النص المفهرس

صفحات 481-500

* قوله: «ليس منا من ضرب الخدود)»:
(ن): ((دعوى الجاهلية)): هي النیاحة، وندبه المیت، والدعاء بالويل
وشبهه .
والمراد (بالجاهلية): ما كان في الفترة قبل الإسلام(١).
١٦٥٩ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى، فَنُشِيَ
عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَأَقْبَلَتْ تَصِيحُ بِرَّةٍ، فَلَمْ
يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئاً؛ فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: أَنَا بَرِيءٌّ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ
رَسُولُ اللهِنَّهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَهَ بَرِيءٌ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالحَالِقَةِ،
وَالشَّاقَّةِ. متفقٌ عليه.
(الصَّالِقَةُ»: الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالنِّيَاحَةِ والنَّذْبِ، ((والحَالِقَة)»:
التي تَحْلِقُ رَأْسَهَا عِنْدَ المُصِيبَةِ، ((والشَّاقَّةُ)): التي تَشُقُّ ثَوْبَهَا.
* قوله: ((وَجِع أبو موسى»:
(ن): هو بفتح الواو وكسر الجيم.
و((الحجر)) بفتح الحاء وكسرها، لغتان.
و((الرنَّةَ)): بفتح الراء، وتشديد النون: هي صوت من البكاء فيه ترجيع .
وقوله: ((أنا بريء))؛ أي: من فعلهن، وما يستوجبن من العقوبة، أو
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٠).
٤٨١

من عهدة ما لزمني من بيانه، وأصل البراءة الانفصال.
ويجوز أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعلي هذه الأمور، ولا
يقدر فیه حذف(١).
(نه): ((الصلق)): الصوت الشديد يريد رفعَه في المصائب، وعند
الفجيعة بالموت، ويدخل فيه النوح، ويقال: بالسين(٢).
(ن): حكى القاضي عن ابن الأعرابي أنه قال: (الصَّلق): ضرب
الوجه(٣).
١٦٦٠ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ◌َ﴿ه، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ نِحَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِحَ عَلَيْهِ يَوْمَ
القِيَامَةِ)) متفقٌ عليه.
* قوله رقيق: ((يعذب بما نيح عليه يوم القيامة)) :
(ط): الباء يجوز أن تكون سببية، و((ما)) مصدرية، وأن يكون الجار
والمجرور حالاً، و(ما) موصولة؛ أي: يعذب ملتبساً بما ندب عليه من
الألفاظ؛ واجبلاه، يا كهفاه، ونحوهما، على سبيل التهكم، ويعضده
(١) المرجع السابق (٢ / ١١٠ - ١١١).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣ / ٤٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٠).
٤٨٢

حديث النعمان كما سيأتي(١).
*
١٦٦١ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ نُسَيْبَةَ - بِضَمِّ الُّونِ وَفَتْحِهَا - رَضِيَ
الله عَنْهَا، قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهَِ عِنْدَ البَيْعَةِ: أَنْ لاَ
نُنُوحَ. مثَّفقٌ عليه.
* قوله: ((أخذ علينا في البيعة أن لا ننوح)):
(ن): فيه تحريم النوح وعظم قبحه، والاهتمام بإنكاره، والزجر
عنه؛ لأنه مهيج للحزن، ودافع للصبر، وفيه مخالفة للتسليم للقضاء،
والإذعانِ لأمر الله(٢).
١٦٦٢ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﴾، قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ الله
بْنِ رَوَاحَةَ ﴿ه، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ تَبْكِي، وَتَقُولُ: وَاجَبَلاَهُ! وَاكَذَا!
وَاَكَذَا! تُعَدِّدُ عَلَيْهِ. فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتٍ شَيْئاً إِلَّ قِيلَ لِي: أَنْتَ
كَذَلِكَ؟! رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
* قوله: «واجبلاه»:
(ط): حال، والقول محذوف؛ أي: تبكي قائلةً: واجبلاه، أو ((تعدد))
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤٢٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٢٣٧).
٤٨٣

