النص المفهرس

صفحات 41-60

٣٤٨- باب
كراهة الخروج من المسجدِ بعدَ الأذانِ
إلا بعذرٍ حَتَّى يُصلي المكتوبة
١٧٨٥ - عَنْ أَبي الشَّعْثاءِ، قال: كُنَّا قُعُوداً مَعَ أبي هُرَيْرَةَ
في المَسْجِدِ، فَأَذَّنَ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ المَسْجِدِ يَمْشِي،
فَأَنْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
أَمَّا هَذَا، فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمَِِّ. رواهُ مسلمٌ.
(الباب الخمسون بعد المئتين)
(في كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر حتى يصلي المكتوبة)
* قوله: ((أما هذا فقد عصا أبا القاسم)):
(ط): ((أما)) للتفصيل، تقتضي شيئين فصاعداً، والمعنى: أما من
ثبت في المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة؛ [فقد أطاع أبا القاسم،
وأما هذا؛ فقد عصى](١)
(ق): هذا محمول على أنه حديث مرفوع إلى رسول الله مَيقر، بدليل
ظاهر نسبته إليه في معرض الاحتجاج، وما كان يليق بواحد منهم؛ للَّذي عُلِمَ
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٣٧).
٤١

من دينهِم، وأمانتهم، وضبطهم، ويُعْدِهم عن التدليس، ومواقع الإيهام.
وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان،
فأطلق لفظ المعصية، فإذا ثبت هذا استُثْمِر منه: أن من دخل المسجد
الصلاة، فأذن مؤذن ذلك الوقت؛ حَرُمَ عليه أن يخرج منه لغير ضرورة،
حتى يصلي فيه تلك الصلاة؛ لأن ذلك المسجد تعين لتلك الصلاة، أو لأنه
إذا خرج قد قد يمنعه مانع من الرجوع إليه، أو إلى غيره، فتفوته الصلاة(١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٨١).
٤٢

٣٤٩- باب
كراهةٍ رَدّ الريحانِ لغيرِ عذرٍ
١٧٨٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ
عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ، فَلاَ يَرُدُّهُ؛ فَإِنَّهُ خَفِيفُ المَحْمِلِ، طَيِّبُ الرِّيحِ))
رواهُ مسلمٌ.
١٧٨٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴿هِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ لا يَرُدُّ
الطِّيبَ. رواهُ البُخاريُّ.
* قوله ويلة: «من عرض عليه ريحان؛ فلا يرده)):
(ن): ((فلا يرده)) بضم الدال على الفصيح المشهور، وأكثر ما يستعمله
من لا يحقق العربيةَ بفتحِها، و((الريحان)): هو كل نبت مشموم طيب الريح.
قال القاضي: ويحتمل عندي [أن يكون] المراد به في هذا الحديث:
الطيب كله، وقد وقع في رواية أبي داود: (مَنْ عُرِضَ عليهِ طِيبٌ))(١).
و((المحمل)) هنا بفتح الميم الأولى، وكسر الثانية، والمراد: الحَمْل،
(١) رواه أبو داود (٤١٧٢)، من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٦٣٩٣).
٤٣

بفتح الحاء؛ أي: خفيفُ الحَمْل ليس بثقيل(١).
(ق): أشار إلى العلة التي ترغب في قبول الطيب: وهي أنه لا مؤنة،
ولا مِنَّةَ تلحق في قبوله؛ لجريان عادتهم بذلك، ولسهولته عليهم، ولنزارة
ما يتناول منه عند العرض، ولأنه مما يستطيبه [الإنسان من نفسه، ويستطيبه] (٢)
من غيره.
(ط): أي: الهدية إذا كانت قليلة، وتتضمن نفعاً ما فلا تردوها؛ كيلا
يتأذى المُهدي(٣).
(ق): فيه من الفقه: الترغيب في استعمال الطيب، وفي عرضه على
من يستعمله(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٩).
(٢) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٥٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢٢٢٧).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٥٨).
٤٤

