النص المفهرس

صفحات 181-200

محمول على موافقة البخاري، وتقديره: ](١) فَلْيَذْهَبْ بمَنْ يُتِمُّ ثَلاَئَةً، أو
بِتمَامِ ثَلاَثَةٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِى أَزْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ [فصلت: ١٠]؛
أي: في تمام أربعة .
وفي هذا الحديث فضيلة الإيثار والمواساة، وأنه إذا حضر ضِيفَان
كثيرون؛ فينبغي للجماعة أن يتوزَّعوهم، ويأخذ كل واحد منهم مَن
يحتمله، وأنه ينبغي لكبير القوم أن يأمر أصحابه بذلك(٢).
(ق): في ذلك الوقت كانت المواساة واجبة؛ لشدة الحال، والحكم
كذلك مهما وقعت شدة بالمسلمين، والله الكافي(٣).
* قوله: ((أن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق نبي الله وٌَّ بعشرة»:
(ن): هذا مبين لما كان عليه وَّ ر من الأخذ بأفضل الأمور، والسبق
إلى السخاء والجود؛ فإن عيال النبي ◌َّ كانوا قريباً من عدد ضيفانه هذه
الليلة، فأتى بنصف طعامه أو نحوه، وأتى أبو بكر رَظُه بثلث طعامه أو
أکثر، وأتی الباقون بدون ذلك.
قوله: ((فإن أبا بكر تعشى عند النبي ◌َّ، ثم لبث حتى صليت
العشاء، ثم رجع، فجاء بعد ما مضى [من] الليل ما شاء الله)): فيه جواز
ذهاب من عنده ضيفان إلى أشغاله ومصالحه إذا كان له مَن يقوم بأمورهم
ويَسدُّ مسدّه، وفيه ما كان أبو بكر رَُّه من الحب للنبي ◌َّ والانقطاع إليه،
وإيثاره في ليله ونهاره على الأهل والأولاد والضيفان، وغيرهم.
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٧).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٣٠).
١٨١

وامتناع الأضياف من الأكل إنما كان أدباً ورفقاً لأبي بكر ﴿ فيما
ظنوه؛ لأنهم ظنوا أن لا يَفضُلَ شيءٌ من عشائهم.
قال العلماء: والصواب للضيف أن لا يمتنع مما [أراده] المُضِيف
من تعجيل طعام وتكثيره، وغير ذلك من أموره إلا أن يعلم أنه يتكلَّف ما
يشقُّ عليه حياءً منه، فيمنعهُ برفق، ومتى شكَّ؛ لم يعترض عليه ولم
يمتنع، فقد يكون للمُضِيف عذر أو غرض في ذلك لا يُمكنه إظهاره؛
[فتلحقه] المشقة بمخالفة الأضياف؛ كما جرى في قصة أبي بكر .
وأما اختباء عبد الرحمن: فخوفاً من خصام أبيه.
وقوله: ((جدع))؛ أي: دعا بالجدع، وهو قطع الأنف وغيره من
الأعضاء، و((السب)): الشتم، و((غنثر)): بغين معجمة مضمومة، ثم نون
ساكنة، ثم ثاء مثلثة مفتوحة ومضمومة، لغتان: وهو الثقيل الوخم، وقيل:
هو الجاهل، مأخوذ من الغثارة بفتح الغين المعجمة، وهي الجهل، والنون
فيه زائدة، وقيل: هو السفيه، وقيل: هو ذباب أزرق، وقيل: هو اللئيم،
مأخوذ من الغُثْرِ، وهو اللؤم.
وحكى القاضي فتح الغين والثاء، ورواه الخطابي بعين مهملة وتاء
مثناة مفتوحة، قالوا: وهو الذباب، شبهه تحقیراً له.
وقوله: ((كلوا لا هنيئاً)، إنما قاله لما له من الحرج والغيظ بتركهم
العشاءَ بسببه، وقيل: إنه ليس بدعاء، بل هو خبر؛ أي: لم تتهنؤوا به في
و قته .
وفي قوله: ((لا أطعمه ثم أكل))، أن مَن حلف على يمين فرأى غيرها
خيراً منها؛ فعل ذلك، وكفّر عن يمينه.
١٨٢

