النص المفهرس
صفحات 621-640
حصلَ، وإلا استغنى عنه، ومن كان هذا حاله؛ لم يتحقق من حالِهِ الافتقارُ والاضطرارُ، الذي هو روح عبادة الدعاء، وأيضاً فإنه لا يكون موقناً بالإجابة، وقد قال ◌َّه: ((ادْعُوا اللهَ وأَنْتُم مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، واعلَمُوا أَنَّ اللهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعاءَ مِن قَلْبٍ غافِلٍ لَهٍ))(١)، ثم إن النبي ◌َّي لم يكتف بالنهي عن ذلك حتى أمر بنقيضه، فقال: (ليَعْزِمْ في الدُّعاءِ))؛ أي: ليجزم في طلبه، وليُحققْ رغبتَه، ويتيقنِ الإجابةَ؛ فإنه إذا فعل ذلك؛ دلَّ على علمه بعظيم قدرِ ما يطلب، وعلى أنه مفتقِر مضطر إليه، وقد وعد الله المضطرَّ بالإجابة بقوله: ﴿أَمَّنْ يُحِبُ الْمُضْطَرَّ إِذَادَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]. وقوله: ((فإنه لا مكره له)): إظهارٌ لعدم فائدة تقييد المغفرة والرحمة بالمشيئة؛ لأن الله تعالى لا يضطره إلى فعلٍ شيءٌ، دعاءٌ ولا غيرُه، بل يفعل ما يريد، ويحكم ما يشاء؛ فلذلك قيََّ الإجابةَ بالمشيئة في قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَاتَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١](٢). (مظ): الضمير في ((أعطاه) يرجع إلى ((شيء))؛ يعني: لا يعظُم عليه إعطاء [شيء]، بل جميع الموجودات في أمره يسير، انتهى(٣). و ((ليعظم الرغبة)) بتشديد الظاء، أَدَبٌّ من آداب الدعاء يتضمن تعظيم المَدْعُوِّ سبحانه؛ فإنه يجب ذلك، وإن بعد حصول مضمون الدعاء للداعي، كما ورد في ((سنن الترمذي)) عن ابن عباس مرفوعاً: ((اللَّهمَّ ما (١) رواه الترمذي (٣٤٧٩)، من حديث أبي هريرة . وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٠٢٦). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٩). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٢٠). ٦٢١ قَصُرَ عنْهُ رَأْيِي، ولم تَبْلُغْهُ نِيَّتِي، ولم تَبْلُغْهُ مَسأَلَتِي مِن خَيرٍ وَعَدْتَهُ أحداً مِن خَلِكَ، أو خَيرٍ أنت مُعطِيهِ أحداً مِن عِبادِكَ؛ فإِنِّي أَرَغَبُ إليك فيه، وأَسأَلُكَهُ بِرَحمِتِكَ رَبَّ العالَمِينَ))(١). (١) رواه الترمذي (٣٤١٩). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١١٩٤). ٦٢٢ ٣٢٤- باب كراهةٍ قول: ما شاءَ اللهُ وشاءَ فلانٌ ١٧٤٥ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﴿هِ، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿، قال: ((لا تَقُولُوا: ما شاءَ اللهُ وشَاءَ فلانٌ، ولَكِنْ قُولُوا: ما شَاءَ الله، ثُمَّ شَاءَ فُلانٌ)) رواه أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ. * قوله يلي: ((لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان)): (حس): لما كان الواوُ حرفَ الجمع والتَّشْرِيكِ؛ مَنَعَ من عطف إحدى المشيئتين على الأخرى به، وأَمَر بتقديم مشيئة الله تعالى، وتأخيرِ مشيئةٍ مَن سواه بحرف (ثم) الذي هو؟ للتراخي(١). (ط): (ثم) هاهنا يحتمل التراخيَ في الزمان، وفي الرتبة، فإنَّ مشيئةَ الله تعالى أزليةٌ، ومشيئةَ العبد حادِثةٌ تابعةٌ لمشيئة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وما شاء كان، ومشيئة العبد ما وَقَع أكثرُها، فأين إحداهما من الأخرى؟! فإن قلت: كيف رخّص أن يقال: ما شاء الله، ثم شاء فلان، ولم (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ٣٦١). ٦٢٣ يرخُّص في اسمه وَّهِ حيث قال: ((قُولُوا: ما شاءَ اللهُ وَحْدَهُ))، رواه في ((شرح السنة))(١). قلت: فيه وجهان: أحدهما: قاله دفعاً لمظنة التُّهَمةِ في قولهم: (ما شاء الله، وشاء محمد) تعظيماً له ورِباً لمنزلته، ثانيهما: أنه رأس المُوحِّدين، ومشيئتُه مغمورةٌ في مشيئة الله تعالى، ومضمحلة فيها(٢). (ن): جاء عن إبراهيم النخعي: أنه كان يكره أن يقال: (أعوذ بالله وبك)، ويجوز أن يقول: (أعوذ بالله ثم بك)، قالوا: ويقول: لولا الله، ثم فلان؛ لفعلت كذا، ولا تقل: لولا الله وفلان(٣). (١) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٠٩٥). (٣) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ٢٨٤). ٦٢٤ ٣٢٥- باب كراهةِ الحديثِ بعدَ العشاءِ الآخرةِ والمرادُ بِهِ: الحديثُ الَّذِي يَكُونُ مُبَاحاً في غَيْرِ هَذَا الوَقْتِ، وفِعْلُه وتَرْكُهُ سَواءٌ، فَأَمَا الحَدِيثُ المُحَرَّمُ، أَو المَكْرُوهُ في غَيْرِ هَذَا الوَقْتِ، فَهُوَ في هذا الوَقْتِ أَشَدُّ تَحْرِيماً وَكَرَاهَةً. وَأَمَّا الحَديثُ في الخَيْرِ؛ كَمُذَاكَرَةِ العِلْمِ، وحِكاياتِ الصَّالِحِينَ، وَمَکارِمِ الأَخْلاقِ، والحَدِيثِ مَعَ الضَّيْفِ، وَمَعَ طالِبٍ حَاجَةٍ، وَنَحْوِ ذلكَ، فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ، بل هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَكذا الحَدِيثُ لِعُذْرٍ وعارِضٍ لا كَرَاهَةَ فِيهِ، وقَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى كُلِّ مَا ذَكَرْتُهُ. ١٧٤٦ - عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﴿هُ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ كَانَ يَكرَهُ النَّوْمِ قبْلَ العِشَاءِ، وَالحَدِيثَ بَعْدَها. متفقٌ عليه. * قوله: «کان یکره النوم قبل العشاء)»: (ن): سبب كراهة النوم قبل صلاة العشاء: أنه يعرِّضها للفوات باستغراق النوم، ولفوات وقتها المختار أو الأفضل، ولئلا يتساهل الناس في ذلك فيناموا عن صلاتها جماعةً، وإلى هذا ذهب عمر، وابنه، وابن ٦٢٥ عباس، وغيرُهم من السلف، ومالك وأصحابنا، ورخَّص فيه علي، وابن مسعود، والکوفیون. وقال الطحاوي: يُرخّص فيه بشرط أن يكون معه من يوقظه، وروي عن ابن عمر مثله(١). (حس): كان ابن عمر يَرقُد قبلها، ورخَّص بعضُهم في رمضان، وقال: إذا غلبه النوم؛ لم يكره له، إذا لم يخف فَوْتَ الوقتِ (٢). (ن): سبب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة: أنه يؤدي إلى السهر، ويُخاف منه غلبةُ النوم عن قيام الليل والذِّكْر فيه، وعن صلاة الصبح في وقتها المختار أو الأفضل، ولأن السهر بالليل يسبب الكسلَ بالنهار عما يتوجه من حقوق الدين، والطاعات، ومصالح الدنيا(٣). (ق): ويظهر لي أن الكراهة إنما هو لأن الله جعل الليل سكناً؛ أي: يُسْكَن فيه، فإذا تحدث الإنسان فيه؛ فقد جعله كالنهار الذي هو متصرَّف المَعاش، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى. وقيل: كره ذلك لئلا يلغوَ في كلامه، أو يخطئ فيختم عمله بعملٍ سیئ، أو بقولٍ سيئ، والنوم أخو الموت، أو لعله يكون فيه الموت. وقيل: كره ذلك ليُراحَ الكَتَبةُ الکرام. وكان بعض السلف يقول لمن أراد أن يتحدث بعد العشاء: أريحوا الكَتَبَةَ(٤). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٤٦). (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٢ / ١٩٢). