النص المفهرس

صفحات 361-380

وقال أحمد وابن القاسم المالكي: إن كان يؤذيه؛ لم يقطع السلام
هجرته .
قال أصحابنا: ولو كاتبه أو راسله عند غيبته عنه؛ هل يزول إثم الهجرة؟
وفيه وجهان:
أحدهما: لا يزول؛ لأنه لم یکلمه.
وأصحهما: يزول؛ لزوال الوحشة.
وقوله: ((لا يحل لمسلم)) قد يحتج به من يقول: إن الكفار غيرُ
مخاطبين بفروع الشرع، والأصح أنهم مخاطبون بها، وإنما قيد بالمسلم؛
لأنه الذي يقبل خطاب الشرع وينتفع به (١).
قوله: ((يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا»:
(ن): في رواية: ((فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَ))(٢)، هو بضم الصاد معناه:
يُعْرِض؛ أي: يوليه عُرضه - بضم العين - وهو جانبه، والصُّدُّ بضم الصاد:
هو أيضاً الجانب والناحية(٣).
١٥٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَُهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّى :
(تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ اثْنَيْنٍ وَخَمِيسٍ، فَيَغْفِرُ اللهُ لِكُلِّ امْرِئٍ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١١٧).
(٢) رواه البخاري (٥٨٨٣)، ومسلم (٢٥٦٠/ ٢٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١١٧).
٣٦١

لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شيئاً، إِلَّ امْرَأْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيَقُولُ:
اتْرُكُوا هَذَیْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» رواه مسلمٌ.
* قوله *: ((تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس))، سبق في (الباب
الستين بعد المئة).
١٥٩٤ - وَعَنْ جَابِرِ ◌َ﴿ه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُ
يَقُولُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ،
وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) رواه مسلمٌ.
((التَّحْرِيشُ)): الإِفسَادُ، وَتَغْيِيِرُ قُلُوبِهِمْ، وَتَقَاطَعُهُم.
* قوله مثل: ((إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون)):
(قض): عبادة الشيطان: عبادة الصنم؛ بدليل قوله تعالى حكايةً عن
إبراهيم: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ﴾ [مريم: ٤٤].
وإنما جعل عبادة الصنم عبادة الشيطان؛ لأنه الآمر به والداعي إليه.
و((المصلون)): المؤمنون كما في الحديث: ((نهيتكم عن قتل
المصلين)) (١)، وإنما سمى المؤمن بالمصلي؛ لأن الصلاة أشرف الأعمال،
وأظهر الأفعال الدالة على الإيمان.
(١) رواه أبو داود (٤٩٢٨) من حديث أبي هريرة عه، بلفظ: ((إني نُهيتُ عن قتل
المصلين)). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٥٠٦).
٣٦٢

ومعنى الحديث: إن الشيطان أيس أن يعود أحد من المؤمنين إلى
عبادة الصنم، ويرتد إلى شركه في جزيرة العرب، ولا يرِد على هذا ارتدادُ
أصحاب مسيلمة، ومانعي الزكاة؛ لأنهم لا يعبدون الصنم.
وجزيرة العرب من حَفَر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن طولاً،
ومن رمل يَبْرِينَ إلى منقطع السَّمَاوَةِ، وهي بادية في طريق الشام عرضاً،
هكذا ذكره أبو عبيد معمر بن المثنى.
وإنما سميت جزيرةً؛ لأنها واقعة بين بحر فارس والروم، والنيل،
ودجلة والفرات.
وقال مالك بن أنس: جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن(١).
(ن): ((حفر أبي موسى)) بفتح الحاء المهملة وفتح الفاء أيضاً (٢).
(تو): ((جزيرة العرب)): معدنها ومسكنها، قاله الخليل بن أحمد.
ولعلها سميت جزيرة؛ لانقطاعها عن معظم البر، وقد اكتنفتها البحار
والأنهار من أكثر الجهات، كبحر البصرة وعمان وعدن إلى بركة بني
إسرائيل حيث أهلك الله عدوه فرعون، وبحر الشام والنيل، ودجلة
والفرات.
والقدر الذي يتصل بالبر فقد انقطع بالقفار والرمل عن العمرانات،
وإنما خص جزيرة العرب بالذكر لأن الدين يومئذ لم يتعد عنها .
(ط): ولعله ◌َّر أخبر بما يجري فيما بعده من التحريش الذي وقع
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٨٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٩٣).
٣٦٣

