النص المفهرس
صفحات 221-240
معناه: المُسْلِمُ الكاملُ، كما يقال: العِلْمُ ما نفع، أو العالِمُ زيد؛ أي:
الكامل، وكما يقال: الناس العرب، والمال الإبل، فكلُّه يدل على التفضيل لا
الحصر(١).
(ك): وإنما قدم اللسان؛ لأن إيذاء اللسان أكثر وقوعاً وأسهل، ولأنه
أشد نكاية، قال ◌َله: ((فَإِنَّه أَشَقُّ عَلَيْهِم مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ) (٢).
وقال الشاعر :
وَلاَ يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ
جِراحَاتُ السِّنانِ لَها الْتِئَامٌ
فإن قلت: فإذا سَلِم المسلمون منه؛ يكون مسلماً كاملاً، وإن لم يأت
بسائر الأركان.
قلت: هذا ورد على سبيل المبالغة؛ تعظيماً لترك الإيذاء، كأن ترك
الإيذاء هو نفس الإسلام الكامل، وهو محصور فيه على سبيل الادعاء،
وأمثاله كثير .
وأما إقامة الحدود، وإجراء التعازير؛ فمستثنىّ من هذا العموم
بالإجماع، أو أنه ليس إيذاء، بل هو عند الحقيقة استصلاح، وطلب سلامة
لهم، ولو في المآل(٣).
[(غب)]: واعلم أن الإسلام في الشرع يطلق على ضربين:
أحدهما: دون الإيمان، وهو الأعمال الظاهرة كما في قوله تعالى:
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٠).
(٢) رواه مسلم (٢٤٩٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها .
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٨٨ - ٨٩).
٢٢١
﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا ﴾ [الحجرات: ١٤].
والثاني: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف(١) اعتقادُ القلب
مع الإخلاص، والإحسان، والاستسلام لله في جميع ما قضى وقدّر.
كما ذكر عن إبراهيم: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمَّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾
[البقرة: ١٣١]، فيحتمل أن يكون المراد هاهنا المستسلم لقضاء الله وقدره
الراضي، فكأنه قال: من أسلم وجهه لله، ورضي بتقديراته لا يتعرض لأحد
بإيذاء، ويكف أذاه عنهم بالكلية سيّما عن إخوانه المسلمين(٢) .
(ط): التعريف في المسلم للجنس .
وقال ابن جني: من عادتهم أن يوقعوا على الذي يخصونه بالمدح
اسم الجنس، ألا تراهم كيف سمّوا الكعبة بالبيت، وكتاب سيبويه بـ
((الكتاب))(٣)؟
(غب): کل اسم نوع، فإنه يستعمل على وجهين :
أحدهما: دلالة على المسمَّى، وفصلاً بينه وبين غيره.
والثاني: لوجود المعنى المختص به، وذلك هو الذي يمدح به،
وذلك أن كل ما أوجده الله في هذا العالم جعله صالحاً لفعل خاص، ولا
يصلح لذلك العمل سواه كالفرس للعدو الشديد، والبعير لقطع الفلاة
البعيدة، والإنسان ليعلم ويعمل بحسَبه .
(١) في الأصل: ((الأعمال))، والمثبت من ((شرح المشكاة)) للطيبي (١ / ٤٤٢)،
و((مفردات القرآن)» للراغب (ص: ٢٤٠).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص ٢٤٠).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٤١).
٢٢٢
لمَّا كلُّ شيء لم يوجد كاملاً لِمَا خُلِقِ له؛ لم يستحقَّ اسمَه مطلقاً،
بل قد يُنفی عنه.
كقولهم: فلان ليس بإنسان؛ أي: لا يوجد فيه المعنى الذي خُلق
لأجله من العلم والعمل.
فعلى هذا إذا وجدت مسلماً يؤذي المسلمين بلسانه ويده، فقلت له :
لست بمسلم؛ عَنَيَتَ أنك لست بكامل فيما تحلَّيتَ به من حلية الإسلام.
(ط): فإن قلت: ما معنى تخصيص (المسلم) بالذكر، ثم
(المسلمون)، ثم (اللسان) و(اليد)؟
فالجواب - والله أعلم - هو إظهار رأفته بَ ◌ّ بالأمة، وإلحاقهم بالكَمَلَة
من أصحابه.
