النص المفهرس

صفحات 641-660

رواية لمسلم : «فابْدَؤُوا بالعَشاءِ، ولا يَعْجَلَنَّ حتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ»(١) دليلٌ على
امتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق الأحمر، وفي قوله: ((حتَّى يَفْرُغَ
مِنْهُ)) دليلٌ على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله، وهذا هو الصواب، وأما
ما تأوَّله بعض أصحابنا على أنه يأكل لُقَماً يكسر بها شِدَّةَ الجوع: فليس
بصحيح، وهذا الحديث صريح في إبطاله(٢).
(ق): قال القاضي: أجمع العلماء على أنه من بلغ به ما لا يعقل [به]
صلاته ولا يضبط حدودها أنها لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك في
الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها(٣).
(ط): ((لا)) الأولى لنفي الجنس، و((بحضرة طعام)) خبرُها، و((لا))
الثانية زائدة للتأكيد، عطفت الجملة على الجملة، وقوله: ((هو)) مبتدأ،
و((يدافعه)) خبره، وفيه حذف، تقديره: ولا صلاةَ حينَ هو يدافعه الأخبثان
فيها؛ يعني: الرجل يدفع الأخبثين حتى يؤدي الصلاة، والأخبثان يدفعانه
عن الصلاة، ويجوز أن تحمل المدافعة على الدفع مبالغة، ويجوز أن
يحذف اسم [(لا)] الثانية وخبرها، وقوله: ((هو يدافعه)) حال؛ أي: ولا
صلاة للمصلي وهو يدافعه الأخبثان، ويؤيده رواية ((النهاية)): ((لا يُصلِّي
الرجلُ وهُو يُدافِعُ الأَخْبَيْنِ)»(٤).
(١) رواه مسلم (٥٥٩/ ٦٦)، من حديث ابن عمر
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٤٦).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٦٥).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤/ ١١٢٩)، و((النهاية في غريب الحديث)) لابن
الأثير (٢ / ٥).
٦٤١

٣٣١- باب
النهي عن رفعِ البصرِ إلى السماءِ في الصلاة
١٧٥٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴿ِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ٍِّ:
(مَا بَالُ أَقْوَامِ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلى السَّمَاءِ فِي صَلاتِهِمْ؟!))؛ فَاشْتَدَّ
قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: ((لَيَبْتُهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ!»
رواه البخاريُّ.
* قوله: ﴿: ((أو لتخطفن أبصارهم))، وفي رواية: ((أَوْ لاَ ترجِعُ
إِليهِمْ)) (١):
(ن): فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، وقد نُقُل الإجماعُ
في النهي عن ذلك.
قال القاضي: واختلفوا في كراهية رفع البصر إلى السماء في الدعاء في
غير الصلاة، فكرهه شُرَيحٌ وآخرون، وجوَّزه الأكثرون، قالوا: لأن السماء
قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ولا يكره رفع الأبصار إليها، كما لا
يكره رفع اليدين، قال الله تعالى: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: ٢٢](٢) .
(١) رواه مسلم (٤٢٨ / ١١٧)، من حديث جابر بن سمرة ظ
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٢).
٦٤٢

(ق): هذا وعيد بإعماء من يرفع رأسه إلى السماء في الصلاة؛ لأنه
إذا رفع بصره؛ أعرض عن القبلة، وخرج عن سَمْتِها، وعن هيئة الصلاة.
وحكى الطبري كراهةَ الرفع في الدعاء في غير الصلاة.
وحُكيَ عن شُريح أنه قال لمن رآه يفعله: اكْفُفْ يدَك، واخفضْ
بصرَك؛ فإنك لن تراه ولن تناله.
وأجازه الأكثرون، وقد رفع رسول الله ◌َلاي وجهه ويديه إلى السماء
عند الدعاء(١).
(ط): (أو) في قوله: ((أو لتخطفنَّ)) للتخيير تهديداً، مثلها في قوله
تعالى: ﴿نُقَيِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌ﴾ [الفتح: ١٦]؛ أي: يكون أحد الأمرين، إما
المقاتلة، وإما الإسلام، لا ثالث لهما، وهو خبر في معنى الأمر في قوله
تعالى: ﴿لَنُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآَ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاً﴾ [الأعراف:
٨٨]؛ أي: ليكونن في أحد الأمرين، إما إخراجكم، وإما عودكم في الكفر.
والمعنى: ليكونن منكم الانتهاءُ عن الرفع، أو خَطْفُ الأبصار عند
الرفع من الله تعالى(٢).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ /٦٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٧٠).
٦٤٣