٣٥٠- باب
كراهةِ المدحِ في الوجه لمن خِيفَ عليه مفسدةٌ
من إعجابٍ ونحوه، وجوازِهِ لمن أُمِنَ ذلكَ فِي حَقّه
١٧٨٨ - عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴿له، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َو
رَجُلاً يُثْنِي عَلَى رَجُلِ وَيُطْرِيهِ فِي المِدْحَةِ، فَقَالَ: ((أَهْلَكْتُمْ، أَوْ:
قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ)) متفقٌ عليهِ.
وَ((الإِطْرَاءُ)): المُبَالَغَةُ فِي المَدْحِ.
* قوله رقيق: ((قطعتم ظهر الرجل)):
(ن): وفي رواية: ((قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ)) (١)، وهذا استعارة من قطع
العنق، الذي هو القتل؛ لاشتراكهما في الهلاك، لكن هذا الهلاك في الدين،
وقد يكون من جهة الدنيا لما يشتبه عليه من حاله بالإعجاب(٢).
(ق): كل ذلك بمعنى: أهلكتموه، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام:
(يَّاكُم والمَدْحَ؛ فإنَّهَ ذَبْحٌ) (٣)، يعني: أن الممدوح إذا [أُكثِر] عليه من ذلك؛
(١) رواه البخاري (٥٨١٠)، من حديث أبي بكرة حظه.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢٧).
(٣) رواه ابن ماجه (٣٧٤٣)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٩٥٣)، من حديث
معاوية . ولفظ ابن ماجه. ((إياكم والتمادح فإنه الذبح)) وهو صحيح. انظر : =
٤٥

يُخاف عليه منه العُجْبُ بنفسه، والكِبْرُ على غيره، فيهلك دینه بهاتین
الكبيرتين، فإذاً المدح مظنة الهلاك [الديني] فيحرم، ولكن هذه المظنة لا
تتحقق إلا عند الإكثار منه والإطراء به.
وأما مع الندرة إذا كان حقاً في نفسه، وأُمِنَ على الممدوح الاغترارُ
به : فیجوز.
وعلى هذا يحمل ما وقع للصحابة من مدح بعضهم لبعض مشافهة
ومُكاتبةً، ومُدِحَ النبي ◌َّهِ مشافهةً، نظماً ونثراً، ومُدح أيضاً جماعة من
أعيان الصحابة(١).
(ن): بل إذا كان فيه مصلحة، كتنشيطهم للخير، والازدياد منه،
والدوام عليه، والاقتداء به؛ كان مستحباً (٢).
١٧٨٩ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﴾: أَنَّ رَجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ لَه
فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْراً، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ
صَاحِبِكَ)) يَقُولُهُ مِرَاراً، ((إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً لاَ مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ:
أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللهِ، وَلا يُزَكَّى
عَلَى الله أَحَدٌ)) متفقٌ عليه.
= ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٦٧٤).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٢٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢٦).
٤٦

* قوله: ((لا محالة»:
(نه): في حديث قُسِّ:
لَةَ حَيْثُ صَارَ القَومُ صَائِرْ
أَيْقَنْتُ أَنِّي لاَ مَحَا
أي: لا حيلة، ويجوز أن يكون من الحول والقوة والحركة، وهي
مَفْعَلَة، وأكثر ما يستعمل ((لا محالة)) بمعنى اليقين والحقيقة، أو بمعنى
(لابُدَّ)، والميم زائدة(١).
(ق): ظاهر هذا: أنه ينبغي للإنسان أن لا يمدح أحداً ما وجد من
ذلك مندوحة.
فإن لم يجد مَدَحَهُ بما يعلم من أوصافه، ويتحرَّز الجزم والقطع بشيء
من ذلك، بل يقول: أحسب، أو أظن، ويزيد على ذلك: ولا أزكِّي على
الله أحداً؛ أي: لا أقطع بأنه كذلك عند الله؛ فإن الله تعالى هو المُطَّلع على
السرائر، العالم بعواقب الأمور(٢).
(ن): أي: لا أقطع على عاقبة أحد ولا ضميره، ولكن [أحسب]، أو
أظن؛ لوجود الظاهر المقتضي لذلك، انتهى(٣).
فعلى هذا: ((واللهُ حَسِيبُهُ))، ((ولاَ أُزَكِّي على اللهِ أَحداً) من تتمة القول،
ووقع في رواية البخاري ((ولا يُزَكِّي ... ))، فتكون مستأنفة.
(شف): ((والله حسيبه))، يعني: يحاسبه على عمله الذي يحيط بحقيقة
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٣٠٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٢٧).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢٦).
٤٧

