النص المفهرس

صفحات 21-40

* قوله: «خلوق» :
(ن): بفتح الخاء المعجمة، طيب مخلوط، و((العارضان)): هما
جانبا الوجه، فوقَ الذَّقَن إلى ما دون الأذن، وإنما فعلت هذا؛ لدفع صورة
الإحداد(١).
(ق): أصل العوارض: الأسنان، وسُمِّيت الخدود عوارضَ؛ لأنها
عليها، من باب تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره(٢).
(نه): ((الحَدُّ»: المنعُ، والفصلُ بين الشيئين، وأَحَدَّتِ المرأة على
زوجها: تُحِدُّ، فهي مُحِدٌّ، وحَدَّتْ تَحُدُّ، بالضم، وتَحِدُّ بالكسر، فهي
حادٌّ: إذا حزنت عليه، ولبست ثياب الحزن، وتركت الزينة (٣).
(ن): يقال: أَحَدَّتْ، وحَدَّتْ، وقال الأصمعي: لا يقال إلا: أحدت،
رباعياً، يقال: امرأة حادٌّ، ولا يقال: حادَّةٌ(٤).
(ق): كل ما يصاغ من (ح د) كيفما تصرف هو راجع إلى معنى المنع(٥).
(ن): فيه دليل على وجوب الإحداد على المعتدة من وفاة زوجها، وهو
مجمع عليه في الجملة، وإن اختلفوا في تفصيله، فيجب على كلِّ مُعتدَّة عن
وفاة، سواء المدخولُ بها وغيرها، والصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب،
والحرة والأمة، والمسلمة والكافرة، هذا مذهب الشافعي والجمهور.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ١١٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٢٨٣).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٥٢).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ١١١).
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٢٨٣).
٢١

وقال أبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثور، وبعض المالكية: لا يجب
على الكتابية، بل يختص بالمسلمة؛ لقوله وَّه: ((لا يحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ باللهِ
واليومِ الآخِرِ))، فخصّه بالمؤمنة.
ودليل الجمهور: أن المؤمن هو الذي يستمر خطاب الشارع عليه،
وینتفع به، وينقاد له.
وقال أبو حنيفة: لا إحدادَ على الصغيرة، و[لا] على الزوجة الأمة.
وجوابه: أن الصغيرة من الزوجات لما كانت نادرة؛ أُلْحِقَتْ بالغالب
في وجوب العدة والإحداد.
والتقييد بأربعة أشهر وعشراً خرج على غالب المعتدات اللاتي يعتدِدْنَ
بالأشهر.
أما إذا كانت حاملاً: فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد حتى تضع،
سواء قَصُرت المدةُ أم طالت.
وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشر وإن
[لم] تضع الحمل.
والحكمة في وجوب الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق: أن الزينة
والطيب يستدعيان النكاح، فنُهيت عنه؛ ليكون الامتناع من ذلك زاجراً عن
النكاح، لکون الزوج ميتاً لا یمنع محدته من النكاح، ولا يراعیه ناکحها،
ولا يخاف منه، بخلاف المُطَلَّقِ الحيِّ؛ فإنه يُستغنى بوجوده عن زاجر آخر.
ولهذه العلة وجبت العدة على كلِّ متوفىّ عنها، وإن لم تكن مدخولاً
بها .
وجُعلت أربعة أشهر وعشراً؛ لأن في الأربعة ينفخ الروح في الولد إن
٢٢

كان، والعشر احتياطاً، ولم يُوكَلْ ذلك إلى أمانة النساء، ويُجعلْ بالأقراء
کالطلاق؛ لما ذكرنا(١).
* قوله: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت
فوق ثلاث» :
(ن): فيه دلالة لجواز الإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام فما دونها،
انتھی(٢).
وإنما رخص لهن في الثلاث؛ لضعفهن وقلة صبرهن عند الصدمة
الأولى.
وأما الرجال: فهم بمعزل عن تغيير اللباس والهيئة والتزيين [كما]
نرى المُحِدَّاتِ، وأين الرجال الأقوياء الشداد من الجزع والإحداد؟!
ولقد أحسن القائل:
وتلكَ الغَواني للبُّكَا والمَآتِمِ
خُلِقْنا رجالاً للتَّجَلُّدِ والأَسَى
سَلُوتَ على الأيامِ مِثْلَ البهائِمِ
إذا أَنْتَ لم تَسْلُ اصْطِباراً وحِسْبَةً
(ق): ((ثلاث)) يعني به: الليالي، ولذلك أنَّث العدد، فللمرأة أن
تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى
آخر ثالثتها، فإن مات حَميعُها في بقية يومٍ، أو ليلة ألغتها، وحسبت من
الليلة المستأنفة .
وفاعل ((لا يحل)) المصدرُ المستفاد من ((أن تحد))؛ أي: الإحدادُ،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ١١٢).
(٢) المرجع السابق (١٠ / ١١٣).
٢٣