بين أصحابه؛ أي: أيس الشيطان أن يعبد فيها، لكن طمع في التحريش بين
ساكنيها، وكان كما أخبر، فكان معجزة.
و(التحريش): الإغراء على الشيء بنوع من الخداع، من حرش
الصياد الضبّ: إذا خدعه؛ أي: يخدعهم، ويغري بعضهم على بعض.
ولما ذكر العبادة؛ سمَّاهم مصلِين؛ تعظيماً لهم، وحيث ذكر الفتنة؛
أخرجه مخرج التحريش، وهو الإغراء بين الكلاب؛ توهيناً وتحقيراً
لهم(١).
(ق): يعني أن المصلين في جزيرة العرب ما أقاموا الصلاة
وأظهروها، لم يرتدوا عن الإسلام إلى عبادة الطواغي، فإذا تركوها؛
يكونون شرار الخلق، وهذا إنما يتم إذا قبض الله المؤمنين بالريح الباردة،
وحينئذ تضطرب ألْياتُ نساء دَوس حول ذي الخَلَصَةِ ویعبد اللات والعزى،
(٢)
انتھی"
روى الترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص قال: سمعت
رسول الله وَّ﴿ في حجة الوداع: ((أَلاَ إِنَّ الشَّيطَانَ قَدْ أَيِسَ مِن أَنْ يُعْبَدَ فِي
بَلَدِكُمْ هَذَا، وَلَكِنْ سَيَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَيَرْضَى
بِهَا))(٣).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٢٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣١٠).
(٣) رواه الترمذي (٢١٥٩). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٧٨٨٠).
٣٦٤

١٥٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:
((لاَ يحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ
ثَلَاثٍ، فَمَاتَ، دَخَلَ النَّارَ)).
رَوَاهُ أبو دَاودَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ ومُسلمٍ.
* قوله وَلهُ: ((فمات دخل النار)):
(تو): أي: استوجب دخول النار، والواقع في الإثم كالواقع في
العقوبة إن شاء؛ عذبه، وإن شاء؛ غفر له.
١٥٩٦ - وَعَنْ أَبِي خِرَاشٍ حَدْرَدِ بْنِ أَبِي حَدْرَدِ الأَسْلَمِيِّ
- وَيُقَالُ: السُّلَمِيِّ - الصَّحَابِيِّ ◌َُّه: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ
هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً، فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ)). رواه أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ.
١٥٩٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّمِ قالَ: ((لاَ
يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِناً فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاثٌ،
فَلْيَلْقَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَمَ، فَقَدِ اشْتَرَكَا في
الأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَقَدْ بَاءَ بِالإِثْمِ، وَخَرَجَ المُسَلِّمُ مِنْ
الهِجْرَةِ)) رواه أبو داودَ باسنادٍ حسنٍ .
قال أبو داودَ: إذا كانتِ الهِجْرَةُ لله تعالى، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا في
شَيْءٍ .
٣٦٥

* قوله : «کسفك دمه»:
(مظ): أي: مهاجرة الأخ المسلمٍ سنةً توجب العقوبة، كما أن سفك
دمه يوجبها، فهي شبيهة بالسفك من حيث حصولُ العقوبة بسببها، لا أنه
مثلُه في العقوبة؛ لأن القتل كبيرة عظيمة لا يكون بعد الشرك أعظم منه،
شبّه الهجرَ به؛ تأكيداً في المنع عنه، وفي [المشابهة يكفي] المساواة في
بعض الصفات(١).
(ط): التشبيه إنما يصار إليه للمبالغة كما يقال: زيد كالأسد؛ إلحاقاً
له بالأسد في الجراءة، وأنه نظيره فيها، ولم يقصد به أنه دونه كذلك هنا؛
لأن قوله ◌َّه: ((لاَ يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِناً فَوقَ ثَلاثٍ)): دل على أن
التهاجر فوق ثلاثٍ حرامٌ، وراكبه راكبٌ للإثم، فإذا امتد إلى مدة يهجر فيها
الغائب والمسافر عن أهله غالباً؛ بلغ التهاجر والتقاطع إلى الغاية، فيبلغ
إثمه أيضاً إلى الغاية، وهذا معنى تخصيص ذِكرِ السَّنةِ (٢).
* قوله: «فقد باء بالإثم)):
(تو): أي: رجع بالإثم، فصار عليه، وفي رواية فباء بإثمه، والضمير
في إثمه محتمِلٌ لوجهین:
أحدهما: أن يعود إلى المهاجر أخاه؛ أي: اكتسب وزراً من حيث لم
یرد السلام علیه، فرجع به .
ويحتمل أن يعود إلى المسلم فيكون ذلك على الاتساع، وهو أن
الواصل يكتسب عملاً صالحاً، فيحط به عن خطيئته، والمعرض يكتسب
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٢٨٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢١٣).
٣٦٦