٣٣٢- باب
كراهةِ الالتفاتِ في الصلاة لغيرِ عذرٍ
١٧٥٥ - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهَِه
عَنِ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ: ((هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ
صَلاةِ العَبْدِ)) رواهُ البُخاريُّ.
* قوله ويقي: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان)):
(ط): ((اختلاس)): [الاختلاس] الافتعال من الخَلْسِ، وهو السَّلْبُ(١).
(قض): الخُلْسة: ما يؤخذ سَلْباً مُكابرةً.
(مظ): يعني: من التفت في الصلاة يميناً ويساراً، ولم يحوِّل صدرَه
عن القبلة؛ لم تبطل صلاته، لكن يَسلُبُ الشيطانُ كمالَ الصلاة، وإن حوَّله
بطلتْ(٢).
(ط): المعنى: من التفت في الصلاة يميناً وشمالاً؛ ذهب عنه
الخشوع المطلوب بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: ٢]،
فاستُعير لذهاب الخشوع («اختلاس الشيطان)) تصويراً لقبح تلك الفِعْلَة،
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ١٨٤).
٦٤٤

أو أن المصلي حينئذ مستغرق في مناجاة ربه، وأنه تعالى مقبل عليه،
والشيطان كالراصد ينتظر فواتَ تلك الحالة عنه، فإذا التفتَ المصلي؛
اغتنم الفرصة، فيَخْتَلِسُها منه(١).
١٧٥٦ - وَعَنْ أَنَسِ ﴿ه، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِيَّاكَ
وَالالْتِفَاتَ في الصَّلاةِ؛ فَإِنَّ الالتِفَاتَ في الصَّلاةِ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ
لا بُدَّ، فَفَي التَّطَوُّعِ، لا في الفَرِيضَةِ».
رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ.
* قوله : ((فإن الالتفات في الصلاة هلكة»:
(هَلَكَةٌ)، [بفتحتين، أي: هلاك؛ لأنه طاعة للشيطان، وهو سبب
الهلاك، قال ميرك: الهلاك](٢) على ثلاثه أوجه:
افتقاد الشيء عندك، وهو عند غيرك موجود، كما في التنزيل: ﴿هَلَكَ
عَنِّ سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩].
والثاني: هلاك الشيء باستحالته وفساده، كقوله تعالى: ﴿وَيُّهْلِكَ
اُلْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
والثالث: الموت، كقوله تعالى ﴿إِنِ أَمْرُؤُّ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ, وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦].
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٧٠).
(٢) ثَمَّةَ اضطراب في الأصل، وقد آثرنا نقل عبارة ((مرقاة المفاتيح)) (٣/ ٧٠) لملا
علي القاري، فهي أسبك وأكثر فائدة.
٦٤٥