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٤٦). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٧١). ٦٢٦ (ن): والمكروه من الحديث بعد العشاء: هو ما كان من الأمور التي لا مصلحة فيها، وأما ما فيه مصلحةٌ وخيرٌ؛ فلا كراهة فيه، وذلك کمُدارسة العلم، وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجلِ أهلَه وأولادَه؛ للملاطفةِ والحاجةِ، ومحادثةِ المسافرين؛ لحفظ متاعِهم وأنفسِهم، والحديث في الإصلاح بين الناس، والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولإرشادٍ لمصلحة ونحو ذلك، وكل هذا لا كراهة فيه، وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه، ثم كراهة الحديث بعد العشاء المراد بها: بعدَ صلاةِ العشاء، لا بعدَ دخولٍ وقتِها (١). (حس): قال سعيد بن المسيب: لأَنْ أنام عن العشاءِ أحبُّ إليَّ من أن ألغُوَ بعدَها، ورخّص بعضُهم في التحدُّث بالعلم، وفيما لا بد منه من الحوائج(٢). ١٧٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَعِ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ صَلَّى الْعِشَاءَ في آخِرٍ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ: ((أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَّكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسٍ مِثَّةٍ سَنَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ الْيَوْمَ أَحَدٌ» متفقٌ عليه . * قوله وتلفي: «أرأيتكم ليلتكم هذه)): (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٤٦). (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٢ / ١٩٢). ٦٢٧ (ك): قال الحافظ التيمي: ((أرأيتكم)): أَعْلِمُوني، والكاف للخطاب، ولا موضع له من الإعراب، والميم تدل على الجماعة، و((هذه) موضعُه نصبٌ، والجواب محذوف، والتقدير: أرأيتكم ليلتكم هذه فاحفظوا تاريخها، وهذا عامٌّ من رسول الله وَلّ ر بأن أعمار أمته ليست تطول كأعمار من تقدم من الأمم السالفة؛ ليجتهدوا في العمل(١). (ن): في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، والمراد: أن كلَّ نَفْسٍ مَنْفُوسةٍ كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدَها أكثرَ من مئة سنة، سواء قلّ عمرها قبل ذلك، أم لا، وليس فيه نفي عیش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مئة سنة. واحتج بهذا الحديث من شذ من المحدثين فقال: الخضر عليه السلام ميت، والجمهورُ على حياته، ويتأوَّلون هذا الحديث على: أنه كان على البحر لا على الأرض، أو أنه عامٌ مخصوصٌ(٢). (ق): الخَضِرِ، وإن كان حياً، فليس مشاهداً للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضاً، فمثل هذا العموم لا يتناوله، كما [لم] يتناول الدّجال والجسَّاسة، ويمكن أيضاً منعُ عمومِ الأرض، فإن الألف يحتمل فيها العهدَ، والجنسَ، وهي هاهنا للعهد؛ لأن الأرض التي يخاطبون بها، ويُخبَرون عن الكون فيها، هي أرضُ العرب وما جرت عادتهم بالتصرف إليها وفيها غالباً، دون أرضٍ يأجوجَ ومأجوجَ، (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ٢٣٦). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٩٠). ٦٢٨ وأقاصي جزائرِ الهند والسِّنْد، مما لا يقرع السمعَ اسمُه، فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم؛ فليس لكلامه حاصل ولا مفهوم(١). ١٧٤٨ - وَعَنْ أَنَسٍ : أَنَّهِمُ انْتُظَرُوا النَّبِيَّ ◌َهِ، فَجَاءَهُمْ قَرِيباً مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى بِهِمْ - يَعْني: الِشَاءَ - قَالَ: ثُمَّ خَطَنَا، فَقَالَ: (أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوا، ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا في صَلاةٍ مَا انْتُظَرْتُمُ الصَّلاةَ، رواه البخاريُّ. * قوله وي: ((إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة))، سبق في (الباب الثالث بعد المئة)، انتهى. استدل المؤلف بهذين الحديثين على عدم كراهة الحديث بعد صلاة العشاء، إذا [كان] فيه مصلحة دينية. وفي (الصحيحين)) أيضاً: عن ابن عباس ﴿﴾ قال: بِتُّ عند خالتي ميمونه ليلةً، والنبي ◌َِّ عندها، فتحدَّث النبي ◌َّ مع أهلِهِ ساعة ثمَّ رقد(٢). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: حدَّث النبيُّ وَّ ذاتَ ليلةٍ نساءه حديثاً، فقالت امرأة منهن: كأن الحديثَ حديثُ خرافة! فقال: ((أَتَدِرُونَ ما خُرافةُ؟ كانَ رجُلاً مِن عُذْرةَ، أَسَرَتْهُ الجِنُّ في الجاهِليَّةِ، فمَكَثَ فيهِم دَهْراً، (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٩٠). (٢) رواه البخاري (٤٢٩٣)، ومسلم (٧٦٣ / ١٩٠). ٦٢٩ ثُمَّ ردُّوه إلى الإِنْسِ، فكانَ يحُدِّثُ الناسَ بما رَأى فيهِم مِنَ الأَعاجِيبِ، فقالَ الناسُ: حديثُ خُرافةَ))(١)، ذكره ابن الجوزي في ((الوفا)). في ((سنن الترمذي)) عن ابن عمر ه: كان رسول الله وَّ﴾ [يَسْمَر] مع أبي بكر ظه في أمر من أمور المسلمين، وأنا معهما (٢). عن أوس بن حذيفة [قال: قدمنا] على رسول الله وب لير في وفد ثقيف، فنزل الأحلافُ على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله وَّه [بني مالك] في قُبَّةٍ له، وكان يأتينا كل ليلة بعد العشاء، فيحدثنا قائماً على رجليه، حتى يُراوحَ بين رجليه، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش، ويقول: (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ، فَلَمَّا خَرِجْنا إلى المَدينةِ كانَتْ سِجالُ الحَربِ بيننا وبينَهُم، نُدالُ عَلَيهِمْ ويُدالُون علَينا))، فلما كان ذاتَ ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا: يا رسول الله؛ لقد أبطأت علينا الليلة، قال: ((إِنَّهُ طَرأَ عَلَيَّ حِزْبِي [مِنَ القُرآنِ]، فَكَرِهْتُ أَنْ أَخْرُجَ حتَّى أُتِمَّهُ))، رواه الطبراني في ((الكبير))(٣). لِحَافِي لِحَافُ الضَّيْفِ والبَيتُ بيتُه ولم يُلْهِنِي عنهُ غَزالٌ مُقَنَّعُ (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ١٥٧). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٧١٢). (٢) رواه الترمذي (١٦٩)، من حديث عمره. وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٦ / ٦٥٥). (٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير) (٥٩٩). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٠٧٢). ٦٣٠ وتَعلَمُ نَفْسي أُنَّه سوفَ یَهْجَعُ أُحدِّثُه إِنَّ الحَديثَ مِن القِرَى وقال آخر : صادَفَ زاداً وحديثاً ما اشْتَھَی ورُبَّ ضَيفٍ طَرقَ الحَيَّ سُرَى ثُمَّ اللِّحافُ بعدَ ذاكَ في الذُّرَى إِنَّ الحَديثَ جانِبٌ مِنَ القِرَى ٦٣١ ٣٣٦- باب تحريم امتناعِ المرأةِ من فراش زوجها إذا دعاها، ولم يكن لها عذر شرعيِّ ١٧٤٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ: ((إِذا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلى فِرَاشِهِ، فَأَبَتْ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَّهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ)) متفقٌ عليه. وفي رواية: ((حَتَّى تَرْجِعَ). * قوله : «لعنتها الملائكة حتى تصبح)): (ن): هذا دليل على تحريم امتناعها من فراشهِ لغير عذر شرعي، وليس الحيض بعذر في الامتناع؛ لأن له حقَّ الاستمتاع بما فوقَ الإزار. ومعنى الحديث: أن اللعنة تستمر عليها، حتى تزول المعصية بطلوع الفجر والاستغناء عنها، أو رجوعها إلى الفراش(١). (ق): فيه دليل على تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها، ولا خلاف فيه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. والمرأة في ذلك بخلاف الرجل، فلو دعت المرأةُ زوجَها إلى ذلك؛ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٨). ٦٣٢ لم يَجِبْ عليه إجابتها، إلا أن يقصد بالامتناع مُضارَّتَها، فيحرم عليه. والفرق بينهما: أن الرجل هو الذي ابتغاها بماله، فهو مالكٌ للبُضْعِ، والدرجةُ التي [له] عليها هي السلطنة التي له بسبب مُلكِه، وأيضاً فقد لا ينشط الرجل في وقت تدعوه، فلا ينتشر ولا يتهيأ له ذلك بخلاف المرأة، وفي رواية مسلم: ((كانَ الَّذي في السَّماءِ ساخِطاً عَليها))(١)، وقد ذكرناه في التفسير، ويحتمل: أن يراد به الملائكة، كما جاء: (لَعَنَّها المَلائِكَةُ حتَی تصبحَ))(٢). (ك): فيه أن سخط الزوج موجب لسخط الرب، ورضاه يوجب رضاه، هذا في قضاء الشهوة، فكيف إذا كان في أمر الدين؟! (١) رواه مسلم (١٤٣٦ / ١٢١). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ١٦٠). ٦٣٣ ٣٢٧- باب تحريم صوم المرأة تطوُّعاً وزوجُها حاضرٌ إِلاّ بإذنِهِ ١٧٥٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لاَ يحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بإذْنِهِ، وَلا تَأْذَنَ في بَيْتِهِ إِلاَّ بإذْنِهِ)) متفقٌ عليه. * قوله وقال : ((وزوجها شاهد)): (ك): أي: مقيم في البلاد، [أما] إذا كان مسافراً؛ فلها الصوم؛ لأنه لا يتأتّى منه الاستمتاع بها، وهذا في صومِ النفل، وقضاءِ الواجب الموسَّع. قال أصحابنا: النهي للتحريم(١). (خط): إن كان ذلك قضاء للفائت في رمضان، فإنها تستأذنه أيضاً فيه ما بين شوال إلى شعبان؛ لأنه حينئذ يصير مُضَيَّقاً، وهذا يدل على أن حق الزوج محصور الوقت، فإذا اجتمع مع سائر الحقوق التي تدخلها المهلة كالحج؛ قُدِّم عليها(٢). (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٩ / ١٤٤). (٢) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٣/ ١٠٥٠). ٦٣٤ ٣٣٨- باب تحریم رفع المأموم رأسه من الركوعِ أو السجودِ قبلَ الإمامِ ١٧٥١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿: أَنَّ النَّبِيَّ؟