و((أربعة)) منصوب على الظرف، والعامل فيه (تحد)(١).
(ط): فعلى هذا الاستثناءُ منقطعٌ، والتقدير: لا تحد امرأة على ميت
فوق ثلاث، لكن تحد على زوج.
وإذا جعل متصلاً، كان قوله: ((أربعة أشهر)) منصوباً بمقدر؛ بياناً
لقوله: ((فوق ثلاث))؛ أي: أعني، أو أذكر، فهو من باب قولك: ما
اخترت إلا منكم رفيقاً؛ لكون ما بعد (إلا) شيئين، فيقدم المفسِّر؛ يعني:
((أربعة أشهر)) على الاستثناء.
تقديره: لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث - أعني: أربعة أشهر - إلا
على زوج.
أو من قولك: ما ضرب أحدٌ أحداً، إلا زيدٌ عمراً(٢).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٢٨٣)
(٢) انظر: ((المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢٣٧١).
٢٤

٣٤٥- باب
تحريم بيع الحاضرِ للبادي،
وتَلَقّي الرُّكبانِ، والبيعِ على بيع أخيه،
والخطبة على خطبته، إلا أن يأذن، أو يرد
١٧٧٥ - عَنْ أَنَسِ ﴿ه، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَلِ أَنْ يَبِيعَ
حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِهِ وَأُمَّهِ. متفقٌ عليه.
* قوله: «نھی أن یبیع حاضر لباد)»:
(ن): هذا الحديث يتضمن تحريم بيع الحاضر للبادي.
وبه قال الشافعي والأكثرون: والمراد به: أن يقدم غريبٌ من البادية
بمتاع تَعُمُّ الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول له بلَدَيٌّ: اتركه عندي
لأبيعه علی التدریج بأغلى منه.
قال أصحابنا: وإنما يحرم بهذه الشروط، ويشترط أن يكون عالماً
بالنهي، فلو لم يعلم بالنهي، أو كان المتاع مما لا يُحتاج إليه في البلد، أو
لا يؤثر فيه؛ لقلَّة ذلك المجلوب؛ لم يحرم، ولو خالف وباع الحاضر
للبادي؛ صح البيع مع التحريم(١).
(ك): لأن النهي راجع إلى أمر خارج عن نفس العقد(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ١٦٤).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٠ / ٢٦).
٢٥

(ن): وقال بعض المالكية: يفسخ البيع ما لم يَفُتْ.
وقال عطاء ومجاهد وأبو حنيفة: يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقاً؛
الحديث: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))(١).
قالوا: وحديث النهي عن بيع الحاضر للبادي منسوخ.
قال بعضهم: إنه [على] كراهة التنزيه بمجرد الدعوى(٢).
(ق): واختلف في شراء أهل الحاضرة للبادي، فقيل بمنعه؛ قياساً
على البيع لهم.
وقيل: يجوز ذلك؛ لأنه لما صار ثمنُ سلعته بيده عيناً؛ أشبه أهل
الحضر، انتهى(٣).
وقوله: ((وإن كان أخاه لأبيه وأمه)): يفيد المبالغة والتأكيد في النهي
عن بيع الحاضر للبادي؛ أي: وإن كان أحبّ الناس إليه وأقربهم رحماً، زاد
مسلم في بعض الروايات: (دَعُوا العِبادَ، يَرِزُقُ اللهُ بعضَهُم مِن بعضٍ))(٤).
(ط): ((حاضر)) [جنس] ومن ثَمَّ أعاد ضمير الجمع في ((دعوا))، وفيه
التفات، وفائدة الالتفات هاهنا الزجرُ والتوبيخ؛ لأن أهل السوق ينتظرون
الجالب؛ ليشتروا منه، فیبیعوا من أهل البلد قليلاً قليلاً، فیرزقوا من فضل الله،
فإذا فعل السِّمْسار هذا؛
(١) رواه مسلم (٥٥)، من حديث تميم الداري
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ١٦٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٦٨).
(٤) رواه مسلم (١٥٢٢ / ٢٠) من حديث جابر .
٢٦

