النص المفهرس
صفحات 201-220
يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْراً الصَّلاَةَ، وَأَخْبَرَ - يعني: النَّبِيَّ ◌َّهِ - أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قَرَيْشٍ إِلى عاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ أَنْ يُؤْتَوا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئاً. رواه البخارييُّ. قولُهُ: الهَدْأَةُ: مَوْضِعٌ، وَالظَّلَّةُ: السَّحَابُ. وَالذَّبْرُ: النَّحْلُ. وَقَوْلُهُ: ((اقُلْهُمْ بَدَداً) بِکَسْرِ الباءِ وفتحِها، فمن کسر، قال: هو جمع بِدَّةٍ - بكسرِ الباءِ -، وهي النصيبُ، ومعناه: اقْتُلْهُمْ حِصَصاً مُنْقَسِمَةً لِكَلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَصِيبٌ، وَمَنْ فَتَحَ، قَالَ: مَعْنَاهُ: مُتَفَرِّقِينَ في القَتْلِ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ ؛ مِنَ التَّبْدِيدِ. * قوله: ((عيناً): (ك): أي: جاسوساً. و((عاصم بن ثابت)) ضد الزائل: ابن الأقلح بفتح الهمزة، وسكون القاف، وبالمهملة، و((الهدأة)»: بفتح الهاء وسكون [المهملة وفتح الهمزة، و((عسفان)) بضم المهملة وسكون](١) الأخرى وبالفاء - موضع بمرحلتين (١) ما بين معكوفتين من ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٣ / ٤٤). ٢٠١ من مكة و ((بنو لحيان)): بكسر اللام، وإسكان المهملة، وبالتحتانية، وبالنون، و((الذمة)): العهد، و((النبل)): السهام العربية. و ((خبيب)»: بضم المعجمة وفتح الموحدة الأولى وسكون التحتانية: ابن عدي الأنصاري، و((زيد بن الدثنة)) بفتح المهملة، وكسر المثلثة وسكونها، وبالنون: البياضي الأنصاري، اشتراه صفوان بن أمية - بضم الهمزة - منهم، وقتله بمكة. وهذه الوقعة كانت سنة ثلاث من الهجرة. قوله: ((بعد وقعة بدر)): مُتعلق بقوله: (بعث رسول الله (وَل﴿)؛ إذ الكُّ كان بعده لا البيع فقط. و((الموسى)) جاز صرفه لأنه مُفعَل، وعدم صرفه؛ لأنه فُعْلَى، على خلاف بين التصريفيين، و((الاستحداد)): حلق شعر العانة، و((مجلسه)) بلفظ الفاعل من الإجلاس، و((القطف)) بكسر القاف: العنقود، و((الجزع)): نقيض الصبر . وجواب (لولا) محذوف، وهو [نحو]: لزدت على ركعتين، أو لأطلتهما . و ((أحصهم عدداً) دعاء عليهم بالهلاك استئصالاً؛ أي: لا تُبق منهم أحداً. قوله: ((فلست أبالي)): وبعضها: (ما أبالي)، وقد سقط منه لفظٌ ما. ((وفي ذات الإله))؛ أي: وجه الله وطلب ثوابه. و((الأوصال)): جمع الوصل، و((الشلو)): بكسر المعجمة وسكون اللام: العضو، و((الممزع)) بفتح الزاي وبالمهملة: المقطع، والمزعة: ٢٠٢ القطعة، انتهى(١). ذكر الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير في ((تاريخه)): أن خبيباً أنشد : قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مُجْمَعٍ لَقَدْ جَمَّعَ الأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَبُوا عَلَيَّ لِإِنِّي فِي وِثَاقٍ بِمَضْيَعٍ وَكُلُّهُمُ مُبْدِي العَدَاوَةَ جَاهِدٌ وَقُرِّنْتُ مِنْ جَدْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّعِ وَمَا أَرْصَدَ الأَعْدَاءُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي وَقَدْ بَضَعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعٍ وَقَدْ همَلتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مُجْزِعٍ وَلَكِنْ حِذَارِي جَحْمُ نَارٍ مُلفَّعٍ عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللهِ مَضْجَعِي وَلاَ جَزَعاً إِنِّي إِلَى اللهِ مَرْجِعِي (٢) وَقَدْ جَمَعُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ إِلَى اللهِ أَشْكُوْ غُرْيَتِي ثُمَّ كُرْيَتِي فَذَا العَرْشِ صَبِّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ، وَإِنْ يَشَأْ وَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ والمَوْتُ دُوْنَهُ وَمَا بِي حِذَارُ المَوْتِ إِنِّي لَمَيَّتْ فَوَاللهِ مَا أَرْجُو إِذَا مِتُّ مُسْلِماً فَلَسْتُ بِمُبْدٍ للعَدُوِّ تَخَشُّعاً كان معاوية بن أبي سفيان يقول: حضرته يومئذٍ فيمن حضر مع أبي سفيان، فلقد رأيتُهُ يُلقِيني إلى الأرض فَرَقاً من دعوة خُبَيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دُعي علیه فاضطجع لجنبه، زالت عنه. وفي ((مغازي موسى بن عقبة)): أن خُبَيباً وزيد بن الدِّثنة قُتِلا في يوم (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ١٧٢ - ١٧٦). (٢) انظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (٤ / ٦٧). ٢٠٣ واحد، وأن رسول الله ◌َّهِ يُسمَع يوم قُتِلا وهو يقول: ((وَعَلَيْكُمَا أو عَلَيْكَ السَّلامُ، خُبَيِب قَتَلتْهُ قُرَيشٌ)». وذكر أنهم لما صلبوا زيد بن الدثنة؛ رَمَوهُ بالنبل؛ ليفتِنوه عن دينه، فما زاده إلا إيماناً وتسليماً. ولمَّا رفعوا خبيباً على الخشبة؛ نادَوه يُناشدونه: أَتَحِبُّ أن محمداً مكانك؟ قال: لا والله العظيم؛ ما أحب أن يفدِيَني بشوكة يُشَاكُها في قدمِهِ، فضحکوا منه. وهذا إنما ذكره ابن إسحاق عن زيد بن الدثنة، فالله أعلم. قال ابن إسحاق: كان عمر بن الخطاب ظلُّه استعمل سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي على بعض الشام، وكانت تصيبه غشيةٌ وهو بين يدي القوم، فذُكِر ذلك لعمر، وقالوا: إن الرجل مُصاب، فسأله عمر في قَدْمَةٍ قدِمها عليه، فقال: سعيد؛ ما هذا الذي يصيبك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين؛ ما بي من بأس، ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قُتِل، وسمعت دعوته، فوالله؛ ما خطَرت على قلبي وأنا في مجلس قطُّ إلا غُشِي عليَّ، فزادتهُ عند عمر خيراً. وقال: مَن سرَّه أن ينظر إلى رجل نسيج وحده؛ فلينظر إلى سعيد بن عامر. قال ابن هشام: أقام خُبَيب في أيديهم حتى انسلخت الأشهر الحرم، ثم قتلوه. روى ابن إسحاق عن ابن عباس ◌ِه [قال]: قال ناسٌ من المنافقين: يا ويحَ هؤلاء [المفتونين] الذين [هلكوا هكذا، لا هم] أقاموا في أهليهم، ولا هم الذين أدوا رسالة صاحبهم، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن ٢٠٤ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِ قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُ اُلْخِصَامِ ﴾ [البقرة: ٢٠٤] وما بعدها، وأنزل الله في أصحاب السرية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضََاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، انتهى(١). فيه بيان ما أكرم الله خُبَيباً بفاكهة من غير سبب ظاهر مع كونه محبوساً مُقيَّداً أسيراً في أيدي أعاديه . وفيه أن الله سبحانه ربما يَبتلي أولياءَه وأهلَ محبَّته بأنواع البلاء، وهم في تلك الحالة صابرون مُستَسلِمون ناظرون إلى ما سبق من القضاء وسيق إليهم من البلاء، إذا شاهدوا المُبلي؛ هان عليهم ما يَلقَون من الشدائد؛ رضاً بما ساق إليهم مَن هو عالمٌ بمصالحهم، وقادرٌ على كشف ذلك عنهم، ولكن ربما كان المصلحة لهم في البلاء ليَنالوا درجةً لم يكن لهم الوصولُ إليها إلا بها، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]. وفيه استحباب ركعتين لكل من قتل صبراً، وخُبَيب هو أول من سنَّه، وقرّره مَّ، ولعل خبيباً أخذه من استحباب ركعتين عند الخروج من البيت، وعند الارتحال من المنزل، فهذا قد عزم على الخروج من هذا البيت وعلى الارتحال من هذا المنزل، فسجد لله سبحانه يُودِّع الصلاة والمنزل. وفيه الثبات عند الممات والحلم؛ لأن الجزع [لا] يفيد، كما قال (١) انظر: ((سيرة ابن هشام)) (٤/ ١٢٦ - ١٢٨) ورواه من طريق ابن إسحاق الطبريُّ في ((تفسيره)) (٢/ ٣١٣)، والخبر ضعيف، في إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال عنه الحافظ في ((التقريب)) (ص: ٥٠٥): مدني مجهول تفرد عنه ابن إسحاق . ٢٠٥ خبيب: ولست أُبالي، البيتين. فينبغي أن يُشجِّع النفسَ ويقول: إنما هي الساعة، ثم أرجو كمالَ الراحة أبدَ الآباد؛ كما قال ◌َ له: ((لاَ كَرْبَ [عَلَى] أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ))(١). ويغلّب جانب الرجاء، ويلقي سوط الخوف، وفي الحديث: (لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ»(٢). قال بعضهم: عيد المؤمن يوم يموت على الإسلام. ومن علم أن الدنيا سجنُه المظلِمُ المملوءُ من الآفات؛ لم يكره الخروج منھا إلی روح وريحان، وربّ غير غضبان. وفيه: جواز الدعاء على الظالم بنحو مما ظلم. فلما اجتمعوا على قتله؛ دعا عليهم بقوله: اللهم اقتلهم بَدَداً؛ أي: متفرّقین . فإن قيل: هلا دعا الله سبحانه بكشف ذلك عنه، وقهر أعاديه، والأخذ بسمعهم وأبصارهم، حتى يخرج من بينهم سالماً سوياً، وكان خبيب قد خرقت له العادة؟ يقال: إن القضاء إذا أُبْرِمَ وتحقَّق وقوعه، واستحكم لم یمکن ردُّه، ولو اجتمعت الإنس والجن على ذلك. روي أن القرامطة لما أحاطوا بالكعبة سنة إحدى عشر وثلاث مئة، (١) رواه البخاري (٤١٩٣)، من حديث أنس ظـ (٢) رواه مسلم (٢٨٧٧ / ٨١)، من حديث جابر ـ ٢٠٦ وجعلوا يقتلون أولياء الله من الطائفين، والعاكفين، والركع السجود؛ قام ابن عطاء إلى أبي محمد الجريري، وقال: ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا تدعو الله للمسلمين؟ فقال: ليس هذا وقتَ الدعاء إنما هو وقت التسليم، إن الله إذا أراد إمضاء حكم في عباده؛ قید ألسنة أوليائه؛ حتى لا يدعونه؛ فإنه يستحيي أن يردّهم. وقيل: في هذه الوقعة أنشد شيخنا الإمام الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله : وَبَدَفْعِهِ داعٍ دَعَا لا يُسْمَعُ إِنَّ القَضَاءَ إِذا تَحَكَّمَ أَمْرُهُ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَمَن ذَا يَدْفَعُ اللهُ يَفْعَلُ مَا يشَاءُ وَيُحْكِمُهْ وفي الباب أَحاديثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ سَبقَتْ فِي مَوَاضِعِها مِنْ هَذَا الكتَابِ : مِنها: حديثُ الغُلامِ الذي كَانَ يَأْتِي الرَّاهِبَ وَالسَّاحِرَ. وحديثُ أَصْحَابِ الغارِ الذِينَ أَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ. وحديثُ الرَّجُلِ الذي سَمِعَ صَوتاً في السَّحَابِ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ . وَغَيْرُ ذَلِكَ. والدَّلاَئِلُ في البابِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وبِاللهِ التَّوْفِقُ. حديث الغلام سبق في (الباب الثالث). ٢٠٧ حديث جريج سبق في (الباب الثاني والثلاثين). حديث أصحاب الغار سبق في (الباب الأول). حديث الرجل الذي سمع صوتاً في السحاب سبق في (الباب الستين). ٢٠٨ كِتَابِ الأَنُوْ المُسْ عَنْهَا ◌ِكَائِبُالأَزْوُ المُفِىُّعَنْهَا ٢٤٦- باب تحريم الغيبةِ، والأمرِ بحفظِ اللسانِ قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضَاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْئًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَأَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. * وقال تعالى: ﴿ وَلَأَنَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٦]. * وقال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عِيدٌ ﴾ [ق: ١٨]. اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ، إِلاَّ كَلاَماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ، وَمَتَى اسْتَوَى الكَلامُ وَتَرْكُهُ في المَصْلَحَةِ، فَالسُّنَّةُ الإِمْسَاكُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْجَزُّ الكَلامُ المُباحُ إِلى حَرَامِ، أَوْ مَكْرُوهٍ؛ وَذَلِكَ كَثِيرٌ في العادَةِ، وَالسَّلاَمَةُ لاَ يَعْدِلُهَا شَيْءٌ. ٢١١ (الباب السابع والأربعون بعد المئة) (في تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان) (ن): ((الغيبة)): ذكرك الإنسان بما فيه مما يكره، سواء ذكرته بلفظك، أو في كتابك، أو رمزت إليه بعينك أو رأسك. وضابطه: كلُّ ما أفهمت به غيرك نقصانَ مسلم فهو غيبة محرمة، وذلك من المحاكاة بأن [يمشي] متعارجاً، أو مطأطئاً، أو على غير ذلك مريداً حكاية هيئة من ينتقصه بذلك، وكل ذلك حرام بلا خلاف(١). * قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضَاً﴾ [الحجرات: ١٢]: فيه: النهي عن الغيبة، وقد فسرها الشارع بأنها ذكرك أخاك بما يكره، الحديث(٢). وعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله وَّهُ: (يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ؛ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَه، لاَ تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِم؛ فَإِنَّهَ مَنْ تتبعَ عَوْراتهم تبعَ اللهُ عَوْرتَهُ، ومَنْ تتبعَ اللهُ عورتَه؛ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِه)»، تفرد به أبو داود(٣)، ورواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي عن ابن عمر بنحوه، وزاد قال: ونظر ابن عمر يوماً إلى الكعبة، فقال: ما أعظَمَكِ، وأعظمَ حُرْمَتَكِ! ولَلْمُؤْمنُ أعظمُ حرمةً عند الله منك (٤). (١) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص٢٦٨). (٢) رواه مسلم (٢٥٨٩)، من حديث أبي هريرة قته. (٣) رواه أبو داود (٤٨٨٠). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٩٨٤) . (٤) رواه الترمذي (٢٠٣٢). وهو حديث حسن صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٣٣٩). ٢١٢ وعن أنس بن مالك ظُه قال: قال رسول الله ◌ٍَّ: ((لَمَّا عُرِجَ بي؛ مَرَرْتُ بقومٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسِ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُم، قُلْتُ: مَنْ هَؤلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ قال: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقْعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ))، رواه أبو داود(١). وروى ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله؛ حدِّثنا ما رأيت ليلةَ أُسْري بك، قال: ((ثُمّ انْطُلِقَ [بي] إلى خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ كَثِيرٍ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، مُوَكَّلٍ بِهِمْ رِجَالٌ، يَعْمَدُونَ إلى عَرْضِ جَنْبٍ أَحَدِهِمْ، فَيَحْذُونَ مِنْهُ الحَذْوَةَ مِثْلَ النَّعْلِ، ثُمَّ يَضَعُونَهَ فِي فِي أَحَدِهِم، فيقال له: كُلْ كَمَا أَكَلْتَ، وَهُو يَجِدُ مِنْ أَكْلِهِ المَوْتَ، يَا مُحَمَّد؛ لو يَجِدُ المَوتَ وَهُو يُكْرَهُ عَلَيهِ! فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ؛ مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَال: هَؤُلاَءِ الهَمَّازُونَ اللَّمَّازُونَ، أَصْحَابُ النَّمِيْمَةِ، فَقَالَ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهْتُمُوهٌ ﴾ [الحجرات: ١٢]، وَهُو يُكْرَهُ عَلَى أَكْلِ لَحْمِهِ)(٢). وفي ((مسند أبي داود الطيالسي)) عن أنس ◌َظُه أن رسول الله وَّل أمر الناس أن يصوموا، ولا يفطِرَنَّ أحدٌ حتى آذَنَ له، فصام الناس، فلما أمسَوا؛ جعل الرجل يجيءُ إلى رسول الله بَّه، فيقول: ظَلْتُ منذُ اليوم صائماً، فَأُذَن لي، فيأذن له، ويجيء الرجل فيقول ذلك، فيأذن له، حتى جاء رجل فقال: (١) رواه أبو داود (٤٨٧٨). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٨٣٩). (٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٨٦١٨)، وفي إسناده أبو هارون العبدي، واسمه عمارة بن جوين، وهو متروك، ومنهم من كذبه. انظر: ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (ص: ٤٠٨). ٢١٣ يا رسول الله [إن] فتاتين من أَهْلِكَ ظَلَّنا منذُ اليوم صائمتين فأُذَنْ لهما، فلتفطرا، فأعرض عنه، ثم أعاد، فقال رسول الله وَّ: ((مَا صَامَتَا، وَكَيفَ صَامَ مَنْ ظَلَّ يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ؟ اذْهَبْ، فَمُرْهُمَا إِنْ كَانَتَا صَائِمَتَيْنِ أنْ تَسْتَقِيْئًا))، ففعلتا، فقاءَتْ كلُّ وَاحِدةٍ مِنْهما عَلَقَةً، فأتى النبيَّ ◌َّر، فأخبره، فقال رسول الله وَّهُ: ((لَوْ مَاتَتَا، وَهُمَا فِيهِمَا؛ لأَكَلَتْهُمَا النَّارُ)) (١)، إسناد ضعيف، ومتن غريب، ورواه البيهقي، ولفظه: ((فَجِيءَ بِقَدَحِ - أو عُسِّ - فَقَال لِإِحْدَاهُمَا: ((قِيِّْي))، فَقَاءَتْ من قيح ودم صديد، حتى قاءتْ نصفَ القدح، ثم قال للأخرى: ((قِّي))، فقاءت قيحاً، ودماً، وصديداً، ولحماً عبيطاً، وغيره، حتى ملأت القدح، ثم قال: ((إنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللهُ لَهُمَا، وَأَفْطَرَتَا بِمَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِما، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلى الأُخْرَى، فَجَعَلَتَا تَأْكُلاَنٍ لُحُومَ النَّاسِ)»(٢). وفي (مسند أبي يعلى)) من حديث أبي هريرة، وفي حديث ماعٍ ورجمه، أن النبي ◌َّ سمع من رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدَعْه نفسه حتى رُجم رَجمَ الكلب، فسار النبي ◌ِِّ، ثم مرَّ بجيفة حمار، فقال: ((أَيْنَ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟ انْزِلاَ، فَكُلاَ مِنْ جِيْفَةِ هَذَا الحِمَارِ))، قالا: غفر الله لك يا رسول الله؛ وهل يؤكل هذا؟ قال: ((فَمَا نِلْتُمَا مِنْ أَخِيكُمَا آنِفاً أَشَدُّ أَكْلاً مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ إِنَّهُ الآنَ لَفِي (١) رواه أبو داود الطاليسي في ((مسنده)) (٢١٠٧). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٦٧٢). (٢) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٦ / ١٨٦)، من حديث عبيد مولى رسول الله الطفل . وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٦٥٩). ٢١٤ أَنْهَارِ الجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِیھَا))(١)، إسناده صحيح. وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن جابر بن عبدالله قال: كنا مع النبي ◌َّ، فارتفعت ريحُ جيفةٍ مُنِنةٍ، فقال رسول الله ◌َّه: ((أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ الرِّيْحُ؟ هَذِهِ رِئْحُ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ النَّاسَ))(٢). وقال السدي في قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾ [الحجرات: ١٢]: زُعِمَ أن سلمان الفارسي څُه كان مع رجلين من أصحاب النبي ◌َّ﴿ يخدُمهما، وينال من طعامهما، وأن سلمان لما سار الناس ذات يوم، وبقي سلمان نائماً؛ لم يسر معهم، فجعل صاحباه يكلِّماه، فلم يجداه، فضربا الخباء، فقالا: ما يريد سلمان، أو هذا العبدُ شيئاً غيرَ هذا، أن يجيء إلى طعام مقدور، وخِباءٍ مضروب، فلما جاء سلمان؛ أرسلاه إلى رسول الله وَل يطلب لهما إداماً، فانطلق، فلقي رسول الله ێے، ومعه قدح له، فقال: يا رسول الله، بعثني أصحابي؛ لتؤدِمَهم إن كان عندك؟ قال: ((مَا يَصْنَعُ أَصْحَابُكَ بالأُدْمِ؟ قد ائْتَدَمُوا)) فرجع سلمان، فخبرهما بقول رسول الله بَّ، فانطلقا حتى أتيا رسول الله وَّر، فقالا: لا والذي بعثك بالحق؛ ما أصبنا طعاماً منذ نزلنا، فقال: ((إِنَّكُمَا ائْتَدَمْتُمَا بِسَلْمَانَ بِقَوْلِكُمَا))، قال: ونزلت: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾ [الحجرات: ١٢] إنه كان نائماً (٣). (١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦١٤٠). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٢٩٥٧). (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٣٥١). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)» (٢٨٤٠). (٣) رواه أبو الشيخ في ((التوبيخ والتنبيه)) (٢٤٨)، وإسناده ضعيف لانقطاعه. ٢١٥ ورواه الحافظ الضياء المقدسي في كتابه ((المختارة)» باختصار، وفيه: أن الرجلين كانا أبا بكر، وعمر، ولفظه: فجاءا، فقالا: يا رسول الله؛ بأيِّ شيء ائتدمنا؟ فقال: (بِلَحْمٍ أَخِيكُمَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيِّدِه؛ إنِّي لأَرَى لَحْمَهُ بَيْنَ ثَنَايَاكُمَا))، فقالا: استغفرْ لنا يا رسول الله؛ فقال: ((مُرَاهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمَا))(١). وفي ((مسند أبي يعلى)) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّهُ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ لَحْمٍ أَخِيهِ فِي الدُّنْيَا، قُرِّبَ لَه في الآخِرَةِ، فيُقَالُ: كُلْهِ مَيْتاً، كَمَا أَكَلْتَهُ حَيّاً، قال: فَيَأْكُلُهُ، وَيَكلح، ويصيح))(٢)، غريب جداً. ثم قال: ﴿وَنَّقُواْ الَّهُ ﴾ [الحجرات: ١٢]؛ أي: فيما أمركم به، ونهاكم عنه، فراقبوه في ذلك، ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ ﴾ على من تاب إليه ﴿رَّحِمْ﴾ بمن رجع إلیه، واعتمد عليه. (م): في هذا التشبيه إشارة إلى أن عِرض الإنسان كدمه ولحمه، وهذا من باب القياس الظاهر؛ لأن عِرض المؤمن أشرفُ من لحمه، فإذا لم يحب العاقل أكل لحوم الناس؛ فلا يحب قرض عرضهم بالطريق الأولى؛ لأن ذلك آلَمُ. * وقوله: ﴿لَحْمَ آَخِيهِ﴾: آكدُ في المنع؛ لأن العدو يحمله الغضب على مضغ لحم العدو، وأما الصديق، ومن ولدته أمك؛ فأكل لحمه أقبح ما یکون. (١) رواه الضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (٥ / ٧٢)، من حديث أنس وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٦ / ٢١١). (٢) ورواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (١٦٥٦)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٦٨٥). ٢١٦ وقوله: ﴿مَيْنًا﴾: إشارة إلى دفع وهم، وهو [أنَّ] القول في الوجه يؤلم، فيحرم، وأما الاغتياب: فلا اطلاع عليه للمغتاب، فلا يؤلم، فيُقال: [أكل] لحم الأخ وهو ميت أيضاً لا يؤلم، ومع هذا فهو في غاية القبح؛ لما أنه لو اطلع عليه؛ لتألم كما أن الميت لو أحس بأكل لحمه؛ لآلمه. وقوله: ﴿مَيْنًا﴾ حال عن (اللحم) وعن (الأخ). فإن قيل: اللحم لا يكون ميتاً؛ قلنا: بلى، قال النبي وَّ: ((مَا أُبِيْنَ مِن حَيٍّ فَهُوَ مَيْتٌ))(١)، وسمَّى الله العلقة ميتاً(٢). * قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ﴾ [الإسراء: ٣٦]: عن ابن عباس يقول: لا تقل، وقال العوفي عنه: ولا ترم أحداً بما ليس لك به علم. ويصح استعمال ﴿ أُوْلَئِكَ﴾ مكان تلك، قال الشاعر : وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولِئِكَ الأقوام ذُمَّ المَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى وقوله: ﴿مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٦]؛ أي: يُسأل العبد عنها يوم القيامة. (م): ((القفو)): أصله من القفا، كأنه قول يقال خلفه، وهو قول الرجل في غيبته بما يسوؤه. (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٢٧٦) بلفظ: ((قُطع)) من حديث تميم الداري ورواه أبو داود (٢٨٥٨)، والترمذي (١٤٨٠) - وحسنه - والإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢١٨) من حديث أبي واقد الليثي تظ نه بلفظ: ((ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة))، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٦٥٢). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٨ / ١١٥ -١١٦). ٢١٧ وفي بعض الأخبار: ((من قفا مسلماً بما ليس فيه؛ حبسه الله في رَدْغة الخبال(١))). * قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عِيدٌ﴾ [ق: ١٨]؛ أي: معدٌّ لذلك يكتبها لا يترك كلمةً ولا حرکة. وهل يكتب الملك كل شيء من الكلام؟ وهو قول الحسن، وقتادة، أو إنما یکتب ما فيه ثواب وعقاب کما هو قول ابن عباس؟ على قولين، وظاهر الآية العموم. وقال الأحنف بن قيس: صاحب اليمين يكتب الخير، وهو أمير على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة قال له: أمسك، فإن هو استغفر الله نهاه أن يكتبها، وإن أبى كتَبَها، رواه ابن أبي حاتم(٢). ١٥١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ظُهُ، عَنِ النَّبِّوَّهِ، قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَصْمُتْ)) متفقٌ عليه. وَهَذَا الحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يَتَكَلَّمَ إِلاَّ إِذا كَانَ الكَلامُ خَيْراً، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ، وَمَتَى شَكَّ فِي ظُهُورِ (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٠/ ١٦٦)، والخبر رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ٨٢) من حديث عبدالله بن عمر حيث، وهو حديث صحيح. انظر: ((إرواء الغليل)» (٢٣١٨). (٢) ورواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٨٠). ٢١٨ المَصْلَحَةِ، فَلاَ يَتَكَلَّمُ. * قوله وَّه: ((فليقل خيراً، أو ليصمت))، سبق في (الباب التاسع والثلاثين). ١٥١٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ﴿هَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ المُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) متفقٌ عليه. * قوله: ((أيُّ المسلمين أفضل؟»: (ك): معناه: أيُّ خصال الإسلام أفضل؛ إذ شرط (أي) أن تدخل على متعدد، ونفس الإسلام لا تعدد فيه، ولأن الجواب يدل على أن السؤال عن الخصلة، لا عن الإسلام نفسِه، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مُقَامه. فإن قلت: أفعل التفضيل لا بدّ أن يُستعمل بأحد الوجوه الثلاثة، و((أفضل)) هاهنا مجرَّد عن الكل. قلت: تقديره: أفضل من سائر الخصال، والحذف عند العلم به جائز. ومعنى (أفضل) هو الأكثر ثواباً عند الله. فإن قلت: سألوا عن الإسلام؛ أي: الخصلة، فأجاب ((بمن سَلِم))، ولم يقل: سلامة المسلمين من لسانه، فكيف يكون الجواب مطابقاً للسؤال؟ قلت: هو جواب مطابق وزيادة من حيث المعنى؛ إذ يعلم منه أن ٢١٩ أفضليته باعتبار تلك الخصلة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، أو أطلق الإسلام، وأراد الصفة كما يقال: العدل، ويراد العادل، فكأنه قال: أيُّ المسلمين خير؟ كما جاء في بعض الروايات: أيُّ المسلمين خيرٌ؟ فإن قلت: هل فرق بین أفضل وبین خیر . قلت: لا شك أنهما من باب التفضيل، لكن الفضل يعني كثرة الثواب في مقابلة القلة، والخير يعني النفع في مقابلة الشر، والأوّل من الكمية، والثاني من الكيفية(١). (ن): ورد في حديث آخر: أيُّ الإسلام خير؟ قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))(٢). إنما وقع اختلاف الجواب؛ لاختلاف حال السائل والحاضرين، فكان في أحد الموضعين الحاجة إلى إفشاء السلام، وإطعام الطعام أكثر؛ لما حصل من إهمالهما، والتساهل في أمرهما، ونحو ذلك، وفي الموضع الآخر الكفّ عن إيذاء المسلمين . وقوله: ((من لسانه ويده)) معناه: لم يؤذِ مسلماً بقول ولا فعل، وخَصَّ اليدَ بالذكر؛ لأن معظم الأفعال بها، وقد جاء القرآن العزيز بإضافة الأكساب، والأفعال إليها . وفي رواية قوله: ((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ)(٣)، (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٩١). (٢) رواه البخاري (١٢)، من حديث عبدالله بن عمرو جثته. (٣) رواه البخاري (١٠)، من حديث عبدالله بن عمرو وث. ٢٢٠