ِ قَالَ: ((أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمارٍ؟!)) متفقٌ عليه. * قوله تعالى: ((أن يجعل الله رأسه رأس الحمار)): (ق): في رواية: ((يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمارٍ))(١)، وفي رواية: (يُحَوِّلَ اللهُ وجْهَهُ وَجْهَ حِمارٍ))(٢)، هذه الروايات متقاربة إذا أريد بالصورة الوجه، فإن أريد به الصفة؛ انصرفت إلى الصفة الباطنة من البلادة، وفيه الوعيد بمسخ الصورة الظاهرة، أو الباطنة، على مسابقة الإمام بالرفع، وهذا يدل على أن الرفع من الركوع والسجود مقصود لنفسه، وأنه ركن مستقِلٌّ، كالركوع والسجود، وفي حديث آخر: ((فكَأنَّما ناصِيتُهُ بيدِ الشَّيطانِ»(٣)؛ (١) رواه البخاري (٦٥٩)، من حديث أبي هريرة (٢) رواه مسلم (٤٢٧ / ١١٦)، من حديث أبي هريرة معظُه . (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧١٤٦)، وتمام في ((فوائده)) (٢٢٦)، من حديث أبي هريرة طه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٥٢٧). ٦٣٥ يعني: أنه قد تمکن منه لجهله، فهو یصرفه کیف یشاء، کما يُفعل بمن مُلِکت ناصیتُه(١). (شف): (يحول الله)؛ أي: يجعله بليداً، وإلا فالمسخ غير جائز في هذه الأمة. (ط): لعل المأموم لمَّا لم يعمل بما أُمِر به من الاقتداء بالإمام، ولم يفهم أن معنى المأموم والإمام ما هو؛ شُبِّه بالحمار في البلادة، كقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُواْ النَّوْرَنَ ثُمَّلَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة: ٥]. ونقل الخطابي جوازَ المسخ في هذه الأمة، فيجوز أن يحمل على الحقیقة، انتهى(٢). حُكي عن الإمام الحافظ أبي عبدالله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني - رحمه الله - قال: دخلتُ على شيخ بالشام؛ لأسمع منه الأحاديث، فجلس من وراء حجاب، وجلست أقرأ عليه، فلما انتهيت [من] القراءة أخذني التعجُّبُ من احتجابه عني، فلما عرف أني ابن منده؛ قال: يا أبا عبدالله؛ أتعلم لأيِّ شيء احتجبتُ عن الناس؟ قلتُ: لا، قال: سأخبرك خبري؛ لأنك من أهل العلم، وبيتُك بيتُ الحديث، إني حضرت عند بعض الشيوخ وكان يُقرَأُ عليه هذا الحديث، قوله ◌َّهِ: (أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرفَعُ رأسَهُ قبلَ الإمامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رأسَهُ رأسَ حِمارٍ»، فکرر قراءته، وأتى به من طرق، فتداخلني الشك، وقلت كيف يكون ذلك؟ لشقوتي، فبت من ليلتي، وقد حُوِّلَ رأسي رأسَ حمارٍ، فأنا أمتنع من (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٩). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٦٤). ٦٣٦ مجالس أهل العلم لهذا السبب، وكلُّ من يأتيني من طلبة العلم أُجْلِسه من وراء حجاب، وأما أنت؛ فقد ذكرت لك حالي لمكانك من العلم والدين، وعهدُ الله تعالى عليك أن لا تخبر بهذا الحال إلا بعد موتي؛ ليتأدب الناس عند سماع أحاديث النبي ◌َّ﴿، ولا يتداخلهم الشُّ، فعاهدتُ الله تعالى معه، فكشف الستر وأراني وجهه، فرأيتُ جسدَ آدمي ورأسَ حمار، ولم أخبر بذلك إلا بعد موته. (ك): كان ابن عمر لا يرى صلاةً لمن فعل ذلك، وأما أكثر العلماء: فإنهم لم يَرَوا عليه إعادةَ الصلاة مع شدة الكراهة له والتغليظ فيه، وقالوا: لكن عليه أن يعود إلى الركوع أو السجود حتى يرفع الإمام(١). (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ٧٤). ٦٣٧ ٣٢٩- باب كراهةٍ وضع اليدِ على الخاصرة في الصلاة ١٧٥٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴿هِ، قَالَ: نُهِي عَنِ الخَصْرِ فِي الصَّلاةِ. متفقٌ عليه. * قوله: ((نهى عن الخصر في الصلاة)): وفي رواية مسلم: ((نَهَى أنْ يُصَلِّيَ الرجلُ مُخْتَصِراً)(١)، وفي رواية أبي داود: ((نَهَى عَنِ الاخْتِصارِ في الصَّلاةِ»(٢). (ن): هو الذي يصلي ويدُه على خاصرته، هذا الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب، وقيل: أن يأخذ بيده عصاً يتوكأ عليها، وقيل: أن يختصر السورةَ، فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، وقيل: هو أن يحذف منها فلا يؤدي قيامها وركوعها وسجودها، والصحيح الأول، ونهى عنه؛ لأنه فعلُ اليهود، وقيل: فعلُ الشيطان، وقيل: لأن إبليس هبط من (١) رواه مسلم (٥٤٥ / ٤٦)، من حديث أبي هريرة ظه. (٢) رواه أبو داود (٩٤٧)، من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٢٧٣). ٦٣٨ الجنة كذلك، وقيل: لأنه فعل المتكبرين(١). (ق): روي عنه وَّ أنه قال: ((الاخْتِصارُ راحَةُ أَهْلِ النَّارِ))(٢)، يعني: اليهود المتكبرين، [لا] أنَّ لهم في النار راحةً (٣). (تو): فُسِّر (الخصر)) في هذا الحديث بوضع اليدِ على الخاصرة، وهو صنيع اليهود، ولم يفسر الخصر على هذا الوجه في شيء من كتب اللغة. (ط): ارتكاب المجاز والكناية لم يتوقف على النقل والسماع، بل على العلاقة المعتبرة، بيانه: أن الخَصْرَ هو وسط الإنسان، والنهيُ لمَّا ورد عليه؛ عُلِمَ أن ذاتَ الخَصْرِ مما لا يُنْهَى عنه، فتوجَّه النهيُ إلى ما يعترضه من الأوصاف والأفعال، كما تطلق العين واليد والرجل ويراد بها ما يصدر عنها، ولمَّا اتفقت الروايات على أن المراد: وضعُ اليد على الخاصرة؛ وجب حملُه عليه، وهو من الكناية التي يبلغ بها الكلام إلى الدرجة العليا، فإنهم إذا أرادوا أن يبالغوا في النفي والنهي؛ ينفون الذاتَ؛ لتنتفيَ الصفةُ والحالُ بالطريق البرهاني. (الكشاف): حال الشيء تابعة لذاته، وإذا امتنع ثبوت الذات؛ تبعه امتناعُ ثبوت الحال، وذلك أقوى لنفي الحال وأبلغ، ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ [البقرة: ٢٨](٤). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٣٦). (٢) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٩٠٩)، من حديث أبي هريرة حظه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٢٧٣). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٥٥). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣ / ١٠٧٠). ٦٣٩ ٣٠- بس كراهةِ الصلاةِ بحضرةِ الطعامِ ونفسُه تَتوقُّ إليه ومعَ مُدافعةِ الأخبثَيْنِ، وهما البولُ والغائطُ ١٧٥٣ - عَنْ عَائشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامِ، وَلا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ» رواه مسلمٌ. * قوله رَالخ: ((لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان)»: (ن): فيه كراهيةُ الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله؛ [لما] فيه [من] اشتغال القلب، وذهاب كمال الخشوع، بل وكراهتُها مع مدافعة الأخبثين؛ وهما البول والغائط، ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب، ويُذهب كمالَ الخشوع، هذا إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل أو تطهر خرج وقت الصلاة، صلى على حاله؛ محافظةً على حرمة الوقت، ولا يجوز تأخيرها. وحكى أبو سعد المتولي من أصحابنا وجهاً [لبعض] أصحابنا: أنه لا يصلي بحاله، [بل] يأكل ويتطهر، وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يُفوّته، وإذا صلى على حاله وفي الوقت سعة؛ فقد ارتكب المكروه، وصلاته صحيحة عندنا وعند الجمهور، لكن يستحب إعادتها، ولا يجب. ونقل القاضي عياض عن أهل الظاهر: أنها باطلة، وفي قوله مَّ ر - في ٦٤٠