حاله، ويعلم سرَّه، وهي جملة اعتراضية [وقوله: ((وإن كان يرى أنه كذلك))
يتعلق بقوله: ((أحسب فلاناً)، وقوله: ((ولا يزكي على الله أحداً) منعٌ له عن
الجزم، وهو عطف على قوله: ((فليقل))؛ أي من كان منكم مادحاً؛ فليقل:
أحسب فلاناً كذا، إن كان يرى أنه كذلك](١) ولا يجزم بالمدح، [ولا يزكي
على الله أحداً بالجزم بمدحه].
(ط): (والله حسيبه) من تتمة القول، [وقوله: (إن كان يرى) الجملة
الشرطية وقعت حالاً من فاعل (فليقل)]، و(على) في ((على الله)) فيه معنى
الوجوب والقطع، المعنى: فليقل أحسب فلاناً كيت وكيتَ، والله يعلم
سره، فهو يجازيه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
((ولا يزكي)) جاء بإثبات الياء، خبر في معنى النهي؛ أي: لا يكن منكم
التزكية على الله(٢).
١٧٩٠ - وَعَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ، عَنِ المِقْدَادِ ﴾: أَنَّ رَجُلاً
جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ ﴿هَ: فَعَمِدَ الِمِقْدَادُ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَجَعَلَ
يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ: عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْتُوا فِي وُجُوهِهِمْ
(١) حصل اضطراب في ترتيب الكلام في الأصل، وسقط بعض الحروف، فنقلنا عبارة
الطيبي في ((شرح المشكاة)) (١٠ / ٣١١٧)، وكذلك ما أضيف بعد هذا الموضع
فهو منه .
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١١٧).
٤٨

التُّرَابَ)) رَوَاهُ مسلمٌ.
* قوله في: ((إذا رأيتم المداحين)):
(مظ): الذين اتخذوا مدحَ الناس عادةً، وجعلوه بضاعةً، يستأكلون
به الممدوحَ.
وأما من مدح الرجل على الأمر المحمود؛ ترغيبًا له في أمثاله،
وتحريضاً للناس على الاقتداء به: فليس بَمَدَّاح.
(ن): حَمَلَهُ على ظاهره المِقدادُ، ووافقه طائفةٌ، وكانوا يَحْثُونَ الترابَ
في وجهه حقيقةً.
وقال آخرون: معناه: خَيِّبوهم، فلا تعطوهم شيئاً لمدحهم.
وقيل: إذا مُدِحْتُم فاذكروا أنكم من تراب، فتواضعوا ولا تعجبوا،
وهو ضعيف(١).
(ق): الصحابي أعرف بالحال، وأعلم بالمقال، ورأى الأولون أن
ظاهرَه جفاءٌ، وهو ◌َّ لا يأمر بالجفاء.
فقيل: معناه: خَيِّبُّوهم؛ لأن من أُعطِيَ الترابَ لم يُعْطَ شيئاً، كما في
الحديث الآخر: ((إِذا جاءَ صاحِبُ الكَلْبِ يَطْلُبُ ثَمَنَهُ؛ فامْلاً كَفَّهُ تُرابً» (٢).
وقيل: معناه: أعطه، و[لا] تبخل؛ لأن مآل كلِّ ما يُعطَى إلى التراب.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢٨).
(٢) رواه أبو داود (٣٤٨٢)، من حديث ابن عباس ﴿﴾. وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٤٦٥).
٤٩

کما قيل:
وكلُّ الَّذي فَوقَ الثُّرابِ تُرابُ
وقيل: معناه: التنبيه على أن يتذكر أن المبدأ والمنتهى الترابُ،
فليعرضه على نفسه لئلا يعجب، وعلى المداح لئلا يفرط ولا يطري، والأشبهُ
- بَعْدَ الحملِ على الظاهر - الوجهُ الأول، وما بعده ليس عليه معول(١).
(قض): قيل: أعطوهم عطاء قليلاً، فشبهه لقلته بالتراب، والإعطاء
بالحَثْيٍ، على سبيل الترشيح، أو للمبالغة [في] تقليل العطاء والاستهانة
بهم(٢).
(ط): يحتمل أن يراد: دفعه عنه، وقطع لسانه عن عرضه بما يرضيه من
الرضخ؛ لأن الدافع يدفع خصمه بحثي التراب في وجهه؛ استهانةً به(٣).
فَهَذِهِ الأحَادِيثُ في النَّهْيِ، وَجَاءَ في الإِبَاحَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ
صَحِيحَةٌ.
قَالَ العُلَمَاءُ: وَطَرِيقُ الجَمْعِ بَيْنَ الأحَادِيثِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ
المَمْدُوحُ عِنْدَهُ كَمَالُ إِيمَانٍ وَيَقِينٍ، وَرِيَاضَةُ نَفْسٍ، وَمَعْرِفَةٌ ثَمَّةٌ؛
بِحَيْثُ لا يَفْتَتِنُ، وَلا يَغْتَرُّ بِذَلِكَ، وَلاَ تَلْعَبُ بِهِ نَفْسُهُ، فَلَيْسَ بِحَرَامِ،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٢٩).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٣٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١١٧).
٥٠