حال، و(واجبلاه) توطئة لها، كقوله تعالى: ﴿لِّسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢].
وقوله: ((قيل لي: أنت كذلك؟!))؛ أي: لمَّا قلت: واجبلاه؛ قيل
لي: أنت كذلك؟ أي: أنت جبل كهف يلجؤون إليك؟ على سبيل الوعيد
والتهكُّم، كما في قوله تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:
٤٩](١).
١٦٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿﴾، قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ◌َُه
شَكْوَى، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ،
وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ،
وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ، فَقَالَ: (أَقَضَى؟)) قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَبَكَى
رَسُولُ اللهِلَّهِ، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبيِّ وَّهِ، بَكَوْا، قَالَ: ((أَلَاَ
تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ
يُعَذِّبُ بِهَذَا))، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ، ((أَوْ يَرْحَمُ)) متَّفَقٌّ عَلَيهِ.
* قوله: في ((غَشِيَّة)):
(ن): هو بفتح الغين وكسر الشین وتشديد الياء.
قال القاضي: هكذا رواية الأكثرين، قال: وضبطه بعضهم بإسكان
الشين، وتخفيف الياء، وفي رواية البخاري ((في غاشية))، وكلُّه صحيح.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤٢٧).
٤٨٤

وفيه قولان: أحدهما: من يغشاه من أهله، والثاني: ما يغشاه من
الكروب(١).
(تو): (الغاشية): هي الداهية من شر أو مرض أو مكروه، والمراد به
هاهنا ما یتغشاه من کرب الوجع الذي به، لا حال الموت؛ لأنه برئ من
ذلك المرض .
* قوله خلف: ((أقضى؟)):
(ق): أي: مات.
وفي قوله: ((إن الله لا يعذب بدمع العين)) دلالة على أن البكاء الذي
لا يصحبه صوت، ولا نياحة جائز قبل الموت وبعده، بل قد يقال فيه: إنه
مندوب؛ لأنه قد قال فيه: إنه رحمة، والرحمة مندوب إليها، أما النياحة
والصراخ: فمحرم من أعمال الجاهلية، ولا يختلف فيه، فأما بكاء وصراخ
من غير ضرب خد، وشقِّ جيب: فهو جائز قبل الموت، مكروه بعده.
فأما جوازه: بدليل حديث جابر بن عقبة الذي خرّجه مالك، أن
رسول الله پڼ جاء یعود عبدالله بن ثابت، فوجده قد غلب عليه، فصاح به،
فلم يجبه، فاسترجع رسول الله ﴿ ﴿ وقال: ((غُلِبْنَا عَليكَ أَبَا الرَّبِيع))، فصاح
النسوة وبكين، فجعل جابر يسكتهنَّ، فقال رسول الله وَّر: ((دَعْهُنَّ، فَإِذَا
وَجَب؛ فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ))(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٢٢٦).
(٢) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١/ ٢٣٣)، من حديث جابر بن عتيك ظه. وهو
حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٣٩٨).
٤٨٥

وجه الاستدلال أنه عليه السلام أقرَّهنَّ على البكاء والصياح قبل
الموت، وأمر بتركهن على ذلك.
وإنما قلنا: إنه مكروه بعد الموت ليس بمحرم؛ لما في حديث جعفر
من بكائهن بعد الموت، وإعلام النبي ◌ّ﴿ بذلك، ونهيهن عنه، فلما لم
يتكففن، قال للمبلِّغْ: ((احْثُ في أفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ))(١)، ولم يبالغ في الإنكار
عليهن، ولا زَجَرَهُنَّ، ولا ذمَّ، ولو كان ذلك محرماً؛ لفعل كل ذلك.
وبهذا الذي قررناه يرتفع اختلاف بين ظواهر الأحاديث التي في هذا
الباب، فتمسَّكْ به؛ فإنه حسن جداً، وهو الصواب إن شاء الله(٢).
(ن): «احْثُ في أفْواهِهِنَّ)»: مبالغة في إنكار البكاء عليهن ومنعهن
منه .
وتأوله بعضهم على أنه كان بكاءً بنَوحِ وصياح، ولهذا تأكَّد النهي،
ولو كان مجرَّدَ دمع العين؛ لم ينه عنه؛ لأنه وَِّ فعَلَه، وأخبر أنه ليس
بحرام، وأنه رحمة.
وتأوله بعضهم على أنه كان بكاءً من غير نياحة ولا صوت، قال:
ويبعد أن الصحابيات يتمادين بعد تكرار نهيهنَّ على محرَّم، وإنما كان بكاءً
مجرَّداً، والنهيُ عنه نهْيَ تنزيه وأدب، لا للتحريم، فلهذا أصررْنَ عليه
متأوِّلاتٍ(٣).
(١) رواه البخاري (١٢٣٧)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٧٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٢٣٦).
٤٨٦

