النص المفهرس
صفحات 521-540
ببول الأعرابي، ولو كان الكلب نجساً لعينه، لا لما يتعلق به؛ لما احتاج إلى غسله، كما لا يحتاج إلى غسل الموضع أو الثوب الذي يكون عليه عظم ميتة، أو نجاسة لا رطوبة فيها، وعلى هذا فهذا الاحتمال أولى، فإن لم يكن أولى؛ فالاحتمالات متعارضة (١) والدَّسْت قائم، ولا نصَّ حاكم(٢). ١٦٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: وَاعَدَ رَسُولَ اللهِوَّل جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِي سَاعَةٍ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلم يَأْتِهِ! قَالَتْ: وَكَانَ بِيَدِهِ عَصًا، فَطَرَحَهَا مِنْ يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((مَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ، وَلا رُسُلُهُ))، ثُمَّ التَفَتَ، فَإِذا جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: ((مَتَّى دَخَلَ هَذَا الكَلْبُ؟))، فَقُلْتُ: وَالله! مَا دَرَيْتُ بِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءَهُ - جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِلَّى : ((وَعَدْتَنَي، فَجَلَسْتُ لَكَ وَلَمْ تَأْتِي فَقَالَ: مَنَعَنِ الكَلْبُ الَّذِي كَانَ في بَيْتِكَ، إِنَّا لا نَدْخُلُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلا صُورَةٌ)) رواه مسلمٌ. * قوله إيلاف: «ما يخلف الله وعده»: (ن): فيه: التنبيه على الوثوق بوعد الله سبحانه، ورسولِه ◌َلّ، لكن قد يكون للشيء شرط، فيتوقف على حصوله، أو يتخيل توقيته بوقت وقد (١) في الأصل: ((معارضة))، والتصويب من ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٢٢). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٤٢١). ٥٢١ يكون غيرَ مؤقّتٍ به ونحو ذلك، وفيه: أنه إذا تكدر وقت الإنسان، أو تكدرت وظيفته، ونحو ذلك؛ فينبغي أن يتفكر في سببه، كما فعل النبي ◌َّيه هنا حتى استخرج الكلب، وهو من نحو قول الله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٠١](١). ١٦٨٧ - وَعَنْ أَبَي الهَيَّاجِ حَيَّنَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لي عَليُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ : أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنَي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِّهِ؟ أَنْ لا تَدَعَ صُورَةً إِلَّ طَمَسْتَهَا، وَلا قَبْراً مُشْرِفاً إِلَّ سَوَّيْتَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * قوله: ((ألا أبعثك على ما بعثني)): (تو): المعنى ألا أرسلك للأمر الذي أرسلني له رسول الله وٍَّ، وإنما ذكر بحرف ((على))؛ لما فيه [من] معنى الاستعلاء؛ أي: أجعلك أميراً على ذلك. (ط): وفيه أن ما أُمُّر عليه من الشؤون العظيمة؛ فإن مِثْلَ علي إنما يُؤَمَّر في الأمور المهمة(٢). (تو): (التمثال): الصورة، وطَمْسُه: محوُه وإبطاله، يقال: طَمَسَ الشيءُ وطمسته یتعدّی، ولا يتعدى. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٨٣). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤٠٦). ٥٢٢ و((القبر المشرف)): هو العالي المنتصب أراد به القبر الذي بني عليه حتى ارتفع دون الذي أُعْلِم عليه بالرمل والحصا أو الحجارة؛ ليعرف، ولئلا يوطأ . (ق): (التمثال): مثالُ صورةٍ ما فيه الروحُ، وهو يعم ما كان متجسِّداً وما كان مصوَّراً في رقم أو نقش، لا سيما وقد روي (صورة) مكان (تمثال). وقيل: المراد به هنا ما کان له شخص وجسد، دون ما کان في ثوب أو حائط منقوشاً. وحاصله: الأمر بتغيير الصور مطلقاً، بقطع رؤوسها، وتغيير وجوهها. وظاهر قوله: ((ولا قبراً مشرفاً إلا سوَّيته)) منع تسنيم القبور ورفعها، وأن تكون لاطِئةً بالأرض، وقد قال به بعض أهل العلم. وذهب الجمهور إلى [أنَّ] هذا الارتفاع المأمور بإزالته ليس هو التسنيم، بل الارتفاع الكثير الذي كانت الجاهلية تفعله؛ فإنها كانت تبني فوقها؛ تفخيماً لها وتعظيماً. وأما تسنيمها، فذلك صفة قبر النبي ◌َّ، وقبر أبي بكر وعمر، على ما ذكره في ((الموطأ)). وقد جاء عن عمر أنه هَدَمها وقال: ينبغي [أن تُسوَّى](١). وهذا معنی قولِ الشافعي: تسطح القبور ولا تبنى، ولا [تُرفع]، وتكون على (١) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) (٢ / ٦٢٦). ٥٢٣ وجه الأرض، وتسنيمها اختيار أكثر العلماء، وجماعة أصحابنا وأصحاب الشافعي، والذي صار إليه عمر أولى؛ فإنه جمع بين التسوية والتسنيم(١). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦٢٥). ٥٢٤ ٢٩٧- باب تحريم اتخاذِ الكلبِ، إِلاَّ لصيدٍ، أو ماشیةٍ، أو زرعٍ ١٦٨٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ﴾، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِوَ﴾ يَقُولُ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْباً، إِلَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ بَوْمٍ قِرَاطَانِ)) متفقٌ عليه. وفي رِوَايَةٍ: ((قِيْرَاطُ)). * قوله قال: ((من اقتنى كلباً): (ن): يحرم اقتناء الكلب لغير حاجة، ويجوز اقتناؤه؛ للصيد والزرع والماشية. وهل يجوز لحفظ الدور والدروب ونحوها؟ فیه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لظواهر الأحاديث. وأصحهما: يجوز؛ قياساً على الثلاثة، وعملاً بالعِلَّة المفهومة من الأحاديث، وهي الحاجة. وهل يجوز اقتناء الجرو، وتربيته للصيد والزرع والماشية؟ ٥٢٥ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما جوازه(١). (ط): ((إلا كلب)): (إلا) هنا بمعنى غير، صفة لـ ((كلباً)، لا استثناء؛ التعذُّره، ويجوز أن ننزل النكرة منزلة المعرفة، فيكون استثناءً لا صفة، كأنه قيل: من اقتنی الکلب، قال(٢) ابن جني في قوله: يَكونُ(٣) مِزَاجَها عَسَلٌ وَمَاءُ إنما جاز ذلك من حيث كان (عسل) و(ماء) من جنسين، فكأنه قال: يكون مزاجَها العَسَلُ والماء؛ لأن نكرة الجنس تفيد مفادَ معرفتِهِ (٤). (ن): ((من عمله)): معناه: من أجر عمله. و ((القيراط)» هنا مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء من أجر عمله. وأما اختلاف الرواية في قيراط وقيراطين: فقيل: يحتمل أنه في نوعين من الكلاب، أحدهما أشدُّ أذىّ من الآخر، أو لمعنى فيهما، أو یکون ذلك مختلفاً باختلاف المواضع: فيكون القيراطان في المدينة خاصة؛ لزيادة فضلها، والقيراط في غيرها . أو القيراطان في المدائن ونحوها من القرى، والقيراط في البوادي. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٨٦). (٢) في الأصل: ((قوله)). (٣) في الأصل: ((كان)). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٨١٥). ٥٢٦ أو يكون ذَكَر القيراطَ أولاً، ثم زاد التغليظُ فَذَكَر القيراطين. قال الروياني من أصحابنا: واختلفوا في المراد بما ينقص منه، فقيل: ینقص مما مضى من عمله، وقيل: من مستقبله. واختلفوا في محل نقص القيراطين: فقيل: ينتقص قيراط من عمل النهار، وقيراط من عمل الليل. وقيل: قيراط من عمل الفرض، وقيراط من عمل النفل، والله أعلم. واختلف العلماء في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب: فقيل: لامتناع الملائكة من دخول بيته بسببه، وقيل: لما يلحق المارِّين من الأذى من