حَقَّرَهُ، و((رفَعَهُ)»: عظَّمَهُ وفَخَّمَهُ،
فمِن تحقيرِه وهَوَانِهِ على الله تعالى: عَوَرُهُ، وقولِه ◌ِنَّهِ: ((هُوَ أَهْوَنُ عَلى اللهِ
مِنْ ذَلِكَ))(١)، وأنه لا يقدر على قتل أحد إلا ذلك الرجلَ، ثم يعجز عنه،
وأنه يَضْمَحِلُّ أمره، ثم يُقتلُ بعد ذلك هو وأصحابه.
ومن تعظيمِه: هذه الأمورُ الخارقة للعادة، وأنه ما من نبي إلا وقد
أنذر قومه .
والقول الثاني: أنه خفّض من صوته في حال؛ لكثرة ما تَكَلَّم به،
فخفّض بعد طول الكلام والتعب؛ ليستريح، ثم رفع ليبلغ صوته بلاغاً(٢).
(ق): هو بتخفيف الفاء فيهما، وقد رُوِيَ بالتشديد، وهي للتضعيف
والتكثير مفخماً(٣).
* قوله : ((أخوفني عليكم)):
(ق): هذا بتخفيف الفاء بنون الوقاية، وقد رُوي ((أخوفي» بغیر نون،
وهي قليلة.
وقد وقع في ((الترمذي)): ((أَخْوَفُ لِي))(٤)، وهو وجه الكلام، وفيه
اختصار؛ أي: غيرُ الدَّجال أخوفُ لي عليكم من الدَّجال، فحُذِفَ للعلم به(٥).
(١) رواه البخاري (٦٧٠٥)، ومسلم (٢١٥٢)، من حديث المغيرة بن شعبة ﴿ه.
(٢) كذا في الأصل، وفي ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٣): ((صوته كل أحد)).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٧٦).
(٤) رواه الترمذي (٢٢٤٠)، من حديث النواس بن سمعان ◌ُه وقال: حسن صحيح
غريب .
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٧٦).
١١٣
(ن): هكذا هو في جميع نسخ بلادنا بنون بعد الفاء.
قال شيخنا الإمام أبو عبدالله بن مالك: أضاف ((أخوف)) إلى ياء المتكلم
مقروناً بنون الوقاية، وهذا الاستعمال إنما يكون مع الأفعال المتعدية .
والجواب: أن الأصل إثباتها، ولكنه أصل متروك، [فنُبِّه عليه] في
قليل من كلامهم، وأنشدوا فيه أبياتاً، منها ما أنشده الفراء:
أَمُسْلِمَتِي إِلى قَومِي شَرَاحي
فَمَا أَدْرِي وَظَنِّي كُلُّ ظَنٌّ
يعني: شراحيل، فرخَّمه في غير النداء للضرورة.
وأنشد غيره :
فإنَّ لَهُ أَضْعافَ ما كانَ أَمَّلا
ولَيسَ المُوافِي لَيَرْفِدَ خَائِباً
ولأفعل التفضيل شَبَهُ بالفعل، وخصوصاً بفعل التعجُّب، فجاز أن
تلحقه النون المذكورة في الحديث، كما لحقت في الأبيات المذكورة.
ويحتمل أن يكون معناه: أخوفُ لي، فأُبدِلَت النونُ من اللام، كما
أبدلت في (لَعَنَّ) بمعنى: (لَعَلَّ).
وأما معنى الحديث: ففيه أوجه، أظهرها: أنه من أفعل التفضيل،
وتقديره: غیر الدجال أخوف مخُوفاتي علیکم، ثم حذف المضاف إلى الياء
ومثله: ((أَخْوَفُ ما أَخافُ عَلى أُمَّتِي الأَئِمَّةُ المُضِلُّونَ)(١)، معناه: أن
الأشياء التي أخافها على أمتي أحقُّها بأن تخاف الأئمَّةُ المُضِلُّونَ.
(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٦ / ٤٤١)، من حديث أبي الدرداء ◌ُبه نحوه.
وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٥٥١).