خطيئته بعد ما كان عليه من الهجران، وذلك تركه لردِّ السلام الواجبٍ
عليه، فصار هو فيما زاد من خطيئته، ونقص من خطيئة صاحبه کالذي عاد
بإثم صاحبه .
(ط): المعنى أنه ضم إثم هجران المسلِّم إلى إثم هجرانه، وباء بهما
[لأن التهاجر](١) یعد منه وبسببه(٢).
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢١٢).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢١٢).
٣٦٧

٢٧٣- باب
النهي عن تَناجي اثنينِ دونَ الثالثِ بغير إذنِه إِلاَّ لحاجةٍ،
وهو أن يتحدّثا سِرّاً بحيث لا يسمعُهما،
وفي معناه ما إِذا تحدَّثَ اثنانِ بلسانٍ لا يفهمُهُ
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠].
(الباب السبعون بعد المئة)
(في النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه إلا لحاجة)
* قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ﴾ [المجادلة: ١٠]: هي المسارَّة
حيث يتوهم مؤمن منها سوءاً، إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل
الشيطان وتزينيه؛ ليسوء المؤمنين(١).
١٥٩٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ﴿﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذا كَانُوا
ثَلاَثَةً، فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ)) متفقٌ عليه.
ورواه أبو داودَ: قَالَ أَبو صَالِحٍ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: فَأَرْبَعَةً؟
قَالَ: لاَ يَضُرُكَ.
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٣ / ٤٥٥).
٣٦٨

ورواه مالك في ((المُوَطَّأ): عَنْ عَبْدِالله بْنِ دِينَارٍ، قَال: كُنْتُ
أَنَا وابْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بْنِ عُقْبَةَ الَّتي في السُّوقِ، فَجَاءَ رَجُلٌ
يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ، وَلَيْسَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي، فَدَعَا ابْنُ عُمَرَ
رَجُلاً آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً، فَقَالَ لِي وَالرَّجُلِ الثَّالِثِ الَّذِي دَعَا:
اسْتَأْخِرَا شَيْئاً، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لاَ يَتَنَاجَى
اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ)».
١٥٩٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِذَا
كُنْتُمْ ثَلاَثَةً، فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛
مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» متفقٌ عليه.
* قوله يلقى: ((فلا يتناجى)» :
(ق): الرواية فيها: (فلا يتناجى) بألف مقصورة ثابتة في الخط غير
أنها تسقط في اللفظ؛ لالتقاء الساكنين، وهذا خبر عن نفي المشروعية،
ويتضمن النهي عن ذلك.
ووقع في بعض النسخ: (فَلاَ يَتَاجَ)) بغير ألف على النهي، وهي
واضحة .
والتناجي: التحادث.
وقد زاد في الرواية الأخرى زيادة حسنةً فقال: ((حَتَّى يَخْتَلِطُوا
بِالنَّاسِ))، فبين علَّة المنع، وهي أن يجد الثالث من يتحدث معه، كما فعل
ابن عمر .
٣٦٩

وقرينته على التعليل بقوله: ((فإن ذلك يحزنه))؛ أي: يقع في نفسه ما
يحزن لأجله، وذلك بأن يقدِّر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنه لم
يروه أهلاً ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من أحاديث النفس، فإذا كان
معه غيره؛ أمن ذلك.
وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون
واحد، ولا عشرة مثلاً؛ لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد
الکثیر أمْكَنُ وأوقعُ، فیکون بالمنع أولی.
وإنما خص الثلاثة بالذكر ؛ لأنه أول عدد یتأتی فیه ذلك المعنى.
وظاهر هذا الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ابن
عمر ومالك والجمهور.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان في أول الإسلام، وكان ذلك
حال المنافقين، فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام؛
سقط ذلك.
وقال بعضهم: ذلك خاص بالسفر، وفي المواضع التي لا يأمن
الرجل فيها صاحبه، فأما في الحضر، وبين العمارة: فلا .
وكل ذلك تحكم، وتخصيص لا دليل عليه، والصحيح ما صار إليه
الجمهور(١).
* قوله: «أن يحزنه»:
(ن): يقال: حَزَنه وأَحْزَنه، وقُرئ بهما في السبع، وفي هذه الأحاديث
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٢٤).
٣٧٠