١٦٦٤ - وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الأشْعَرِيِّ ◌ُهِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((النَّائِحَةُ إِذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ القِيَامَةِ
وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ)) رواهُ مسلمٌ.
* قوله قي: ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها):
(تو): أي: قبل حضور موتها، وإنما قيَّد ليعلم أن من شرط التوبة أن
يتوب التائب، وهو يأمل البقاء، ويتمكن أن يتأتى منه العمل الذي يتوب
منه، ومصداق ذلك في كتاب الله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ اُلْكَنَ ﴾ [النساء: ١٨].
وقوله: ((تقام)) يُحتَمل أنها تُحشر، ويحتمل أنها تُقام على تلك الحال
بين أهل النار، وأهل الموقف؛ جزاءً على قيامها في النياحة، وهو الأمثل.
وقوله: ((عليها سربال من قطران)) وَرَد بمثله التنزيلُ: ﴿سَرَابِلُهُم
مِّن قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠].
و((القطِران)): بكسر الطاء هِنَاءٌ تُهْنَأُ به الإبل الجَرْبَى، فَيَحْرِقُ بحدَّته
وحَرَارته الجربَ، ويتخذ ذلك من الأَبْهَل، وهو شجر العرعر، فيطبخ ثم
تُهْنَاً به.
وسكونُ الطاءِ، وفتحُ القاف وكسرها لغةٌ فيه.
وقد أوعد الله تعالى المتكبرين عن عبادته أن يعذبهم بذلك لمعانٍ
أربعة: للذعه، وحرقته، واشتعال النار فيه، وإسراعِها في المطْلِيِّ به،
وسواد لونِه تشمئزُّ عنه النفوسُ، ونتن رائحته، فتطلى به جلودهم حتى
يعود طلاؤها كالسرابيل؛ لأنهم كانوا يستكبرون عن عبادته، فألبسهم الله
٤٨٧

تعالى لباس الحزن والهوان، وهذا الوعيد في الحديث يختص بالنائحة
لمعنىّ آخرَ، وهو أن النائحة كانت تلبَسُ الثيابَ السود في المآتم، فألبسها
الله تعالى قميصاً من قطران؛ لتذوق وبال أمرها.
* وقوله: ((ودرعاً من جرب))؛ أي: يسلط عليها الجرب، فيغطي
جلدَها تغطيةَ الدِّرعِ، ويلتزق بها التزاقَه، فيجمع لها بين حِدَّة القَطِران
وحرارته، وحرقته ونتنه، وسواده واشتغاله، وبين الجرب الذي يمزق
الجلد ويقطع اللحم، كما تجمع المرأة بين القميص والدرع، وذكر الدِّرْع؛
لأنها قميص النساء، ثم إن النياحة تختص بشغلهنَّ اختصاصَ الدرع
بمَلَابسهنَّ، فشاركت أهل النار في لباسهم، واختصَّت بدرع من جرب؛
للمعنى الذي خُصَّت به، ثم إذا نظرنا إلى المناسبات الواقعة بين الذنوب
وعقوبتها وجدنا لتعذيبها بالجرب وجهین :
أحدهما: أنها كانت تخمش وجهها، فابتُلِيتْ بما لا صبرَ لها عليه إلا
بالخمش والتمزيق.
والآخر: أنها كانت المحرقة قلوبَ ذواتِ المصيباتِ، وتحكُّ
بواطِنَهُنَّ فَعُوقِبَتْ في ذلك المعنى بما يماثلُه في الصورة.
١٦٦٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهَّهِ قَالَ: ((مَا مِنْ
مَيِّتٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ، فَيَقُولُ: وَاجَبَلاَهُ! وَاسَيِّدَاهُ! أَوَ نَحْوَ
ذَلِكَ، إِلاَّ وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانٍ يَلْهَزَانِهِ: أَهَكَذَا كُنْتَ؟!)) رَوَاهُ التِّرْمِذِي،
وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
٤٨٨

