النص المفهرس
صفحات 401-420
والحرية، وبالتزويج، يقال: أُحْصِنَتِ المرأةُ، فهي مُحْصَنة ومُحْصِنة، وكذلك الرجل(١). (ط): ((المحصنات)) بفتح الصاد: مفعول؛ أي: التي أَحْصَنَها الله تعالى، وحفظها من الزنا، وبكسرها: اسم فاعل؛ أي: التي حفظت فرجها من الزنا . والغافلات كناية عن البريئات؛ لأن البريء غافل عما بهت به من الزنا، واحترز بالمؤمنات عن قذف الكافرات؛ فإن قذفهن ليس من الكبائر، وإن كانت ذمية؛ فقذفها من الصغائر لا يوجب الحد. وفي قذف الأمة المسلمة التعزيرُ دون الحد، والتعزير متعلق باجتهاد الإمام. وإن كان المقذوف رجلاً، يكون القذف من الكبائر، ويجب الحد أيضاً (٢). (١) المرجع السابق (١ / ٣٩٧). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٠٦). ٤٠١ ٢٧٩- باب تغليظ تحرِیم الرِّبا : قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَؤْ لَا يَقُومُونَ إِلََّّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوَأْ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّبَوْ فَمَن جَآءُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْتَهَى فَلَهُ, مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ يَمْحَقُ اَللَّهُ الرِّبَوَأْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا (٢٧٥) الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَابَقِىَ مِنَ الْرِّبَوْاْ﴾ [البقرة: ٢٧٥ -٢٧٨]. (الباب السابع والسبعون [بعد المئة]) (في تغليظ تحريم الربا) (ن): مقصور، وهو من ربا یربو، ویکتب بالألف، وتثنيته: ربوان، وأجاز الكوفيون كتبه وتثنيته بالياء؛ بسبب الكسرة في أوله، وقد كتبوه في المصحف بالواو . قال الفراء: إنما كتبوه بالواو؛ لأن أهل الحجاز تعلّموا الخط من أهل الحيرة، ولغتهم (الربو)، فعلموهم صورة الخط على لغتهم. قال: فيجوز کتبه بالألف والواو والياء. ٤٠٢ و(الرماء) بالميم والمد: هو الربا. وأصل الربا الزيادة، وأربى الرجل: عامل بالربا. وقد أجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة وإن اختلفوا في ضابطه وتفاریعه(١). (ق): (الربا): الزيادة مطلقاً، والشرع قد تصرف في هذا الإطلاق، فقصره على بعض موارده، وأطلقه على اكتساب الحرام کیف ما كان، كما قال في اليهود: ﴿ وَأَخْذِهِمُ الْرّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]، ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا، وإنما أراد المال الحرام، كما وصفهم بكونهم ﴿أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ﴾ [المائدة: ٤٢]؛ يعني به المال الحرام من الرُّشا، وما استحلوه من أموال الأميين، كما حكى تعالى عنهم ﴿قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى اُلْأُمِّيِّئِنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وعلى هذا: فيدخل فيه كلُّ مال حرام بأيِّ وجهِ اکتُسب(٢). (حس): قال عبدالله بن سلام: للربا اثنان وسبعون حُوباً أصغرها كمن أتى أمه في الإسلام، ودرهم من الربا أشد من بضع وثلاثين زنية، قال: ويأذن الله بالقيام للبر والفاجر يوم القيامة إلا لآكل الربا؛ فإنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس(٣). * قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِبَواْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ ﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٨). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٧٢). (٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٨ / ٥٤). ٤٠٣ كما يقوم المصروع حال صرعه، وذلك أنه يقوم قياماً منكراً. قال ابن عباس: آكل الربا يُبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق، رواه ابن أبي حاتم(١). وعن ابن عباس أيضاً قال: يقال لآكل الربا: خذ سلاحَك للحرب، رواه بن جریر(٢). وفي ((سنن ابن ماجه)) عن أبي هريرة ظه قال: قال رسول الله وَلّه: ((مَرَرْتُ ليلةَ أُسْرِيَ بِي عَلى قَوْمِ بُطُونُهُم كَالْبُيُوتِ فيها الحَيَّاتُ تجري من خارج بُطونِهِمْ، فقلت: مَن هؤلاءِ يَا جبريل؟ قَالَ: هَؤلاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا»، وسبق حديث سمرة في (الباب الثاني والخمسين بعد المئة): ((أتينا على نهر مثل الدم)) الحديثَ. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَواْ﴾؛ أي: إنما جوزوا بذلك؛ لاعتراضهم على أحكام الله في شِرْعةِ الله، وليس هذا قياساً منهم للربا على البيع؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس؛ لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وقد أُحِلَّ هذا، وحُرِّم هذا، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] رداً عليهم؛ يعني: هو العالم بحقائق الأمور ومصالحها. (١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٢٨٨٩). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)» (١١٩٣). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٤٨٤)، والحديث رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٣/ ١٠٢). ٤٠٤ وقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَُّ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَانتَهى﴾ ؛ أي: من بلغه نهي الله عن الربا، فانتهى حال وصول الشرع إليه؛ فله ما سلف من المعاملة؛ لقوله: ﴿عَفَاللّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ يعني: من الزيادات المأخوذة في الجاهلية. روى ابن أبي حاتم من حديث أم يونس بنت أبقع: أن عائشة زوج النبي ◌َّ قالت لها أم بحنة: يا أم المؤمنين؛ أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، [قالت]: فإني بعته عبداً إلى العطاء بثمان مئة، فاحتاج إلى ثمنه، فاشتريته قبل محل الأجل بست مئة، فقالت: بئس ما اشريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله وفض له إن لم يتب، قال: فقلت: أرأيت إن تركت المئتين، وأخذت الست مئة؟ قالت: نعم ﴿فَمَنْ جَآءَ هُ, مَوْعِظَةٌ مِّنْ زَّيِّهِ، فَأَنْنَهَى فَلَهُ, مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥](١)، وهذا الأثر مشهور، وهو دليل لمن حرم بيع العينة، مع ما جاء فيها من الأحاديث المقررة في ((كتاب الأحكام)) (٢). قوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللّهُ الْرَبَواْ﴾؛ أي: يذهبه؛ إما بأن يذهب بالكلية من يد صاحبه، أو يحرم بركة ماله، فلا ينتفع به، بل يعذبه بها في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَّطَيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]. وفي ((مسند أحمد)) عن ابن مسعود، عن النبي ◌َّ قال: ((الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ ؛ فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ إِلى قُلٍ)(٣). (١) رواه ابن أبي حاتم في (تفسيره)) (٢٨٩٧). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٤٨٥). (٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢/ ٣٩٠)، والحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند)) = ٤٠٥ قوله: ﴿وَيُرْبِ الصَدَقَتِ﴾ : قُرِئ بضم الياء والتخفيف من ربا الشيء يربو، وأرباه يُربيه؛ أي: أكثره، ونمَّاه ینمیه، وقُرئ بتشديد الياء من التربية، كما في ((صحيح البخاري)) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلَّه: (مَنْ تَصَدَّقَ بعَدْلِ تَمْرةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبِلُ اللهُ إلَّ الطَّيِّبَ؛ فإنَّ اللهَ يقْبِلُها بِيَمِينِهِ، ثمَّ يُرَبِيِهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ)»(١). وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّكَفَّارِأَئِيٍ﴾؛ أي: لا يحب كفورَ القلبِ، أثيمَ القول والفعل، ووصف المرابي بهاتين الصفتين؛ لأنه لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شُرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، ويأنواع المكاسب الخبيثة، فهو كفور لما عليه من النعمة، آثم بأكل أموال الناس بالباطل(٢). (م): إنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا، وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات = ذكر هاهنا ما يجري مَجرى الداعي إلى فعل الربا، وترك الصدقات، وكشف عن فساده، وذلك لأن الداعيَ إلى الربا تحصيلُ المزيد، والصارفَ عن الصدقات الاحترازُ عنه، فبيَّن تعالى أن الربا وإن كان زيادة في المال، إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصاناً في الصورة، إلا أنها زيادة في المعنى، وهذا المَحْق يحتمل أن يكون في الدنيا، وهو ظاهر، ويحتمل أن يكون في الآخرة كما قال ابن = (٥/ ٣٩٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٨٦٣). (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢/ ٤٩٢)، والحديث رواه البخاري (١٣٤٤). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٤٩٥). ٤٠٦ عباس: معنى هذا المخقِ أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة، ولا جهاداً، ولا حجاً، ولاصلاة. كذلك إرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا؛ لأن الإنسان مع فقره وحاجته إذا أحسن إلى عباد الله؛ فالله سبحانه لا يتركه ضائعاً في الدنيا، ويزداد كل يوم جاهه، وذكره الجميل، وتميل القلوب إليه، وذلك أفضل من المال مع أضداد هذه الأحوال. وأما إرباؤها في الآخرة: فدلائله ظاهرة(١). قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبَوَآ﴾؛ أي: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال بعد هذا الإنذار إن كنتم مؤمنين بما شرع الله لكم من تحليل البيع، وتحريم الربا، فإن لم تفعلوا؛ فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وهذا تهدید شدید، ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار. قال علي بن طلحة عن ابن عباس: من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه؛ فحق علی إمام المسلمین أن یستتیبه، فإن نزع، وإلا ؛ ضرب عنقه. وعن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: إن هؤلاء الصيارفة لأَكَلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل؛ لاستتابهم، فإن تابوا، وإلا؛ وضع فيهم السلاح. وقال قتادة: أوعدهم الله بالقتل، فإياكم وما خالطَ هذه البيوعَ من (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٧/ ٨٣). ٤٠٧ الربا؛ فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه، فلا يُلْجِئنكم إلى معصيته [فاقة](١). (م): قال في أول الآية: ﴿وَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وقال في آخرها: ﴿إِنكُم مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]، هذا مثل ما يقول الأخ لأخيه: إن كنت أخي؛ فأكرمني، معناه: أن من كان أخاً؛ أكرم أخاه. وقيل: معناه: يا أيها الذين آمنوا بلسانهم؛ اتركوا ما بقي من الربا إن کنتم مؤمنین بقلوبکم(٢). ١٦١٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ◌َ﴿ه، قَالَ: ((لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤكِلَهُ» رواه مسلمٌ. زاد الترمذيُّ وغيرُه: ((وَشَاهِدَيْهِ، وَكَاتِبَهُ». * قوله: «آکل الربا»: (ط): أي: الآخذ، وإنما خص بالأكل؛ لأنه أعظم الانتفاع كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠](٣). (خط): سوَّی رسول الله پڑ بین آكل الربا ومُؤکِلِه؛ إذ كان لا يتوصل إلى الأكل إلا بمعاونته، ومشاركته إياه، فهما شريكان في الإثم كما كانا شريكين في الفعل، وإن كان أحدهما مغتبطاً بفعله لما يستفضله بالبيع، (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٤٩٧). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٧ / ٨٦). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢١٢٤). ٤٠٨ والآخر مهتضماً لما يلحقه من النقص. ولله ◌ّ حدود، فلا تتجاوز في وقت الوجود من الربح، والعُدْم [وعند] العسر واليسر. والضرورة لا تلحقه بوجه في أن يأكل الربا؛ لأنه قد يجد السبيل، إلى أن يتوصل إلى حاجته بوجه من وجوه المعاملة بالمبايعة ونحوها (١). (١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٢ / ٥١٢). ٤٠٩ ٢٨٠- باب تحريم الرِّیاءِ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ حُنَّفَآءَ ﴾ [البينة: ٥]. ؛ وقال تعالى: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُرِنَآءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. * وقال تعالى: ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلََّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. (الباب الثامن والسبعون بعد المئة) (في تحريم الرياء) قال الغزالي رحمه الله: الرياء مشتق من الرؤية، والسُّمعة من السماع، وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم الخصال المحمودة . فحد الرياء: هو إراءة العباد بطاعة الله تعالى، فالمرائي هو العابد، [والمراءی] له هو الناس، والمراءى به هو الأول(١). (١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ٢٩٧). ٤١٠ * قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاَلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، سبق في (الباب الثامن والستين بعد المئة). وقوله: ﴿كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ﴾؛ أي: كما تبطل صدقة من راءی بها الناس، فأظهر لهم أنه یرید وجه الله، وإنما قصده مدح الناس، أو شهرته بالصفات الجميلة بينهم مع [قطع] نظره عن معاملة الله تعالى، وابتغاء مرضاته، ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه. وقال