(ط): (الهلكة) في الحديث من القسم الثاني؛ لاستحالة كمالِ الصلاة
بالالتفات، وهي الاختلاس المذكور في الحديث السابق، انتهى (١).
عن أبي ذر قال: قال رسول الله وَ﴾: ((لا يَزالُ اللهُ مُقبِلاً على العَبدِ
فِي صَلاتِهِ ما لم يَلْتَفِتْ، فإذا صَرَفَ وجهَهُ؛ انْصَرفَ عَنهُ))، رواه أحمد، وأبو
داود، والنسائي، وابن خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم وصَحَّحَهُ (٢).
وروى جابر بن عبدالله [رضي الله] عنهما قال: قال رسول الله وَله: ((إذا
قَامَ الرجلُ فِي الصَّلاةِ؛ أَقْلَ اللهُ عليهِ بوجهِهِ، فإذا الْتَّفَتَ؛ قالَ: يابنَ آدمَ؛ إلى
مَن تلفِتُ؟! إلى مَن هُو خيرٌ لكَ منِّي؟! أَقَبِلْ عَليَّ، فإذا التَفَتَ الثانيةَ؛ قال
مثلَ ذلك، فإذا التَفَتَ الثالثةَ؛ صرفَ اللهُ تعالى وجهَهُ عنهُ)، رواه البزار(٣).
وعن أبي الدرداء عَظُه قال: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((مَن توضأ
فأحسَنَ الوضوءَ، ثم صلَّى ركعَتَيْنِ فَدَعا ربَّه، إلا كانَتْ دعوتُهُ مُستجابةً،
مُعجَّلةً أو مُؤخّرة، وإِيَّكُم والالتفاتَ فِي الصَّلاةِ؛ فإِنَّه لا صلاةَ لِمُلْتَفِتٍ، فإن
غُلِيتُم في التَّطوُّع؛ فلا تُغلَبُوا في الفَريضةِ))، رواه الطبراني في ((الكبير).
ورُويَ عنه ◌َّهِ: ((مَن قامَ إلى الصَّلاةِ فالتَفَتَ رَدَّ اللهُ عليهِ صلاتَهُ)) (٤).
(١) المرجع السابق (٣/ ١٠٧٥).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ١٧٢)، وأبو داود (٩٠٩)، والنسائي (١١٩٥)،
وابن خزيمة في («صحيحه» (٤٨٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٨٦٢). وهو حديث
حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٥٥٤).
(٣) وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٠٢٤).
(٤) وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٢٩١).
٦٤٦

٣٣٣- باب
النهي عن الصلاة إلى القبورِ
١٧٥٧ - عَنْ أَبِي مَرْقَدٍ كَنَّازِ بْنِ الحُصَيْنِ ﴿﴾، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((لا تُصَلُّوا إِلى القُبُورِ، وَلا تَجْلِسُوا عَلَيْها))
رواه مسلمٌ.
* قوله ◌َلة: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها»:
(ن): يحرم القعود على القبر، وكذا الاستناد إليه، والاتكاء عليه، وفي
((الصحيح)): ((لأَنْ يجلِسَ أحدُكُم على جَمْرٍ خيرٌ مِنْ أَنْ يجلِسَ على قَبْرِ)(١)،
وسيأتي قريباً.
(ق): ((لا تصلوا إليها))؛ أي: إلى القبور؛ أي: لا تتخذوها قِبلةً،
وهذا مثل نهيه عن اتخاذ قبره وي ﴿ مسجداً، وفي ذم اليهود بما فعلوا من
ذلك، وكل ذلك لقطع الذريعة أن يعتقد الجُهَّالُ في الصلاة إليها أو عليها
الصلاة لها، فيؤدي إلى عبادة مَن فيها، كما كانت السببَ في عبادة
الأصنام(٢).
(١) رواه مسلم (٩٧١)، من حديث أبي هريرة ﴿ه، بنحوه.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦٢٨).
٦٤٧

(ط): جمع بين النهي عن الاستخفاف العظيم بالقعود عليها ونحوه،
والتعظيمِ البليغ بالصلاة إليها؛ لأنه من مرتبة المعبود(١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤٠٧).
٦٤٨

٣٣٤- باب
تحريم المرورِ بينَ يدي المصلّي
١٧٥٨ - عَنْ أَبي الجُهَيْم عَبْدِ الله بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ
الأَنْصَارِيِّ ◌َهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ
يَدَىِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْراً لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ
بَیْنَ يَدَیْهِ».
قَالَ الرَّاوِي: لا أَدْرِي قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْماً، أو أَرْبَعِينَ شَهْراً، أَوْ
أَرْبَعِينَ سَنَةٌ. متفقٌ عليه.
* قوله قي: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي)):
(ط): (بين)) ظرف لـ ((المار))، وقوله: ((ماذا عليه)) سدَّ مَسَدَّ المفعولين
لـ «يعلم))، وقد عُلِّقَ عملُه بالاستفهام(١).
(ك): أبْهَمَ الأمرَ؛ ليدل على الفخامة، وأنه مما لايُقْدَرُ قَدْرُه، ولا
يدخل تحت العبارة، وجواب ((لو)) ليس هو المذكورَ؛ إذ التقديرُ: لو يعلم
ماذا عليه؛ لوقف أربعين، ولو وقف أربعين؛ لكان خيراً له.
(١) المرجع السابق، (٣/ ٩٧١).
٦٤٩

فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة؟
قلتُ: أسرارُ أمثالها لا يعلمها إلا الشارع، ويحتمل أن يكون ذلك؛
لأن الغالب في أطوار الإنسان أن كمالَ كلِّ طَورٍ بأربعين، كأطوار النطفة، فإن
كلَّ طَورٍ منها بأربعين يوماً، وكمالُ عقل الإنسان في أربعين سنة، ثم الأربعة
أصل جميع الأعداد؛ لأن أجزاءه هي عشرة، ومن العشراتِ المئاتُ، ومن
المئاتِ الألوفُ، فلما أريد التكثيرُ؛ ضوعف كلٌّ إلى عشرةِ أمثالِهِ(١).
قوله: ((لا أدري)» :
(تو): عن الطحاوي في ((مشكل الآثار)): أن المراد أربعون عاماً،
لا شهوراً وأياماً، واستدل بحديث أبي هريرة: أنه وَ ﴿ قال: «لَو يَعلَمُ الَّذي
يَمُرُّ بِينَ يَدَي أَخِيهِ مُعتَرِضاً، وهُو يُناجِي ربَّه عزَّ وجلَّ، لكانَ أنْ يَقِفَ مكانةً
مئةَ عامٍ خيراً لهُ مِنَ الخُطوةِ الَّتِي خَطاها))(٢)، انتهى.
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: رواه ابن ماجه بإسناد صحيح،
وابن خزيمة، وابن حبان في ((صحيحيهما)(٣).
قال: وروى ابن عبد البر في ((التمهيد)) موقوفاً عن عبدالله بن عمر ؟
لأَنْ يكونَ الرَّجلُ رَمَاداً يُذْرَى بهِ خيرٌ له مِن أنْ يمرَّ بينَ يَدَيِ المُصلِّي(٤).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ١٦٣).
(٢) رواه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١ / ٨٤) ورواه أيضاً الإمام أحمد في ((المسند))
(٢/ ٣٧١)، وإسناده ضعيف كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة).
(٣) رواه ابن ماجه (٩٤٦)، وابن خزيمة في صحيحه (٨١٤)، وابن حبان في ((صحيحه))
(٢٣٦٥).
(٤) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (١ / ٢١٤)، والحديث رواه ابن عبد البر
في ((التمهيد)) (٢١/ ١٤٩)، من حديث عبدالله بن عمرو قـ
٦٥٠

فإن كان بين يدي المصلي سُتْرةٌ؛ اختصَّ المارُّ بالإثم، وإن لم يكن،
وكان المصلي في موضع لا يؤمن المرور عليه؛ اشتركا في الإثم.
٦٥١

٣٣٥- باب
كراهة شروع المأموم في نافلةٍ
بعدَ شُروعِ المؤذنِ في إقامةِ الصلاةِ،
سواءٌ كانتِ النافلةُ سنةَ تلكَ الصلاةِ، أو غيرِها
١٧٥٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، قَالَ: ((إِذَا أُقِيمَتِ
الصَّلاةُ، فَلَا صَلاةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةُ)) رواه مسلمٌ.
* قوله : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)):
(ن): فيه النهي الصريح في افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة، سواء كانت
راتبة، كسنة الصبح والظهر والعصر وغيرها، هذا مذهب الشافعي والجمهور
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا لم يكن صلى ركعتي سنة الصبح؛
صلاَها بعد الإقامة في المسجد، ما لم يخش فواتَ الركعة الثانية.
وقال الثوري: ما لم يخش فواتَ الركعة الأولى.
وقالت طائفة: يصليهما خارج المسجد، ولا يصليهما بعد الإقامة في
"المسجد .
وفي ((صحيح مسلم)): عن ابن بُحَينَةَ قال: أقيمت صلاة الصبح، فرأى
رسول الله وَّ رجلاً يصلي والمؤذن يقيم، فقال: ((أَتُصلِّي الصُّبحَ أَرْبعاً؟!))(١)،
(١) رواه مسلم (٧١١ / ٦٦).
٦٥٢