وفيه حمل المُضيف المشقةَ على نفسه في إكرام ضيفانه، وأنه إذا
تعارض حِنْثُه، وحِنْثُهم؛ أَحْنثَ نفسَهُ؛ لأن حقَّهم آكد(١).
(ق): كل ذلك أبرزه [من] الصديق ◌ُه على عبد الرحمن ظنُّ أنه فرَّط
في الضيفان، فلمَّا تبين له أنه لم يكن منه تفريط، وأنه إنما كان ذلك امتناعاً من
الضیفان؛ أذًبهم بقوله لهم: (لا هنيئاً)، وحلف أن لا يطعمه، وذلك أن هؤلاء
الأضياف تحكَّموا على ربِّ المنزل بالحضور معهم، فنكَّدوا على أهل
المنزل، ولا يلزم حضورُ ربِّ المنزل مع الضيف إذا أحضر ما يحتاجون إليه،
فقد يكون في مهمٌ لا يُمكنه تركهُ، فهذا منهم جفاءٌ.
لكن حملهم على ذلك: صدق رغبتهم في التبرك، بمؤاكلته، وحضوره
معهم، فأبوا حتى يجيء، وانتظروه، فجاء فصدر منه ذلك، فتكدّر الوقت،
وتشوَّش الحال عليهم أجمعين، وكانت نزغة شيطان، فأزال الله ذلك النكد
بما أبداه من الكرامة والبركة في ذلك الطعام، فعاد ذلك النكد سروراً، وانقلب
الشيطان مدحوراً، وعند ذلك عاد أبو بكر إلى مكارم الأخلاق، فأحنث نفسه،
وأكل مع أضيافه، وطيّب قلوبهم(٢).
(ط): ((ربت من أسفلها))؛ أي: ارتفع الطعام من أسفل القصعة ارتفاعاً
أكثر، وإسناد (ربت) إلى القصعة مجازي(٣).
(ن): فيه إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل السنة خلافاً
للمعتزلة.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٣٣٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) (١٢ / ٣٨٠٩).
١٨٣

وفيه كرامة ظاهرة للصديق، فإنهم أكلوا منها حتى شبعوا، وصارت
بعد ذلك أكثر مما كانت ثلاث مرار، ثم حملوها إلى النبي بير فأكل منها
الخلقُ الكثير.
وقوله لها: ((يا أخت بني فراس))؛ هذا خطاب منه لامرأته أم رومان،
ومعناه: يا مَن هي من بني فراس، [قال القاضي: فراس] هو ابن غنم بن
مالك بن كنانة .
وقولها: ((لا وقرة عيني))، قال أهل اللغة: قرَّةُ العين يُعبر بها عن
المسرَّة، ورؤية ما يُحبه الإنسان ويُوافقه، وقيل: ذلك لأن عينه تقرُّ لبلوغه
أمنيتَهُ، فلا يستشرف لشيء، فيكون مأخوذاً من القرار، وقيل: مأخوذ من
القُر بالضم، وهو البرد؛ أي: عينه باردة.
وقال الأصمعي وغيره: أقرَّ الله عينَهُ؛ أي: أبرد دمعته؛ لأن دمعة
الفرح باردة، ودمعة الحزن حارة، ولهذا يقال في ضده: أسخن الله عينه.
قال صاحب ((المطالع)): قال الداودي: أرادت بـ (قُرَّةٍ(١) عِنِها) النبيَّ ◌َُ،
فأقسمت به .
ولفظة (لا) في قوله (وقرة عيني) زائدة، ولها نظائر مشهورة،
ويحتمل أنها نافية، وفيه محذوف؛ أي: لا شيء غير ما أقول، وهو: وقرة
عيني، لهيَ أكثر وأكبر، ضبطوة بالباء الموحدة وبالثاء المثلثة(٢).
(ق): إنها أقسمت بما رأت من قرة عينها بكرامة الله لزوجها، وافتتحت
(١) في الأصل: ((أرادت الله بقرة))، والصواب المثبت.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٠).
١٨٤

الكلام بـ (لا) الزائدة كقوله تعالى: ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ [القيامة: ١](١).
١٥٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴿هَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َلِ:
(لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي
أَحَدٌ، فَإِنَّهُ عُمَرُ)) رواه البخاريُّ.
ورواه مسلمٌ من روايةٍ عَائِشَةَ، وفي رِوايتِهما: قَالَ ابنُ وَهْبٍ :
((مُحَدَّثُونَ))؛ أي: مُلْهَمُونَ.
* قوله: ((محدثون)» :
(تو): (المحدَّث) في كلامهم: هو الرجل الصادق الظن، وهو في
الحقيقة من أُلقي في روعه شيء من قِبَل الملأ الأعلى، فيكون كالذي
حدث به .
وفي قوله وَّر: ((إن يك في أمتي أحد؛ فهو عمر))، لم يَرد هذا القول
مورد التردد؛ فإن أمته أفضل الأمم، وإذا كانوا موجودين في غيرهم من
الأمم؛ فبالحريّ أن يكونوا في هذه الأمة أكثر عدداً، وأعلى رتبة، وإنما
ورد مورد التأكيد والقطع، ولا يخفى على ذي الفهم محله [من المبالغة؛
كما في] قول الرجل: إن يكن لي صديق؛ فإنه فلان، يريد بذلك اختصاصه
بالكمال في صداقته لا نفي الأصدقاء.
(ط): هذا الشرط من باب قول الأجير: إن كنت عملت لك؛ فوقِّني
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٣٣٩).
١٨٥