النهي عن تناجي الاثنين بحضرة ثالث، وكذا ثلاثة وأكثر بحضرة واحد، وهو
نھي تحریم(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٦٧).
٣٧١

٣٧٤- باب
النهي عن تعذيبِ العبدِ والدابَةِ
والمرأةِ والولدِ بغيرِ سببٍ شرعيِّ،
أو زائدٍ علی قدرِ الأدبِ
قال الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى
وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَتَّبِ
وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَشُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا
فَخُورًا ﴾ [النساء: ٣٦].
* قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، سبق
في (الباب التاسع).
١٦٠٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((عُذِّبَتِ
امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتَّهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ
أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْها، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ
الأَرْضِ)) متفقٌ عليه.
((خَشَاشُ الأرْضِ)) بفتح الخاءِ المعجمةِ، وبِالشينِ المعجمة
المكررة، وهي: هَوَامُها، وَحَشَرَاتُهَا .
٣٧٢

* قوله ◌َ له: ((عُذّبت امرأة في هرة):
(ن): معناه : بسبب هرة، انتھی(١).
قال ابن هشام في ((المغني)): (في) حرف جر، وله عشَرةُ معانٍ :
أحدها التعليل؛ نحو: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُتَنِى فِيَّةٍ ﴾ [يوسف: ٣٢]، وقوله
تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]، وقوله: ((عذبت امرأة في هرة
حبستھا))(٢).
(ن): ((خشاش الأرض)): بفتح الخاء المعجمة وضمها وكسرها،
حكاهن [في ((المشارق))](٣)، وروي بالحاء المهملة، والصواب المعجمة،
وهي: هوام الأرض وحشراتها، وقيل: بل نبات الأرض، وهو ضعيف
وغلط .
وفيه دليل لتحريم قتل الهرة، وتحريم حبسها بغير طعام وشراب.
أما دخولها بسببها: فظاهر الحديث أنها كانت مسلمة، وإنما دخلت
النار بسبب الهرة .
وذكر القاضي أنه يجوز أنها كانت كافرة عُذِّبت لكفرها، وزيد في
عذابها بسبب الهرة، واستحقت ذلك؛ لكونها ليست مؤمنة تُغفر صغائرُها
باجتناب الكبائر، هذا كلام القاضي، والصواب ما قدمناه أنها كانت
مسلمةً، وهذه المعصية ليست صغيرة، بل صارت بإصرارها كبيرةً.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٤٠).
(٢) انظر: ((مغني اللبيب)) لابن هشام (ص٢٢٤).
(٣) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٤٠).
٣٧٣

وليس في الحديث أنها تُخلَّد في النار، وفيه وجوب نفقة الحيوان
علی مالكه(١).
(ق): هذه المرأة التي رآها النبي ◌َّ في النار، هي امرأة طويلة من
بني إسرائيل، فإن كانت كافرة؛ ففيه أن الكفار مخاطَبون بالفروع، وفيه أن
الهرة لا تُتملك وأنه لا يجب إطعامه إلا على من حبسه(٢).
١٦٠١ - وَعَنْهُ: أَنَّهُ مَرَّ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشِ قَدْ نَصَبُوا طَيْراً وَهُمْ
يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَّلِهِمْ، فَلَمَّا
رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ، تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هذا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ
فَعَلَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ غَرَضاً.
متفقٌ عليه.
(الغَرَضُ)) بفتح الغين المعجمة والراءِ، وَهُوَ الهَدَفُ: وَالشَّيْءُ
الَّذِي يُرْمَی إِلَيْهِ.
* قوله: ((نصبوا طيراً):
(ن): هكذا في أكثر النسخ (طيراً) والمراد به واحد، والمشهور في
اللغة أن الواحد يقال له: طائر، والجمع طير، وفي لغة قليلة إطلاق الطير
على الواحد، وهذا الحديث جار على تلك اللغة.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٤٠).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٥٤٤).
٣٧٤