وَلاَ مَكْرُوهٍ، وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ، كُرِهَ مَدْحُهُ في
وَجْهِهِ كَرَاهَةٌ شَدِيدَةً، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ تُنَزَّلُ الأحادِيثُ المُخْتَلِفَةُ
فِي ذَلِكَ.
وَمِمَّا جَاءَ فِي الإِبَاحَةِ: قَوْلُهُ وَّهِ لِأَبِي بَكْرِ عُه: «أَرْجُو أَنْ تَكُونَ
مِنْهُمْ)؛ أَيْ: مِنَ الذينَ يُدْعَوْنَ مِنْ جَمِيعِ أَبْوَابِ الجَنَّةِ لِدُخُولِهَا، وفي
الحَدِيثِ الآخَرِ: (لَسْتَ مِنْهُمْ)؛ أَيْ لَسْتَ مِنَ الَّذِينَ يُسْبِلُونَ أُزُرَهُمْ
خُیَلاَءَ.
وَقَالَ رَ﴿ِ لِعُمَرَ ◌َ﴿ه: ((مَا رَاكَ الشَّيْطَانُ سَالِكاً فَجّاً إِلَّ سَلَكَ
فَجّأَ غَيْرَ فَجِّكَ)).
وَالأحَادِيثُ فِي الإِبَاحَةِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْتُ جُمْلَةً مِنْ أَطْرَافِهَا
فِي كِتَابٍ: ((الأَذْکارِ)).
* قوله ◌َ لأبي بكر ﴿ه: ((أرجو أن تكون منهم))، سبق في (الباب
الثاني والثلاثين بعد المئة).
* وقوله له: ((إنك لست ممن يفعله خيلاء))، سبق في (الباب الثاني
بعد المئة).
* وقوله ◌َّي لعمر: ((ما لقيك الشيطان سالكاً)): فجاء إشارة إلى ما في
((الصحيحين)) عن سعد بن أبي وقاص حظيبه قال: استأذن عمر بن الخطاب ر ◌ُته
على رسول الله وَّجُ، وعنده نسوة من قريش يُكَلِّمْنَهُ ويَسْتَكْثِرْنَهُ، عاليةً أصواتُهن،
فلما استأذن عمر قُمْنَ یبتدرن الحجاب، فدخل عمر ورسول الله ێ يضحك،
٥١

فقال: أضحك الله سِنَّكَ يا رسول الله، فقال رسول الله وَّهِ: (عَجِبْتُ مِن
هَؤلاءِ اللَّتِي كُنَّ عِندِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجابَ)).
فقال: عمر يا عدواتِ أنفسِهن، أَتَهَبْنَنِي، ولا تَهَبْنَ رسول الله ◌ِِّ؟!
فقلن: نعم، أنت أفظُ وأغلظ.
فقال رسول الله وَله: إِيهِ يا بنَ الخَطَّابِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! ما لَقِيَكَ
الشَّيطانُ سالِكاً فَجَّأَ قَطُّ؛ إلاَّ سَلَكَ فَجَّأَ غَيْرَ فَجِّكَ))(١).
(١) رواه البخاري (٥٧٣٥)، ومسلم (٢٣٩٦/ ٢٢).
٥٢