١١٤
والثاني: أن يكون (أَخْوَفُ) مِنَ: (أَخَافَ) بمعنى: (خَوَّفَ)، ومعناه:
غيرُ الدجال أَشَدُّ مُوجِباتٍ خَوفي عليكم.
والثالث: أن يكون من باب وصف المعاني بما توصف به الأعيان
على سبيل المبالغة؛ كقولهم: شِعْرٌ شَاعِرٌ، وخَوفُ فلانٍ أَخْوفُ مِن
خَوفِك، وتقديره: خَوفُ غيرِ الدَّجال أَخْوفُ خَوفِي عليكم، ثم حذف
المضاف الأول، ثم الثاني، هذا آخر كلام الشيخ(١).
: قوله {قي: ((إن يخرج وأنا فيكم)):
(ق): هذا الكلام يدل على أن النبي وَّهِ لم يُبَيَّنْ له وقتُ خروجه،
غير أنه كان يتوقعه ويقَرِّبُه؛ ولذلك كان يقرِّب أمْرَه، حتَّى يظنوا أنه في
النخل القريب منهم(٢).
(تو): فإن قيل: أَوَ ليسَ قد ثبت في أحاديث الدجال: أنه يخرج بعد
خروج المهدي، وأن عيسى عليه السلام يقتله، إلى غير ذلك من الوقائع
الدالة على أنه لا يخرج ونبي الله بين أظهرهم، بل لا تراه القرون الأولى من
هذه الأمة؟ فما وجه قوله: ((إن يخرج وأنا فيكم))؟
قلنا: إنما سلك هذا المسلك من التورية؛ لإبقاء الخوف على
المُكلَّفين من فتنته، والملجأ إلى الله مِن شرِّه؛ لينالوا بذلك الفضلَ من الله
تعالی، ویتحقَّقُوا بالشُّحِّ علی دینھم.
(نه): ((فأنا حجيجه))؛ أي: مُحَاجُّهُ ومُغالِبُه بإظهار الحُجَّةِ عليه،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٧٦).
١١٥
والحُجَّة: الدليلُ والبرهانُ، يقال: حاجَجْتُه مُحاجَّةً، وحِجاجاً، فأنا
حَجِيجٌ، فعيل، بمعنى: مفاعل(١).
(ط): ((دونكم)): فيه إرشاد إلى أنه وَ﴿ كان في المُحاجَّةِ معه غيرَ
مُحتاج إلى مُعاونةِ مُعاونٍ من أمَّتِه في غلبته عليه بالحجة(٢).
* وقوله {اقر: «فامرؤ حجیج نفسه»:
(ق): أي: ليحتجَّ كل امرئ عن نفسه بما أَعْلَمْتُه من صفته، وبما
يدل العقل عليه من كذبه في دعوى الإلهية، وهو خبر بمعنى الأمر، وفيه:
التنبيهُ على النظر عند المشكلات، والتمُّكُ بالأدلة الواضحات(٣).
* وقوله: «والله خلیفتي علی کل مسلم)):
(ق): هذا منه وَ ل﴿ تفويضٌ إلى الله في كفاية كلِّ مسلم من تلك الفتن
العظيمة، وتوكُّلٌ عليه في ذلك، ولا شك في أن من صح إسلامه في ذلك
الوقت أنه يُكْفَى تلك الفتنَ؛ لصدق النبي ◌ِّه في توكُّلِه وصِخَّتِه؛ لضمانِ
اللهِ تعالى كفايةَ مَن توَكَّلَ عليه بقوله: ﴿وَمَنْ يَنَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ
حَسْبُهُ؟﴾ [الطلاق: ٣]؛ أي: كافيه مشَقَّةَ ما تَوَكَّلَ عليه فيه، ومُوصِلُه إلى ما
يصلحه منه، ومع هذا فقد أرشد النبي ◌ّي إلى ما يقرؤه على الدجال،
فيُؤْمَن من فتنته، وذلك عشر آيات من أول الكهف، أو من آخرِها، على
اختلاف الروايات(٤)، كما سبق في أواخر (الباب السابع بعد المئة).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٤١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٥٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٧٦).
(٤) المرجع السابق (٧ / ٢٧٧).