حقي، وهو عالم بذلك، ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج
عن الحق فعلُ مَن له شكٌّ في الاستحقاق مع وضوحه، فالمراد بالمحدَّث:
المُلهم المبالغ فيه، الذي انتهى إلى درجة الأنبياء في الإلهام.
فالمعنى: لقد كان فيما قبلكم من الأمم أنبياء ملهمون من قبل الملأ
الأعلى، فإن يكن في أمتي أحد هذا شأنه؛ فهو عمر، جعله لانقطاع قرينه
وتفوقه على أقرانه في هذا کأنه تردد هل هو نبي أم لا؟ فاستعمل (إن)، يؤيده ما
ورد في الحديث: (لَو كَانَ بَعِدِي نَبِيٌّ؛ لكَانَ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ)) (١)، فـ (لو) في
هذا الحديث بمنزلة (إن) على سبيل الفرض والتقدير؛ كما في قول عمر ته:
نعمَ العبدُ صُهيب، لو لم يخف الله؛ لم يعصهِ(٢).
(ق): ((محدّثون)) - بفتح الدال ـ اسم مفعول؛ فسره ابن وهب
بالملهمين؛ أي: يحدثون في ضمائرهم بأحاديث صحيحة، هي من نوع
الغيب، فيظهر على نحو ما وقع لهم، وهذه كرامة يكرم بها من شاء من
صالحي عباده، ومن هذا النوع ما يقال عليه: فراسة وتوسم، كما في
الحديث: ((اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِن؛ فَإِنَّهُ يَنظُرُ بنُورِ الله) (٣)، ثم قرأ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَتِّ لِّلْمُنَّوَسِّمِينَ ﴾ [الحجر: ٧٥].
وقيل: إن معنى محدّثون مكلمون؛ أي: تكلمهم الملائكة، وهذا
(١) رواه الترمذي (٣٦٨٦)، من حديث أبي سعيد الخدري څه. وهو حديث حسن.
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٢٨٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٨٥٤).
(٣) رواه الترمذي (٣١٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري تَظُه. وهو حديث ضعيف.
انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٨٢١).
١٨٦

راجع إلى ما ذكرناه، وهو أعم، فقد يخلق الله الأحاديث بالغيب في القلب
ابتداء من غير واسطة ملك.
وقيل إن معناه: مصيبون فيما يظنون، وإليه ذهب البخاري.
وقوله: ((فإن يك في أمتي أحد؛ فإنه عمر))، دليل على قلَّة وقوع هذا
وندوره، وعلى أنه ليس المرادَ بالمحدّثين المصيبون فيما يظنون؛ لأن هذا
كثير في العلماء والأئمة، بل وفي عوام الخلق كثير ممن يقوی حَدسه،
[فتصح إصابته]، فترتفع خصوصية الخبر، وخصوصية عمر بذلك، ومعنى
هذا الخبر قد تَحقَّق ووُجِد في عمر قطعاً وإن لم يجزم فيه النبي ◌َّ
[بالوقوع].
وقد دلّ على ذلك قصة: الجبل يا سارية، وغيره، وأصح ما يدل
على ذلك شهادة النبي ◌َّر بذلك؛ كما رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعاً:
((إِنَّ اللهَ جعَلَ الحَقَّ على لسَانِ عُمَرَ وقَلْبِهِ)).
قال ابن عمر: ما نزل بالناس أمرٌ قط قالوا فيه وقال عمر، إلا نزل
القرآن على نحو ما قال فيه، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح(١).
ومن ذلك ما قال عمر : وافقتُ ربي في ثلاثٍ، الحديث(٢) .
وقد ادعى هذا الحال كثير من أهل المحال، لكن تَشهد بالفضيحة
شواهدُ صحيحة(٣).
(١) رواه الترمذي (٣٦٨٢).
(٢) رواه البخاري (٣٩٣)، ومسلم (٢٣٩٩).
(٣) انظر: ((المفهم) للقرطبي (٦ / ٢٥٩).
١٨٧