٣٥١- باب
كراهةِ الخروج من بلدٍ وقعَ فيها الوباءُ
فراراً منه، وكراهة القدوم علیهِ
قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْكُمْ فِى بُرُوجِ
٠
◌ُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
* وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
(الباب الحادي والخمسون بعد المئتين)
(في كراهة الخروج من بلد وقع فيه الوباء فراراً منه، وكراهة القدوم عليه)
(ن): ((الوباء)» مهموز مقصور وممدود، لغتان، القصر أفصح وأشهر،
و((الطاعون)): قروح تخرج في الجسد، فتكون في المرافق، أو الآباط، أو
الأيدي، أو الأصابع، وسائر البدن، ویکون معه ورم وألم شديد، وتخرج
تلك القروح مع لهيب، ويَسْوَدُّ ما حواليه، أو يَخْضَرُّ، أو يَحْمَرُّ حمرةً
بَنَفْسَجِيَّةَ كَدِرةً، ويحصل معه خفقان القلب والقيء.
قال الخليل وغيره: الوباء: هو الطاعون.
وقال المحققون: إنه مرض لكثيرين من الناس في جهة من الأرض دون
سائر الجهات، ويكون مخالفاً للمعتاد من الأمراض في الكثرة وغيرها، ويكون
مرضهم نوعاً واحداً، بخلاف سائر الأوقات؛ فإن أمراضهم فيها مختلفة.
٥٣

قالوا: كلُّ طاعون وباءٌ، وليس كل وباء طاعوناً(١).
: قوله تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ اَلْمَوْتُ ﴾ [النساء: ٧٨]؛ أي: أنتم
صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو أحد من ذلك، سواء جاهد، أو
لم يجاهد، فإن له أجلاً محتوماً، وأمراً مقسوماً.
قال خالد بن الوليد حين جاءه الموت: لقد شهدت كذا وكذا موقفاً،
وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعن أو رمية، وها أنا أموت
على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء(٢).
وقوله: ﴿مُشَيِّدَةٍ﴾؛ أي: حصينة منيعة، عالية رفيعة.
وقيل: هي بروج السماء، وهو ضعيف؛ أي: لا يغني تَحَصُّن من
الموت(٣).
(الثعلبي): الأجل متى انقضى فلا بد من زوال الروح، ومفارقتِها
الأجسادَ، فإن كان ذلك بالقتل، وإلا فبالموت، خلافاً لما قالت المعتزلة:
من أن هذا المقتول لو لم يقتله هذا القاتل؛ لعاش، فوافقوا بقولهم هذا
الكفار والمنافقين.
ورد الله عليهم جميعاً هذا بتبكيت الذين قالوا: ﴿لَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا
اُلْفِنَالَ﴾ [النساء: ٧٧]، فقال تعالى: ﴿قُلّ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا
نُظَلَمُونَ فَئِيلًا (٦) أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٧ - ٧٨]، فبيَّن تعالى:
أنه لا خلاص لهم من الموت، والجهاد موتٌ مُستْعقِبٌ لسعادة الآخرة،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٠٤)
(٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٦ / ٢٧٣).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ١٦٣).
٥٤

فإذا كان لا بد من الموت، فأن يقع على وجه يكون مستعقباً للسعادة
الأبدية؛ كان أولی(١).
* قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
(م): ((التهلكة)) تَفْعِلَةٌ من الهلاك، والمراد بالأيدي: الأنفسُ، كقوله:
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿فَيِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
وقال آخرون: [فيه] حذف، والتقدير: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم
إلى التهلكة، انتهى(٢).
استشهد المصنف بالآية الأولى على كراهة الفرار من الوباء والطاعون،
فإنه إن حان حينه؛ لم ينفعه الفرار، وإن كان في الأجل فسحة؛ لا تضره
الإقامة بينهم، ويفوز بأجر الشهادة.
وبالآية الثانية على كراهة القدوم إلى بلد وقع فيه الوباء؛ رعاية للاحتياط
والحذر، وحفظاً لإيمانه بسابق القدر، وإلا فالفرار والقدوم بالنسبة إلى
القدر سیّانِ .
١٧٩١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿﴾: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﴿هُ خَرَجَ
إلى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ، لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ - أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ
الجَزَّاحِ وَأَصْحَابُهُ -، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، قَالَ ابْنُ
(١) انظر: ((تفسير الثعالبي)) (٣/ ٣٤٦)، و(تفسير الرازي)) (١٠ / ١٤٩).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٥/ ١١٦).
٥٥

