النص المفهرس
صفحات 461-480
فَقَالَ: يَا أَهْلَ المَدِينَةِ! أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ، وَيَقُولُ: ((إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ)) متفقٌ عليه. * قوله: ((قصة من شعر)) : (ن): قال: الأصمعي وغيره: هي شعر مقدّم الرأس المقْبِل على الجبهة. وقيل: شعر الناصية، والحرسي كالشرطي، وهو غلام الأمير، وفي هذا الحديث اعتناء العلماء، وسائر ولاة الأمور بإنكار المنكر، وإشاعة إزالته، وتوبيخ من أهمل إنكاره ممن يتوجه عليه ذلك(١). * (أین علماؤكم؟»: هذا على جهة التذكير لأهل المدينة بما يعلمونه، واستعانة على ما رام تغييرَه من ذلك، لا على جهة أن يعلمهم بما لم يعلموا؛ فإنهم أعلم الناس بأحاديث النبي ◌ٍَّ لا سيما في ذلك العصر. ويحتمل أن يكون ذلك منه؛ لأن عوامَ(٢) أهل المدينة أول من أحدث الزور، كما في رواية أخرى: (إنكم أحدثتم زِيَّ سُوء)(٣)، فنادى أهلَ المدينة؛ ليوافقوه، فينزجرَ مَنْ أحدث ذلك من العوام. (١) المرجع السابق (١٤ / ١٠٨). (٢) في الأصل: ((علماء)). (٣) رواه مسلم (٢١٢٧ / ١٢٤). ٤٦١ وهذا يدل على اعتبار أقوال أهل المدينة عندهم، وهو من حجج مالك على أن إجماع أهل المدينة حجة. * قوله: ((إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ نساؤهم)): (ن): قال القاضي: قيل: يحتمل أنه كان محرَّماً عليهم، فعوقبوا باستعماله، وهلکوا بسببه. وقيل: يحتمل أن الهلاك كان به وبغيره مما ارتكبوه من المعاصي، فعند ظهور ذلك فيهم هلكوا، وفيه: معاقبة العامة بظهور المنكر(١). ١٦٤٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهْ لَعَنَ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ، وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ. متفقٌ عليهِ. ١٦٤٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾، قَالَ: لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُسْتَوْشِمَاتِ وَالمُتَنَمِّصَاتٍ، وَالمُتَفَلِّجَاتٍ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ الله! فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: وَمَا لي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ، وَهُوَ فِي كِتَابِ الله؟! قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَآَ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَاْتَهَنَّكُمْ عَنَّهُ فَانْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧] متفقٌ عليه. (المُتَفَلِّجَةُ)): هي التي تَبْرُدُ مِنْ أَسْنَانِهَا؛ لِيَبَاعَدَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ قَلِيلاً، وَتُحَسِّنُهَا، وَهُوَ الوَشْرُ، وَالنَّامِصَةُ: هِيَ الَّتِي تَأْخُذُ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٠٨). ٤٦٢ مِنْ شَعْرِ حَاجِبٍ غَيْرِهَا، وَتُرَقِّقُهُ لِيَصِيرَ حَسَناً، وَالمُتَنَمِّصَةُ: التي تَأْمُرُ مَنْ يَفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ. * [(ن)]: ((الواشمة)): بالشين المعجمة فاعلة الوشم، وهي أن تغرز بإبرة في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة أو غير ذلك من البدن المرأة، حتى يسيل الدم، ثم تخشُوَ ذلك الموضعَ بالكحل أوالنورة فيخضرَّ. فاعلة هذا واشمة، والمفعول بها موشومة، فإن طلبتْ فِعْلَ ذلك بها؛ فهي مستوشمة. وهو حرام على الفاعلة والمفعول بها باختيارها، وقد يفعل بالبنت وهي طفلة فتأثم الفاعلة ولا تأثم البنت؛ لعدم تکلیفها حينئذ. قال أصحابنا: هذا الموضع الذي وُشِم يصير نجساً، فإن أمكن إزالته بالعلاج؛ وجبت إزالته، وإن لم يمكن إلا بالجرح وخاف منه التلف، أو فواتَ عضوٍ، أو شَيْئاً فاحشاً في عضو ظاهر؛ لم يجب إزالته. وإذا تاب لم يبق عليه إثم، وإن لم يخَفْ شيئاً من ذلك ونحوه؛ لزمه إزالته، ويعصي بتأخيره، وسواء في هذا كلِّه الرجلُ والمرأة . وأما النامصة بالصاد المهملة؛ فهي التي تزيل الشعر من الوجه، والمتنمصة التي تطلب فعْلَ ذلك بها . وهذا الفعل حرام إلا إذا نبتت للمرأة لحية أو شوارب؛ فلا تحرم إزالتها، بل يستحب عندنا . وقال ابن جرير: لا يجوز حلق لحيتها، ولا عنفقتها، ولا شاربها، ٤٦٣ ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص. ومذهبنا: ما قدمناه من استحباب إزالة اللحية والشارب والعنفقة، وأن النهي إنما هو في الحواجب، وما في أطراف الوجه: ويقال للمِنْقَاش: مِنْماص. وأما (المتفلِّجات))؛ فبالتاء والجيم، والمراد: مُفَلِّجات الأسنان بأن تَبْرد ما بين أسنانها الثنايا والرباعيات. وهو من الفَلَج بفتح الفاء واللام: وهي فرجة بين الثنايا والرباعيات. وتفعل ذلك بالسن؛ إظهاراً للصغر، وحسن الأسنان، لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغائر، فإذا عجزت المرأة كبرت سِنُّها، وتوحشت، فتبردُها بالمِبْرَد؛ لتصير لطيفةً حسنة المنظر، وتوهم كونها صغيرة. ويقال له أيضاً: الوشر ومنه: (لَعَنَ الوَاشِرَةَ وَالمُسْتَوَشِرَةَ) (١)، ولأنه تدلیس. وأما قوله: ((المتفلجات للحسن)) معناه: يفعلْنَ ذلك؛ طلباً للحسن، وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه؛ لعلاج، أو عيب في السن، ونحوه؛ فلا بأس به(٢). (ق): هذه الأمور قد شهدت الأحاديث بلعن من يفعلها، وبأنها من (١) رواه الباغندي في ((مسند عمر بن عبد العزيز)) (٨٤) من حديث معاوية حظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((غاية المرام)) (٩٣)، وانظر: ((التلخيص الحبير)) لابن حجر (١ / ٢٧٦). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٠٦). ٤٦٤ الكبائر، واختلف في المعنى الذي لأجله نهي عنها : فقيل: لأنها من باب التدليس، وقيل: من باب تغيير خلق الله الذي يحمل الشيطان عليه، ويأمر به، كما أخبر تعالى عنه: ﴿وَلَ مَُّهُمْ فَيُغَيِّرُنَ خَلْقَ اَللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩](١). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٤٤٤). ٤٦٥ ٣٨٩- باس النهي عن نَتْفِ الشيبِ من اللّحيَّةِ والرأسِ وغيرِ هما، وعن نتفِ الأمردِ شعرَ لحيته عندَ أولِ طلوعِهِ (الباب السابع والثمانون بعد المئة) (في النهي عن نتف الشيب من اللحية والرأس) ١٦٤٦ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ ﴾، عَنِ النَّبِّ ◌َهِ، قَالَ: ((لاَ تَنْتِفُوا الشَّيْبَ؛ فَإِنَّهُ نُورُ المُسْلِمِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) حديثٌ حسنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. * قوله : ((فإنه نور المسلم)»: (مظ): بعض الناس يكره بياض شيبه؛ لأنه علامة انتقاص الشباب، ودخول الضعف، فينتف الشعر الأبيض من رأسه ولحيته، فنهى النهي وَّ أمته عن نتف الشيب؛ لأن في الشيب وقاراً. وأول من رأى الشيب في لحيته إبراهيم خليل الله عليه السلام، فقال: ما هذا يا رب؟ فقال الله له: هذا الوقار، فقال إبراهيم: يا رب؛ زدني وقاراً. ٤٦٦ فالرضا بالشيب موافقة لخليل الرحمن عليه السلام؛ لأن الوقار مرضيٍّ عند الله وعند الناس، ولأنه يمنع الشخص عن الغرور والتكبر، والطرب والنشاط، ويميل إلى الطاعة والتوبة، وتنكسر نفسه عن الشهوات، وكل ذلك موجب للثواب، ويقرب العبد إلى الله، فلهذا يكون الشيب في الإسلام نوراً؛ أي: ضياء(١). (ط): الإضافة في قوله: (نور المسلم) لمزید الاختصاص به. وأما تغييره بالخضاب؛ فلأمر عارض، وهو إرغام الأعداء، وإظهار الجلادة لهم؛ كيلا يظن بهم الضعف في بنيتهم، والقدح في شجاعتهم(٢). ١٦٤٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّفِ: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَاَ، فَهُوَ رَدِّ» رواهُ مسلمٌ. * قوله يقولفيه: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))(٣). (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٥١). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٩٣٤). (٣) كذا في الأصل بلا شرح. ٤٦٧ ٣٩٠- باب كراهيةِ الاستنجاءِ باليمينِ ومسِّ الفَرْجِ باليمينِ من غيرِ عذرٍ ١٦٤٨ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَهِ، عَنِ النَّبِيِّ لَهَ، قَالَ: ((إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ، فَلاَ يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ، وَلاَ يَنَفَّسْ في الإناءِ)) متفقٌ عليه. وَفي البابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ. * قوله يلي: ((لا يأخذ أحدكم ذكره بيمينه» : (ن): إمساك الذكر باليمين مكروه كراهة تنزيه لا تحريم، وأما النهي عن الاستنجاء باليمين: فهو من آداب الاستنجاء. وقد أجمع العلماء على النهي عن الاستنجاء باليمين، والجماهير على أنه نهي أدب وتنزيه، لا نهي تحريم، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام، وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا، ولا تعويل على إشارتهم. قال أصحابنا: ويستحب أن لا يستعين باليد اليمين في شيء من أمور الاستنجاء إلا لعذر، فإذا استنجى بماء؛ صبَّه باليمنى، ومسح باليسرى، وإذا استنجى بحجر: فإن كان في الدبر؛ مسح بيساره، وإن كان في القبل، وأمكنه وضْعُ الحجر على الأرض، أو بين قدميه بحيث يتأتى مسْحُه؛ أمسك الذكر ٤٦٨ بيساره، ومسحه على الحجر، فإن لم يمكنه ذلك، واضطر إلى حمل الحجر، حمله بيمينه، وأمسك الذكر بيساره، ومسح بها، ولا يحرك اليمين، هذا هو الصواب. وقال بعض أصحابنا: يأخذ الحجر بيساره، والذكر بيمينه، ويمسح [بها]، ويحرِّك اليسرى، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يمس الذكر بيمينه من غير ضرورة، وقد نُهي عنه. ثم إن في النهي عن الاستنجاء باليمين تنبيهاً على إكرامها، وصيانتها عن الأقذار ونحوها(١). من دخل الخلاء الأغلب أن يبتلى بما يخرج من السبيلين فيكون المسح باليمين؛ أي: الاستنجاء بها مختصاً بالدبر، والنهي عن اللمس مختصّاً بالقبل، ويُعلَم منه أنه إذا أخذ الحجر باليمين، ومسح بشماله ذكره علیه؛ لم یکره. * قوله ◌َّ: ((ولا يتنفس في الإناء)»، سبق في (الباب الحادي بعد المئة). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٥٦، ١٥٩). ٤٦٩ ٢٩٠/ ٢- باب كراهةِ المشيِ في نعلٍ واحدةٍ، أو خُفِّ واحدٍ لغيرِ عذرٍ، وكراهةٍ لبسِ النعلِ والخفِّ قائماً لغيرِ عذرٍ ١٦٤٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((لاَ يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيَتْعَلْهُمَا جَمِيعاً، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعاً)). وفي روايةٍ: ((أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً) متفقٌ عليهِ. * قوله وقال: ((لا يمشي أحدكم في نعل واحدة)»: (ن): قال العلماء: سببه أن ذلك تشويه ومُثْلَةٌ، ومخالف للوقار، ولأن المنتعلة تصير أرفع من الأخرى، فيعسر مشيه، وربما كان سبباً للعِثار(١). (ق): قال مالك: إن من انقطع نعله لم يمش في الأخرى، ولا يقف فيها، وإن كان في أرض حارة؛ ليحفهما، ولا بد حتى يصلح الأخرى إلا في الوقوف الخفيف، والمشي اليسير. (١) المرجع السابق (١٤ / ٧٥). ٤٧٠ وقد رخص بعض السلف في المشي في نعل واحدة، وهو قول مردود بالنصوص المذكورة، ولا خلاف أن أوامر هذا الباب ونواهيه إنما هي من الآداب المكمِّلة، وليس شيء منها على الوجوب والحظْر(١). (قض): إنما نهى عن ذلك؛ لقلة المروءة والاختلال، والخبط في المشي، وما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ربما مشى النبي ◌ِّر في نعل واحدة إن صحَّ؛ فشيء نادر لعله اتفق في داره بسبب(٢) . (مظ): وقد جاء أن عائشة مشت بنعل واحدة، وكذلك روي عن علي ابن أبي طالب وابن عمر، ويحتمل أن يكون فعله النبي ◌َِّ؛ لبيان الجواز(٣). (خط): يدخل في هذا كل لباس شفع، کإدخال اليد في الکمین، والتردي بالرداء على المنكبين، فلو