١٥٠٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾، قَالَ: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ
سَعْداً، يَعْني: ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ﴿ إِلى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﴿﴾،
فَعَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّاراً، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ
يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَقَ! إِنَّ هَؤُلاءِ يَزْعُمُوْنَ أَنَّكَ
لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي، فَقَالَ: أَمَّا أَنَ - وَاللهِ - فَإِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ
رَسُولِ اللهِوَ﴿، لا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاَةَ الِعِشَاءِ، فَأَرْكُدُ في
الأُولَيْنِ، وَأُخِفُّ في الأُخْرَيَيْنِ، قَالَ: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ،
وَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً - أَوْ رِجَالاً - إِلى الكُوفَةِ يَسْأَلُ عَنْهُ أَهْلَ الكُوفَةِ،
فَلَمْ يَدَعْ مَسْجِداً إِلَّ سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفاً، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِداً
لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكَنَّى: أَبَا
سَعْدَةَ، فَقَالَ: أَمَا إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّ سَعْدَاً كَانَ لاَ يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلاَ
يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلاَ يَعْدِلُ في القَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أمَا - وَاللهِ-
لِأَدْعُوَنَّ بِثَلاَثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِباً، قامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً،
فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرَّضْهُ للِفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ
يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ .
قَالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ الرَّاوي عَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ: فَأَنَاَ
رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَزَّضُ
للجَوَارِي في الطُّرُقِ، فَيَغْمِزُهُنَّ. متفقٌ عليهِ.
١٨٨

* قوله: ((شكا أهل الكوفة سعداً):
(ن): الكوفة: هي البلدة المعروفة، دار الفضل، بناها عمر بن
الخطاب رَؤُه؛ يعني: أمر نوَّابه ببنائها هي والبصرة.
قيل: سميت كوفة لاستدارتها، تقول العرب: رأيت كوفاً للرمل
المستدير(١).
(ك): وقيل: لأن ترابها یخالطه جصٌّ، وکل ما کان کذلك یسمی
كوفة.
في (٢)
بناها سعد بإشارة عمر هو
قوله: ((فأرسل عمر)) :
(ن): فيه أن الإمام إذا شُكي إليه نائبهُ بعث إليه واستفسره عن ذلك،
وأنه إذا خاف مفسدة باستمراره في ولايته ووقوع فتنة؛ عزله، فلهذا عزله
عمر ته مع أنه لم يكن فيه خلل، ولم يثبت ما يقدح في ولايته وأهليته.
وجاء في ((صحيح البخاري)) في حديث مقتل عمر والشورى: أن
عمر أنه قال: إن أصابت الإمارة سعداً؛ فذاك، وإلا؛ فليستعن به أيكم
أمر؛ فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة(٣)، وقوله: ((لا أخرم))، بفتح الهمزة
وكسر الراء؛ أي: لا أنقص، وقوله: ((أركد في الأوليين))؛ أي: أطولهما
وأمدهما، من قولهم: ركدت السفن والريح.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٧٥).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥/ ١٢٠ - ١٢١).
(٣) رواه البخاري (٣٤٩٧).
١٨٩

وفي قوله: ((ذلك الظن بك أبا إسحاق))، دليلٌ على جواز مدح
الرجل الجليل في وجهه إذا لم يخف عليه فتنة، وخطاب الرجل الجليل
بکنیته دون اسمه(١).
* قوله: «أما أنا):
(ك): فإن قلت: (أما) للتفصيل لا بدّلها من قسيم، فأين هو؟
قلت: مقدر؛ لأنه قال: أما هم: فقالوا ما قالوا، وأما أنا: فأقول:
إني کنت کذا.
فإن قلت: القياس يقتضي أن يؤخر لفظة (والله) عن الفاء.
قلت: ما هو في حيز (أما) يجوز تقديم بعضه على الفاء، وجواب
القسم محذوف.
وقوله: (فإني كنت) يدلُّ عليه.
وقوله: ((صلاة رسول الله وَ ل﴾))؛ أي: صلاة مثل صلاته.
((ما أخرم)) - بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وكسر الراء - ما
أنقص، وما أقطع.
فإن قلت: لمَ خصص صلاة العشاء بالذكر من بين الصلوات؟
قلت: لعلهم شكوا منه في هذه الصلاة [بسببها]، أو لأنه لما لم
يهمل شيئاً من هذه الصلاة التي وقتها وقت الاستراحة؛ ففي غيرها بالطريق
الأولى .
وقوله: (أركد)) - بضم الكاف -؛ أي: أسكن، وأمكث فيهما بأن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٢١٣).
١٩٠