((اللَّهْزُ»: الدَّفْعُ بِجُمْعِ الْيَدِ في الصَّدْرِ .
* قوله تعالى: ((ما من ميت يموت)) :
(ط): هو كقول ابن عباس: يمرض المريض، وتضل الضالة، فسمى
المُشَارف للموت والمرض والضلال ميتاً ومريضاً وضالة، وهذه الحالة هي
الحالة التي ظهرت على عبدالله بن رواحة كما سبق في هذا الباب.
((يلهزانه))؛ أي: يدفعانه ويضربانه، و(اللهز): الضرب بجميع الكف
في الصدر(١).
١٦٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّى:
(اثْتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى
المَيِّتِ» رواهُ مسلمٌ.
* قوله ريّ: ((اثنتان في الناس هما بهم كفر))، سبق في (الباب الخامس
والستين بعد المئة).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤٢٧).
٤٨٩

٢٩٤- باب
النهي عن إتيانِ الكُھَّانِ والمنجِّمينَ،
والعرَّافِ، وأصحابِ الرَّمل، والطّوارِقِ بالحصى،
وبالشعير، ونحوٍ ذلكَ
(الباب الثالث والتسعون بعد المئة)
(في النهي عن إتيان الكهان والمنجمين والعراف وأصحاب الرمل
والطوارق بالحصا)
قال القاضي: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون للإنسان وليٍّ من الجن يخبره بما يسترقه من السمع
من السماء، وهذا القسم بطل من حين بعث الله تعالى نبيّنا محمداً اليه.
الثاني: أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض، وما خفى عنه
مما قرب أو بعد، وهذا لا يَبْعُد وجودُه.
ونفَتِ المعتزلةُ وبعضُ المتكلِّمين هذين الضربين، وأحالوهما، ولا
استحالةَ في ذلك، ولا بُعْد في وجودِهِ، لكنهم يصْدُقون ويكْذِبون، والنهي
عن تصديقهم والسماع منهم [عامٌّ].
والثالث: المنجمون، وهذا الضرب یخلق الله تعالی فیه لبعض الناس
قوةً ما، لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفنِّ العرافةُ، وصاحبُها عَرَّاف،
وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدَّعي معرفتَها بها، وقد
٤٩٠

يعتضد بعضُ هذا الفنِّ ببعض في ذلك بالزجر والطرق، والنجوم، وأسباب
معتادة، وهذه الأضرب كلُّها تُسمَّى كَهانةً، وقد أكْذَبَهم كلَّهم الشرعُ، ونھی
عن تصديقهم وإتيانهم(١).
(ق): وسؤالهم عن غيب؛ ليُخْبروا عنه حرام، وما يأخذون على
ذلك حرام، ولا خلاف فيه؛ لأنه حلوان الکاهن المنھيُّ عنه.
قال أبو عمر: ويجب على وليِّ الحسبة أن يقيمهم من الأسواق،
وينكِرَ عليهم أشدَّ النكير، وقد انخدع كثير من المتلبسين بالدين، فجاؤا إلى
هؤلاء الكهنةِ والعرَّافين، فبهرجوا عليهم بالمحال، واستخرجوا منهم
الأموال، فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل، ومن أديانهم على
الفساد والضلال(٢).
١٦٦٨ - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَه
أَنَسٌ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: ((لَيْسُوا بِشَيْءٍ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله!
إِنَهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانَاَ بِشَيْءٍ، فَيَكُونُ حَقّاً؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((تِلْكَ
الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، . فَيَقُّهَا فِي أُذُنٍ وَلِيَّهِ، فَيَخْلِطُونَ
مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ) متفقٌ عليهِ.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٢٣)، و((إكمال المعلم)) للقاضي عياض
(٧/ ١٥٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٦٣٣).
٤٩١