كأنه قال: المسلم الكامل من تشبه بهم، واتصف بصفتهم التي
وصفهم الله بها في قوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ ﴾ [الفتح: ٢٩]، وكان
شدتهم على الكفار: المجاهدةَ باللسان والسنان، وترحُمُهم بإخوانهم
المسلمين: بكف الأذى، وإيثار الموجود، كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ
عَلَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: ٩].
فخص بما يؤذِن عن كف الأذى؛ ليؤذن بغاية التواضع والذلة؛
تلويحاً إلى معنى قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾ [المائدة:
٥٤].
ولما كانت عزتهم على الكفرة، وقهرهم؛ باليد واللسان؛ فينبغي أن
ينتفي عنهم ما كانت العزة به، وهو يستلزم الإيثار بالطريق الأولى، ويمكن
٢٢٣
أن ينزل الإسلام بلسان أهل السلوك على التسليم والرضا(١).
١٥١٣ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ:
((مَنْ يَضْمَنْ لي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ لَه الجَنَّةَ»
متفقٌ عليه.
* قوله يقر: ((من يضمن لي)»:
(ط): معناه من يضمن لي لسانه؛ أي: شرَّ لسانِه وبوادره، وحِفْظَه
عن التكلم بما لا يعنيه ويضره، مما يوجب الكفر، والفسوق، وفرجه بأن
يصونه من الحرام؛ أضمن له دخول الجنة.
و((لحييه)) بفتح اللام: تثنية لَحْي، وهما العظمان اللذان ينبت عليهما
الأسنان علواً وسفلاً .
شبه صورة حفظ المؤمن نفسَه مما وجب عليه من أمر الرسول الهم
ونهيه، وشبّه ما ترتب عليه من الفوز بالجنة، وأنه واجب على الله تعالى
على حسب الوعد أداؤه، وأن رسول الله وَّل هو الواسطة والشفيع بينه وبين
الله تعالى بصورة شخص له حق واجب الأداء على آخر، فيقوم به ضامن
يتكفَّل له بأداء حقه، وأدخل المشبه في جنس صورة المشبه به، وجعله
فرداً من أفراده، ثم ترك المشبه به، وجعل القرينة الدالة عليه ما يستعمل فيه
من الضمان، نحو قولك للمفتي الذي يتردّد في فتواه: أراك أيها المفتي
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٢٤٢).
٢٢٤
تقدِّم رجلاً وتؤخِّر أخرى(١).
١٥١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َهُ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ
العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا إِلى النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا
بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ » متفقٌ عليه.
ومعنى: ((يَتَبَيَّنُ)): يَتَفَكَّرُ أَنَّهَا خَيْرٌ أَمْ لا .
* قوله ريقال: ((ما يتبين فيها»:
(ن): معناه لا يتدبرها، ولا يتفكر في قبحها، وما يُخاف أن يترتب
عليها، وهذا كالكلمة عند السلطان وغيره من الولاة، وكالكلمة تقذف، أو
التي يترتب عليها إضرار مسلم، وهذا كله حث على حفظ اللسان(٢).
(ق): فيه وجوب التثبت عند الأقوال والأفعال، وتحريم التساهل في
شيء من الصغار، وملازمة الخوف، والبحث عما مضى من أول زمان
تكليفه، لإمكان أن يكون قد صدر منه شيء لم يثبته، فيستحق به هذا
الوعيد الشديد، فإن ذكر شيئاً من ذلك؛ تاب منه واستغفر، وإن لم يتذكر؛
وجب عليه أن يتوب جملةً بجملةٍ عمَّا عَلِم، وعما لم يعلم، كما في
الحديث: ((وَأَسْتَغْفِرُكَ عَمَّا تَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ))(٣).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١١١ - ٣١١٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١١٧).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ١٢)، والحديث رواه البيهقي في ((الدعوات الكبير))
(١/ ١٦٠) من حديث شداد بن أوس څته .
٢٢٥
(ط): قوله: ((أبعد)): الظاهر أنه صفة موصوف محذوف؛ أي: هُويّاً
بليغاً بعيدَ المبدأ والمنتهى (١).
١٥١٦ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ بِلالِ بْنِ الحَارِثِ المُزَنِيِّ
أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله
تَعَالَى، مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ
إِلى يَوْمٍ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله، مَا كَانَ
يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَاهُ».