أطولهما، [و (أخف) بضم الهمزة] وفي بعضها: أخفف.
((وذلك الظن))، مبتدأ وخبر، و((بك)) متعلق بـ (الظن)؛ أي: هذا
الذي تقوله هو الذي يُظن بك.
فإن قلت: سعد إما أنه غائب، فكيف خاطبه بذلك؟ وإما أنه حاضر،
فكيف قال: فأرسل إليه؟
قلت: کان غائباً أولاً، ثم حضر.
قوله: ((عبس))، بفتح المهملة وسكون الموحدة وبالمهملة.
و((أسامة)) بضم الهمزة ((بن قتادة)) بفتح القاف، وبالمثناة الفوقانية.
و((سعدة)) بفتح السين؛ من السعادة.
قوله: ((أما إذا نشدتنا))، يقال: نشدتك بالله؛ أي: سألتك بالله، وقسیم
(أمّا) محذوف؛ أي: أما غيري: فأثنوا عليه، وأما نحن حين سألتنا: فنقول:
کذا وكذا .
والباء في (بالسرية) للمصاحبة، وهي بتخفيف الراء: قطعة من الجيش.
و((القضية)): هي القضاء؛ أي: الحكم.
((رياء وسمعة)) بضم السين؛ أي: ليراه الناس ويسمعونه.
و((عرضه))؛ أي: اجعله عرضة للفتن، أو أدخله في معرضها، أو
أظهرها .
فإن قلت: الدعاء بطول العمر دعاء له لا دعاء عليه.
قلت: طولُهُ في الغاية بحيث يُرد إلى أسفل سافلين، ويَصير إلى أرذل
العمر، وتَضعف القوى، ويَتنَّس في الخلق = محنة لا نعمةٌ، والمراد:
١٩١

طوله مع طول الفقر.
فإن قلت: كيف جاز لسعد أن يدعو على أخيه المسلم؟ وإن جاز،
فلمَ اكتفى بدعوة واحدة؟
قلت: جاز؛ لأنه كان مظلوماً بالافتراء عليه، وأما التثليث: فلأنه
أيضاً ثلث في نفي الفضائل عنه، لا سيما الثلاث التي هي أصول الفضائل،
وأمهات الكلمات؛ يعني: الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية، حيث
قال: لا يسير، والعفة التي هي كمال القوة الشهوانية، حيث قال:
لا يقسم، والحكمة التي هي كمال القوة العقلية، حيث قال: لا يعدل.
وراعى أمراً آخر في الدعاء، وهو أنه قابل كل ما نسب إليه التقصير
مما يتعلق بالنفس، والمال، والدين، فدعا عليه بما يتعلق بالنفس، وهو
طول العمر، وبالمال، وهو الفقر، وبالدين، وهو الوقوع في الفتن.
وقوله: ((يغمزهن))؛ أي: يعصر أعضاءهن بيده، وفيه إشارة إلى
الفتنة، وإلى الفقر أيضاً؛ لأنه لو كان غنياً، لما احتاج إلى غمز الجواري في
الطرق، انتهى(١).
ويحتمل أن الراوي أراد قبحه، فقبح ما ابتليَ به أسامة من الفتنة، فإنه
بعدما شاخ وغلب عليه الكبر، وسقط حاجباه على عينيه، وضعفت دواعي
شهوته، وصار بحيث تمجه نفوس الغانيات، وتنفر عنه أشد النفور؛ ابتلي
بمحبتهن والدنو منهن .
وأشد ما يبتلى به المرء أن يكون محباً غير محبوب، وطالباً غير
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥/ ١٢١ - ١٢٢).
١٩٢

مطلوب، وأقبح من هذا ابتلاؤه أيضاً بقلة الحياء وفعل ما يستهجن فعله في
الطرق.
ولعله لما لم يستحي من الله سبحانه في كذبه على سعد بين ملأ من
الناس؛ ابتلي بركوب القبائح بمراءٍ من الناس جزاءً وفاقاً .
١٥٠٦ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
تُقَيْلِ
خَاصَمَتْهُ أَرْوَى بِنْتُ أَوْسِ إِلى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ،
وَادَّعَتْ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئاً مِنْ أَرْضِهَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ
أَرْضِهَا شَيْئاً بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ؟! قَالَ: مَاذَا
سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله ◌ِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِِّ يَقُولُ:
(مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً، طُوِّقَهُ إِلى سَبْعِ أَرَضِينَ))، فَقَالَ
لَهُ مَرْوَانُ: لَاَ أَسْأَلُكَ بَيِّنَّةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ سَعيدٌ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ
كَاذِبَةً، فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا، قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى
ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا، إِذْ وَقَعَتْ في حُفْرَةٍ،
فَمَاتَتْ. متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ
بِمَعْنَاهُ، وَأَنَّهُ رَآهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الجُدُرَ تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ
سَعِيدٍ، وَأَنَها مَرَّتْ عَلى بِثْرٍ في الدَّارِ التي خَاصَمَتْهُ فِيها، فَوَقَعَتْ
فِيها، فَكَانَتْ قَبْرَها.
١٩٣