وفي رِوَايَةٍ للبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، أَنَّهَا سَمِعَتْ
رَسُولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: ((إنَّ المَلاَئِكَةَ تَنْزِلُ فِي العَنَانِ - وهو السَّحَابُ -،
فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، فَيَسْتَرِقُ الشَّيْطَانُ السَّمْعَ، فَيَسْمَعُهُ،
فَيُّوحِيهِ إِلَى الكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)).
قولُهُ: ((فَيَقُرُّهَا)): هو بفتح الياء، وضم القاف والراءِ: أي:
يُلقِيهَا. ((وَالعَنَانُ»: بفتح العين.
* قوله {ل﴾: ((يخطَفها الجنيُّ)»:
(ن): بفتح الطاء، وبه جاء القرآن، وفي لغة قليلةٍ كسرها، ومعناه
استرقه، وأخذه بسرعة.
أما ((الكذبة))؛ فبفتح الكاف وكسرها، والذال ساكنة فيهما.
قال القاضي: وأنكر بعضهمُ الكسرَ إلا إذا أراد الحالةَ والهيئة، ولیس
هذا موضعها .
و«یقُژُها)) بفتح الياء وضم القاف وتشديد الراء.
قال أهل اللغة والغريب: القَرُّ: ترديدُ الكلام في أُذُن المخاطَب حتى
يفهمه، يقول: قَرَرْتُه فیه أَقَرُه قرّا(١).
١٦٦٩ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ عُبَيْدٍ، عَنْ بَعْضٍ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َِّ﴾
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٢٤).
٤٩٢

وَرَضِيَ الله عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ِ، قَالَ: ((مَنْ أَتَى عَرَّافاً، فَسَأَلَهُ عَنْ
شَيْءٍ، فَصَدَّقَهُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْماً) رَواهُ مُسْلِمٌ.
* قوله : ((من أتى عرافاً):
(ن): العراف سبق بيانه أنه من جملة أنواع الكبائر.
قال الخطَّابي وغيره: العراف هو الذي يتعاطى معرفةَ مكانٍ المسروق
ومکانِ الضالة ونحوهما.
وعدم قبول صلاته معناه: أنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجْزِئةً في
سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة، ونظير هذا الصلاةُ في
الأرض المغصوبة؛ مجزئة مسقطة للقضاء، ولكن لا ثوابَ فيها، كذا قاله
جمهور أصحابنا، قالوا: فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتى بها
على وجهها الكامل، ترتب عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول
الثواب، فإذا أداها في أرض مغصوبة؛ حصل الأول دون الثاني(١).
(ق): معناه: لا تُقْبَلُ قَبَولَ الرضا، وتضعيفِ الأجر، ويتضح ذلك
بمثال، ولله المثل الأعلى، وذلك أن المُهديَ إما مردودٌ عليه أو مقبولٌ منه.
والمقبولُ: إما مقرَّب مكرَّم مُثَاب، وإما ليس كذلك.
فالأول هو المبعَد المطرود، والثاني هو المقبول التام الكامل،
والثالث لا يصدق عليه أنه مثلُ الأولِ، فيصدق عليه أنه لمُ يُقبلْ منه؛ إذ لم
یحصل له ثواب ولا إكرام.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٢٧).
٤٩٣

