النص المفهرس
صفحات 141-160
من الشرك والنفاق ومساوئ الأخلاق، والعلم الذي لم يقرن بالتقوى، فهو
باب من الدنیا والھوی.
قال الشيخ أبو حامد الغزالي: فإن قلت: إن العلم من صفات الله
تعالى، فكيف يكون مذموماً؟ فاعلم أن العلم لا يُذم لعينه، وإنما يُذم لأحدٍ
أسبابٍ ثلاثةٍ :
الأول: أن يكون مؤدياً إلى ضرر إما بصاحبه وإما بغيره، كعلم
السحر والطلسمات؛ فإنهما لا يصلحان إلا للإضرار بالخلق، والوسيلة إلى
شر شرٌّ .
والثاني: أن يكون مضراً بصاحبه في ظاهر الأمر، كعلم النجوم، فإن
كلَّهُ مضرّةٌ، وأقلُّ المضرّةِ فيه أنه خوضٌ في فضول لا يعني، وتضييعُ العمر
الذي هو أنفس بضاعة الإنسان بغير فائدة، غايةُ الخسران.
الثالث: الخوض في علم لا يستقلُّ به الخائض فيه، فإنه مذموم في
حقه، كتعليم دقيق العلوم قبل جليها، وكالبحث عن الأسرار الإلهية، إذ تطلَّع
الفلاسفةُ والمتكلمون عليها، ولم يستقلُّوا بها، ولا يستقلُّ بها ولا بالوقوف
على طرف بعضها إلا الأنبياء والأولياء، فيجب كفُّ الناس عن البحث عنها
وردُّها إلى ما نطق به الشرع(١).
(ط): واعلم أن في كل من القرائن الأربع ما يشعر بأن وجوده مبني على
غايته، وأن الغرض منه تلك الغاية، وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع
بها، وإذا لم ينتفع لا يخلص منه كفافاً، بل يكون وبالاً، ولذلك استعاذ منه،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩١٥).
١٤١
ولأن القلب إنما خُلق لأن يَتخشَّعَ لبارئه، ويَنشرح لذلك الصدر، ويُقذف فيه
النور، فإذا لم يكن كذلك؛ كان قاسياً، فيجب أن يستعاذ منه، قال تعالى:
﴿فَوَیْلٌ لِلْقَسِیَةِ قُلُوبُهُم ﴾ [الزمر: ٢٢]، وإن النفس إنما يعتد بها إذا تجافت عن دار
الغرور، وأنابت إلى دار الخلود، والنفس إذا كانت منهومةً لا تشبعُ حريصةً
على الدنيا، كانت أعدى عدو المرء، فأول شيء يُستعاذ منه هي، وعدمُ
استجابة الدعاء دليلٌ على أن الداعي لم يَنتفع بعلمه، ولم يَخشَع قلبُه، ولم
تشبع نفسهُ(١).
(ن): ((من نفس لا تشبع))، معناه: الاستعاذة من الحرص والطمع،
وتعلُّق النفس بالآمال البعيدة(٢).
(تو): فيه وجهان :
أحدهما: أنها لا تقنع بما آتاه الله، ولا تفتر عن الجمع حرصاً،
والآخر: أن يُراد به النَّهْمَةُ وكثرةُ الأكل.
(ط): ((لا يستجاب لها)): الضمير عائد إلى الدعوة، واللام زائدة،
وليس في ((جامع الأصول)) لفظة (لها)(٣).
(ن): السجع المذموم في الدعاء هو المتكلف، فإنه يُذهب الخشوعَ
والخضوعَ والإخلاصَ، ويُلهي عن الضَّراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما
ما حصل بلا كلفة وإعمال فكْرٍ لكمال الفصاحة ونحو ذلك، أو كان
(١) المرجع السابق (٦ / ١٩١٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤١).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩١٤).
١٤٢
محفوظاً، فلا بأس به، بل هو حسن(١).
الُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَقُولُ:
١٤٨٠ ۔ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبَّتُ
وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فاغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ،
وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إِلَهَ إِلَّ
أَنْتَ)).
زَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: ((وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ) متَّفَقٌ عليهِ.
* قوله مَّيّة: ((اللهم لك))، سبق في (الباب السابع).
(ن): «لك أسلمت وبك آمنت))، معناه: لك انقدتُ، وبك صدقت،
وفيه إشارة إلى الفرق بين الإيمان والإسلام، وقد سبق إيضاحه، ((وعليك
توكلت))؛ أي: فوضت أمري إليك، ((وإليك أنبت))؛ أي: أقبلت بهمَّتي
وطاعتي وأعرضت عما سواك، ((وبك خاصمت))؛ أي: بك أحتج وأدفع
وأقاتل(٢).