· قوله ◌َله: ((من أخذ شبراً من الأرض))، سبق في (الباب السابع
والعشرين).
* قوله: (([لا] أسألك بينة»:
(ق): قرأناها بفتح الكاف على خطاب سعيد بصحة الحديث الذي
رواه؛ لأنه صدقه في الرواية، ولم يحتج إلى الاستظهار بزيادة شهادة غيره
على ذلك.
ولم يُرد بالبينة هنا الشهادة التي يَستند حكمُ الحاكم إليها؛ لأنها
لا تلزم المُدَّعى عليه، فكيف يسقط عنه ما لا يلزمه؟(١)
(ط): كأن سعيداً لما أنكر؛ توجَّه عليها البينة، وعند فقدها البينة
توجّه إليه اليمين، فأجرى مروان هذا الكلام مُجرى اليمين، وقال:
لا أسألك بينة بعد هذا(٢).
(ن): فيه منقبة لسعيد بن زيد، وقبول دعائه، وجواز الدعاء على
الظالم، ومُبتذل أهل الفضل(٣).
(ق): فيه أن سعيداً استجاز الدعاء على الظالم بأكثر مما ظلم، وفيه
إشكال مع قوله تعالى: ﴿ وَجَزَّوْاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله:
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ووجه
الإشكال: أنه كما لا يجوز أن يأخذ من الظالم أو الغاصب زيادةً على
القصاص، أو على مقدار ما أخذ، كذلك لا يجوز أن يدعو عليه بزيادة على
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٣٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٨١٣).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٥٠).
١٩٤

ذلك؛ لإمكان الإجابة، فتحصل الزيادة الممنوعة، ولو لم يستجب له؛
أليس قد أراد وتمنَّى شراً زائداً على قدر الجناية للمسلم، وهو ممنوع منه؟
وإنما الذي يجوز أن يدعو به على الظالم أن يقول: اللهم؛ خُذ لي بحقي
منه، اللهم؛ افعل به ما فعل، وما أشبه ذلك، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ
عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: ٤٣].
ويُجاب عنه بالفرق بين الدعاء على الظالم بأكثر مما ظلم وبأن يُفعل
به أكثر مما ظلم؛ فإن الدعاء ليس مقطوعاً بإجابته، فإذا صدر عن المظلوم
بحكم حُرْقة مظلمته، وشدة موجدته؛ لم نقل: إنه صدر عنه محرَّم، غاية
ذلك: أن يكون ترك الأولى؛ لأنه منتصر، ولأنه لم يصبر، ويدل على
[جواز] ذلك ما روي [أن] النبي ◌َّ﴿ رأى رجلاً خلَقَ الثياب، فأمره أن يلبس
ثوبيه، فلما لبسهما؛ قال: ((ما له؟ - ضرب الله عنقه - أليس هذا خيراً
[له]؟))(١).
وفي ((سنن أبي داود)): عن سعيد بن غزوان، عن أبيه، أنه مرَّ بين
يدي النبي ◌َّ بتبوك وهو يصلي، فقال: ((قَطَعَ صَلاتَنَا قَطَعَ اللهُ أَثْرَهُ)(٢)،
قال: فما قمت عليها إلى يومي هذا؛ يعني: رجليه، فدلَّ هذا على أن
الدعاء المذکور ليس محرماً.
وأما قوله: أراد الشر للظالم وتمناه؛ فنقول: يَحِق له ذلك ليرتدع
الظالمُ عن شره، أو غيره ممن يريد الظلم والشر، ولو سلَّمنا أن ذلك
لا يجوز؛ لأمكن أن يقال: إنه لا يلزم من الدعاء بالشر أن يكون ذلك الشر
(١) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (٢/ ٩١٠) من حديث جابر ر ◌ُه .
(٢) رواه أبو داود (٧٠٦). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف أبي داود)) (١١٢).
١٩٥