أرسله على أحد المنكبين، وعرى منه الجانب الأخر؛ کان مکروهاً على معنى الحديث، ولو أخرج إحدى يديه من كمه، وترك الآخرى داخل الكم؛ كان مثل ذلك في الكراهة (٤). ٠ ٠٠ ١٦٥٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﴿ يَقُولُ: ((إِذَا انْقَطَعَ شِسعُ نَعَلِ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يَمْشٍ في الأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا)) رواهُ مسلمٌ. * قوله وقال: ((إذا انقطع شسع نعل أحدكم)): (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٤١٥). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ١٥٤). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥/ ٣٦). (٤) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ /٢٠٤). ٤٧١ (ن): (الشِّسْع) أحد سُيُور النعل الذي يدخل بين الإصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام. و((الزمام)): هو الذي يُعْقد فيه الشسع(١). ٠ ٠٠ ١٦٥١ - وَعَنْ جَابِرِ ◌َ﴿هُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ نَهَى أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِماً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بإِسْنَادٍ حَسَنٍ . * قوله *: ((أن يتنعل الرجل قائماً): (خط): لأن لبسه قاعداً أهون عليه، وأمكنُ له، وربما كان ذلك سبباً لانقلابه إذا لبسها قائماً، فأمر بالقعود له، والاستعانة فيه باليد؛ ليأمن من غائلته(٢). (مظ): هذا فيما يلحقه التعب في لبسه قائماً كالخف والنعل التي تحتاج إلى شد شراکها . أما القَفْش(٣)؛ فليس في لبسه قائماً تعب، فلا يدخل تحت النهي(٤). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٧٤). (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٢٠٣). (٣) القَفْش: الخف القصير. (٤) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٣٦). ٤٧٢ ٢٩١- باب النهي عن تركِ النار في البيتِ عندَ النومِ ونحوه، سواء کانت في سراجٍ، أو غيره ١٦٥٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿﴾، عَنِ النَّبِيِّ بَهَ، قَالَ: ((لاَ تَتَّرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ)) متفقٌ عليه. ١٦٥٣ - وَعَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ◌َ﴾، قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللهِ لَهَ بِشَأْنِهِمْ، قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ النَّارَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ، فَأَطْفِئُوهَا)) متفقٌ عليهِ. * قوله مَير: ((لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون)): (ن): هذا عامّ يدخل فيه نار السراج وغيرها، وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها: فإن خيف حريق بسببها؛ دخلت في الأمر، وإن أُمِن ذلك كما هو الغالب؛ فالظاهر أنه لا بأس بها؛ لانتفاء العلة، وهو أن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم(١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٨٧). ٤٧٣ ١٦٥٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﴿ه، عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ، قَالَ: ((غَطُوا الإِنَاءَ، وَأَوْكِتُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الباب، وَأَطْفِتُوا السِّرَاجَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَخُلُّ سِقَاءٌ، وَلاَ يَفْتَحُ باباً، وَلاَ يَكْشِفُ إِنَاءٌ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْرُضَ عَلى إِنَائِهِ عُوداً، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللهِ، فَلْيَفْعَلْ؛ فَإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ)) رواهُ مسلمٌ. (الفُوَيْسِقَةُ)): الفَارَةُ، وَ«تُضْرِمُ»: تُخْرِقُ. * قوله : «غطوا الإناء وأوكوا السقاء)»: (ن): ذكر