(ق): أي: وبإعانتك وتعليمك وبكلامك جادلتُ المخالفين فيك
حتى خصمتهم(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٤٦).
١٤٣
* وقوله: ((أنت المقدم وأنت المؤخر))، سبق قريباً.
* وقوله: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))، سبق في (الباب الرابع والأربعين
بعد المئة).
١٤٨١ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ كَانَ يَدْعُو
بِهَؤُلاءِ الكَلِمَاتِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وعَذَابِ النَّارِ،
وَمِن شَرِّ الغِنَى وَالفَقْرِ)).
رَوَاهُ أَبو داودَ، والترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وهذا
لفظُ أَبي داودَ.
* قوله: ((فتنة النار)):
(ط): أي: فتنة تُؤدِّي إلى عذاب النار(١).
(قض): ((شر الغنى)): بالبطر، والطغيان، والتفاخر به، وصرف المال
في المعاصي، وما أشبه ذلك، و((شر الفقر)): الحسد على الأغنياء، والطمع
في أموالهم، والتذلل لهم بما یتدنس به عرضه، ویثلم به دينه، وعدم الرضا
بما قسم الله، إلى غير ذلك مما لا يُحمد عاقبتُهُ (٢).
(ق): ((شر الغنى)): هو الحرصُ على جمع المال وحبُّهُ حتى يكتسبَهُ
من غير حلِّهِ، ويمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه، و((شر الفقر)): عنى به الفقرَ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩١٢).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ١٠٥).
١٤٤
المدقعَ الذي لا يصحبُهُ صبرٌ ولا ورعٌ حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق
بأهل الأديان، حتى لا يُبالي على أيِّ حرامٍ وثبَ، ولا في أيِّ ركاكة تورط(١).
(ط): وقيل: المراد به فقر النفس الذي لا يستغني ولو ملك الدنيا
بحذافيرها، وليس في شيء من هذه الأحاديث ما يدل على تفضيل الغنى أو
الفقر؛ لأن المذكورين هنا مذمومان باتفاق العقلاء.
(غب): أصل الفقر: كسر فقار الظهر.
والفقر يستعمل على أربعة أوجه:
الأول: وجود الحاجة الضرورية، وذلك عام للإنسان ما دام في دار
الدنيا، بل عام للموجودات كلها، وعليه قوله تعالى: ﴿َّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ
الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ ﴾ [فاطر: ١٥].
الثاني: عدم المقتنيات، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
الَّذِينَ أُحْصِرُ واْفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، و﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾
[التوبة: ٦٠].
الثالث: فقر النفس، وهو الشره، وهو المقابل بقوله: ((الغِنَى غِنَى
النَّفْس)) (٢).
والرابع: الفقر إلى الله المشار إليه بقوله: اللهمَّ، أغنِي بالافْتِقَارِ إِلَيَكَ.
والمستعاذ في الحديث هو القسم الثالث(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٣).
(٢) رواه البخاري (٦٠٨١) من حديث أبي هريرة صلته
(٣) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣٨٣).
١٤٥
١٤٨٢ - وَعَنْ زيادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ عَمِّهِ، وهُوَ قُطْبَةُ بْنُ
مالِكٍ ﴿هِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ
مُنْكَرَاتِ الأَخْلاقِ، وَالأَعْمَالِ، وَالأَهْوَاءِ)) رَوَاهُ الترمذيُّ، وَقَالَ:
حَدیثٌ حَسَنٌ.
* قوله: ((من منكرات الأخلاق)»:
(غب): (الإنكار): ضد العرفان، والمنكر: كل فعل تتوقّفُ في
، واستحسانه العقولُ، وتحكمُ بقبحه الشريعةُ (١).
(ط): الإضافة في القرينتين الأوليين إضافة الصفة إلى الموصوف،
والثالثة بمعنى (من)؛ لأن الأهواء كلها منكرة(٢).
١٤٨٣ - وَعَنْ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ رَضُه، قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ
الله! عَلِّمْنِي دُعَاءً. قَالَ: ((قُلٍ: اللَّهُمَّإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي،
وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِيٍ، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي))
رَوَاهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ.
* قوله: ((من شر منيِّي» :
(١) المرجع السابق (ص: ٥٠٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩١٨).
١٤٦
(مظ): أي: من شر غلبة منيي حتى لا أقع في الزنا والنظر إلى
المحارم(١).
١٤٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﴿ِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهِمَّ
إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البَرَصِ، وَالجُنُونِ، وَالجُذَامِ، وَسَيِّئِ الأَسْقَامِ»
رَوَاهُ أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ.