فقد قطع رزقَهم، فيستحق الزجرَ والتوبيخ لذلك(١).
*
١٧٧٦ - وعن ابن عمرَ ﴾، قال: قالَ رسولُ اللهِ ◌ِّهِ:
(لاَ تَتَلَقَّوا السَّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلى الأَسْوَاقِ)). متفقٌ عليهِ.
١٧٧٧ - وعن ابن عباسٍ ﴾، قال: قالَ رسُولُ الله ◌َلّى:
(لاَ تَتَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ)) فقالَ لَهُ طَاوسٌ: مَا لاَ
يَبيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قال: لاَ يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً. متفقٌ عليهِ .
* قوله في: ((لا تتلقوا السلع)»:
(ق): وفي رواية: ((لا تتلَقَّوا الرُّكْبانَ))(٢)، وفي رواية: ((لا تتلَقَّوْا
الجَلَبَ))(٣)؛ أي: لا تخرجوا لِلِقاء الرفاق القادمة بالسِّلع، فتشتروها قبل أن
تبلغ الأسواق(٤).
(ن): مذهب الشافعي ومالك والجمهور: تحريم تلقي الركبان.
وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يجوز التلقي، إذا لم يضرَّ بالناس، فإن
أضرَّ؛ ◌ُرِهَ.
والصحيح الأول؛ للنهي الصريح.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢١٤٥).
(٢) رواه البخاري (٢٠٤٣)، ومسلم (١٥١٥) من حديث أبي هريرة ـ
(٣) رواه مسلم (١٥١٩ / ١٧)، من حديث أبي هريرة څ.
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٦٥).
٢٧

وشرط التحريم: أن يعلم النهيَ عن التلقي، ولو لم يقصد التلقي،
بل خرج لشغل، فاشترى منهم؛ ففي تحريمه وجهان لأصحابنا، وقولان
لأصحاب مالك، أصُّهما عند أصحابنا: التحريم؛ لوجود المعنى.
قال المازَري: فإن قيل: المنع من بيع الحاضر للبادي سببُه: الرِّفْقُ
بأهل البلد، واحتمل فيه غبن البادي، والمنعُ من التلقي: أن لا يغبن
البادي؛ ولهذا ثبت له الخیار إذا أتی السوق.
فالجواب: أن الشرع ينظر في مثل هذه المسائل إلى مصلحة الناس،
والمصلحة: أن ينظر للجماعة على الواحد، لا للواحد على الجماعة.
ولما كان في التلقي إنما ينتفع [المتلقي] خاصة، وهو واحد في
قبالة واحد؛ لم يكن في إباحة التلقي مصلحة، لاسيما ويضاف إلى ذلك
علة ثانية، وهي لُحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم
بالرُّخْصِ، وقطع المواد عنهم، وهم أكثر من المتلقي، فنظر الشرع لهم
عليه، فلا تناقض بين المسألتين، بل هما متفقتان في الحكمة
والمصلحة (١).
* قوله: ((لا یکون له سمساراً):
(نه): هو اسم للذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطاً؛ لإمضاء
البيع والشراء (٢).
(ك): أي: لا يكون الحاضر سمساراً للبدوي، وحينئذ يصير أعمّ،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ١٦٣)
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٠٠).
٢٨