هو استفهام إنكار، ومعناه: لا يُشرعَ بعد الإقامة للصبح إلا الفريضة، فإذا
صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة، ثم صلى معهُم الفريضةَ؛ صار في معنى من
صلى الصبح أربعاً؛ لأنه صلى بعد الإقامة أربعاً.
قال القاضي: والحكمة في النهي عن صلاة النافلة بعد الإقامة: أن
لا يتطاول عليه الزمان، فيظن وجوبها، وهذا ضعيف، بل الصحيح أن
الحكمة فيه: أن يتفرغ للفريضة من أولها [فيشرع فيها]عقبَ شروع الإمام،
فإذا اشتغل بنافلة؛ فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض مُكمِّلات الفريضة،
فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها.
قال القاضي: وفيه حكمة أخرى: وهي النهي عن الاختلاف على الأئمة (١).
(ق): ظاهر النهي: أنه لا تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة، وبه
قال أبو هريرة، وأهلُ الظاهر، ورأوا أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه المكتوبة.
ورُويَ عن عمر بن الخطاب: أنه كان يضرب على صلاة الركعتين
بعد الإقامة(٢)، وذهب مالك إلى: أنه إذا أقيمت عليه المكتوبة وهو في
نافلة، فإن كان ممن تَخِفُّ عليه ويتمُّها بأم القرآن وحدَها؛ فَعَلَ ولا يقطع،
وإن لم يكن كذلك قطع، ويمكن أن يستنبط من قوله ◌َّهِ: ((أَتُصلِّي الصُّبحَ
أَرْبعاً)): أنَّ ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال؛ صحَّت؛ لأنه عليه
السلام لم يقطع عليه مع تمكنه من ذلك(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٢٢٢).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٧٣٣٦) من حديث ابن عباس
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ /٣٤٩).
٦٥٣

٣٣٥/ م- باب
كراهةٍ تخصيصٍ يوم الجمعةِ بصيامٍ،
أو ليلته بصلاةٍ من بینِ الليالي
١٧٦٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ِ، عَنِ النَّبِيِّ: ﴿، قَالَ: ((لاَ تَخُصُّوا
لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلا تَخُصُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ
بَيْنِ الأَامِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ)) رواه مسلمٌ.
* قوله : ((لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا
يوم الجمعة بصيام من بين الأيام»:
(ن): فيه النهي الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين
الليالي، وهذا متفق على كراهته، واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة
المبتدعة التي تسمى: الرَّغائبَ، قاتل الله واضعها ومخترعها؛ فإنها بدعة
منكرة من البدع التي هي ضلالة وجَهالة، وفيها منكرات ظاهرة، وقد
صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها، وتضليلٍ مُصلِيُها
ومبتدعِها، ودلائلُ قُبْحِها وبطلانِها أكثرُ من [أن] تحصر.
وفي هذا الحديث أيضاً دلالة ظاهرة لقول جمهور أصحاب الشافعي
وموافقيهم: أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم، فإن وصله بیوم قبله، أو
٦٥٤