رَواهُ مالكٌ في ((المُوَطَّأ))، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ
صحيحٌ.
فإن قلت: ما معنى ((يكتب الله له رضوانه))؟ وما فائدة التوقيت ((إلى
یوم يلقاه»؟
قلت: معنى كتب رضوان الله: توفيقه لما يرضى الله تعالى من الطاعات
والمسارعة إلى الخيرات، فيعيش في الدنيا حميداً، وفي البرزخ يُصان من
عذاب القبر، ويُفسح له في قبره، ويقال له: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه
إلا أحبُّ أهلِهِ إليه، ويُحشَر يوم القيامة سعيداً، ويظله الله تعالى في ظله، ثم
يلقى بعد ذلك من الكرامة والنعيم المقيم في الجنة، ثم يفوز بلقاء الله ما كلُّ
ذلك دونَه، وفي عكسه قوله: ((يكتب الله بها عليه سخطه))، ونظيره قوله
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١١٢).
٢٢٦
تعالى لإبليس: ﴿ وَإِنَّ عَلَيَّكَ لَغْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨].
* قوله: ((من رضوان الله)):
(ط): ((مِن)) فيه بيانية حال من الكلمة، وكذا قوله: ((لا يلقي لها بالاً)).
وقوله: ((يرفعه الله بها درجات)): جملة مستأنفة بيان للموجب، كأن
قائلاً يقول: ماذا يستحق بعد؟ قيل له: يرفعه الله بها درجات(١).
(نه): ((لا يلقي لها بالاً))؛ أي: لا يستمع إليها، ولا يحضر قلبه نحوها (٢).
(ق): ((من سخط الله))؛ أي: مما يسخط الله، وذلك بأن يكون كذباً، أو
غيبةً، أو نميمةً، أو بهتاناً، أو باطلاً يضحك به الناس، ويل له ويل له(٣).
روى الإمام أحمد هذا الحديث، وزاد في آخره: كان علقمة يقول:
کم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث(٤).
١٥١٧ - وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الله ◌َهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
الله! حَدِّثْنِي بِأَمْرِ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: ((قُلْ: رَبِّيَ اللهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ))،
قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ،
ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا)) رواه الترمذيُّ، وَقَالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١١٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٦٤).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦١٧).
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٦٩)، من حديث بلال بن الحارث المزني
٢٢٧
* قوله: ((آمنت بالله ثم استقم))، سبق شرحه في (الباب الثامن).
قوله: ((ما أخوف)» :
٠
(ط): هو نحو قوله: أشهد وألوم وأشغل، بُني للمفعول، و((ما)) في
(تخاف) يجوز أن تكون موصولة، أو موصوفة، وأن تكون مصدرية على
طريقة جدَّ جدُّه، وجُنَّ جُنونُه.
وإنما أسند ◌َّ شدة خوفه على أمته في سائر الأخبار إلى اللسان؛
لأنه أعظم الأعضاء عملاً، وما من طاعة ومعصية إلا وله فيها مجال.
والإيمان والكفر يتبين بشهادة اللسان، وهما غاية للطاعة والطغيان،
فمن أهمل عذبة اللسان، وأهمله مُرخى العِنان؛ سلك به الشيطان في كل
ميدان، وساقه إلى شفا جُرُف هارٍ إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يَكُبُّ الناسَ
على مناخِرِهِم في النَّارِ إلاَّ حَصَائِدُ السِنَّتِهِم، ولا ينجي من شرِّه إلا أن يقيده
بلجام الشرع، وعِلمُ ما يُحمد إطلاق اللسان فيه أو يذم غامض عزيز، والعمل
بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير، كذا قاله في ((الإحياء) (١).
١٥١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لاَ
تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الله؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ الله تَعَالى قَسْوَةٌ
لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ القَلْبُ القَاسِي)) رواه الترمذيُّ.
* قوله وير: ((فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب)»:
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٢٦).
٢٢٨
(ط): أي: سبب لقسوة القلب(١).
(مظ): قسوة القلب: شدته، وهو عبارة عن عدم قبول ذكر الله،
والخوف والرجاء، وغير ذلك من الخصال الحميدة.
وعدم هذه الخصال تبعد الناس من الله، ولا بدّ في الكلام من تقدير بأن
يقال: أبعد قلوب الناس القلب القاسي، أو أبعد الناس من الله من له القلب
القاسي(٢).