وتخصيص الأربعين بالذكر قد جاء في مواضع كثيرة من الشرع منها
قوله في شارب الخمر ((لاَ يُقْبَلُ لَه صَلاَةٌ أَرْبعِينَ يَوْماً)(١)، ويُجْمَعُ الخَلْقُ في
بطن الأمّ أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل
ذلك، وقوله: من أخلص لله أربعين يوماً، ظهرت له ينابيع الحكمة من قلبه
على لسانه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَىّ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ ﴾ [البقرة: ٥١] ومنه
توقِيتُه عليه السلام في قصِّ الشارب، وتقليم الأظافر، وحَلْق العانة أن
لا تترك أكثر من أربعين ليلةً.
فتخصيص هذه المواضع بهذا العدد الخاص: هو سر من أسرار الشريعة
لم يطلع عليه نصّاً، غير أنه قد تنسم بعض علمائنا أمراً تسكن النفس إليه،
وذلك أن هذا العدد في هذه المواضع إنما خُصَّ بالذكر؛ لأنه مدة یکمل فيها
ما ضُربتْ له، فينتقل إلى غيره، ويحصل فيها تبدله، فأطوار الخِلْقةِ ظاهرة،
وكذلك في الأربعين الميعادية أُمر بنو إسرائيل أن يكملوا أنفسهم لسماع كلام
الله، فكمل لهم ذلك عند انتهائها، ومثل ذلك في الأربعين الإخلاصية،
وأما أربعون شاربِ الخمر؛ فلِيتَبدَّل لحمُ شاربِ الخمر بغيره.
ويؤيده أن أهل التجارب قالوا: السمن يظهر في الحيوان في أربعين
يوماً، وقريب من هذا الأربعون المضروبة لخصال الفطرة، لأنها عند
كمالها يكمل فحشها واستقذارها، فينبغي أن تغير عن حالها(٢).
(١) رواه النسائي (٥٦٦٤)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ١٨٩) من حديث عبدالله
ابن عمرو بن العاص، وهو حديث حسن. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٤ / ٤٦٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٦٣٥).
٤٩٤

وأما أربعون العراف؛ فلأنها - والله أعلم - المدةُ التي ينتهي إليها تأثير
تلك المعصية في قلب فاعلها، وفي جوارحه وعند انتهائها ينتهي ذلك
التأثير، والله العليم الخبير.
١٦٧٠ - وعَنْ قَبِيْصَةَ بْنِ المُخَارِقِ ﴿هِ، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِّهِ يَقُولُ: ((العِيَافَةُ، وَالطِّيَرَةُ، والطَّرْقُ، مِنَ الچِبْتِ».
رَوَاهُ أبو داودَ بإسنادٍ حَسَن، وقالَ: الطَّرْقُ، هُوَ الزَّجْرُ؛ أَيْ:
زَجْرُ الطَّيْرِ، وَهُوَ أَنْ يَتَمَّنَ، أَوْ يَتَشَاءَمَ بِطَيَرَانِهِ، فَإِنْ طَارَ إلى جِهَةِ
اليَمِينِ، تَيَّمَّنَ، وَإِنْ طَارَ إِلَى جِهَةِ الْيَسَارِ، تَشَاءَمَ، قالَ أبو داود:
((وَالِعِيَافَةُ»: الخَطُّ.
قال الجَوْهَرُّ في ((الصِّحَاح)): الجِبْتُ: كَلِمَةٌ تَقَعُ عَلى الصَّنَم،
والكَاهِنِ، وَالسَّاحِرٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
* قوله : ((العيافة والفطرة والطرق من الزجر)):
(نه): العيافة زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو
من عادة العرب كثير، وهو كثير في أشعارهم، يقال: عاف يعيف عيفاً: إذا
زَجَر وحَدَس وظن، وبنو أسد يُذْكَرون بالعيافة، ويوصفون بها.
قيل عنهم: إن قوماً من الجن تذاكروا عيافتهم فأتوهم، فقالوا:
ضلت ناقة فلو أرسلتم معنا من يعيف، فقالوا لغُليمٍ منهم: انطلقْ معهم
٤٩٥