بعده، أو وافق عادةً له، بأن نذر أن يصوم يومَ شفاءِ مريضِهِ أبداً، فوافق يوم
الجمعة؛ لم يكره لهذه الأحاديث، وأما قول مالك في ((الموطأ)»: لم أسمع
أحداً من أهل العلم والفقه ممن يُقتدى به ينهى عن صوم يوم الجمعة،
وصیامُه حَسَنٌ، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه کان يتحرّاه(١).
فهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيرُه خلافَ ما رأى هو،
والسنةُ مقدَّمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة،
فتعين القول به.
قال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكاً هذا الحديثُ، ولو
بلغه؛ لم يخالفه.
والحكمة في النهي: أن يومَ الجمعة يومُ دعاءٍ وذكر وعبادةٍ، من
الغسل، والتبكير إلى الصلاة، وانتظارها، واستماع الخطبة، وإكثار الذكر
بعدها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ وَأَبْثَغُواْ مِن
فَضْلِ اَللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة: ١٠]، وغيرِ ذلك من العبادات في
يومها، فاستُحِبَّ الفطرُ فيه؛ ليكون أَعْوَنَ له على هذه الوظائف، وأدائها
بنشاط وانشراح لها، والتذاذ بها، من غير ملل ولا سآمة، وهو نظير الحاجٌ
يومَ عرفة، فإن السُّنَّةَ له الفطرُ.
فإن قيل: لو كان كذلك لم يَزُلِ النهيُّ والكراهة بصومٍ قبلَه، أو بعده؛
لبقاء المعنى.
فالجواب: أنه يحصل [له] بفضيلة الصوم الذي هو قبله أو بعده ما
يجبر ما قد يحصل من فتور، أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب
(١) انظر: ((الموطأ)» للإمام مالك (١ / ٣١١).
٦٥٥

صومه، فهذا هو المعتمد في الحكمة في النهي عن إفراد صوم الجمعة.
وقيل: سببه خوفُ المبالغة في تعظيمه، بحيث يفتتن به، كما افتُتِنَ
قومٌ بالسبت، وهذا ضعيف منتقض [بصلاة الجمعة] وغيرها مما هو
مشهور من وظائفٍ يوم الجمعة وتعظيمِه.
وقيل: سبب النهي لئلا يُعتقَدَ وجوبُه، وهذا ضعيف منتقض بيوم
الاثنين، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء(١).
(ك): وقيل: الحكمة في النهي: أن لا يتشبه باليهود في إفرادهم
صوم يوم الاجتماع في مَعبَدِهم، فإن قلت: ما وجه نصب ((إلا يوماً))؛ إذ لا
يصح الاستثناء من يوم الجمعة، ولا يصح أيضاً جعله ظرفاً لـ((يصوم))؟
قلت: هو ظرف [لـ((يصوم))] المقدَّر، أو ((يوماً) منصوب بنزع
الخافض، وهو باء المصاحبة؛ أي: بيوم.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ /١٩ -٢٠).
٦٥٦

٣٣٦- باب
تحريم الوصال في الصومِ،
وهو أن يصوم يومين أو أكثرَ،
ولا يأكل ولا يشرب بينهما
١٧٦٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وعَائِشَةَ ﴾: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ نَهَى عَنِ
الوِصَالِ. متفقٌ عليه.
* قوله: ((نهى عن الوصال))، سبق في (الباب السابع والعشرين).
٦٥٧

٣٣٧- باب
تحريم الجلوس على قبر
١٧٦٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِصَلِّ: ((لَأَنْ
يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ، فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ،
خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلى قَبْرِ) رواه مسلمٌ.
* قوله : ((لأن يجلس أحدكم على جمرة))؛ أي: لأن يُصاب
المرءُ بالتلف في ماله، والجرح في بدنه، والألم في قلبه خيرٌ له من
الاستخفاف بقبر أخيه المسلم وإهانته؛ وذلك أنهم في ديارهم أحياءٌ، يُسلّمُ
علیهم، ويُحتَرمُون کما كانوا في الدنيا.
واستحب بعض العلماء خلعَ النعال عند زيارة القبور؛ احتراماً لهم،
ولما رواه أبو داود عن بشير بن الخصاصية قال: بينما أنا أماشي رسول الله واله
إذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال: ((يا صاحِبَ السِّبْتِيَتَيْنِ؛ [وَيَحَكَ]:
أَلْقِ سِبْنِيَيْكَ))(١).
فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله رَّليو؛ خلعهما فرمى بهما.
(١) رواه أبو داود (٣٢٣٠). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)
(٧٩١٣).
٦٥٨

