النص المفهرس
صفحات 541-560
- كما يجد كل أحد من نفسه ــ تشديداً، فوُضِعَ لذلك باب في الفقه، ووردت فيها أحاديثُ كثيرة، وكان يجب على كل أحد أن ينشدَها، ويعاونَ صاحبَها، فلما أمر بهذا الدعاء؛ فُهِمَ منه أن غيرَها بالطريقِ الأولى أن يُدْفَعَ ويُرَدّ(١). (ن): قوله ◌َّه: ((لا وجدت))، وأمر (٢) أن يقال مثل هذا، فهو عقوبة له على مخالفته وعصيانه، وينبغي أن يقول مع ((لاَ وَجَدْتَ)): ((فإنَّ المَسَاجدَ لم تُبْنَ لِهذا»، أو يقول: ((لاَ وَجَدْتَ إِنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ»، كما قاله رسول الله وَلاير(٣). ١٦٩٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ جَدِّهِ ﴾: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِوَّهِ نَهَى عَنِ الشَّرَاءِ وَالبَيْع في المَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ، أَوْ يُنْشَدَ فيهِ شِعْرٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، والتِّرمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ. * قوله: «نھی أن ینشد فيه شعر»: (تو): وفي رواية: ((نَهَى عن تَنَاشُدِ الأَشْعارِ في المَسجِدِ))(٤). (التناشد): أن يُنْشِد كلُّ واحد من المتناشدين صاحبه نشيداً لنفسه أو (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٣٦). (٢) في الأصل: ((وأمره))، والصواب المثبت. (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٥٦). (٤) رواه مسلم (٥٦٩) من حديث بريدة . ٥٤١ لغيره، وأكثر ما يوجد ذلك على وجه المباهاة والعصبية، أو على وجه النَّفَكُّهِ بما يُستطاب منه، تزجية للوقت بما تَرْكَنُ إليه النفسُ، ويَستَحْلِیه الطبعُ. وأما ما كان في مدح الحقِّ وأهلِه، وذمّ الباطل وذويه، أو كان تمهيداً لقواعد الدين، أو إرغاماً لمخالفيه؛ فإنه خارجٌ عن القسم المذمومِ، وإن خالطه التشبيب، وتَساوَقَهُ الغزلُ. وقد كان يُنْشَدُ بين يَدَي رسولِ اللهِ وَّر من هذا القسم، وهو في المسجد، فلا ينهى عنه؛ لِمَا يَعْلَمُ في إنشاده من الغرض الصحيح. ولما كان زمان عمر عه نهى حسانَ بنَ ثابت أن يُنْشِدَ الشعرَ في المسجد(١)، وإنما كان ذلك نظراً منه إلی مصلحة الجمهور، فإن أکثر الناس إذا أطيل لهم في هذا المدح؛ أفضى بهم ذلك إلى الاسترسال في الخَلاعة والمُجُون، حتى يسقط عنهم التمييز بين المُعْوَجِّ والمستقيم، والتفريق بين الغرض الفاسد والصحيح. وقد كان عمر ◌ُ عارفاً بزمانه، عبقرياً في شأنه، أَلْمَعِيّاً في رأيه، مصیباً في اجتهاده، ولمّا عارضه حسانُ بقوله: (لقد أنشدته بين يدي من هو خير منك)؛ سكت عنه، ولم يكن سكوتُه ذلك لوضوح حقٍّ كان قد خَفِيَ عليه، أو تَذَكُّرِ أمرٍ كان ناسياً له، بل كان سكوتُهُ إجلالاً لرسول الله ◌ِِّ، وتأذُّباً دون الرد عند بتر المعارضة، وإلا فقد كان عمرُ حَُ عُمُرَه على ما كان عليه من النهي عنه، والصوابُ ما رآه، والحقُّ ما ذهب إليه. (١) رواه مسلم (٢٤٨٥ / ١٥١)، من حديث أبي هريرة ◌ُته. ٥٤٢ ١٧٠٠ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ الصَّحَابِيِّ ﴿، قَالَ: كُنْتُ فى المَسْجِدِ، فَحَصَبَتِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ، فَإِذا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَائْتِي بِهَذَيْنِ، فَجِئْتُهُ بِهِمَا، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ فَقالا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ، لأَوْجَمْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدٍ رَسُولِ اللهِ﴿! رَوَاهُ البُخَارِيُّ. * قوله: «فحصبني»: (نه): أي: رَجَمِنِي بالحَصْباءِ، وهي الحجارة الصِّغارُ(١). (ط): ((ترفعان أصواتكما)): جملة مستأنفة للبيان(٢). (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٩٣). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٥٧). ٥٤٣ ٣٠٢- باس نهيِ مَنْ أكلَ ثوماً أو بصلاً أو كُرَّاثاً، أو غيرَهُ مِمَّا له رائحة كريهةٌ عن دخولِ المسجدِ O قبلَ زوال رائحتِه إلا لضرورةٍ ١٧٠١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ﴾: أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْني: الثُّمَ -، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا)) متفقٌ عليه. وفي روايةٍ لمسلم: ((مَسَاجِدَنَا)». * قوله : «من هذه الشجرة)» : (حس): ((الشجرة)): ما له ساق وأغصان، وما لا يقوم على ساق فهو نَجْمٌ، قال تعالى: ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ بَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، فسُمِّيَ به تغليباً(١). * ١٧٠٢ - وَعَنْ أَنَسِ عَ﴿ه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلا يَقْرَبَنَّا، وَلا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا)) متفقٌ عليه. (ن): سُميت خبيثة؛ لقبح رائحتها، والخُبث في كلام العرب: المكروه من قول، أو فعل، أو مال، أو طعام، أو شراب، أو شخص(٢). (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٢ / ٣٨٧). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٥٠). ٥٤٤ (ق): لمَّا سمعت الصحابة هذا الذَّم؛ ظنوا أنها قد حُرِّمت فصرَّحوا به، وكأنهم فهموا هذا من إطلاق الخبيثة عليها مع ما قد سمعوا من قول الله تعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَّبِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فقال النبيِ وَّهِ: (أَيُّهَا النَّاسُ؛ إنَّهُ لَيسَ لِي تَحْرِيمُ ما أَحَلَّ اللهُ لِي، ولَكنَّهَا شَجَرَةٌ أکرہُ رِيحَهَا))(١)، فبيّن لهم أن إطلاق الخبيث لا يلزم منه التحریم؛ إذ قد يُراد به ما لا يُوافق عادة، والخبائث منقسمة إلى مستخبث عادة وإلى مستخبث شرعاً، والمراد من الآيات المستخبثاتُ الشرعية، ومن الحديث المستخبثاتُ العادية(٢). (ن): وفي قوله: ((فلا يقربن مسجدنا)) تصريحٌ بنهي مَن أكل الثوم ونحوَه عن دخول المسجد، وهذا مذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي عن بعض العلماء: أن النهي خاصٌّ في مسجد النبي ◌َّ؛ لقوله: ((مسجدنا)). وحُجَّة الجمهور: ((فَلاَ يَقرَبَنَّ المَسَاجِدَ))(٣)، ثم إن هذا النهي إنما هو عن حضور المساجد، لا عن أكل الثوم والبصل ونحوهما، فهذه البقول حلالٌ بإجماع مَن يُعتدُّ به. وحكى القاضي عن أهل الظاهر تحريمَها؛ لأنها تمنع من حضور الجماعة، وهي عندهم فرض عين، وحُجَّة الجمهور قولُهُ وَّةِ: (يَا أَيُّها (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ١٢)، من حديث أبي سعيدظُه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٠٩٠). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٦٨). (٣) رواه أبو داود (٣٨٢٥)، من حديث ابن عمر ﴿﴾. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٠٩٣). ٥٤٥ النَّاسُ؛ إِنَّهُ لَيسَ لِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لِي))، قال العلماء: ويلحق بالثوم والبصل والكراث كلُّ ما له رائحةٌ كريهة من المأكولات وغيرها. قال القاضي: ويلحق به من أكل فِجْلاً وكان يَتجشَّأ. قال: وقال ابن المرابط: ويلحق به مَن به بَخَر في فيه، أو به جرح له رائحة. قال القاضي: وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد؛ كمصلَّى العيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات، وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها، ولا يلتحق بها الأسواق ونحوها (١). * ١٧٠٣ - وعَنْ جَابِرٍ ﴾، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((مَنْ أَكَلَ ثُوماً أَوْ بَصَلاً، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا)) متفقٌ عليه. في رواية لِمُسْلِمٍ: ((مَنْ أَكَلَ البَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالكُرَّاث، فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَاَ؛ فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ». • قوله : ((فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)): (ن): فيه دليل على منع مَن أكل الثوم ونحوه من دخول المسجد وإن كان خالياً؛ لأنه محل الملائكة، ولعموم الأحاديث. واختلف أصحابنا في الثوم هل كان حراماً على رسول الله وَي أم كان يتركه تنزهاً؟ (١) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (٥ / ٤٧). ٥٤٦ وظاهر قوله وَ﴾: ((لَيسَ لِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لِي)) أنه ليس بحرام عليه، ومَن قال بالتحريم يقولُ: المراد ليس لي أن أحرم على أمتي ما أحل الله لها(١) . ١٧٠٤ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﴾: أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ - تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ مَا أُرَاهُمَا إِلاَّ خَبِيثَتَيْنِ: البَصَلَ، وَالثُّومَ. لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ﴿ إِذا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي المَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلى البَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا، فَلْيُمِنْهُمَا طَبْخاً. رواه مسلمٌ. * قوله: «فأخرج إلى البقيع)): (ن): فيه إخراج مَن وُجِد منه ريحُ البصل والثوم ونحوهما من المسجد، وإزالة المنکر بالید لمن أمكنه. وقوله: ((فمن أكلهما))، معناه: مَن أراد أكلهما؛ فليُمِت رائحتَهما بالطبخ، وإماتة كل شيء: كسر قوَّته وحدَّته، ومنه قولهم: قتلْتُ الخمرَ: إذا مزجَها بالماء وكسرَ قوَّتها(٢) . (١) المرجع السابق (٥/ ٤٩، ٥١). (٢) المرجع السابق (٥/ ٥٣). ٥٤٧ ٣٠٣- باب كراهيةِ الاحتباءِ يومَ الجمعةِ والإمامُ يخطب؛ لأنه يجلبُ النومِ، فيُفَوِّتُ استماع الخطبة، ويُخافُ انتقاضُ الوضوءِ ١٧٠٥ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ الجُهَنِيِّ ﴿ه: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ نَهَى عَنِ الحُبْوَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمامُ يَخْطُبُ. رواهُ أَبو داودَ، والترمذيُّ، وَقَالا: حَدِيثٌ حَسَنٌ. * قوله: ((نهى رسول الله ◌َي عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب))، ((الحبوة)) بضم الحاء المهملة. (الجوهري): احتبى الرجل: إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيده، والاسم: الحُبْوة، والجمع: حِبِّى مكسور الأول(١). (نه): إنما نهى عنه؛ لأنه يجلب النوم، فلا يسمع الخطبة، ويعرض طهارته للانتقاض(٢). (١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦/ ٢٣٠٧)، (مادة: حبا). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٣٦). ٥٤٨ ٣٠٤- با نهيِ مَنْ دخلَ عليهِ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وأَرادَ أَنْ يُضَحِّيَ عن أخذِ شيءٍ من شعرِه أو أظفاره حتَّى يُضحّي ١٧٠٦ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴿: ((مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإِذا أُهِلَّ هِلالُ ذِي الحِجَّة، فَلا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئاً حَتَّى يُضَخِّيَ)) رَوَاهُ مُسْلِم . * قوله : ((من كان له ذبح)): [(ن)]: هو بكسر الذال؛ أي: حيوان يريد ذبحَهُ، فهو فِعْل بمعنى مفعول، كحِمْل بمعنى محمول، ومنه قوله تعالى ﴿ وَفَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]. واختلف العلماء فيمن دخلت عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي، فقال سعيد بن المسيب، وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وبعض أصحاب الشافعي: إنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يُضحِّي في وقت الأضحية، وقال الشافعي وأصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه، وليس بحرام، وقال أبو حنيفة: لا يكره، وقال مالك في رواية: إنه يكره، وفي رواية: لا يكره، وفي رواية: يحرم في التطوع دون الواجب. ٥٤٩ واحتج مَن حرم بهذه الأحاديث، واحتج الشافعي وآخرون بحديث عائشة: ((كُنْتُ أَفَتِلُ قَلَائِدَ هَذْي رَسُولِ اللهِ وَّهِ، ثُمَّ يُقدِّدُهُ ويَبعَثُ بهِ، ولاَ يَحرُمُ علَيهِ شَيءٌ أَحلَّهُ اللهُ حتَّى يَنحَرَ هَذْيَهُ))، رواه البخاري ومسلم(١). قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم ذلك. قال أصحابنا: [والمراد بالنهي عن أخذ الظفر والشعر، النهي عن إزالة الظفر بقلم أو كسر أو غيره] (٢)، والمنع من إزالة الشعر بحلق، أو تقصير، [أو نتفٍ ]، أو إحراق، أو أخذه بنورة أوغير ذلك، وسواء شعر الإبط، والشارب، والعانة، والرأس، وغير ذلك [من شعور بدنه]. قال إبراهيم المروزي وغيره من أصحابنا: حُكم أجزاء البدن كلِّها حكمُ الشعر والظفر، ودليله ما جاء في رواية مسلم: ((فَلاَ يَمَسَّ مِن شَعرِهِ وبَشَرِهِ شَيْئًا)(٣). قال أصحابنا: والحكمة في النهي أن يبقى كاملَ الأجزاء ليعتقَ من النار، وقيل: للتشبه بالمحرم، وهذا غلط؛ لأنه لا يَعتزلُ النساء، ولا يَتركُ الطيب واللباس، وغيرَ ذلك مما يَتركُه المحرم(٤). (تو): إن المضحي يجعل أضحيتة فديةً يَفتدي بها نفسَه من عذاب يوم (١) رواه البخاري (١٦١٣)، ومسلم (١٣٢١ / ٣٧٠). (٢) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٣٩). (٣) رواه مسلم (١٩٧٧ / ٣٩)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها. (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٣٨ - ١٣٩). ٥٥٠ القيامة، ويَرتادُ بها القربةَ لوجه الله الكريم، فكأنه لمَا اكتسب من السيئات، وأتى به من التقصير في حقوق الله؛ رأى نفسَه مستوجبةً أن يعاقبها أعظم العقوبات، وهو القتل، غير أنه أحجم عن الإقدام عليه؛ إذ لم يُؤذن له فيه، فجعل قُربانه فداءً لنفسه، فصار كل جزء منها فداءَ كل جزء منه، وعمَّت ببركته أجزاء البدن، فلم تَخْلُ منها ذرةٌ، ولم تحرم عنها شعرة. وإذا كانت هذه الفضيلة ملحقةً بالأجزاء المتصلة بالمتقرب دون المنفصلة عنه؛ رأى النبي ◌َ ﴿ أن لا يمَس شيئاً من شعره وبشره؛ لئلا يُفْقَد من ذلك قسطٌ ما عند تنزل الرحمة وفيضان النور الإلهي؛ لتَتِمَّ [له] الفضائلُ، ويَتنزَّه عن النقائص. (حس): في الحديث دليل على أن الأضحية غير واجبة؛ لما ورد في رواية مسلم: ((وَأَرَادَ أَحدُكُمْ أَن يُضَحِّيَ)(١)، ولو كانت واجبةً؛ لم تُفُوَّض إلى إرادته، ولأن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان كراهة أن يُرى أنها واجبة، بل هي مستحبة، وهو قول ابن عباس، وإليه ذهب الشافعي. وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى وجوبها على مَن ملك نصاباً؛ لقوله وَلّى: (عَلَى كُلِّ أَهلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيةٌ وعَتِيرَةٌ)(٢)، والحديث ضعيف مع الاتفاق على أن العتيرة غير واجبة (٣). (١) رواه مسلم (١٩٧٧ / ٣٩)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها. (٢) رواه أبو داود (٢٧٨٨)، من حديث مخنف بن سليم ﴿ه. وهو حديث ضعيف كما ذكر الشارح. وانظر: ((تخريج أحاديث المشكاة)) (١٤٧٨). (٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٤ / ٣٤٨). ٥٥١ ٣٠٥- باب النهي عنِ الحلفِ بمخلوقٍ؛ كالنبيِّ، والكعبةِ، والملائكةِ، والسماءِ، والآباءِ، والحياةِ، والروحِ، والرأسِ، وحياةِ السلطانِ، ونعمةِ السلطانِ، وتربةِ فلانٍ، والأمانةِ، وهي من أشدِّها نهياً (الباب الرابع بعد المئتين) (في النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي والكعبة والملائكة والسماء، والآباء والحياة والروح والرأس، وحياة السلطان ونعمة السلطان، وتربة فلان، و[الأمانة و] هي من أشدها نهياً) هَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ، قالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالى ١٧٠٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ةَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَخْلِفُوا بآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ)) متفقٌ عليه. وفي رواية في ((الصحيح)): ((فَمَنْ كَانَ حَالِفاً، فَلا يَحْلِفْ إِلاَّ بِالله، أَوْ لِيَسْكُتْ)). * قوله يقر: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) : (ق) النهي جارٍ في كل محلوف به لغير الله؛ لأنه تعظيم لذلك الغير ٥٥٢ بمثل ما عُظُّم [به] الله تعالى، وذلك ممنوع، وإنما جرى ذكر الآباء هاهنا؛ لأنه السبب الذي أثار الحديث حين سماع النبي ◌َّ عمر يحلف بأبيه. (ن): الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى، فلا يُضَاهى به غيرُه، وقد جاء عن ابن عباس ◌َ﴾: لأَن أحِلفَ بالله مئة مرة فآثمَ، خيرٌ من أن أحلف مرة فأبرَّ . فإن قيل: الحديث مخالف لقوله ◌َّهِ: ((أَفَلَحَ وَأَبيِهِ إِنْ صَدَقَ))(١)؟ فجوابه: أن هذه كلمة تجري على اللسان لا يُقصد بها اليمين (٢). (قض): بل هو من جنس ما يزاد في الكلام لمجرد التقرير والتأكيد، ولا يراد به القسَم؛ كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص دون القصد إلى النداء. وزعم قوم أنه تصحيف (والله) وقع من بعض الناسخين(٣). (تو): هذا النوع وإن كان في الأصل موضوعاً لتعظيم المحلوف؛ فإنهم قد اتسعوا فیه حتی کانوا یدعمون به كلامهم ولا يراد به القسم، ومنه قول ابن ميادة : لأَهْجُوَهَا لِمَّا هَجَتْنِي مُحَارِبُ أَظَنَّتْ سَفَاهَاً مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهَا وَأَهْلِيَ عَنْ ذَاكَ المَقَامِ لَرَاغِبُ فَلاَ وَأَبِيهَا إِنَّنِي بِعَشِيرَّتِي وورد من هذا النوع في حديث أبي هريرة أنه وَّه قال: (لتُنَبَّأنَّهُ وَأَبِيكَ))(٤) (١) رواه مسلم (١١/ ٩)، من حديث طلحة بن عبيدالله ، (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٠٥). (٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٤٣٧). (٤) رواه مسلم (١٠٣٢ / ٩٣). ٥٥٣ للرجل الذي سأله: أيُّ الصدقة خير؟ وفي حديث فُجَيع العامري: ((ذاكَ وأبي الجوعُ (١)). وأما غير النبي ◌َ* ممَّن جمعَهُ زمانُ النبوة؛ فإن بعضَهم كانوا يحلفون بآبائهم؛ تعظيماً لهم، وبعضهم عادةً، وبعضهم عَصَبيّة، وبعضهم للتوكيد، وقد أحاط بسائرها(٢) دائرةُ النهي وإن كان بعضُها أهونَ من بعض؛ لئلا يلتبس الحق بالباطل، ولا يكون مع الله محلوف به، والنبي ◌َّه وإن امتاز عن غيره بالعصمة عن التلفظ بما لا یکاد یکون قادحاً في صرف التوحيد، ولا یکون حاله في ذلك حالَ غيره = فالظاهر: أن اتساعه في استعمال هذا اللفظ كان قبلَ النهيٍ، ولم يَعُدْ إليه بعده؛ لئلا يقتدي به من لا يهتدي إلى صرف الكلام. (ن): فإن قيل: قد أقسم الله بمخلوقاته كقوله تعالى: ﴿وَالصَّفَّتِ﴾ [الصافات: ١]، ﴿وَلَّرِيَةِ﴾ [الذاريات: ١]، ﴿وَاَلْتُلُورِ﴾ [الطور: ١]، ﴿وَالنَّجْرِ﴾ [النجم: ١]. فالجواب: أن الله تعالى [له] أن يقسم بما شاء من مخلوقاته؛ تنبيهاً على شرفه(٣). (ط): وأنشد في المعنى: ويَقْبُحُ مِن سِواكَ الفِعلُ عِندِي وتَفْعَلُه فَيَحْسُنُ مِنكَ ذَاكا(٤) (١) رواه أبو داود (٣٨١٧). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف أبي داود)) (٨٢٢). (٢) في الأصل: ((لسائرها)). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٠٥). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٤٣٧). ٥٥٤ (ق): جواب آخر: أن المقسم به محذوف، تقديره: وربّ الضحى، وربِّ الطور، والنجمٍ، ونحوِ ذلك، قاله أكثر أئمة المعاني. واعلم: أن الحلف بالآباء والأشراف، ورؤوسِ السلاطين وحياتهم ونعمتِهم، وما شاكل ذلك، فظاهر هذا الحدیث یتناولهم بحكم عمومه، ولا ينبغي أن يُختلف في تحريمه. وأما ما كان معظماً في الشرع؛ مثلُ: النبيِّ وَِّ، والكعبةِ، والعرشِ، والكرسيِّ، وحُرمةِ الصالحين، فأصحابنا يطلقون على الحلف بها الكراهةَ، وظاهر هذا الحديث وما قدمناه من النظر في المعنى يقتضي التحريم (١). * قوله *: ((من كان حالفاً؛ فليحلف بالله)): (ق): لا يفهم منه قَصْرُ اليمين الجائزة على الحلف بهذا الاسم فقط، بل حكم جميع أسماء الله كحكم هذا الاسم، وكذلك صفات الله، كقوله: وعزةِ الله، وعلمِه، وقدرتِه. وأما ما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة نحو قوله: وخلقِ الله، ونعمتِهِ، ورزقِه، وبيتِه، فهذه ليست بأيمان جائزة؛ لأنها حلف بغير الله ◌َ، على ما تقدَّم. وبين هذين قسمٌ آخرُ متردّدٌ بينهما، فاختُلِفَ فيه لتردُّدِه، كقوله: وعهدِ الله، وأمانتِهِ، وكفالتِهِ، وحقٌّه، فعندنا: أنها أيمان مُلحَقة [بالملحَق] بالقسم الأول؛ لأنها صفات. وعند الشافعي : ليست بأيمان. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٦٢١). ٥٥٥ ورأى أنها من القسم الثاني(١). (ن): في هذا الحديث: إباحةُ الحلف بالله تعالى وصفاته كلِّها، وهذا مُجمَع عليه، وفيه: النهي عن الحلف بغير أسمائه - سبحانه - وصفاتِه، وهو عند أصحابنا مكروه ليس بحرام(٢). * ١٧٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلا بآبائِكُمْ)) رواه مسلمٌ. (الطَّوَاغِي)): جَمْعُ طَاغِيَةٍ، وَهِيَ الأَصْنَامُ، وَمِنْهُ الحَدِيثُ: (هَذِهِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ))؛ أَيْ: صَنَمُهُمْ وَمَعْبُوْدُهُم. وَرُوِيَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ: (بِالطَّواغِيتِ)) جَمْعُ طَاغُوتٍ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ وَالصَّنَمُ. * قوله يليفر: ((لا تحلفوا بالطواغي)»: (ن): هي الأصنام، واحِدُها: طاغية، سُمِّي باسم المصدر؛ لطغيان الكفار بعبادته؛ لأنه سببُ طغيانهم وكفرِهم، وكلُّ ما جاوز الحدَّ في "تعظيمٍ، أو غيرِهِ؛ فقد طغى، فالطغيان: مجاوزةُ الحدِّ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمَا طَغَا الْمَآءُ﴾ [الحاقة: ١١]، وقد يكون المراد بالطواغي هنا: مَن طغى في (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٦٢٣). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٠٦). ٥٥٦ الكفر، وجاوز القَدْرَ المعتادَ في الشرِّ، وهم عظماؤهم(١). (قض): الطواغي: جمع طاغية، وهي فاعلة، من الطغيان، والمراد بها: الأصنام. سُمِّيتْ بذلك؛ لأنها سبب الطغيان، فهي كالفاعلة له. وقيل: هي مصدر كالعافية، سُمِّ بها الصنم مبالغةً، ثم جمعت على طواغ. وکانت العرب في جاهلیتھم یحلفون بها وبآبائهم، فنُهوا عن ذلك؛ ليكونوا على تيقُّظ في محاوراتهم حتى لا يسبق به لسانهم جرياً على ما تعودوا(٢). (تو): هذا وجه الحديث، ومعاذ الله أن يُظَنَّ بهم أنهم كانوا يتسامحون فيه حتى نُهُوا عن ذلك، فإن ذلك مما لا يُظَنُّ بأقل المسلمين علماً وأسخفهم رأياً، فكيف بالفرقة الذين هم أصدق القرون إيماناً، وأخلصُهم طاعة، وأرضاهم سريرة وعلانية؟! ومما [یؤید] صحةً ما ذهبنا إليه حدیثُ سعد بن أبي وقاص أنه قال: حلفتُ باللَّّت والعُزَّى، وكان العهد حديثاً، فأتيت النبي ◌َّر فقلت: إني حلفت باللات والعُزَّى فقال: ((اتْفِلْ عن يَسارِكَ ثلاثاً، وقُلْ: لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، واستَغْفِرِ اللهَ رَّ ولاَ تَعُدْ))(٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٠٨). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٤٣٦). (٣) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٤٣٦٤)، من حديث سعد بن أبي وقاص ـت . = ٥٥٧ قوله: ((ولا تعد)» حثٍّ على التيقُّظ، وملازمة الحزم على ما ذكرنا. ٠٠٠ ١٧٠٩ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهَِلْ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ، فَلَيْسَ مِنَّ)). حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ أَبُو داود بإسنادٍ صَحِيحٍ. * قوله : ((من حلف بالأمانة فليس منا): (قض): أي: من ذوي أُسوَّتِنا، بل هو من المتشبهين بغيرنا، فإنه من دَيَدَنِ أهلِ الكتاب، ولعله أراد به الوعيدَ عليه، فإنه حَلِفٌ بغير الله، ولا تتعلق به الكفارةُ وِفاقاً، واختلف فيما إذا قال: وأمانةِ الله، فذهب الأكثرون إلى: أنه لا كفارة فيه، وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة بالحنث فيه، كما لو قال: بقدرةٍ الله، وعلمِه؛ لأنها من صفاته؛ إذ جاء في أسمائه: (الأمين)(١). (تو): ويحتمل أن يقال: إنه في معنى: (كلمة الله) على ما ذهب إليه غيرُ واحد من علماء التفسير في تأويل قول الله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] فقالوا: الأمانةُ كلمةُ التوحيد. ورُوي عن أبي يوسف