* قوله ◌َّفي: ((اللهم إني أعوذ بك من البرص، والجنون، والجذام،
ومن سيئ الأسقام)) :
(تو): لم يستعذ بالله من سائر الأسقام؛ لأن منها ما إذا تَحامل
الإنسانُ فيه على نفسه بالصبر؛ خفَّت مؤنته، وعظُمَت مثوبتهُ مع انصرام
أيامه ووشاكة زواله؛ كالحمى، والصداع، والرمد، وأمثاله، وإنما استعاذ
من القسم الذي تمتدُّ أيامُه وتدوم آثارهُ، فيَعظمُ موقعهُ في النفوس، وينتهي
بصاحبه إلى حالة يفِرُّ منها الحميم، ويبعدُ منها القريب، ويَقِلُّ دونها
المؤانسُ والمداوي، مع ما يُورث من الشين ويُفسد من الخلقة، فمنها:
الجنون الذي يُزيل العقل ويَسلب الأمن، فلا يأمنُ من صاحبه القتلَ، ومنها
البرص والجذام، وهما العلتان المزمنتان مع ما فيهما من البشاعة وتغيير
الصورة، وقد اتفق المتعاطون لعلم الطب أنهما مُعديان .
(ط): ((سيِّئ الأسقام)): الإضافة ليست بمعنى من، بل هي من إضافة
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٢٣٩).
١٤٧
الصفة إلى الموصوف؛ أي: الأسقام السيئة(١).
١٤٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلايجوز
يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُوعِ؛ فَإِنَّهُ بِشْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ
بِكَ مِنَ الخِيَانَةِ؛ فَإِنَّا بِئْسَتِ البِطانَةُ)) رَواهُ أبو داودَ بإسنادٍ
صحیحٍ.
* قوله ريج: ((أعوذ بك من الجوع)): الألم الذي يناله الإنسان من
خلوِّ المعدة .
و((الضجيع)): المضاجع، استعاذ منه؛ لأنه يمنع استراحَة البدن،
ويحلل المواد المحمودة بلا بدل، ويُشوِّشُ الدماغ، ويُثِيرُ الأفكارَ
الفاسدةَ، والخيالاتِ الباطلةَ، ويُضعِفُ البدنَ عن القيام بوظائف العبادات،
و((الخيانة)): نقيض الأمانة، و((البطانة)): ضِدُّ الظَّهارة، وأصلها في
الثوب، فاتسع فيما يستبطن الرجلُ من أمره فيجعلُهُ بطانةَ حاله.
(ط): خصَّ الضجيعَ بالجوع؛ لينبه على أن المراد بالجوع الذي
يلازمه ليلاً ونهاراً، ومن ثم حرم الوصال، ومثله يضعف الإنسان عن القيام
بوظائف العبادات، لا سيما بقيام التهجد، والبطانةَ بالخيانة؛ لأنها ليست
كالجوع الذي يتضرَّرُ به صاحبُهُ فحسبُ، بل هي ساريةٌ إلى الغير، فهي وإن
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩١٨).
١٤٨
كانت بطانةً لحاله لكن يجري سريانها إلى الغير مجرى الظُّهارة(١).
٠٠
١٤٨٦ - وَعَن عَلِيٍّ ◌ُ: أَنَّ مُكَاتَبَاً جاءَهُ، فَقَالَ: إِّي عَجَزْتُ عَنْ
كِتَابَتِي، فَأَعِنِّي. قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ الله ◌ِ،
لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلٍ دَيَّنَاَ، أَدَّاهُ اللهُ عَنْكَ؟ قُلٍ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي
بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وأَغْنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ».
رواهُ الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ.
* قوله: ((إني عجزت عن كتابتي)):
(مظ): (الكتابة): المال الذي كاتب به السيدُ عبدَهُ؛ يعني بلغ وقتُ
أداء مال الكتابة وليس لي مال(٢).
(ط): طلب المكاتب المال، فعلَّمه ظَه الدعاءَ؛ إما لأنه لم يكن
عنده شيءٌ من المال ليُعينَهُ، فردّه أحسن ردًّ؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿قَوْلٌ
مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، أو أرشد إلى أنَّ الأولى والأصلحَ أن
يستعين بالله لأدائها، ولا يتكِلَ على الغير، وينصر هذا الوجه قوله: ((وأغنني
بفضلك عمن سواك)).
وقوله: ((مثل جبل ديناً)، يحتمل أن يكون تمييزاً عن اسم (كان)، لما
فيه من الإبهام، و(عليك) خبره مقدماً عليه، وأن يكون (ديناً) خبر (كان)،
(١) المرجع السابق (٦ / ١٩١٧).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٢٣٠ - ٢٣١).
١٤٩
و(عليك) حالاً من المستتر في الخبر، والعامل هو بمعنى الفعل المقدر في
الخبر، ومن جوَّز إعمال (كان) في الحال؛ فظاهرٌ على مذهبه (١).