عَبَّاسِ: فَقَالَ لِي عُمَرُ: ادْعُ لِي المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَدَعَوْتُهُمْ،
فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ
بَعْضُهُمْ: خَرَجْتَ لِأَمْرٍ، ولاَ نرى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضهُمْ:
مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِوَِّ، وَلاَ نَزَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ
عَلَى هَذَا الوَبَاءِ. فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِيَ الأنْصَارَ،
فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا
كَاخْتِلاَفِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِيَ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ
مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ
رَجُلاَنٍ، فَقَالُوا: نَرَى أَن تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلاَ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الوَبَاءِ،
فَنَدَى عُمَرُ ◌ّ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ،
فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ هِ: أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللهِ؟! فَقَالَ عُمَرُ ﴾:
لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةً ! - وكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلاَفَهُ -، نَعَمْ، نَفَرُّ مِنْ
قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ، فَهَبَطَتْ وَادِياً لَهُ
عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ، والأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ
رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ الله؟ وَإِنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، قَالَ: فَجَاءَ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﴾، وَكَانَ مُتَغَيِّباً في بَعْضٍ حَاجَتِهِ، فَقَالَ:
إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْماً: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلِ يَقُولُ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ
بِهِ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا
٥٦

فِرَاراً مِنْهُ»، فَحَمِدَ الله تَعَالى عُمَرُ ﴾، وانْصَرَفَ. متفقٌ عليهِ.
والعُدْوَةُ: جَانِبُ الوادي.
* قوله: ((أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام)):
(ق): هذا الخروج من عمر ه بعدما فتح بيت المقدس سنة سبع
عشرة، وكان يتفقد أحوال رعيته، ففيه بيان ما يجب على الإمام من تفقّد
أحوال رعيته، ومباشرة ذلك بنفسه والسفر إلى ذلك، وإن طال(١).
(ن): ((سرغ)) بسين مهملة مفتوحة، ثم راء ساكنة، ثم غين معجمة.
وحكى القاضي وغيره: فتحَ الراء، والمشهور إسكانُها، ويجوز صرفه
وتركه، وهي قرية في طرف الشام مما يلي الحجاز(٢).
(ق): هي قرية بتبوك بينها وبين المدينة ثلاثَ عشرةَ مرحلةً(٣).
(ن): المراد بـ «الأجناد)» هاهنا: مدن الشام الخَمْسُ، وهي فلسطینُ،
والأردنُّ، ودمشقُ، وحِمْصُ، وقِنَّسْرِينُ، هكذا فسروه واتفقوا عليه.
ومعلوم أن فلسطين اسم لناحية بيت المقدس، والأردن اسم لناحية
بيسان وطبرية وما يتعلق بهما، ولا يضر إطلاق اسم المدينة عليه، وهذا الوباء
الذي وقع بالشام في زمان عمر حبه كان طاعوناً، وهو طاعون عَمَواس، بفتح
العين والميم، قرية معروفة بالشام بين الرملة وبيت المقدس، نُسِبَ الطاعون
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٦١٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٠٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٦١٦).
٥٧

إلیھا لکون بدئه منها .
وقيل: لكونه عَمَّ الناسَ وتَوَاسَوْا فيه، مات خمسة وعشرون ألفاً،
انتھی(١).
مات فيها أبو عبيدة بن الجراح، وبعدما رجع عمر ومعاذُ بن جبل.
خَرَّج أبو حذيفة عن أبي موسى ظه: أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في
الطاعون الذي وقع في الشام: أنه قد عرضت حاجة عندنا، ولا غنى منها
عنك، فإذا أتاك كتابي هذا؛ فإني أعزم عليك: إن أتاك كتابي ليلاً؛ أن لا
تُصبحَ حتى تركب، وإن أتاك كتابي نهاراً؛ أن لا تُمْسِيَ حتى تركب إلي.
فلما قرأ الكتاب قال: عرفتُ حاجةَ أمير المؤمنين، يريد أن يَسْتَبْقِيَ
من ليس بباقٍ، ثم كتب إليه: قد عرفتُ حاجتَك التي قد عرضت لك،
فحَلِّلْني من عَزْمَتِكَ يا أمير المؤمنين، فإني في جند من أجناد المسلمين، لا
أرغب بنفسي عنهم.
فلما قرأ عمر الكتاب؛ بكى فقيل له: مات أبو عبيدة؟ فقال: لا .
وكان قد كتب إليه عمر: أن الأردن أرض غَمِقَةٌ، وأن الجابية أرض
نَزِهَةٌ، فاظْهَرْ بالمسلمين إلى الجابية.
فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال: هذا نسمعُ فيه أمير المؤمنين ونطيعُه.
وعن عروة بن الزبير: أن طاعون عَمَواس كان معافىّ منه أبو عبيدة بن
الجراح وأهله.
فقال: اللهم؛ نَصِيبَكَ في آل أبي عبيدة، فخرجت بَثْرةٌ في خنصر أبي
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٠٨).
٥٨