ويتناول البيع والشراء(١).
٠
٠٠
١٧٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرة ◌َ﴿ه، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ أَنْ
يَبيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِهِ،
وَلا يَخْطُبُ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ، وَلا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ
مَا فِي إِنَائِهَا .
وفي رِوَايَةٍ: قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِلَّهِ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبْتَاعَ
المُهَاجِرُ لِلأَعْرَابِيِّ، وَأَنْ تَشْتَرِطِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَأَنْ يَسْتَامَ
الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أخِيهِ، وَنَهَى عَنِ النَّجَشِ وَالنَّصْرِيَةِ. متفقٌ عليه.
* قوله : ((ولا تناجشوا ولا يبع الرجل على بيع أخيه))، سبق في
(الباب السابع والعشرين).
* قوله ويقي: ((ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه)):
(ق): (الخطبة): بالكسر هي: استدعاء التزويج، والكلامُ فيه،
وبالضمِّ: هي كلام الخطباء(٢).
(ن): أجمعوا على تحريم الخِطبة على خطبة أخيه، إذا كان قد صُرِّح
للخاطب بالإجابة، ولم يأذَنْ له ولم يَتْرُكْ، فلو خطب على خطبته وتزوج
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٠ / ٢٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ١٠٧).
٢٩

والحالة هذه؛ عصی، وصح النكاح، ولم يفسخ، وإليه ذهب الجمهور.
وقال داود: يفسخ النكاح.
وعن مالك روایتان کالمذهبین.
وقال جماعة من أصحاب مالك: يفسخ قبل الدخول لا بعده، أما إذا
عُرِّضَ له بالإجابة، ولم يُصرَّح؛ ففي تحريم الخطبة على خطبته قولان
للشافعي، أصحهما : لا يحرم.
وقال بعض المالكية: لا يحرم حتى يرضَوا بالزوج، ويُسَمُّوا المهرَ،
واستدلوا بحديث فاطمة بنت قيس: أنها قالت: خطبني أبو جهم ومعاوية،
فلم ينكر النبي ◌َّ خطبة بعضهم على بعض، بل خَطَبها لأسامة.
والجواب: لعل الثانيَ لم يعلم بخِطبة الأول، وأما النبي ◌َّ: فأشار
بأسامة، لا أنه خَطَب له(١).
* وقوله وَتليفزي: ((على خطبة أخيه):
قال الخطابي: ظاهر اختصاص التحريم بما إذا كان الخاطب مسلماً،
فإن كان كافراً؛ فلا تحريم، وبه قال الأوزاعي.
وقال جمهور العلماء: تحرم(٢) الخِطبة على خطبة الكافر أيضاً، ولهم
أن يجيبوا عن الحديث: بأن التقييد بـ ((أخيه)) خرج على الغالب، فلا يكون
له مفهوم يُعمَل به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ إِمْلَقٍ﴾ [الأنعام:
١٥١]، ونظائره.
وقال ابن القاسم المالكي: تجوز الخطبة على خطبة الفاسق.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٩٨).
(٢) في الأصل: ((لم تحرم))، والمثبت من ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٩٨).
٣٠

(ط): التحريم إنما هو إذا أجاب الوليُّ الخاطبَ، حيث لا يشترط
رضا الزوجة.
وحيثُ يشترط؛ فيعتبر أن تجيب الزوجةُ ووليُّها، فحينئذ يحرم(١).
* قوله وقال: ((لا تسأل المرأة طلاق أختها»:
(ن): يجوز [في] (تسأل) الضم والكسر.
الأول: على الخبر الذي يراد به النهي، وهو المناسب لقوله نزَل هـ
قبله: ((لا يَخْطِبُ)) و ((ولا يَسُومُ)).
والثاني: على النهي الحقيقي.
ومعناه: نهي المرأة الأجنبية أن تسأل الزوجَ طلاقَ زوجتِه، وأن ينكحها
ويصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ونحوها ما كان للمطلقة، فعبر عن
ذلك بإكفاء ما في الصَّحْفَةِ مجازاً.
قال الكسائي: أكفأتُه: إذا كَبْتَهُ، وكفَأْتُه: أَمَلْتُهُ، والمراد بـ ((أختها)):
غيرُها، سواء أختها من النسب، أو أختها في الإسلام، أو كافرة(٢).
(قض): نهى المخطوبة عن أن تسأل الخاطب طلاقَ التي في نكاحه،
وسمّاها أختاً؛ لأنها أختُها في الدين؛ لتميل إليها وتتحنن عليها، واستقباحاً
للخصلة المنهي عنها .
* وقوله: ((لتكفأ ما في إنائها)):
وفي رواية: ((لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَها)»، وكلاهما بمعنى واحد؛ أي: تجعلها
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٢٨٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٩٣).
٣١