ترويع الكلب لهم، وقصدِه إياهم، وقيل: إن ذلك عقوبةٌ له؛ لاتخاذه ما نهى عن اتخاذه، وعصيانِه في ذلك، وقيل: لما يُبتلى به من ولوغه في غفلة صاحبه، ولا يغسله بالماء والتراب(١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٢٣٩). ٥٢٧ ٣٩٨- باب كراهيةِ تعليقِ الجرسِ في البعيرِ وغيرِه من الدوابِ، وكراهيةِ استصحابِ الكلبِ، والجَرَسِ في السَّفرِ ١٦٩٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَّى: ((لا تَصْحَبُ المَلائِكَةُ رِفْقَةٌ فِيهَا كَلْبٌ، أَوْ جَرَسٌ» رواه مسلم. * قوله: وَ﴾: [((لا تصحب الملائكةُ رفقةً فيها كلب أو جرس))]: (ن): (الرفقة) بضم الراء وكسرها. و(الجرَس) بفتح الراء هكذا ضبطه الجمهور. قال القاضي: وضبطناه عن أبي بحر بإسكانها، وهو اسم للصوت. وأصل (الجرس) بالإسكان: الصوت الخفي. وفي هذا الحديث كراهة استصحاب الكلب والجرس في الأسفار؛ فإن الملائكة لا تصحب رفقة فيها أحدهما. والمراد ((بالملائكة)): ملائكةُ الرحمة والاستغفار، لا الحَفَظة، وسبق بيان الحكمة في مجانبة الملائكة بيتاً فيه كلب. وأما (الجرس): فقيل: سبب منافرة الملائكة له أنه شبيه بالنواقيس، أو لأنه من المعاليق المنهيِّ عنها، وقيل: سببه كراهة صوتها، ويؤيده ٥٢٨ [رواية]: ((مزامير الشيطان))(١). وهذا الذي ذكرناه من كراهة الجرس على الإطلاق هو مذهبنا، ومذهب مالك وآخرين، وهي كراهة تنزيه. وقال جماعة من متقدمي علماء الشام: يكره الجرس الكبير دون الصغير (٢) . (ق): وجه الفرق: أن الكبير ربما يقع به التشويش على الناس، وبه تحصل المشابهة بالنصارى؛ فإنهم يستعملون النواقيس في حَضَرِهم وسفرهم(٣). (حس): روي أن جارية دخلت على عائشة رضي الله عنها وفي رجلها جلاجل، فقالت عائشة: أخرِجوا عني مفرِّقَةَ الملائكة(٤). وروي أن عمر رظُه قطع أجراساً في رجل [ابنة] الزبير، قال: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((إِنَّ مَعَ كُلِّ جَرَسٍ شَيْطَاناً) (٥). (ط): ((ولا جرس)) جاز عطفه على قوله ((فيها كلب)) وإن كان مثبتاً؛ لأنه في سياق النفي(٦). (١) رواه مسلم (٢١١٤ / ١٠٤)، من حديث أبي هريرة ظه. (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٩٤). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٣٥). (٤) انظر: ((مصنف عبد الرزاق)) (١٩٦٩٩). (٥) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١١ / ٢٦). والحديث رواه أبو داود (٤٢٣٠)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٨١٩). (٦) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٦٧٩). ٥٢٩ ١٦٩١ - وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ ◌ِ﴾ قَالَ: ((الجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * وقوله: ((مزامير الشيطان)) أخبر عن المفرد بالجمع؛ إما الإرادة الجنس، أو أنَّ صوتها لا ينقطع كلما [تحرَّك المعلَّق](١) به، لاسيما في السفر، بخلاف المزامير المتعارفة، كقول الشاعر : ومِعَى جِيَاعـ وصف المفرد بالجمع؛ ليشعر بأن كل جزء من أجزاء المِعَى بمثابته؛ لشدة الجوع، وإضافته إلى الشيطان؛ لأن صوته لم يزل يشغل الإنسان عن الذكر والفكر. (١) في الأصل: ((تعلق))، والتصويب من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٧٩) ٥٣٠ ٢٩٩- باب كراهةٍ ركوبِ الجَلالة، وهي البعيرُ أو الناقةُ التي تأكلُ العَذِرَة، فإِنْ أكلتْ عَلَفاً طاهِراً، فطابَ لحمُها، زالتِ الكراهةُ ١٦٩٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿﴾، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ﴿ عَنِ الجَلَّلَةِ فِي الإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا. رَوَاهُ أبو داود بإسنادٍ صَحيحٍ. * قوله: ((نهى رسول الله وليه عن الجلالة»: في ((الغريبين)): ((الجلالة): التي تأكل العَذِرة، يقال: جَلَّ يَجُلُّ، واجتل يجتل: إذا التقط البعر. قال في ((الفائق)): كنى عن العَذِرة بالجِلَّة، وهي البعرة، فقيل لآكلتها: جلالة، وقد جَلَّ الجلَّةَ، واجتلها: التقطها(١). (حس): الحكم في الدابة التي تأكل العذرة أن يُنظَر فيها؛ فإن كانت تأكلها أحياناً؛ فليست بجلالة، ولا يحرم بذلك أكلُها كالدجاج، وإن كان غالب علفها منها حتى ظهر ذلك على لحمها ولبنها، فاختلفوا في أكلها؟ فذهب قوم: إلى أنه لا يحل أكلها إلى أن تحبس أياماً، وتُعْلَف من غيرها حتى يطيب لحمها، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأحمد. وكان الحسن لا يرى بأساً بأكل لحوم الجلالة، وهو قول مالك. (١) انظر: ((الفائق)) للزمخشري (١ / ٢٢٣). ٥٣١ وقال إسحاق: لا بأس بأكلها بعد أن تُغسل غسلاً جيداً، وإنما كره ركوبها؛ لأنها إذا عرقت تنتن رائحتها كما ينتن لحمها(١). (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١١ / ٢٥٣). ٥٣٢ ٣٠٠-ين النهي عن البُصاقِ في المسجدِ، والأمرِ بإزالتِه منهُ إذا وُجِدَ فيه، والأمرِ بتنزيهِ المسجد عن الأقذارِ ١٦٩٣ - عَنْ أَنَسِ : أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهْ قَالَ: ((البُصَاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا)) متفقٌ عليه. والمُرَادُ بِدَفْنِهَا: إِذا كَانَ المَسْجِدُ تُرَاباً، أَوْ رَمْلاً وَنَحْوَهُ، فَيُوَارِبِهَا تَحْتَ تُرَابِهِ . قالَ أبو المحاسِنِ الرُّويَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ ((البحر)): وقيلَ: المُرَادُ بِدَفْنِهَا: إِخْرَاجُهَا مِنَ المَسْجِدِ، أَمَّا إذا كَانَ المَسْجِدُ مُبَلَّطاً، أَوْ مُجَصَّصاً، فَدَلَكَهَا عَلَيْهِ بِمَدَاسِهِ، أَوْ بِغَيرِهِ؛ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الجُهَّالِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَفْنٍ، بَلْ زِيَادَةٌ في الخَطِيئَةِ، وَتَكْثِيرٌ لِلْقَذَرِ فِي المَسْجِدِ، وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَنْ يَمْسَحَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْبِهِ، أَوْ بِيَدِهِ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ يَغْسِلَهُ. قوله : «البزاق في المسجد خطيئة)): (ن): اعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقاً، كما صرح به رسول الله وَّر، وقاله العلماء. ٥٣٣ وللقاضي عياض فيه كلام باطل حاصله: أن البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه، فأما من أراد دفنه؛ فليس بخطيئة، واستدل له بأشياء باطلة، وهذا غلط صريح مخالف لنص الحديث، ولما قاله العلماء، نبهت عليه؛ لئلا يغتر به. وأما قوله ◌َلفي: ((وكفارتها دفنها)) معناه: أن من ارتكب هذه الخطيئة؛ فعليه تكفيرها، كما أن الزنا والخمر، وقتل الصيد في الإحرام محرمات وخطايا، وإذا ارتكبها فعليه تكفيرها(١). (ق): أصل التكفير التغطية، فكان دفنها غطاءً لما يُتصوَّر عليه من الذم، والإثم لو لم يفعل، وهذا كما سميت تحلة اليمين كفارة، وليست اليمين بمأثم فتكفِّرَه، ولكن لما جعلها الله فسحة لعباده في حل ما عقدوه من أيمانهم ورفعها لحكمها سماها كفارة، ولهذا جاز إخراجها قبل الحنث، وسقوط حكم اليمين بها على الأصح من القولين. وقد دل على صحة هذا التأويل قوله وَله: ((وَجَدتُ فِي مَسَاوِى أَعْمَالِها)»؛ يعني: أعمالَ أمَّتي ((النُّخَاعَةَ تكُونُ فِي المَسْجِدِ لاَ تُدْفَنُ))(٢)، فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك، وببقائها غيرَ مدفونة(٣) . (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٤١). (٢) رواه مسلم (٥٥٣ / ٥٧)، من حديث أبي ذر (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٦٠). ٥٣٤ ١٦٩٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ رَأَى فِي جِدَارِ القِبْلَةِ مُخَاطاً، أَوْ بُزَاقاً، أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ. متفقٌ عليه. * قوله: ((مخاطاً أو بزاقاً أو نخامة)): (ن): (المخاط): من الأنف، و(البصاق والبزاق): من الفم، و(النخامة): وهي النخاعة أيضاً من الصدر، يقال: تنخَّم وتنشَّع(١)، وسبق فقه هذا الحديث في (الباب السابع والسبعين). ١٦٩٥ - وَعَنْ أَنَسِ هِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لاَ تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلاَ القَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الله تَعَالى، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ))، أوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِوَص ◌ِ. رواه مسلمٌ. • قوله *: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر» : (ن): فيه صيانة المساجد وتنزيهُها عن الأقذار والقذى، والبصاق، ورفع الأصوات، والخصومات، والبيع والشراء، وسائر العقود، وما في معنى ذلك. وفي هذا الفصل مسائل ينبغي أن نذكر أطرافاً منها مختصرة: (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣٩/٥). ٥٣٥ أحدها: أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدث، فإن كان جلوسه لعبادة؛ من اعتكاف أو قراءةِ عِلْمٍ، أو سماع موعظة، أو انتظار صلاة ونحوه؛ کان ذلك مستحباً. وإن لم یکن شيء من ذلك؛ كان مباحاً. وقال بعض أصحابنا: إنه مكروه، وهو ضعيف. الثانية: يجوز النوم في المسجد عندنا، نص عليه الشافعي في ((الأم))، وقال [ابن] المنذر في ((الإشراف)): رَخَّص النومَ في المسجد ابنُ المسيب والحسن، وعطاء والشافعي. وقال ابن عباس: لا تتخذوها مرقداً، وروي أنه قال: إن كنت تنام فيه لصلاة؛ فلا بأس . وقال مالك: لا بأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر. وقال [أحمد](١): إن كان مسافراً ونحوه؛ فلا بأس، وإن اتخذه مبيتاً ومقیلاً؛ فلا، وهذا قول إسحاق. واحتج من جوَّزه بنوم علي بن أبي طالب(٢)، وابن عمر(٣)، وأهل الصفة، والمرأة صاحبة الوشاح(٤)، والعُرَنِيين، وثمامة بن أثال(٥)، وصفوان (١) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٩٢). (٢) رواه البخاري (٤٣٠)، من حديث سهل بن سعد ظـ (٣) رواه البخاري (٦٦٢٦)، من حديث ابن عمر حولهما. (٤) رواه البخاري (٤٢٨) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٥) رواه البخاري (٤١١٤)، من حديث أبي هريرة قته. ٥٣٦ ابن أمية، وغيرِهم، وأحاديثُهم في ((الصحيح)) مشهورة. ويجوز أن يُمَكَّن الكافرُ من دخول المسجد بإذن المسلمين، ويمنع من دخوله بغير إذن. الثالثة: قال ابن المنذر: أباح كلُّ من يُحْفَظ عنه العلم الوضوءَ في المسجد، إلا أن يتوضأ في مكان يبلُّه ويتأذى به الناس؛ فإنه مكروه، ونقل الإمام أبو الحسن ابن بطال المالكي هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والنَّخَعي، وابن القاسم المالكي، وأكثرِ أهل العلم. وعن ابن سيرين ومالك وسُخْنون أنهم كرهوه؛ تنزيهاً للمسجد. الرابعة: قال جماعة من أصحابنا: يكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد؛ لغير حاجة مقصودة؛ لأنه