قال الخطابي: رُويَ أن النبي ◌َّه رأى رجلاً اتكأ على قبر فقال: ((لا تُؤْذِ
صاحِبَ القَبْرِ))(١).
وفي ((سنن ابن ماجه)) بإسناد جيد عن عقبة بن عامر قال: قال
رسول الله وَله: ((لأَنْ أَمشِي على جَمْرةٍ، أو سَيفٍ، أو أَخصِفَ نَعْلِي بِرِجْلِي؛
أَحَبُّ إِليَّ مِن أَنْ أمشِيَ على قَبٍ)»(٢).
وعن عبدالله بن مسعود : لأن أطأ على جمرة أحبُّ إليَّ من أن
أطأ على قبرِ مُسلم، رواه الطبراني في ((الكبير))، من رواية ابن لهيعة(٣).
(ط): ((فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده)): جعل الجلوس على القبر،
وسِراية مَضَرَّتِه إلى قلبه - وهو لا يشعر - بمنزلة سِراية النارِ من الثوب إلى
الجلد، ثم إلى داخله(٤).
(ق): بعض العلماء حمله على ظاهره من الجلوس، ورأى أن القبر
يُحترَم كما يُحترَم المسلم المدفون فيه، فيُعامل بالأدب وبالتسليم عليه،
ومنهم من تأوَّله على أنه كناية إلقاء الحدث في القبور، وهو تأويلُ مالكٍ،
ولا شك في أن التَّخَلَّيَ على القبور ممنوع، إما بهذا الحديث، وإما بغيره،
كحديث المَلاعِنِ الثلاثِ؛ فإنه مجلس الزائر للقبر، فهو في معنى التَّخَلِّي
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٦٥٠٢)، من حديث عمارة بن حزم . وهو
حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٦ / ١١١٦).
(٢) رواه ابن ماجه (١٥٦٧). وهو حديث صحيح. انظر: ((إرواء الغليل)) (٦٣).
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٩/ ١٩٧). وهو صحيح. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب» (٣٥٦٥).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤٠٧).
٦٥٩

في الطرق، ولأن ذلك استهانة بالميت المسلم، وأذىّ لأوليائه الأحياء(١).
(تو): حمله جماعة على الجلوس على القبر لقضاء الحاجة، ورُويَ
هذا المعنى عن زيد بن ثابت، وهو قوله: إنما نهى النبيُّ نَّرِ عن الجلوس
على القبور لحدثٍ، غائطٍ (٢) أو بولٍ.
ورُويَ أيضاً عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((مَن جلسَ
على قبرِ يَبولُ، أو يَتغوَّطُ؛ فكأنَّما جلسَ على جَمرةِ نارٍ)»(٣).
قيل لهم: النهي عن الجلوس لحدث لا ينافي النهيَ عن الجلوس عليه
مطلقاً .
فإن قالوا: رددنا المُجْمَل إلى المُفَسَّر، مع أنا وجدنا النقلَ عن علي ◌ُه:
أنه كان يتوسّد القبر(٤)، وكان ابن عمر يجلس على القبور (٥)، قيل لهم: أما التوسُّد:
فغيرُ الجلوسِ، وأما ما نقلتُم عن ابن عمر إن - صح -: فلعل النهيَ لم يبلغه.
قلت: وفي بعض طرق هذا الحديث: ((وأَنْ تُوطَأ)(٦)، وفي كتاب أبي
داود: ((وأَنْ يُتَّكَأَ عَليه))، ولكل من الفئتين طريق مستقيم فيما ذهب إليه.
(١) انظر: ((المفهم)) للطيبي (٢ / ٦٢٧).
(٢) في الأصل: ((أو غائط))، والصواب المثبت.
(٣) رواه الروياني في ((مسنده)) (١٢١٨)، عن أبي أمامة بهذا اللفظ، ورواه مسلم (٩٧١)
عن أبي هريرة څ بنحوه.
(٤) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١/ ٢٣٣).
(٥) رواه البخاري في ((صحيحه)) (١ / ٤٥٧) معلقاً.
(٦) رواه الترمذي (١٠٥٢) من حديث جابر ظه. وهو حديث صحيح. انظر: ((تخريج
أحاديث المشكاة)) (١٧٠٩).
٦٦٠