فارغة، لتفوز بحظُّها فإن ما قُدِّر لها منه لا يزيد بذلك(١).
(ق): ((تكتفى) من: كَفَأْتُ القِدْرَ، إذا فَرَغْتَها، وهذا مثلٌ لإمالة
الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها.
وقيل: هو كناية عن الجماع، والرغبة في كثرة الولد، والأوَّل
أولی .
زاد مسلم في رواية: ((ولتنكِحْ، فإنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللهُ لَهَا))(٢)؛ أي:
لتنكح ولا تشترط طلاقَ الضرة، فإن الله تعالى إن كان قدّر أن تنفرد بذلك
الزوج؛ وصلت إلى ذلك.
وإن لم يقدِّر؛ لم ينفعها الشرط، فقد يُطَلِّقُ الضرةَ، ثم يردُّها، فلا
يحصل للمشترطة مقصودُها(٣).
(ط): شبَّه النصيبَ والبَخْتَ بالإناء، وحظوظَها وتمتُّعاتِها بما يُوضع
في الإناء من الأطعمة اللذيذة، وشبَّه الافتراق عن المُسبَّبَ عن الطلاق
بإكفاء ذلك الإناء عن تلك الأطعمة - أي: إفراغه - ثم أدخل المشبّه في
جنس المشبّه به، واستعمل في المشبّه ما كان مستعمَلاً في المشبّه به من
الألفاظ، وقوله: ((لتنكح)) تجريدٌ للاستعارة؛ لأنه مناسب للمُشبّه.
ولو قيل: لتنال ما وَضع في صحفتها؛ لكان من جملة الاستعارة [أو
ترشيحاً لها إن حُمِلَتْ] على المُصَرَّحة، أو المَكْنِيَّة، فحينئذ يناسبُ النصيبَ
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٣٤٧).
(٢) رواه مسلم (١٤٠٨ / ٣٨)، من حديث أبي هريرة ظته.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ١٠٤).
٣٢

والبختَ قولُهِ: ((فإنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا))(١).
* قوله: ((وأن يستام الرجل على سوم أخيه)):
(ن): ((السوم على سوم أخيه)): هو أن يكون [قد اتفق] مالكُ السلعةِ،
والراغبُ فيها على البيع، ولم يعقداه، فيقول آخرُ للبائع: أنا أشتريه.
وهذا حرام بعد استقرار الثمن، وأما السوم في السلعة التي تباع فيمن
یزید؛ فليس بحرام(٢).
* قوله: ((ونهى عن النجش والتصرية):
(ن): ((النجش)) بنون مفتوحة، ثم جيم ساكنة، ثم شين معجمة: هو
أن يزيد في ثمن السلعة لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيرَه ويَغُرَّه؛ ليزيد
ويشتريها، وهذا حرام بالإجماع، والبيع صحيح، والإثم مُخْتَصٌّ بالناجش،
إن لم يعلم به البائع .
فإن واطأه على ذلك؛ أَثِما جميعاً، ولا خيار للمشتري، إن لم يكن
من البائع مواطأةٌ، وكذا إن كانت في الأصح؛ لأنه قصَّر [في الاغترار].
وعن مالك رواية: أن البيع باطل.
وأصل النجش: الاستثارة، ومنه: نَجَشْتُ الصيدَ، أَنْجُشُه، بالضم،
نَجْشاً، إذا أَثَرْتَه، وسُمِّي الناجش في السلعة ناجشاً؛ لأنه يثير الرغبة فيها،
ویرفع ثمنها.
قال الشافعي: ((التصرية)): أن يربط أخلاف الشاة أو الناقة، ويترك
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٢٨٧)، والحديث رواه البخاري (٤٨٥٧)،
من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) النووي (١٠ / ١٥٨).
٣٣