لا يؤمَن تنجيسُهم المسجدَ، ولا يحرم؛ لأن النبي ◌َِّ طاف على بعيره، ولا ينفي هذه الكراهةَ؛ لأنه پڼ فعل ذلك؛ للجواز، أو لیقتدى به. الخامسة: يحرم إدخال النجاسة المسجد، وأما من على بدنه نجاسة؛ فإن خاف تنجیس المسجد؛ لم يجز له الدخول، فإن أمن ذلك؛ جاز. وأما إذا افتصد في المسجد؛ فإن كان في غير إناء فحرام، وإن قطر دمه في إناء؛ فمكروه. وإن بال في المسجد في إناء؛ ففيه وجهان: أصُهما: أنه حرام، والثاني : أنه مكروه. السادس: يجوز الاستلقاء في المسجد، ومدُّ الرجل، وتشبيك ٥٣٧ الأصابع؛ الأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك من فعل رسول الله واصلفيه . السابعة: يستحب استحباباً متأكداً كَنْسُ المسجد وتنظيفهُ؛ للأحاديث الصحيحة(١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٩١). ٥٣٨ ٣٠١- با كراهيةِ الخصومةِ في المسجدِ، ورفع الصوتِ فيه، ونشدِ الضالّةِ، والبيعٍ والشراءِ والإجارةِ، ونحوها من المعاملاتِ ١٦٩٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةٌ فِي المَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لاَ رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ؛ فإِنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لهذا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * قوله: ((ينشُد ضالة)): (ن): يقال: نشدت الدابة والضالة: إذا طلبتها، وأنشدتها: إذا عرَّفتها، ورواية هذا الحديث يَنشد ضالة بفتح الياء، وضم الشين؛ من نَشَدت: إذا طلبت، وفيه النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويلحق به ما في معناه من البيع والشراء، والإجارة ونحوها من العقود. قال القاضي: قال مالك، وجماعة من العلماء: يُكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. وأجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفعَ الصوت فيه بالعلم والخصومة، وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مَجْمَعُهم، ولابد لهم منه(١) . (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٥٤). ٥٣٩ ١٦٩٨ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾: أَنَّ رَجُلاً نَشَدَ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: مَنْ دَعَا إلى الجَمَلِ الأحْمَرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لهِ: ((لا وَجَدْتَ؛ إِنَّما يُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِمَا يُنِيَتْ لَهُ)) رواه مسلمٌ. * قوله: «إنما بنیت المساجد لما بنیت له)): (ن): معناه: لذكر الله تعالى، والصلاة، والتعليم، والمذاكرة في الخير ونحوها . قال القاضي: فيه دليل على منع عمل الصانع في المسجد، كالخياطة وشبهها . قال: وقد منعَ بعضُ العلماءِ مِن تعليمِ الصِّبيانِ في المسجد، قال: وقد قال بعضُ شيوخنا: إنما يُمنعُ في المساجدِ مِن عَمَلِ الصنائعِ التي يختص بنفعها آحادُ المسلمين ويكتسب به، فلا يَتَّخِذ المسجدَ مَتْجراً. فأما الصنائع التي يشمل نفعُها المسلمين في دينهم؛ كالمثاقفة(١)، وإصلاح آلات الجهاد مما لا امتهان للمسجد في عمله: فلا بأس به، قال: وحكى بعضهم خلافاً في تعليم الصبيان فيها(٢). (خط): كره بعض السلف المسألةَ في المسجد، وكان بعضُهم لا يرى أن يتصدق على السائل المُتَعَرِّضِ في المسجد(٣). (ط): إن في أمر الضَّالَّة في تعلَّقِ قلبٍ صاحبها بها، واهتمامِه بشأنها (١) في الأصل: ((كالمثاقلة))، والتصويب من ((شرح مسلم)) للنووي (٥/ ٥٥). (٢) المرجع السابق (٥/ ٥٥). (٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ١٤٣). ٥٤٠