١١٦
(ن): ((قطط)) بفتح القاف والطاء؛ أي: شديدُ جُعودَةِ الشَعْرِ.
قال القاضي: ورويناه بكسر الطاء الأولى أيضاً، و((طافئة)) رويت
بالهمز وتركه، فالمهموزة: هي التي ذهب نورها، وغير المهموزة: التي
نَتَأَتْ وَطَفَتْ مرتفعةً، وفيها ضوء(١).
(ق): قال القاضي: هو اسم فاعل من طَفِئَتِ النارُ، تَطْفَأُ، وكأن عينَه
كانت تنيرُ كالسراج، فطَفِئَتْ؛ أي: ذهب نورها، وهذا المعنى في هذه
الرواية التي لم يُذكَرْ [فیھا] «عنبة» واضحٌ.
وأما رواية: ((كأنها عنبة طافية))(٢) فالأَولى ترك الهمز؛ فإنه شبَّهها في
استدارتها وبروزها بحبة العنب، وهو اسم فاعل من: طَفَا يَطْفُو، إذا علا -
غيرَ مهموز - فهي طافية؛ أي: فهي قائمة جاحظة.
وقد روى أبو داود من حديث عبادة الصامت عن النبي ◌َّ: أنه قال:
(إِنِّي قَدْ حَدَّثْكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أن لا تَعْقِلُوا، إنَّ المَسيحَ الدَّجَّالَ
رجلٌ قَصيرٌ أَفْحَجُ، جَعْدٌ أَعْوَرُ، مَطْمُوسُ العَينِ، ليسَتْ بِنَاتِثَةٍ ولا جَحْرَاء)(٣).
وهذا الحديث يقتضي أن عينيه ليست بالفاحشة النتوء والجحوظ،
ولا غائرة حتى كأنها في جُخْر، بل هي متوسطة بحيث يصدق عليها: أنها
قائمة وجاحظة، و((الفحج)): تباعُد ما بين الساقين(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٢٣٥) و(١٨ / ٦٠).
(٢) رواه البخاري (٥٥٦٢)، من حديث ابن عمر ظلما.
(٣) رواه أبو داود (٤٣٢٠). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٢٤٥٩).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٧٧).
١١٧
* قوله ﴿: ((كأني أشبهه بعبد العزى)):
(ط): لم يقل: كأنه عبد العزى؛ لأنه ◌َّ﴾ لم يكن جازماً في تشبيهه به.
قيل: كان يهودياً، ولعل الظاهر: أنه مشرك؛ لأن (العزى) اسم صنم،
يؤيده ما جاء في بعض الحواشي: هو رجل من خُزاعةَ، هلك في الجاهلية (١).
(ن): [((خلة)): هكذا في نسخ بلادنا، بفتح الخاء المعجمة، واللام،
وتنوين الهاء](٢).
قال القاضي: المشهور فيه ((حلة)) بالحاء المهملة، ونصبِ التاء غيرَ
مُنَوَّنةٍ، معناه: سَمْت ذلك وقُبالتَه، وهو ما بين البلدين.
(ق): وفي (كتاب الترمذي)) من حديث أبي بكر الصديق حظه قال:
حدثنا رسول الله وَلثم قال: ((يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِن أَرْضٍ بالمَشْرِقِ يُقَالُ لها:
خُراسانُ، يَتْبَعُه أَفْواجٌ كَأَنَّ وجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ)).
قال: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة، وهذا حديث حسن غريب.
ووجه الجمع بين هذا والذي قبله: أن مبدأ خروج الدجال من
خُراسان، ثم يخرج إلى الحجاز فيما بين العراق والشام.
(ن): ((عاث)) بعين مهملة، وثاء مثلثة مفتوحة، هو: فعلٌ ماضٍ،
والعَيْثُ: الفسادُ والإسراعُ فيه، يقال منه: عاثَ يَعِيثُ، وحكى القاضي عن
(١) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (١١ / ٣٤٥٣).
(٢) في الأصل: (((ن): حلة، بفتح الحاء المهملة وتنوين لها ما بين البلدين))، وهي
خطأ ظاهر، مع ما فيها من تصحيف لا يخفى على متأمِّل؛ ولذلك آثرنا إثبات
عبارة ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٥) كما هي، وجعلناها بين معكوفتين.