حلبها اليومين والثلاثة، حتى يجتمع لبنها، فيزيد مشتريها في ثمنها بسبب
ذلك؛ لظنه أنه عادة لها .
وقال أبو عبيد: هو من صَرَى اللبنَ في ضرعها؛ أي: حَبَسَهُ، وأصل
التصریة: حبس الماء.
قال: ولو كان [مِن] الربط ؛ لكانت مصرورة، أو مصرَّرة.
قال الخطابي: وقول أبي عبيد حسنٌ، وقول الشافعي صحيحٌ، واستدل
بقول مالك بن نويرة :
مُصَرَّرَةً أَخْلاَفُها لَمْ تُحَرَّدِ
فقُلْتُ لِقَومِي هَذِهِ صَدَقاتُكُم
قال: [ويحتمل] أن أصل المصراة مُصَرَّرَة، أبدلت إحدى الرائين
ألفاً، كقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: دسَّسَها، كرهوا
اجتماع ثلاثه أحرف(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ١٥٩ - ١٦٢).
٣٤

٣٤٦- باب
النهي عن إضاعةِ المالِ
في غيرِ وجوهِه التي أذنَ الشرغ فیھا
١٧٨١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((إنَّ
اللهَ تَعَالَى يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثَاً، وَيَكْرَه لَكُمْ ثَلاَثَاً: فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ
تَعْبُدُوهُ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً،
وَلاَ تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةً
المَالِ)) رواه مسلمٌ، وتقدّم شرحُه.
* قوله ويفي: ((إن الله يكره لكم قيل وقال))، سبق في (الباب الحادي
والأربعين).
١٧٨٢ - وَعَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ
المُغِيرَةُ فِي كِتَابٍ إِلى مُعَاوِيَةَ ﴾: أَنَّ النَّبيَّ ◌َهَ كَانَ يَقُول في دُبُرِ
كُلِّ صَلَةٍ مَكْتُوبَةٍ: ((لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَه المُلْكُ،
وَلَه الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ،
٣٥

وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعَ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»، وَكَتَبَ إِلَيْهِ:
أَنَّ كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَكَانَ
يَنْهَى عِنْ عُقُوقِ الأمَّهَاتِ، وَوَأَدِ البَنَاتِ، وَمَنْع وَهَاتِ. متفقٌ عَلَيْهِ،
وسبقَ شرحُه.
* وقوله: ((اللهم لا مانع لما أعطيت))، سبق في (الباب الرابع والأربعين
بعد المئة).
٣٦

٣٤٧- باب
النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاحٍ ونحوه،
سواءٌ كان جاداً، أو مازحاً، والنهي عن تعاطي السيفِ مسلولاً
١٧٨٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿، عَنْ رَسُولِ اللهِ، قَالَ:
(لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ إِلى أَخِيهِ بِالسَّلاَحِ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي؛ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ
يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَقَعَ في حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» متَّفقٌ عليْهِ.
وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: قَالَ أَبَّو القَاسِمَِهَ: ((مَنْ أَشَارَ إلى
أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَنْزِعَ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأبِيهِ
وَأُمِِّ».
قَوْلُهُ فَه: (يَنْزِعُ) ضُبِطَ - بالعَيْنِ المُهْمَلَةِ مَعَ كَسْرِ الزَّاي،
وبالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مع فتحِها -، ومعناهما مُتَقَارِبٌ، وَمَعْنَاهُ - بِالمُهْمَلَةَ -:
يَرْمِي، - وبالمُعجَةِ -: أَيْضاً يَرْمِي وَيُفْسِدُ، وَأَصْلُ النَّزْعِ: الطَّعْنُ
وَالفَسَادُ.
· قوله يتلقى: ((لا يشير أحدكم)):
(ن): هكذا في جميع النسخ ((لا يشير)) بالياء بعد الشين، وهو نهي بلفظ
الخبر، كقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] وهذا أبلغ من
٣٧

لفظ النهي، وقوله: ((ينزع))، بالعين المهملة؛ أي: يرمي به في يده،
ويحقق ضَرْبتَه.
وروي في غير ((مسلم)) بالغين المعجمة، وهو من الإغراء؛ أي: يحمل
على تحقيق الضرب به، ويزين ذلك(١).
(تو): نزغُ الشيطانِ: إغراؤه، ويحتمل أن يكون المعنى: يطعن في
يده، من قولهم: نزغه بكلمة؛ أي: طعن فيه.
(قض): ويكون إسناده إلى الشيطان [من] إسناد الفعل إلى مُسبِِّهِ(٢).
(ط): الجوهري: نزع في القوس - بالمهملة - مدَّها (٣).
(قض): معناه: أنه يرمي به كائناً في يده(٤).
(ط): فعلى هذا ((في يده)) حال من الضمير المجرور المقدر، وعلى
تقدير الجوهري: الظرف متعلق بالفعل على منوال قول الشاعر:
يَجْرَحْ فِي عَراقِبِهِا نَصْلِي
أي: يوقع نزعه في يد المشير، فيستوفيه بما أمكن، منه قوله تعالى:
﴿وَالنَّزِعَتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١]، النازعات: أيدي الغزاة تنزع القِسِيَّ بإغراق
السهام، والفاء في قوله: ((فيقع)) فصيحةٌ؛ أي: ينزع في يده فيقتله،
فيستوجب النار، فیقع في حفرتها.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٧٠).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٤٨٧).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٤٨٨).
(٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٤٨٦).
٣٨

وقوله: ((لعل الشيطان)) مفعول ((يدري))، ويجوز أن يكون نازلاً منزلة
اللازم، فنفى الدِّراية عنه رأساً، ثم استأنف بقوله: ((لعل))(١).
(قض): [يريد به] النهيَ عن الملاعبة بالسلاح، فلعل الشيطان يدخل
بين المُتلاعبين، فيصير الهزلُ جِداً، واللِّعاب حرباً، فيضرب أحدهما
الآخر فيقتله، فيدخل النار بقتله(٢).
* قوله {﴾﴾: «فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان»:
(ن): هكذا هو في عامة النسخ، وفيه محذوف تقديره: حتی یدعه،
وكذا وقع في بعض النسخ(٣) .
(ق): لم يذكر المجرور بـ (حتى) استغناء عنه؛ [لدلالة الكلام
عليه]، تقديره: حتى يترك، أو يدع، وما أشبهه(٤).
(ن): فيه تأکیدُ حرمةِ المسلم، والنھيُ الشدید عن ترویعه وتخويفه،
والتعرُّض له بما قد يؤذيه.
وفي قوله ◌َ﴿: ((وإن كان أخاه لأبيه وأمه)) مبالغةٌ في إيضاح عموم
النهي، سواء فيه من يُتَّهم، ومن لا يُنَّهم، وسواء كان هزلاً، أو لعباً، أو
لا ؛ لأن ترویع المسلم حرام بکل حال.
ولأنه قد يسبقه السلاح كما قد صرح به في الرواية الأخرى، ولَعْنُ
الملائكةِ له يدل على أنه حرام(٥) .
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٤٨٨).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٤٨٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٦٩).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٠١).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٧٠).
٣٩

(ط): ((وإن كان أخاه)) تتميم لمعنى الملاعبة، وعدمِ القصد في
الإشارة، فبدأ بمطلق الأُخُوَّة، ثم قيده بالأُخُوَّة للأب والأم؛ ليُؤْذِن بأن
اللعب المُعَرَّى عن شائبة القصد، إن كان حكمه كذا؛ فما ظنك بغيره(١)؟!
(ق): وجه اللعن: أنه يريد قتلَ المسلم أو جَرحَه، وكلاهما كبيرة،
وأما إن كان هازلاً؛ فلأنه ترويع المسلم، ولأنه ذريعة إلى القتل والجرح
المُحرَّمين، وقد صرح في الرواية الأخرى على صحة مراعاة الذريعة(٢).
١٧٨٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﴿هِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ أَنْ يُتَعَاطَى
السَّيْتُ مَسْلُولاً. رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حَسَنٌّ.
* قوله: ((نهى رسول الله وَ ﴿ أن يتعاطى السيف مسلولاً)):
(نه): (التعاطي): التناول والجراءة على الشيء، مِن: عطا الشيء،
يَعْطُوه: إذا أخذه وتناوله، وهذا شبيه بنهيه ◌ِِّ أن يُقَدّ السَّيرُ بين إصبعين.
والقَدُّ: القطع طولاً، كالشق، والسَّير: ما يُقَدُّ من الجلد؛ أي: يقطع،
وإنما نهى عنه لئلا تَعْقِرَه الحديدة(٣).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢٤٨٩/٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٠١).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٥٩) و(٤/ ٢١).
٤٠