فاستردَفَه أحدُهم، ثم ساروا، فلقيهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها،
فاقشعرَّ الغلام وبكى، فقالوا: ما لك؟ فقال: كسرت جناحاً، ورفعت
جناحاً، وحلفت بالله صراحاً، ما أنت بإنسي، ولا تبغي لقاحاً(١).
(تو): من أشعار العرب في هذا المعنى :
هُدَى وَبَيَانٌ بِالنَّجَاحِ يَلُوحُ
وَقَالَ صِحَابِي هُدْهُدٌ فَوْقَ بَانَةٍ
وَطَلْحٌ فَنِيْلَتْ وَالمِطِيُّ طَلِبْحُ
وَقَالُوا حَمَامَاتٌ فَحُمَّ لِقَاؤُهَا
قال آخر :
تَغَنَّى الطائرانِ ببينٍ سَلْمَى على غُصْنَيْنِ مِنْ غَرْبٍ وَبَانٍ
وقال آخر :
نَوىّ مَشْمُولَةٌ فَمَتَى اللِّقَاءُ
جَرَتْ سُنُحاً فَقُلْتُ لَهَا أَجِيْزي
(السانح): ما كانوا يتيمَّنون به؛ أي: قلت للنفس أجيزي؛ أي:
حلفي حال نوی.
و(المشمولة): المكروهة من الشمال؛ فإنهم يكرهونها؛ لما فيها من
البرد، وذهابها بالغيم الذي فيه الخِصْب والحيا.
(نه): ((الطرق)): هو الضرب بالحصا الذي يفعله النساء، وقيل: هو
الخط في الرمل(٢).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٣٠).
(٢) المرجع السابق، (٣/ ١٢١).
٤٩٦

(ط): أنشد في ((الفائق)) قول لبيد :
لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوارِقُ بِالحَصَا وَلاَ زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللهُ صَانِعُ
قالوا و((الچِبْت)): هو السِّحْر والكهانة، وقيل: هو كل ما عُبِدٍ من
دون الله، وقيل: هو الساحر.
وقوله: (من الجبت) معناه: مِنْ عَمَل الجبت، وقالوا: ليست عربيةً،
وعن سعيد بن جبير هي حبشية، والجبت عند العرب: الجِبْس، وهو الذي لا
خير له.
قيل: ولابد من إضمار في الأولين مثل: أنه يماثل عبادة الجبت، أو
من قبيلها، أو من أعمال الجبت.
والظاهر أن ((مِنْ)) فيه ابتدائية أو تبعيضية، فعلى الأول: معناه الطيرة
ناشئة من الساحر، وعلى الثاني: الطيرة من جملة السحر والكهانة، أو من
جملة عبادةِ غيرِ الله؛ أي: الشرك، ويؤيده ما جاء في الحديث: ((الطَّيَرَةُ
شِرْكٌ))(١).
١٦٧١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ :
((مَنِ اقْتَبَسَ عِلْماً مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٩٨٣)، والحديث رواه أبو داود (٣٩١٠)،
من حديث ابن مسعود ظ. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب
والترهيب)» (٣٠٩٨).
٤٩٧