(ط): ويمكن أن يعبر بالقلب عن الشخص؛ لأنه به، كما قيل: المرءُ
بأصغريه؛ أي: بقلبه ولسانه، أو يُقدَّر ذو القلب، فلا يحتاج إذاً إلى حذف
الموصول مع بعض صلته(٣).
١٥٢٠ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴿ه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسولَ الله!
مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ
عَلى خَطِيئَتِكَ)) رواه الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حسنٌ.
* قوله يتلقى: ((أمسك عليك لسانك)):
(نه)؛ أي: لا تُجْرِه إلا بما يكون لك لا عليك.
وعن بعضهم: أي: اجعل لسانك مملوكاً لك فيما عليك وَبَالُه
(١) المرجع السابق (٥ / ١٧٣٧).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣ / ١٤٦).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٣٧).
٢٢٩
وتَبِعَتُه، فأمسكه عما يضرُّك، وأطلِقْه فيما ينفعك(١).
(ط): هذا الجواب من باب الأسلوب الحكيم، سئل عن حقيقة
النجاة، فأجاب عن سببه؛ لأنه أهم بحاله، وأولی.
وكان من الظاهر أن يقول: احفظ اللسان، فأخرجه على سبيل الأمر
الذي يقتضي الوجوب؛ مزيداً للتقرير والاهتمام.
وقوله: «ليسعك بيتك»:
الأمر في الظاهر وارد على البيت، وفي الحقيقة على المخاطَب؛
أي: تعرَّضْ لما هو سبب للزوم البيت من الاشتغال بالله، والمؤانسة
بطاعته، والخلوة عن الأغيار.
وضمن ((ابك)) معنى الندامة، وعداه بعلى؛ أي: اندم على خطيئتك
باکیاً(٢).
ـه، عَنِ النَّبِّوَّهِ، قَالَ:
١٥٢١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ
(إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللَّسَانَ، تَقُولُ: أَتَّقِ اللهَ
فينَا؛ فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ: فَإِنِ اسْتَقَمْتَ، اسْتَقَمْنا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ،
اعْوَجَجْنَا)) رواه الترمذيُّ.
معنى ((تُكَفِّرُ اللِّسَانَ))؛ أَيْ: تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٣٥٨).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣١٢٣).
٢٣٠
قوله ◌َله: «تُكَفِّر اللسان»:
(نه): أي: تَخْضَعُ وَتَذِلُّ.
و(التكفير): هو أن ينحني الإنسان، ويطأطِئءَ رأسَه قريباً من الركوع،
كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه(١).
قال عمرو بن كلثوم:
وَتُلِقِي مِنْ مَخَافَتِنا عَصَاكَا
تُكَفِّرُ بِالْيَدَينِ إِذَا الْتَّقَيْنا
(تو): قال جرير:
فَضَعُوا السِّلاحَ وَكَفِّرُوا تَكْفِيراً
وَإِذَا سَمِعْتَ بِحَرْبٍ قَيْسٍ بَعْدَهَا
(ط): ((فإنما نحن بك))؛ أي: نحن نستقيم ونعوَجُ بك، يدل عليه
التفصيل .
فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث، وبين قوله بَّر: ((إِنَّ في
الجَسَدِ لَمُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ؛ فَسَدَ الجَسَدُ
كُلُّهِ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ))(٢).
قلت: اللسان ترجمان القلب، وخليفته في ظاهر البدن، فإذا أُسند
إليه الأمر؛ يكون على سبيل المجاز في الحكم، كما في قولك: سَقَى
الطّبيبُ المریضَ.
قال الميداني: في قوله: ((المَرْءُ بِأَصْغَرَيه))؛ يعني بهما: القلبَ
واللسان؛ أي: تقوم معانيه بهما، ويكمُل بهما.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٨٨).
(٢) رواه البخاري (٥٢) من حديث النعمان بن بشير نظر اته.
٢٣١
وأنشد لزهير:
زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ
وَكَائِنْ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِبٍ
فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ (١)
لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ
١٥٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ
مَا الغِيبَةُ؟))، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا
يَكْرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: ((إِنْ كَانَ فِيهِ مَا
تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدْ بَهَنَّهُ) رواه مسلمٌ .