متمنَّى ولا مراداً للداعي؛ لأن الإنسان قد يدعو على ولده وحبيبه بالشر
بحكمِ بادِرَةِ الغضب، ولا يُريد وقوعَهُ، ولا يتمنَّه، انتهى(١).
١٥٠٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ◌َ﴾، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ
أُحُدٌ، دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّ مَقْتُولاً في أَوَّلِ مَنْ
يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌ََّ، وَإِنِّي لا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ
غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللهِ بَّهِ، وَإِنَّ عَلَيَّ دَيّاً، فَاقْضٍ، وَاسْتَوْصٍ
بِأَخَوَاتِكَ خَيْراً. فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ؛ وَدَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ في
قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَثْرُكَهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِنَّةِ
أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَوْمَ وَضَعْتُهُ غَيْرَ أُذُنِهِ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ .
رواه البخاريُّ.
· قوله: ((ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل)): فيه كرامة ظاهرة
لعبدالله من وجهين: أحدهما: أنه غداً مقتول، ثانيهما: أنه أوّل المقتولين.
ومن فضائله أيضاً أنه مع ما منح من الفضائل راعى الأدب مع الله
سبحانه، ولم يجزم بما ألقي في رُوعه، فقال: (ما أراني)، وهو بضم
الهمزة من أفعال القلوب المتعدية إلى المفعولين، أحدهما ياء المفعول،
وثانيهما: (إلا مقتولاً).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٣٧ - ٥٣٨).
١٩٦

وفي قوله: ((لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله (وَ ل﴿))،
بیان كمال إيمانه، ورسوخه في الدين، وبلوغه مراتب اليقين.
قال تعالى: ﴿ قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] الآية، وفي
الحديث: ((لاَ يُؤْمِنُ أَحدُكُمْ حَتَّى أكونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ من وَالِدِهِ، وَوَلِدِهِ،
والنَّاسِ أَجمَعِينَ))(١).
وفيه بيان ما جبل عليه الوالد من المحبة لولده، وإظهار ذلك إذا
تضمن فائدة، وفائدته في هذا الموطن تحريضُهُ على القيام بأداء دينه،
وخدمة الصغار والضعاف من أولاده، وما يتعلق بهم.
وفيه الاهتمام بقضاء الدين وتأكد الوصية بذلك؛ فإن صاحب الدين
مأسور [بدينه] يشكو إلی الله الوحدة [يوم القيامة] حتی یقضي عنه دينه.
وسبق معنى ((استوص)) في (الباب الرابع والثلاثين).
وفيه استحباب الإيصاء بمن يخلفه من بعده من ضعاف، وصغار،
ونسوة.
وقوله: ((ودفنت معه آخر)): هو عمرو بن الجموح، ذكر الحافظ ابن
كثير في ((تاريخه)): أنه ◌ّ﴾ كان يجمع بين الرجلين المتصاحبين في اللحد
الواحد؛ کما جمع بین عبدالله بن عمرو بن حرام والد جابر وبين عمرو بن
الجموح؛ لأنهما كانا متصافيين(٢)، وفيه فضيلة الشهداء، وكونهم أحياء
عند ربهم يرزقون، وربما أكرم الله بعضهم بحفظ أجسادهم عن التغير
والبلى، ولقد شوهد ذلك في شهداء أحد كما رواه البيهقي من طريق حماد
(١) رواه البخاري (١٥)، من حديث أنس به.
(٢) انظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (٤ / ٤٢).
١٩٧

بن زيد عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما أجرى معاوية العين
عند قتلى أحد بعد أربعين سنة؛ استصرخنا إليهم، فأخرجناهم رطاباً
يتثنون، فأصابت المسحاة قدم حمزة، فانبعث دماً(١).
وفي رواية ابن إسحاق عن جابر: فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس.
وذكره الواقدي، ولفظه: قال جابر: فحفرنا عنهم، فوجدت أبي في
قبره كأنما هو نائم على هيئته، ووجدنا جاره في قبره عمرو بن الجموح
ويده على جرحه، فأزيلت يده عنه، فانبعث جرحه دماً، ويقال: إنه فاح
من قبرهم مثل ريح المسك رُّ، وذلك بعد ست وأربعين سنة من يوم
دفنوا .
والجمع بين رواية البخاري والواقدي أن جابراً أخرج عبدالله بعد ستة
أشهر، ودفنه في قبر على حدة عند الشهداء بأحد بقرب عمرو بن الجموح،
وترك جاره عمرو بن الجموح في قبره، فلما أجرى العين، واحتيج إلى
إخراج بعض الشهداء بأحد [ممن] دفنوا في ممر العين؛ أخرج جابر والده
مرة ثانية .
فإن قيل: نبش الميت بعد الدفن حرام؛ لأنه يؤدي إلى هتك حرمة
المیت، فکیف فعله جابر؟
يقال: إن النبش جائز لأسباب، منها إذا لحق الأرض المدفون فيها
سيل أو نداوة، فقد جوز الزبير نقله منها كما نقله عنه الماوردي، وصححه
النووي، فلعل جابراً خاف من نداوة تلحق والده من قربى الصحابي الذي
دفن معه؛ إذ الأجساد لا تخلو غالباً عن ذلك.
(١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣/ ٢٩٤).
١٩٨

وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: (باب هل يخرج الميت من
القبر واللحد لعلَّةٍ)(١).
قال الشيخ كمال الدين الدَّمِيري في ((شرح المنهاج)»: هذا الحديث
يقتضي جواز النبش والنقل إذا دفن الميت مع آخر، وهو مشكل، وهذا
النبش كان في حياة رسول الله وَّر، ولا شك أن جابراً إنما يفعل ذلك بعد
استئذان النبي ◌ّر، فإما أن يكون للأصحاب جواب عنه، وإما أن يقال: إن
الفعل لمصلحة الميت جائز مطلقاً .
١٥٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُه: قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
عَشْرَةِ رَهْطِ عَيْناً سَرِيَّةً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثابِتٍ الأَنصارِيَّ
فَانْطَلَقُوا، حَتَّى إِذا كَانُوا بِالهَدْأَةِ، بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ؛ ذُكِرُوا لِحَيِّ
مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو لِحْيَانَ، فَنَفَرُوا لهم بِقَرِيبٍ مِنْ مِنَةِ رَجُلٍ
رَامِ، فَاقْتَصُوا آثارَهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ، لَجَؤُوا
إِلى مَوْضِعٍ، فَأَحَاطَ بِهِمُ القَوْمُ، فَقَالُوا: انْزِلُوا، فَأَعْطُوا
بِأَيْدِيكُمْ، وَلَّكُمُ العَهْدُ وَالِمِيثَاقُ أَنْ لاَ نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَداً، فَقَالَ
عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ: أَيُّهَا القَوْمُ! أَمَّا أَنَا، فَلاَ أَنْزِلُ عَلى ذِمَّةِ كَافِرٍ،
اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ بَّهِ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِماً، وَنَزَلَ
إِلَيْهِمْ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ عَلَى العَهْدِ والمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ، وَزَيْدُ بْنُ
(١) انظر: ((صحيح البخاري)) (١ / ٤٥٣).
١٩٩

الذَّتِنَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ، أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ،
فَرَبَطُوهُمْ بِها. قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الغَدْرِ، والله! لاَ
أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لي بِهَؤُلاءِ أُسْوَةَ - يُريدُ: القَتْلى -، فَجَرُّوهُ،
وعَالَجُوهُ، فَأَبِى أَنْ يَصْحَبَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ، وَزَبْدِ بْنِ
الدَّثِنَةِ، حَتَّى بَاعُوهُما بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ؛ فَابْتَاعَ بَنُو الحَارِثِ بْنِ
عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ خُبَيْباً، وَكان خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الحارِثَ
يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُم أَسِيراً حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ،
فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضٍ بَنَاتِ الحَارِثِ مُوسَى يَسْتِحِدُّ بِهَا، فَأَعَارَتْهُ،
فَدَرَجَ بُنِيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَنَاهُ، فَوَجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ،
وَالمُوسَى بِيَدِهِ، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ، فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ
أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ! قَالَتْ: وَاللهِ! مَا رَأَيْتُ أَسِيراً خَيْراً مِنْ
خُبَيْبٍ، فَوَاللهِ! لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْماً يَأْكُلُ قِطْفاً مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وإِنَّهُ
لَمُوتَقٌ بِالحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ
رَزَقَّهُ اللهُ خُبَيْباً، فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الحِلِّ، قَالَ
لَهُمْ خُبَبٌ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ،
فَقَالَ: واللهِ! لَوْلا أَنْ تَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ، لَزِدْتُ، اللَّهُمَّ
أَحْصِهِمْ عَدَداً، واقْتُلْهِمْ بِدَداً، ولا تُبُقِ مِنْهُمْ أَحَداً، وقالَ:
فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لِلهِ مَصْرَعِي
٢٠٠