زَادَ» رَوَاهُ أَبُو دَاودَ بإسنادٍ صحيحٍ.
* قوله ◌َلفي: ((من اقتبس علماً من النجوم)):
(ط): نكَّر علماً؛ للتقليل، ومن ثَم ضمَّ الاقتباس؛ لأن فيه معنى القلّة.
((من النجوم): صفة ((علماً)، وفيه مبالغة، وفاعل ((زاد)) الشُّعبة، ذكَّرها
باعتبار السحر، و((زاد ما زاد)»: جملة مستأنفَة على سبيل التقرير والتأكيد؛ أي:
يزيد السحر ما يزيد الاقتباس، فوضع الماضي موضع المضارع؛ للتحقيق(١).
(حس): المنهيُّ من عِلْم النجوم ما يدَّعيه أهلُها من معرفة الحوادث
التي لم تقع، وربما تقع في المستقبل من الزمان، مثل: إخبارهم بوقت
هبوب الرياح، ومجيء المطر، ووقوع الثلج وظهور الحر والبرد وتغيُّر
الأسعار (٢) ونحوها، ويزعمون أنهم يستدركون معرفتها بسير الكواكب،
واجتماعها، وافتراقها.
وهذا علم استأثر الله تعالى به لا يعلمه أحد غيره كما قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية.
فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذي يُعرف به
الزوال، وَجهة القبلة؛ فإنه غير داخل فيما نهي عنه قال الله: ﴿ وَهُوَ الَّذِى
جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُواْبِهَا فِىِ كُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال تعالى:
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٩٩١).
(٢) في الأصل: ((الأشجار))، والتصويب من ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ٢٨٢)،
و((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٢٣٠).
٤٩٨

﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، فأخبر تعالى أن النجوم طرق لمعرفة
الأوقات والمسالك، ولولاها لم يهتد الناس إلى استقبال القبلة روي عن
عمر : تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ القِبْلَةَ وَالطَّريقَ، ثمَّ أَمْسِكُوا(١).
١٦٧٢ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ ﴿ه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
الله! إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ تَعَالى بِالإِسْلامِ، وَإِنَّ
مِنَّا رِجَالاً يَأْتُونَ الكُهَّانَ؟ قَالَ: ((فَلا تَأْتِهِمْ))، قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ
يَتَطَيَّرُونَ؟ قالَ: ((ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهَ في صُدُورِهِمْ، فَلا يَصُدُّهُمْ))،
قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُونَ؟ قَالَ: (كَانَ نَبِّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ
وَافَقَ خَطَّهُ، فَذَاكَ)) رواه مسلمٌ.
* قوله: ((منا رجال يأتون الكهان))، سبق في (الباب الحادي والتسعين).
١٦٧٣ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ البَدْرِيِّ ◌َهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ﴾
نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ. متفقٌ عليه.
* قوله: ((نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلْوانِ الكاهن»:
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ١٨٣)، وقول عمر ظه رواه ابن أبي شيبة في
((مصنفه)) (٢٥٦٤٩) بنحوه. وروي مرفوعاً من حديث ابن عمر تلك، وهو ضعيف.
انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٤٥٦).
٤٩٩

(ن): النهي عن ثمن الكلب، وكونه من شر الكسب، وكونه خبيثاً
يدل على تحريم بيعه، ولا يصح بيعه، ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على مُتْلِفِه
سواء كان معلَّماً أم لا، وسواء كان مما [يجوز] اقتناؤه أم لا .
وبهذا قال جماهير العلماء، منهم أبو هريرة، والحسن البصري،
وربيعة، والأوزاعي، والحكم، وحماد، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر،
وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة، وتجب القيمة
على متلفها .
وحكى ابن المنذر عن جابر وعطاء والنَّخَعي جوازَ بيع كلبِ الصيد
دون غيره.
وعن مالك روايات أحدها: لا يجوز بيعه، ولكن تجب القيمة على
متلفه .
والثاني: يصح بيعه وتجب القيمة.
والثالث: لا يصح ولا تجب القيمة على متلفه.
دليل الجمهور هذا الحديث الصحيح، وأما الأحاديث الواردة في
النهي عن ثمن الكلب إلا كلب صيد، وأن عثمان حبه غرّم إنساناً ثمن كلب
قتله عشرين بعيراً، وعن ابن عمرو بن العاص: التغريم في إتلافها = كلُّها
ضعيفة باتفاق أئمة الحديث، وقد أوضحتها في ((شرح المهذب)).
وأما ((مهر البغي)): فهو ما تأخذه الزانية على الزنا، وسماه مهراً؛
لكونه على صورته، وهو حرام بإجماع المسلمين.
٥٠٠