* قوله ميل : «أتدرون ما الغيبة»:
(ق): كان هذا السؤال صدر عنه بعد أن جرى ذكر الغيبة، ولا شك في
أنها محرمة [و]كبيرة من الكبائر بالكتاب والسنة، أما الكتاب؛ فقوله تعالى:
﴿وَلَ يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، وأما السنة: فكثيرة، من أنصِّها: ما
خرجه أبو داود عن أبي هريرة رضيه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((إِنَّ مِنَ الكَبَائِرِ
اسْتِطَالَةَ المَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ))(٢)، وحديث أنس المذكور بعد هذا.
و((بهته)): بتخفيف الهاء وتشديد التاء؛ الإدغام تاء المخاطب في التاء
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٢٤).
(٢) رواه أبو داود (٤٨٧٧). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(٢٨٣٢).
٢٣٢
التي هي لام الفعل، ويجوز أن تكون مخففة على إسقاط تاء الخطاب.
يقال: بهته بهتاً وبهتاناً؛ أي: قال عليه ما لم يَقُل، وهو بهَّات،
والمَقُول له مبهوت، وبهِت الرجل - بالكسر -: إذا دَهِش وتحيَّر، وبهُت -
بالضم - مثله(١) .
(ن): الغيبة ذكر الإنسان في غيبته بما يكره(٢).
وأصل البهت: أن يقال له الباطلُ في وجهه، وهما حرامان، [كما]
سبق في (الباب السادس والعشرين).
١٥٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ◌َّ:
حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةً كَذَا وَكَذَا. قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: تَعْني: قَصِيرَةً،
فَقَالَ: ((لَقَدْ قُلْتِ کَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ، لَمَزَجَنْهُ!». قَالَتْ:
وَحَكِيْتُ لَهُ إِنسَاناً، فَقَالَ: ((مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَاناً وَأَنَّ لي كَذَا
وَكَذَا)) رواه أبو داود، والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ومعنى: ((مَزَجَتْهُ)): خَالطَتْهُ مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بِهَا طَعْمُهُ، أَوْ رِيحُهُ؛
لِشِدَّةِ نَِّهَا وَقُبْحِها، وَهَذا مِنْ أَبْلَغِ الزَّوَاجِرِ عَنِ الغِيبَةِ، قَالَ الله
تَعَالى: ﴿ وَمَايَنْطِقُ عَنِ الْمَوَىَ ن إِنْ هُوَ إِلَّا وَحِىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤].
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٧١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٤٢).
٢٣٣
* قوله {ي: ((لو مُزِجت بماء البحر)):
(قض): (المزْج): الخلط والتغيير بضم غيره إليه.
والمعنى: أن هذه الغيبة [لو كانت] مما يمتزج بالبحر؛ لغيّرتْه عن
حاله مع كثرته، وغزارته، فكيف بأعمال نزر خلطت بها؟(١)
(ط): وفي نسخ ((أبي داود)): (لو مزج بها البحر)).
قيل: الصواب مُزجتْ بالبحر، ويمكن أن يقال: إن المزج والخلط
يستدعيان الامتزاج والاختلاط، وكل من الممتزجين يمتزج بالآخر، قال
تعالى: ﴿فَأَخْتَطَ بِهِ نَّبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤].
(الكشاف): كان حق اللفظ فاختلط بنبات الأرض، ووجه صحته:
أن كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه على أن هذا
التركيب أبلغ؛ لأنه من باب عرضت الناقة على الحوض(٢).
(نه): ((حكيت أحداً)؛ أي: فعلت مثل فعله، يقال: حكاه، وحاكاه،
وأكثر ما يستعمل في القبيح المحاكاة(٣).
(ن): سبق في أوّل هذا الباب، ومن الغيبة المحرمة المحاكاة(٤).
(ط): ((وأن لي كذا كذا)) جملة حالية، واردة على التتميم والمبالغة؛
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٤١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٢٩).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٢١).
(٤) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ٢٦٨).
٢٣٤
أي: ما أحب أن أحاكي أحداً ولو أعطيت كذا وكذا من الدنيا(١).
١٥٢٦ - وَعَنْ أَنَسِ رَ بِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَمَّا عُرِجَ
بي، مَرَرْتُ بِقَوْمِ لَهُم أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ
وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ
لُحُومَ النَّاسِ، ويَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ)) رواهُ أبو داودَ.