العلماء للأمر بالتغطية والإوكاء فوائدَ منها: الفائدتان اللتان وردتا في هذه الأحاديث، وهما صيانته من الشيطان؛ فإن الشيطان لا يكشف غطاء، ولا يحل سقاء، وصيانته من الوباء الذي ينزل في السنة؛ كما في ((صحيح مسلم): ((فَإِنَّ فِي السَّنَّةَ لَيَلَةً يَنِزِلُ فِيها وَبَاءٌ، لاَ يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقاءٍ ليسَ عَليه وِكَاءٌ، إِلَّ نَزَلَ فِيه من ذَلِكَ الوَبَاءِ»(١). قال الليث: فالأعاجم عندنا تقول ذلك في كانون الأول. والفائدة الثالثة: صيانته من النجاسة والمقذرات. والرابعة: صيانته من الحشرات والهوام، فربما وقع شيء منها، فشربه وهو غافل، أو في الليل فیتضرر به. قال أبو حميد، وهو الساعدي راوي هذا الحديث: إنما أمر بالأسقية (١) رواه مسلم ((٢٠١٤/ ٩٩)، من حديث جابر ٤٧٤ أن تُوكاً ليلاً، وبالأبواب أن تُغْلَق ليلاً (١)، هذا الذي قاله أبو حمید باللیل ليس في اللفظ ما يدل عليه، والمختار أن تفسير الصحابي إذا كان خلاف الظاهر؛ ليس بحجة، ولا يجب [على] غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره، وكذا لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي، بل يتمسك بالعموم(٢). (ق): جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُرَّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وغاية هذا الأمر أن يكون للندب، بل جعله كثير من الأصوليين قسماً منفرداً بنفسه عن الوجوب والندب. و(إيكاء السقاء): شَدُّه بالخَيْطِ، وهو الوِكاء(٣). * [قوله]: ((ولو أن تعرض)): (ن): المشهور في ضبطه فتح التاء، وضم الراء، كذا قال الأصمعي والجمهور، ورواه أبو عبيد: بكسر الراء، ومعناه: تمد(هُ] عليه عرضاً، وهذا عند عدم ما يغطیه به (٤). (ق): لابد من ذكر الله تعالى عند هذه الأفعال، وببركة اسمه تعالى تندفع المفاسد، وتحصل تمام المصالح، فمطْلَق هذه الكلماتِ مردودٌ إلى (١) رواه مسلم (٢٠١٠ / ٩٣)، من حديث جابر، عن أبي حميد (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٨٣). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٢٨٠). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٨٢). ٤٧٥ مقيّدِها، والشيطان هنا للجنس بمعنى الشياطين. وقد تضمنت جملةُ هذه الأحاديثِ أن الله تعالى أطْلَعَ نبيَّه ◌َّمِ على ما يكون في هذه الأوقاتِ من المضارِّ من جهة الشياطين والوباء، وقد أرشدنا إلى ما نَتَّقي به ذلك، فليبادر الإنسان إلى فعل تلك(١) الأمورِ ذاكراً الله تعالى، ممتثلاً أمر نبّه ێ، فمن فعل ذلك؛ لم يصبه ضرر بحول الله وقوته. و((الفويسقة)): الفأرة سميت بذلك؛ لخروجها من جُحرها للفساد(٢). (ن): تُضْرم بإسكان الضاد؛ أي: تحرق سريعاً. قال أهل اللغة: ضرمت النار ۔ بکسر الراء - وتضرمت وأضرمت؛ أي: الْتَهَمت، وأضرمتُها أنا وضرَّمْتُها(٣). (١) في الأصل: ((ذلك)). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٢٨١). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٨٤). ٤٧٦ ٣٩٢- باب النهي عن التَّكَلُّفِ، وهو فعلُ وقولُ ما لا مصلحةَ فيه بمشقةٍ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيَّهِ مِنْ أَجْرِ وَمَا أَنَاْ مِنَ اُّْكَلِّفِينَ ﴾ [ص: ٨٦]. ١٦٥٥ - وَعَنْ عُمَرَ ﴿ه، قَالَ: نُهِينَا عَنِ التَّكَلَّف. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. ١٦٥٦ - وَعَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ عَلِمَ شَيْئاً، فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلْيَقُلْ: اللهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لاَ تَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ وَهِ: ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيَّهِ مِنْ أَجْرِوَمَا أَنَاْ مِنَ اُّْكَلِفِينَ﴾. رواهُ البخاريُّ. * قوله تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ﴾ [ص: ٨٦](١). (١) كذا في الأصل بلا شرح. ٤٧٧ ٢٩٣- باس تحريمِ النياحةِ على الميتِ، ولَطْمِ الْخَدِّ، وشَقُ الجِيبِ، ونَثْفِ الشعرِ، وحلقِه، والدعاءِ بالويل والثبورِ ١٦٥٧ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﴾، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ)). وَفي روايةٍ : «مَا نِیجَ عَلَيْهِ)) متفقٌ عليهِ. * قوله : ((الميت يعذب في قبره بما نيح عليه)): (ق): اختلف العلماء فيه، فقيل: محمله على ما إذا كان النَّوح من وصيَّتِه وسُنَّته، كما كانت الجاهلية تفعل، قال طَرَفة: إِذا مِتُّ فَانِعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ وَشُقِّي عَلَيَّ الجَيْبَ يَا بْنَةَ مَعْبَدٍ وقد جمع عبد المطلب بناتِه عند موته، وأمَرَهُنَّ أن ينعينَه، ويندبنه ففعلْنَ، وأنشدت كل واحدة منهن شعراً تمدحه فيه، فلما فرغن قال آخر ما كلّمهن: أحسنتن، هكذا فانعينني، وإلى هذا نحا البخاري. وقيل: معناه أن تلك الأفعال التي يُبكى بها الميت مما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قتل النفوس، وأخذ الأموال، وإخراب البلاد، وغير ذلك، فأهله يمدحونه بها، ويعددونها عليه، وهو يُعذّب بسببها، وعلى ٤٧٨ هذا تُحمل رواية: ((بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ)(١)؛ إذ ليس كل ما يعددونه من خصاله يكون مذموماً، فقد يكون من خصاله: كرم، وإعتاق رقاب، وكشف کرب، وقد دل على صحة هذا التأويل حديث عبدالله بن رواحة حيث أُغمي عليه، فجعلت أخته تبكي: واجبلاه! واكذا! واكذا! تعدد عليه فأفاق، وقال لها: ما قلت شيئاً إلا قيل لي: أنت ذلك؟ فلما مات، لم تبك عليه، خرجه البخاري(٢). وذهب داود وطائفة إلى اعتقاد ظاهر هذا الحديث، وأنه إنما يعذب بنوحهم؛ لأنه أهمل نَهَيَهُم عنه قبل موته، وتأديبهم بذلك، فيعذّب بتفريطه في ذلك، وبترك ما أمره الله به من قوله: ﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْنَارًا ﴾ [التحريم: ٦]. وقيل معناه: إنه يعذب بسماع بكاء أهله؛ لرأفته لهم، وشفقته عليهم؛ لما یصیبھم من أجله. وقد دل على صحة هذا المعنى حديث قَيْلة بنت مَخْرمة العنبرية، وبكت على ابنها(٣) مات عند رسول الله وَّيه، فقال لها - وأنكر -: ((وَالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَده؛ إِنَّ أحَدَكُمْ لَيَبْكِي، فَيَسْتَعْبِرُ له صُوَيْحِبُه، يا عِبَادَ اللهِ؛ لاَ تُعذِّبُوا إخوانكُم»، ذكره أبو بكر بن أبي شيبة، وهو حديث طويل مشهور، وهذا التأويل حسن جداً، ولعله أولى ما قيل في ذلك (٤). (١) رواه البخاري (١٢٢٦)، من حديث عمر حظه. (٢) رواه البخاري (٤٠١٩)، من حديث النعمان بن بشير وظائًا (٣) في الأصل: ((أبيها)). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي)) (٢ / ٥٨٢ - ٥٨٣). ٤٧٩ (ن): وإليه ذهب محمد بن جرير الطبري، واختاره القاضي عياض. وقالت طائفة: معنى الأحاديث: أنهم كانوا ينوحون على الميت، ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع یعذب بها. كما يقولون: يا مرمِّلَ النسوانِ، ومُيِّمَ الولدانِ، ومخرِّبَ العمران، ومفرِّق الأحزان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخراً، وهو حرام شرعاً(١). (خط): وقيل: المراد بالميت مَنْ أشرَفَ على الموت، وبالتعذيب: أنه إذا حضره الموت، والناس حوله يصرخون وينفجعون، فيزيد كربه وتشتد علیه سكرات الموت، فيصير معذَّباً به، فيكون ذلك حالاً لا سبباً؛ أي: إنه ليعذب من بكائهم عليه، وهذا الوجه ضعيف؛ لما في رواية: ((الحَيِّ)(٢)، وفي رواية ((يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيْحَ عَلَيْهِ)(٣). ١٦٥٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ)) متفقٌ عليه. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٢٢٩). (٢) رواه البخاري (١٢٣٠)، من حديث عمر څه. (٣) رواه البخاري (١٢٢٩)، من حديث المغيرة ظـ ٤٨٠