خلاف، واختيارُ الطحاوي: أن اليمين لا تنعقد بأمانة الله سواء نوی اليمين، أو لم يَنْوِ . ٠ ١٧١٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ حَلَفَ، = وإسناده ضعيف. انظر: ((إرواء الغليل)) (٢٥٦٣). (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٤٤١). ٥٥٨ فَقَالَ: إِنِّي بَرِيءٌّ مِنَ الإِسْلاَمِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِباً، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقاً، فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلاَمِ سَالِماً)) رواه أبو داودَ. · قوله: «فلن يرجع إلى الإسلام سالماً): (قض): لعل المراد به: التهديدُ والمبالغة في الوعيد، لا الحكمُ بأنه صار بريئاً من الإسلام، فكأنه قال: فهو مستحِقٌّ لمثل عذاب ما قاله، ونظيره: قوله وَّهِ: (مَن تَركَ الصَّلاةَ فَقدْ كَفَرَ))(١)؛ أي: استوجب عقوبة مّن کفر، وهذا النوع من الكلام - يعني قوله: إن فعل كذا؛ فهو يهودي، أو كافر، أو بريء من الإسلام - هل يُسمَّى في عرف الشرع يميناً؟ وهل تتعلق الكفارة بالحنث فيه؟ ذهب النخعي، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق: إلى أنه يمين تجب الكفارة بالحنث فيه، وقال مالك، والشافعي، وأبو عبيد: إنه ليس بيمين، ولا كفارةَ فيه، لكن القائل به [آثمّ]، صدق فيه أو كذب، وهو قول أهل المدينة، ويدل عليه: أنه والنّ رتب عليه الإثمَ مطلقاً، ولم يتعرض للكفارة (٢). ٠ ٠٠ ١٥٥١ - عَنْ أَبِي زَيْدٍ ثَابِتِ بْنِ الضَّخَّاكِ الأَنْصَارِيِّ وهو من أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِنَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِباً مُتَعَمِّداً، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ (١) رواه ابن حبان في (صحيحه)) (١٤٦٣)، من حديث بريدة ﴿ه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٣٠٦). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٤٣٨). ٥٥٩ قَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيما لاَ يَمْلِكُهُ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ)) متفقٌ عليه. * قوله خارجي: ((من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال))(١): (ن): ليس المراد بقوله: ((كاذباً)) التقييد والاحتراز من الحلف بها صادقاً؛ فإنه لا ينفك الحالف بها عن كونه كاذباً؛ لأنه لا بد أن يكون معظِّماً لما حلف به، فإن كان معتقداً عظمتَه بقلبه؛ فهو كاذب في ذلك، وإن كان غيرَ معتقد ذلك بقلبه؛ فهو كاذب في الصورة؛ لكونه عظَّمه بالحَلِف، فيحمل قوله: ((كاذباً)) على أنه لبيان صورة الحالف، ويكون التقييد خرج على سبب، فلا يكون له مفهوم، ويكون من باب قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ اُلْأَنِْيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ ◌ِمْلَقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، ونظائره كثيرة، ثم إن كان الحالف به معظِّمَاً لِمَا حلف به مُجِلاًّ له؛ كان كافراً، وإن كان قلبه مطمئناً بالإيمان؛ فهو كاذب في حلفه بما لا يُخْلَف به، ويجوز أن يطلق اسم الكفر، ويراد به: كفرُ الإحسانِ والنعمةِ؛ فإنها لا تقتضي أن يحلف به هذا الحلف القبيح(٢). (١) هذا الحديث جاء في المطبوع من ((رياض الصالحين)) في (باب تحريم لعن إنسان بعينه)، وأورده الشارح هنا، ولعله من اختلاف النسخ. (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٢٦). ٥٦٠