* قوله: ((يخمِشون))؛ أي: يخدِشون، يقال: خَمَش يَخمِش خَمْشاً
وخُمُوشاً.
(ط): لما كان خمش الوجه والصدر، من صفات النساء النائحات؛
جعلهما جزاء من يغتاب، ويفري من أعراض المسلمين؛ إشعاراً بأنهما
ليستا من صفة الرجال، بل هما من صفات النساء في أقبح حالة، وأشوه
صورة(٢) .
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٣٠).
(٢) المرجع السابق (١٠ / ٣٢١٨).
٢٣٥
٢٤٧- باب
تحريم سماع الغيبةِ
وأمرٍ مَنْ سمعَ غيبةً محرمةً بردّها،
والإنكارِ على قائِلها، فإن عَجَزَ، أو لم يُقبلْ منه،
فارق ذلك المجلس إن أمكنَه
* قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾ [القصص:
٥٥].
* وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[ المؤمنون: ٣].
* وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٦].
* وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فَِّاَلِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
حَ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ
اُلْقَوْمِ الَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
(الباب الثامن والأربعون بعد المئة)
(في سماع الغيبة)
وأُمر من سمع غيبة بردِّها، وإبطالها، والإنكار على قائلها، فإن عَجَز،
أولم يُقبل منه؛ فارق ذلك المجلس إن أمكنه.
٢٣٦
* قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾ [القصص: ٥٥]؛
أي: لا يخالطون أهله، ولا يعاشرونهم.
(م): ((اللغو)): ما حقُّه أن يُلْغَى ويترك من العبث وغيره، وكانوا
يسمعون ذلك، فلا يخوضون فيه، بل يعرضون عنه إعراضاً جميلاً(١).
* قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ [المؤمنون: ٣]؛ أي:
عن الباطل، وهو يشتمل الشرك والمعاصيَ، وما لا فائدة فيه من الأقوال
والأفعال.
قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله [ما] شغلهم عن ذلك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَاَلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
[الإسراء: ٣٦]، سبق في الباب قبله.
* قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيْءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى
حَدِيثٍ غَيْرِهِ،﴾ [الأنعام: ٦٨]:
(م): نقل الواحدي أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين؛ وقعوا في
رسول الله وَّه والقرآن، فشتموا واستهزؤوا، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم
حتى يخوضوا في حديث غيره، وهذا الإعراض يحتمل أن يحصل بالقيام
عنهم، ويحتمل بغيره، فلما قال بعد ذلك: ﴿فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى ﴾ [الأنعام:
٦٨]؛ صار ذلك دليلاً على أن المراد أن يعرض عنهم بالقيام من عندهم(٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ ﴾ [الأنعام: ٦٨]: المراد بهذا كلُّ فرد
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٤ / ٢٢٥).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٣ / ٢١).
٢٣٧
من أفراد الأمة أن لايجلسوا مع المكذبين، فإن جلس أحد منهم ناسياً، فلا
يجلس بعد الذكرى معهم، وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ
عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ الَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ حَقَّ
يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ،َ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمُّ﴾ [النساء: ١٤٠]؛ أي: إنكم إذا جلستم
معهم، وأقررتموهم على ذلك؛ فقد ساويتموهم في الذي هم فيه(١).
١٥٢٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴿ه، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، قَالَ: ((مَنْ رَدَّ
عَنْ عِرْضٍ أَخِيهِ، رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ)) رواه
الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حسنٌ.
* قوله ◌َّاج: ((من ردّ عن عرض أخيه)): بأن يقول لمن تعرَّض لعرض
أخيه: كذبت، أو لست بصادق، ونحو ذلك إن علم كذبه ويظهر ما يعلم من
محاسن أفعال أخیه ما یدل علی کذب هذا القائل، وإن كان صادقاً، يقول له:
بئس ما قلت، أو اترك الغيبة، ولا تأكل لحم أخيك ميتاً، ونحو ذلك.
ويذكر فضائل أخيه، قال أبو الدرداء: سمعت رسول الله وَ له يقول:
((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَن عِرْضٍ أَخِيْهِ إِلَّ كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَن يَرُدَّ عَنْه نَارَ جَهَنَّمَ
يَومَ القِيامَةِ))، وتلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]،
رواه في ((شرح السنة))(٢).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٦ / ٧٧).