وقوله: ((وكل خاطئة)) هو بهمز خاطئة؛ أي: ما لم يُصِبِ المرمى،
والأفصحُ مُخْطِئة، يقال لمن قصد شيئاً، فأصاب غيره غلطاً: أخطأ، فهو
مخطِئ، وفي لغة قليلة: خَطِئء، فهو خاطئ، وهذا الحديث على اللغة
الثانية(١).
* قال: ((لعن رسول الله ◌َ لا﴿ من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً»:
(ن): أي: لا تتخذوا الحیوانَ الحيَّ غرضاً ترمون إلیه کالغرض من
الجلود وغيرها، وهذا النهي للتحريم، ولأنه تعذيب للحيوان، وإتلاف
لنفسه، وتضييع لماليَّتِه، وتفويت لذكاته إن كان مذكَّى، ولمنفعته إن لم
یکن مذکی(٢).
١٦٠٢ - وَعَنْ أَنَسِ عَهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ أَنْ تُصْبَرَ
البَهَائِمُ. متفقٌ عليه.
وَمَعْنَاه: تُحْبَسُ للقَتْلِ.
* قوله: ((أن تُصْبَر البهائمُ)):
(ن): صَبْرُ البهائم: أن تحبس وهي حية؛ لتقتل بالرمي ونحوه(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٠٨).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه .
(٣) المرجع السابق (١٣ / ١٠٧).
٣٧٥

١٦٠٣ - وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ عَ﴾، قَالَ: لَقَدْ
وَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ بَنِي مُقَرِّنٍ مَا لَنَا خَادِمٌ إِلَّ وَاحِدَةٌ، لَطَمَهَا
أَصْغَرُنَا، فَأَمَرَنَاَ رَسُولُ اللهِنَّهِ أَنْ نُعْتِقَهَا رواه مسلمٌ، وفي رِوَايةٍ :
((سَابِعَ إِخْوَةٍ لي)).
* قوله: ((لقد رأيتني سابع سبعة)) :
أول الحديث: عن هلال بن يِسَاف قال: عجل شيخ، فلطم خادماً
له، فقال له سويد بن مُقرِّن: عجز عليك إلا حُرُّ وجهِها؟ لقد رأيتني ...
الحديثَ.
(ن): معناه عجزت، ولم تجد أن تضرب إلا حُرَّ وجهِها، ((حر
الوجه)): صفحته، وما رق من بشرته، وحر كل شيء أفضلُه وأرفعه.
وعجَز: بفتح الجيم على اللغة الفصيحة، ويقال: بكسرها.
وقوله: ((فَأَمَرَنا رسولُ اللهِلَّهِ أَن نُعْتِقَها)) هذا محمول [على] أنهم
كلَّهم رضوا بعتقها، وتبرعوا به، وإلا فاللطمة إنما كانت من واحد،
فسمحوا له بعتقها تكفیراً لذنبه(١).
١٦٠٤ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ ◌َهِ، قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ
غُلاماً لي بِالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتاً مِنْ خَلْفِي: ((اعلَمْ أَبَا
مَسْعُودٍ!))، فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوْتَ مِنَ الغَضَبِ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي، إِذَا هُوَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٢٩).
٣٧٦

رَسُولُ اللهِوَّهِ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ! أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ
عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الغُلاَمِ))، فَقُلْتُ: لا أَضْرِبُ مَمِلُوكاً بَعْدَهُ
أَبَداً .
وفي روايةٍ: فَسَقَطَ السَّوْطُ مِنْ يَدِي مِنْ هَيْبَتِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! هُوَ حُزِّ لِوَجْهِ اللهِ تعالى،
فَقَالَ: ((أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ: لَمَسَّتْكَ النَّارُ)) رواه
مسلمٌ بهذِهِ الروَایاتِ .
* قوله {ل: لأبي مسعود: ((للفحتك النار)):
(ن): فيه تنبيه على أن الذي فعله من ضرب عبده حرام، فكأنه تعدَّی
في أصل الضرب، بأن ضربه على ما لا يستحق، أو في صفة الضرب، فزاد
على المستحَقِّ، ولا يختلف في أن تأديب العبد بالضرب والحبس وغيره
جائز إذا وقع في محله وعلی صفته.
١٦٠٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَعِ﴾: أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((مَنْ ضَرَبَ
غُلاماً لَهُ حَدّاً لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ)) رواه
مسلمٌ.
* قوله ويلي: ((فكفارته أن يعتقه)):
(ن): فيه الرفق بالمماليك، وحسن صحبتهم، وكف الأذى عنهم.
٣٧٧

وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجباً، وإنما هو مندوب؛
رجاءَ كفَّارةِ ذنبه، وإزالة إثم ظلمه، ومما استدلوا به لعدم وجوب إعتاقه
حديثُ سويد بن مُقرِّن أن النبي ◌َّ أمرهم حين لطم أحدهم خادمهم
بعتقها، قالوا: ليس لنا خادم غيرها، قال: ((فَلْيَسْتَخْدِمُوها، فَإِذا اسْتَغْنَوا
عَنْها؛ فَلْيُخْلُوا سَبِيلَها))(١).
قال القاضي: أجمع العلماء على أنه لا يجب إعتاق العبد لشيء
خفيف مثل اللطم ونحوه، واختلفوا فيما كثر [من] ذلك وشَنُع من ضربٍ
مُنْهِكٍ لغير موجِب لذلك، أو حرقه بنار، أوقَطَعَ عضواً له، أو أفسده، أو
نحو ذلك مما فيه مُثْلةٌ، فذهب مالك وأصحابه والليث إلى عتق العبد على
سيده بذلك، ويكون ولاؤه له، ويعاقبه السلطان على فعله.
واختلف أصحاب مالك فيما لو حلق رأس الأمة، أو لحية العبد،
واحتج مالك بحديث ابن عمرو بن العاص في الذي جبَّ عبده، فأعتقه
النبي ◌َّل عليه(٢).
(ق): أصول أهل الظاهر تقتضي وجوب عتق العبد على سيده إذا
لطمه .
واختلف العلماء فيمن مثَّل بعبده مُثلة ظاهرة، فقال مالك والليث:
يجب عليه العتق .
وهل يعتق بالحكم أو بنفس وقوع المُثْلة؟
(١) رواه مسلم (١٦٥٨)
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٢٧).
٣٧٨

فيه قولان، وذهب جمهور العلماء: إلى أنه لا يجب، وسبب الخلاف
اختلافهم في تصحيح ما روي من قوله ◌َّهِ: ((مَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ؛ عَتَقَ عَلَيْه))(١)،
ومحمل هذا الحديث عند الجمهور على التغليظ على من لطم عبده، أو تعدى
في ضربه؛ ليزجر السَّادة عن ذلك، فمن وقع منه ذلك أثم، وأُمر بأن يرفع يده
عن مِلْكِه؛ عقوبةً له، كما رفع يده عليه ظلماً، ومحله عند الجمهور على
الندب، وهو الصحيح(٢).
١٦٠٦ - وعَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ ﴾: أَنَّهُ مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى
أُنَاسِ مِنَ الأَنْبَاطِ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُؤُؤْسِهِمُ
الزَّيْتُ! فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ في الخَرَاجِ، وَفِي رِوَايَةٍ :
حُبِسُوا في الجِزِيَةِ. فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه
يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا))، فَدَخَلَ عَلَى
الأَمِيرِ، فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ، فَخُلُّوا. رواه مسلمٌ.
((الأنبَاطُ)): الفَلَأَحُونَ مِنَ العَجَمِ.
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ٢٢٥) من حديث عبدالله بن عمرو بن
العاص ، والحاكم في ((المستدرك)) (٨١٠٢) من حديث ابن عمر حولها، ولفظه
فيهما: (فهو حر، وهو مولی الله ورسوله)). وهو حديث حسن كما ذكر محققو
المسند (طبعة مؤسسة الرسالة) .
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٤٧).
٣٧٩

* قوله: ((من الأنباط):
(ق): هم قوم ينزلون البطائح بين العراقين، سموا بذلك؛ لأنهم
ينبطون الماء؛ أي: يحفرون حتى يخرج على وجه الأرض، يقال نبط الماء
ينبِط: إذا نبع، وأنبط الحقَّارُ الماء: إذا بلغ إليه، والاستنباط: استخراج
العلوم أيضاً، وكانوا إذ ذاك أهلَ ذمة، ولذلك عُذِّبوا بالشمس، وصُبَّ
الزيتُ على رؤوسهم؛ لأجل الجزية، وكأنهم امتنعوا من الجزية مع
التمكُّن، فعوقبوا لذلك، فأما مع تبين عجزهم؛ فلا تحل عقوبتهم بذلك،
ولا بغيره؛ لأن من عجز عن الجزية؛ سقطت عنه (١).
* قوله ميسي: ((إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا)):
(ن): هذا محمول على التعذيب بغير حق، فلا يدخل فيه القِصَاص
والحدود والتعزير ونحو ذلك(٢).
(ق): وكذلك التعذيب بزيادة على المشروع؛ إما في المقدار، وإما
في الصفة(٣).
١٦٠٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَ﴾، قالَ: رَأَى رَسُولُ اللهَّهِ حِمَاراً
مَوْسُومَ الوَجْهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللهِ؛ لا أَسِمُهُ إِلَّ أَقْصَى شَيْءٍ
(١) المرجع السابق (٦ / ٥٩٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٦٧).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٩٩).
٣٨٠