الضحاك: والذي يُتْبع نفقته مناً أو أذى، فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلٍ صَفْوَانٍ﴾ جمع صفوانة، ومنهم من يقول: الصفوان يُستعمل مفرداً أيضاً، وهو الصخر الأملس. ﴿فَأَصَابَهُ, وَابِلٌ﴾: المطر الشديد، ﴿فَتَكَهُ صَلًَّا﴾؛ أي: فترك الوابلُ ذلك الصفوانَ أملسَ يابساً لا شيء عليه من ذلك التراب، بل ذهب كلُّه، وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله وإن ظهر لهم أعمال فیما یری الناس كالتراب(١). (م): في ضميرٍ ﴿فَمَثَلُهُ﴾ وجهان: أحدهما: أنه عائد إلى المنافق فيكون المعنى أن الله تعالى شبه المانَّ المؤذي بالمنافق، ثم شبهه بهذا الحجر. والثاني: أنه عائد إلى المانّ المؤذي، ويكون المعنى أنه شبهه بالمنافق، ثم شبهه بهذا الحجر، وفي کیفیه هذا التشبيه وجهان : أحدهما: أن العمل الظاهر كالتراب، والمان والمؤذي والمنافق (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٤٦٣). ٤١١ كالصفوان، ويوم القيمة كالوابل، هذا قولنا، وأما على قول المعتزلة: فالمنُّ والأذی کالوابل. والثاني قاله القفال: إن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة، فمن عمل بإخلاص؛ فكأنه طرح بذراً في أرض، فهو يتضاعف له، وينمو حتى يحصده في وقته، ويجده وقت حاجته، والصفوان محل بذر المنافق، ومعلوم أنه لا ينمو فيه شيء، ولا یکون فيه قبول للبذر. فإذا طرح في صفوان صلد عليه غبار قليل، وأصابه مطر جود؛ بقي مستودعُ بذره خالياً لا شيء فيه، ألا ترى أنه تعالى ضرب (مثل] المخلص بجنة فوق ربوة، والجنة: ما یکون فيه أشجار ونخیل، فمن أخلص لله؛ كان كمن غرس بستاناً في ربوة من الأرض، فهو يجني ثمرة غراسه في أوقات الحاجة وهي تؤتي أكلها كلَّ حين متضاعفة زائدة، فأما عمل المانّ والمؤذي والمنافق: فهو كمن بذر في الصفوان الذي عليه تراب، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً. والضمير في ((لا يقدرون)) عائد إلى معلوم غير مذكور؛ أي: لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب. وقيل: إنه عائد إلى قوله: ﴿كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أشير إلى الجنس، والجنس في حكم العام. قال القفال: وفيه وجه ثالث، وهو أن ذلك مردود على قوله: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فإنكم إذا فعلتم ذلك؛ لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فرجع عن الخطاب إلى الغائب على طريقة الالتفات(١). (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٧ / ٤٧). ٤١٢ * قوله تعالى: ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]: لما ذكر صفة ظواهرهم في كونهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وهي أشرف الأعمال وأفضلها، ثم ذكر صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: يراؤن الناس؛ أي: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل تقيةً من الناس، ومُصَانَعَةً لهم. ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اَللَّهَ إِلََّقَلِيلًا﴾؛ أي: في صلاتهم؛ أي: لا يخشعون، ولا يتدبرون ما يقولون، بل هم عن صلاتهم لا هون. عن أنس ◌َّه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَةُ المُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَةُ المُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذا كَانَتْ بِينَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ؛ قَامَ فَنَقَرَهَا أرْبَعاً لا يَذْكُرُ اللهَ فِيها إلاَّ قليلاً)(١). (م): وقيل: إنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات سواء كان الوقت وقت الصلاة أو لم يكن إلا قليلاً نادراً. وهكذا نرى كثيراً من المتظاهرين بالإسلام، لو صحبته الليالي والأيام؛ لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة، ولكن حدیث الدنيا يستغرق أيامه وأوقاته لا یفتر عنه. قال قتادة: إنما قل؛ لأن الله لم يقبله، وما ردَّ اللهُ فکثیرُه قليل، وما قَبِلَه اللهُ فقلیُه كثير . فإن قيل: المفاعلة للمشاركة فما معنى (يراؤون)؟ قلنا: المرائي یریهم عمله، وهم يُرونه استحسان ذلك العمل(٢). (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ /٣١٨)، والحديث رواه مسلم (٦٢٢). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١١ / ٦٧). ٤١٣ ١٦١٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴾ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» رواه مسلمٌ. * قوله: «أنا أغنى الشركاء»: (ط): اسم التفضيل هنا لمجرد الزيادة، والإضافة فيه للبيان، أو على زعم القوم. والضمير المنصوب في ((تركته)) يجوز أن يرجع إلى العمل، والمراد من ((الشرك)): الشريك، ويجوز أن يرجع إلى العامل، والمراد بالشرك: الشركة (١). (ن): هكذا وقع في بعض الأصول: ((وشركه))، وفي بعضها: (شریکه). معناه: أنا غني عن المشاركة وغيرها، فمن عمل شيئاً لي ولغيري؛ لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير، والمراد أن عمل المرائي باطل لا ثواب فیه، ویأثم به(٢). (ط): قال الغزالي: درجات الرياء أربعة : الأولى: وهو أغلظها أن لا یکون مراده الثواب أصلاً، کالذي يصلي بين أظهر الناس، ولو انفرد؛ لكان لا يصلي، بل ربما يصلي من غير طهارة مع الناس، فهذا جرَّد قصده إلى الرياء، فهو الممقوت عند الله. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١/ ٣٣٦٩). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١١٥ - ١١٦). ٤١٤ الثانية: أن يكون له قصد الثواب أيضاً، ولكن قصداً ضعيفاً بحيث لو كان في الخلوة؛ لا يفعله، ولا يحمله ذلك القصد على العمل، ولو لم يكن الثواب، لكان قصد الرياء يحمله على العمل، فقصد الثواب فيه لا ينفي عنه المقت. الثالثة: أن يكون قصد الرياء والثواب متساويين؛ بحيث لو كان واحد خالياً عن الآخر؛ لم يبعثه على العمل، فلما اجتمعا؛ انبعثت الرغبة، وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسْلَم رأساً برأس . الرابعة: أن يكون اطلاع الناس مرجِّحاً مقوِّياً لنشاطه، ولو لم يكن لا يترك العبادة، ولو كان قصد الرياء وحده؛ لما أقدم، فالذي نظنه - والعلم عند الله - أنه لا يحبط أصل الثواب، ولكنه ينقص منه، أو يعاقب على مقدار قصد الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب. * قوله: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك)): فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان، أو كان الرياء أرجح(١). (ق): أصل الشرك المحرم اعتقاد شريك الله في الإلهية، وهو الشرك الأعظم، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله في الفعل: [و]أنَّ موجوداً ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن لم يعتقد كونه إلهاً. ويلي هذا في الرتبة الإشراك في العبادة، وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئاً من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغير الله . (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١/ ٣٣٦٩). ٤١٥ وهذا الذي سبق في الحديث لبيان تحريمه، وهو مبطل للأعمال(١). * * ١٦١٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُنِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقالَ: جَرِيءٌ! فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلِّقِي فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ! وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيْقَالَ: هو قَارِئٌ! فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: ما تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنفَقَ فِيْهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيْقَالَ: هو جَوَادٌ! فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ في النَّار)». رواه مسلمٌ. (جَرِيءٌ» - بفتح الجيم وكسر الرَّاءِ وَبَالمَدِّ -: أَيْ: شُجَاعٌ حَاذِقٌ. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦١٥). ٤١٦ * قوله : ((إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه)): قد يسبق إلى الوهم أن هذا الحديث وقوله: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبدُ المُسْلِمُ من عَمَلِهِ صَلاَتُه)(١)، وقوله: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى فيه بينَ النَّاسِ فِي الدَّمَاءِ»(٢) متعارضة، وليس كذلك؛ إذ المراد أن كل واحد من تلك الأوليات أول بالنسبة إلى ما في بابه . فأول ما يحاسب به من المظالم الدماء، ومن العبادات الصلاة، وأول ما وقع فيه الرياء هذا، أو ما يناسبه، وليس المراد أنه أول بالنسبة إلى كل ما يُسأل عنه، ويُقضی فیه. (شف): ((يُقضى فيه)) صفة للناس، وهو نكرة معنىّ؛ أي: إن أول ناس یقضی علیه يوم القيامة رجل. (ط): قوله ((فَعَرَّفَه)) هذا التعريف للتبكيت، وإلزام المنعَمِ عليه، ولذلك أتبعه بقوله: «فَعَرَفَهَا))؛ أي: اعترف بها. والفاء في (فعرَّفه) للتعقيب، وفي (فعَرَفها) للتسبيب، وفي (فَمَا عَمِلْتَ) جزاء شرط محذوف، وهو مقول القول؛ أي: إذا كان مقرَّراً عندك أن تلك النعمة الموجبة للشكر مني؛ فما عملت في حق تلك النعمة؟ وهي منح القوة والشجاعة وتهيئة آلة المحاربة لإعلاء كلمة الله؛ يعني: (١) رواه الترمذي (٤١٣)، من حديث أبي هريرة ﴿ه. ورواه النسائي (٣٩٩١) من حديث ابن مسعود ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٥٧٢). (٢) رواه البخاري (٦٤٧١)، من حديث ابن مسعود ضـ ٤١٧ كيف أدَّيتَ شكرَها؟ وقوله: ((فيك))؛ أي: في جهتك، خالصاً لك، أداءً لحق تلك النعمة، والتکذیب راجع إلى هذه الدعوى. و(«جريء))؛ أي: مِقْدام، من قولهم: جَرُؤَ الرجل جراء بالمد. و((قرأ القرآن))؛ أي: عن ظهر قلبه من [غير] تَأَمُّلٍ في معانيه، وفيه تنبیه علی أن مجرد قراءته کاف في الاعتبار. و ((نعمته)) على صيغة المفرد أولاً، وعلى الجمع في الأخيرين، هكذا جاء في ((صحيح مسلم))، وفي ((الجمع بين الصحيحين))، و((جامع الأصول))، و((الرياض))، وفي بعض نسخ ((المصابيح))، ولعل الفرق لأجل اعتبار الإفراد في الأولى، والكثرة في الأخيرين(١). (ن): في عقاب الغازي والعالم والجواد على فعلهم ذلك لغير الله، وإدخالهم النارَ دليل على تغليظ تحريم الرياء، وشدة عقوبته، وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال، وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصاً، وكذلك الثناء على العلماء، وعلى المنفقين في وجوه الخيرات، كلُّه محمول على من فعل ذلك لله تعالى مخلصاً(٢). (ق): هذا يعم جميع العلوم الشرعية سواء كان من العلوم المقصودة لعينها، أو للعمل بها كعلم القرآن والسنة والفقه، أو من العلوم الموصلة (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٦). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٥٠). ٤١٨ إلی ذلك کعلم الأصول واللسان، وهذا وعيد شديد، والتخلص منه بعید والإخلاص في طلب العلم عسير، والمجاهد نفسَه قليل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(١). ١٦١٩ - وعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ سُفْيَانَ ﴾، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (مَنْ سَمَّعَ، سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي، يُرَائِي اللهُ بِهِ)) متفقٌ عليه. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أيضاً مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ (سَمَّعَ) بِتَشْديد المِيمِ، وَمَعْنَاهُ: أَظْهَرَ عَمَلَهُ للنَّاسِ رِيَاءً. (سَمَّعَ الله بِهِ)؛ أَيْ: فَضَحَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَعْنَى ((مَنْ رَاءَى))؛ أَيْ: مَنْ أَظْهَرَ لِلنَّاسِ العَمَلَ الصَّالِحَ؛ لِيَعْثُمَ عِنْدَهُمْ ((رَاءَى اللهُ بِهِ»؛ أَيْ: أَظْهَرَ سَرِيرَتَهُ عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ. * قوله ◌َّرِ: ((من سَمَّع)) : (ن): أي: من أظهر عمله للناس رياءً، سمَّع الله به؛ أي: فضحه يوم القيامة، ومعنى ((من يرائي)): من أظهر العمل الصالح؛ ليعظم عند الله، وليس هو كذلك. ((راءى اللهُ به))؛ أي: أظهر سريرته على رؤس الخلائق. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٧٠١). ٤١٩ وقيل: معناه من سمع بعيوب الناس وأذاعها؛ أظهر الله عيوبه. وقيل: أسمعه المكروه. وقيل: أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه؛ ليكون حسرة عليه. وقيل: من أراد أن يعلمه الناس؛ أسمعه الناس، وكان حظّه منه(١). (ق): ((سمَّع الله به))؛ أي: فضحه الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، كما جاء في غير مسلم: ((سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ يَومَ القِيَامَةِ))(٢)؛ أي: كلَّ من يسمع. وقيل: سمى العقوبة سمعة، وفي الرياءِ رياءاً، على جهة المقابلة، كما قال: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اَللّهُ ﴾ [آل عمران: ٥٤](٣). ١٦٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ وَتَ، لاَ يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ))؛ يَعْني: رِیحھا. رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ. والأحاديثُ في الباب كثِيرةٌ مشهورةٌ. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١١٦). (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ١٦٢)، من حديث عبدالله بن عمرو ﴾ وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٦ / ١٤٠). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦١٦). ٤٢٠