١١٨
بعضهم: ((فعاثٍ)) بكسر الثاء منوَّنةً، اسم فاعل، وهو بمعنى الأول.
(ق): يقال: عنا بالفتح، يعثو، وعَثِيَ بالكسر، يَعْثِي.
(شف): قيل: الصواب: ((فعاثٍ)) بصيغة اسم الفاعل؛ لكونه عطفاً
على اسمٍ فاعلٍ قبلَه، وهو ((خارج)).
(تو): إنما قال: ((يميناً وشمالاً)) إشارة إلى أنه لا يكتفي بالإفساد فيما
يطؤه من البلاد ويتوجه له من الأغوار والأنجاد، بل يبعث سراياه يميناً
وشمالاً، فلا يأمن شرَّه مؤمنٌ، ولا يخلو من فتنة موطن.
(ط): (يا عباد الله)) من الخطاب العام، أراد به من يدرك الدجال من
أمته .
قيل: هذا القول منه استمالة لقلوب أمته، وتثبيتهم على ما يعاينونه
من شرِّ الدجال، وتوطينهم على ما هم فيه من الإيمان بالله تعالى،
والاعتقاد به، والتصديق بما جاء به الرسول وَله .
(ق): ((يا عباد الله؛ اثبتوا)) أمر لمن لقي الدجال أن يثبت ويصبر؛ فإن
لُبْنَهُ في الأرض قليلٌ.
وأما من سمع به ولم يلقه: فليبعد عنه، وليفر بنفسه، كما أخرجه أبو
داود من حديث عمران بن حصين [قال]: قال رسول الله وَّهُ: ((مَن سَمِعَ
بالدَّجالِ؛ فَلْيَاً عنهُ، فَواللهِ؛ إِنَّ الرَّجلَ لِيَأْتِيهِ وهو يَحسَبُ أنَّه مُؤمِنٌ فِيَتْبَعُه؛
لِمَا بُعِثَ بهِ مِن الشُّبُهاتِ))(١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٧٩)، والحديث رواه أبو داود (٤٣١٩). وهو
حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٣٠١).
١١٩
* قوله {ۋ: (یوم کسنة ویوم کشھر ویوم کجمعة)):
(ن): هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر
المذكور في هذا الحديث، يدل عليه قوله شير: ((وسائر أيامه كأيامكم))(١).
(مظ): كما يرى أن الدورة اليومية مقسومة على أربع وعشرين
ساعة، ويزيد في إحداها وينقص من الأخرى، فيمكن أن يطول اللهُ
سبحانه، فيزيدَ في يوم واحد أجزاءَ السَّنَة، ويكون يومُهُ بِقَدْر سَنَةٍ (٢).
(ق): ظاهر هذا الحديث: أن الله تعالى يخرق له العادة في تلك
الأيام، فيُبطِّئ بالشمس عن حركتها المعتادة في أول يوم من تلك الأيام،
حتى يكون أول يوم كمقدار سَنَةٍ معتادة، ويُبطِّئ بالشمس في اليوم الثاني
حتى يكون كمقدار شهر، وبالثالث حتى يكون كمقدار جمعة، وهذا
ممكن، لاسيما [أن] ذلك الزمان تنخرق فيه العوائد كثيراً، لاسيما على
يَدَيِ الدَّجال، وقد تأَوَّله أبو الحسين بن المنادي - على ما حكاه أبو الفرج
بن الجوزي عنه - فقال: المعنى: يهجم عليكم غَمِّ عظيم؛ لشدة البلاء،
وأيام البلاء طِوال، ثم يتناقص ذلك الغمُّ في اليوم الثاني، ثم يتناقص في
الثالث، ثم يُعتادُ البلاءُ، كما يقول الرجل: اليومُ عِندي سَنَّةٌ، كما قال:
ولَيلُ المُحِبُّ بِلاَ آخِرٍ
قال أبو الفرج: وهذا التأويل يرده قولُهم: (أتكفينا فيه صلاة يوم
وليلة؟)(٣)
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٥).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ /٤١٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٧٩).
١٢٠