(٢) رواه الترمذي (١٩٣١)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٦/ ٤٤٩) واللفظ له. قال
الترمذي: حديث حسن.
٢٣٨
وعن جابر عن النبي ◌ِّرُ قال: ((مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ امْرَءاً
مُسْلِماً، فِي مَوْضِع تُنْتُهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فيه مِنْ عِرْضِهِ، إلاَّ خَذَلَهُ
اللهُ تَعَالى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَه، وَمَا مِنِ امْرِىْ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ مُسْلِماً فِي
مَوْضِعِ يُنْتَقَصُ فيه مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتُهَكُ فِيه مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّ نَصَرَهُ اللهُ فِي
مَوْضعِ يُحِبُّ فِیه نُصْرَتَهُ))، رواه أبو داود(١).
عن أنس ◌َُ عن النبيِ وَلُهُ: ((من اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ المُسْلِمُ وَهُو يَقْدِرُ
عَلى نَصْرِهِ فَنَصَرَهُ؛ نَصَرَه اللهُ في الدُّنيا والآخِرَةِ، وإِن لَم يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ
عَلى نَصْرِه؛ أدْركَه اللهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) رواه في ((شرح السنة)(٢).
قال الإمام الغزالي رحمه الله: أعظم الأسباب تأثيراً في جلب المحبة
الذَّبُّ عن أخيه في غَيبته مهما قُصِد بسوء، أو تُعرِّض لعرضه بكلام صريح أو
تعريض، فحق الأخوة التشمير في الحماية، والنصرة، وتبكيت المتعنِّت،
وتغليظ القول عليه، والسكوت عن ذلك مُوغِر للصدر، ومنفِّر للقلب،
وتقصير في حق الإخوة، وإنما شبه رسول الله ◌َّ﴿ الأخوين باليدين تغسل
إحداهما الأخرى؛ [لينصر أحدهما الآخر](٣)، وينوب عنه، وقد قال أهلية :
(المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُه، وَلاَ يُسْلِمُه))(٤).
(١) رواه أبو داود (٤٨٨٤). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب))
(١٣٥٣).
(٢) رواه البغوي في ((شرح السنة)) (٣٥٣٠). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (١٨٨٨).
(٣) ما بين معكوفتين من ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ١٨١).
(٤) رواه البخاري (٢٣١٠)، من حديث عبدالله بن عمر مگھا.
٢٣٩
وهذا من الإسلام والخذلان؛ فإن إهماله لتمزيق عرضه كإهماله
لتمزق لحمه، وأخْسِنْ بأخ یراك والكلاب تفترسك، وتمزق لحمك، وهو
ساكت لا تحركه الشفقة، والحمية للدفع عنك، وتمزيق الأعراض أشد
على النفوس من تمزيق اللحوم، ولذلك شبهه الله تعالى بأكل لحم الميتة،
والملك الذي يمثله في المنام ما تطالعه الروح من اللوح المحفوظ بالأمثلة
المحسوسة يمثِّل الغيبة بأكل لحم الميتة؛ لأن ذلك الملك في تمثيله يراعي
المشاركة والمناسبة بين الشيء ومثاله في المعنى الذي يجري في المثال
مجرى الروح لا في ظاهر الصورة.
فإذن حماية الأخوة بدفع ذم الأعداء، وتعنُّتِ المتعنتين واجبٌ في
عقد الأخوة .
وقد قال مجاهد: لا تذكر أخاك في غيبته إلا كما تحب أن يذكرك في
غيبتك .
فإذن لك فيه معیاران :
أحدهما: أن تقدر أن الذي قيل فيه لو قيل فيك وكان أخوك حاضراً؛
ما الذي كنت تحب أن يقوله أخوك فيك؟ فينبغي أن تعامل المتعرض
لعرضه به .
والثاني: أن تقدِّر أنه حاضر من وراء جدار يتسمع عليك، ويظن أنك
لا تعرف حضوره، فما كان يتحرك في قلبك من النصرة له بمسمع منه
ومرآى، فينبغي أن يكون في مغيبه كذلك.
فقد قال بعضهم: ما ذكر أخ لي بغيب إلا تصورتُه جالساً فقلت فيه ما
يحبّ أن يسمعه لو حضر، ومن لم يكن مخلصاً في إخائه، فهو منافق.
٢٤٠