عبيدة، فجعل ينظر إليها.
فقيل له: إنها ليست بشيء، فقال: إني لأرجو أن يبارك الله فيها، إنه
إذا بارك الله في القليل كان كثيراً، فتوفي منها بالأردن، وفيها قبرُه، وصلى
عليه معاذ بن جبل، ونزل في قبره معاذٌ، وعمرُو بن العاص.
وقيل: لما وقع الطاعون؛ قال عمرو بن العاص: إنه رِجْزٌ، فتفرَّقوا
عنه، فبلغ شُرَحْبِيلَ بنَ حَسَنَةً.
فقال: صحبتُ رسولَ الله وَِّ، وعمرٌو أضلُّ من بعير أهله، إنه دعوة
نبيكم، ورحمة من ربكم، وموت الصالحين قبلكم، فاجتمعوا له ولا
تتفرقوا عنه، فبلغ ذلك عَمْراً، فقال: صدق.
قوله: ((وبقية الناس)) :
(ك): أي: بقية الصحابة، وإنما قال كذلك تعظيماً لهم؛ أي: كأنَّ
الناسَ لم يكونوا إلا الصحابةَ.
قال الشاعر :
هُمُ القَومُ كُلُّ القَومِ يا أُمَّ خَالِدِ
وعطف ((أصحاب)) على (الناس)) عطفٌ تفسيري، و((تقدمهم)) من
الإقدام، بمعنى التقديم، والغرض: أنا لا نرى أن تجعلهم قادمين عليه(١).
· قوله ◌َّيقى: ((ادع لي المهاجرين الأولين)): فدعاهم، ثم دعا
الأنصار، ثم مَشْيَخَةَ قريش مِن مُهاجِرَةِ الفتحِ .
(ن): إنما رتبهم هكذا على حسب فضائلهم.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢١/ ١٥).
٥٩

قال القاضي: والمراد بالمهاجرين الأولين: من صلى للقبلتين، فأما
من لم يُسْلِمْ إلا بعد تحويل القبلة؛ فلا يُعَدُّ فيهم.
قال: وأما مهاجرة الفتح: فقيل: هم الذين أسلموا قبل الفتح؛ إذ لا
هِجْرةَ بَعْدَ الفَتْحِ.
وقيل: هم مُسْلِمَةُ الفتح الذين هاجروا بعده، فحصل لهم اسم دون
الفضيلة .
قال: وهذا أظهر؛ لأنهم الذين يطلق عليهم: مَشْيَخَةُ قريش(١).
(ق): (المشيخة): الشيوخ، وهي بكسر الشين، وإنما أخَّرهم عمر
لتأُّرهم في الإسلام والهجرة، لكن استشارهم، ولم يختلف عليه منهم
أحد، فترجَّح عندَه رأيُهم(٢).
(ن): كان رجوع عمر لرجحان طرف الرجوع بكثرة القائلين به، وبأنه
أحوط، ولم يكن تقليداً لمُسْلمة الفتح؛ لأن بعض المهاجرين الأولين،
وبعض الأنصار أشاروا بالرجوع، وانضم إلى ذلك رأي مشيخة قريش، فكثر
القائلون به، مع ما لهم من السنِّ والخبرةِ، وكثرةِ التجارب، وسدادِ الرأي،
وحجةُ الطائفتين واضحة مبينة، وهما مستَمِدَّان من أصلين في الشرع:
أحدهما: التوكل والتسليم للقضاء.
والثاني: الاحتياط والحذر، ومجانبة أسباب الإلقاء باليد إلى التهلكة،
والصحيح: أن عمر ظُ قصد الرجوع أولاً بالاجتهاد، ثم بلغه حديث
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٠٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٦١٧).
٦٠