١٤٨٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ ﴾: أَنَّ النَّبِيَّ نَ﴿ عَلَّم
أَبَاهُ حُصَيْناً كَلِمَتَيْنِ يَدْعُو بهما: ((اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْني
مِن شَرِّ نَفْسِي)). رَوَاهُ الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ.
* قوله {يَّجر: ((أعوذ بك من شر نفسي)):
قال شيخ الإسلام عمر السُّهْرَوَرْدِي رحمه الله: النفسُ لطيفةٌ موضوعةٌ
في القالب، منها الأخلاق والصفات المذمومة، كما أن الروح لطيفةٌ مودعةٌ،
منها الأخلاق والصفات المحمودة، وكما أن العين محلُّ الرؤية، والأنفُ
محلُّ الشمِّ، والفمُ محلُّ الذوق، هكذا النفس محلُّ الأوصاف المذمومة،
والروح محلُّ الأوصاف المحمودة.
وجميع أخلاق النفس وصفاتها من أصلين: أحدهما: الطيش، والثاني :
الشَّرَهُ، وطيشُها من جهلها، وشرهها من حرصها، وصفات النفس لها أصول
من أصل تكوُّنها؛ لأنها مخلوقة من تراب، ولها بحسبه وصف.
وقيل: وصف الضعف في الآدمي من التراب، ووصف البخل فيه من
الطين، ووصف الشهوة فيه من الحمأ المسنون، ووصف الجهل فيه من
الصلصال.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٠٨).
١٥٠
وقيل: قوله ﴿كَالْفَخَارِ ﴾ [الرحمن: ١٤] هذا الوصف فيه شيء من
الشيطنة؛ لدخول النار في الفخار، فمن ذلك الخداع والحيل والحسد،
فمن عرف أصول النفس وجِبلاتها، عرف أن لا قدرة له عليها إلا بالاستعانة
ببارئها وفاطرها، والله تعالى ذكر النفس في كلامه القديم بثلاثة أوصاف:
بالطمأنينة، فقال: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ اَلْمُطْمَيِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]، وسماها لوَّامة،
فقال: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللََّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]، وسماها أمَّارةً، فقال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ
لَأَمَّارَةٌ بِالسُوْءٍ ﴾ [يوسف: ٥٣]، وهي واحدة لها صفات متغايرة، فإذا امتلأ
القلب سكينةً، خلع على النفس خلعةَ الطمأنينة، لأن السكينة مزيدُ
الإيمان، وفيها ارتقاء القلب إلى مقام الروح لما منح من حظ اليقين.
وعند توجه [القلب إلى محلِّ الروح تتوجه] النفس إلى محلِّ القلب،
وفي ذلك طمأنينتها، وإذا انزعجت [من] مقارِّ جبلَّتها ودواعي طبيعتها متطلعة
إلى مقارِّ الطمأنينة، فهي لوامة؛ لأنها تعود باللائمة على نفسها لنظرها وعلمها
بمحل الطمأنينة، ثم انجذابها إلى محلِّها الذي كانت فيه أمَّارةً بالسوء، وإذا
أقامت في محلِّها لا يغشاها نور العلم والمعرفة، فهي على ظلمتها أمَّارةٌ
بالسوء، فالنفس والروح يتطاردان، فتارةً يملكُ القلبَ دواعي الروح، وتارةً
تملكهُ دواعي النفس(١).
١٤٨٨ - وَعَنْ أَبِيِ الفَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﴿ُه، قَالَ:
(١) انظر: ((عوارف المعارف)) للسهروردي (ص: ٢٥٠ - ٢٥١).
١٥١
قُلْتُ: يا رَسولَ الله! عَلِّمْنِي شَيْئاً أَسْأَلُهُ اللهَ تَعَالَى، قَال: ((سَلُوا اللهَ
العَافِيَةَ))، فَمَكَثْتُ أَيَّاماً، ثُمَّ جِئْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلِّمْني
شَيْئاً أَسْأَلُهُ اللهَ تَعَالى، قَالَ لي: ((يَا عَبَّاسُ! يَا عَمَّ رَسُولِ الله! سَلُوا
اللهَ العَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) رَواهُ الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ
صَحيحٌ.
* قوله وَالى: [((سلوا الله العافية))]:
(نه): في حديث أبي بكر ◌ُه: ((سلوا الله العفو والعافية والمعافاة))(١).
((فالعفو)) محو الذنوب، و((العافية)): أن تسلم من الأسقام والبلايا،
وهي الصحة ضد المرض، ونظيرها الثَّاغيةُ والرَّاغيةُ، بمعنى التُّغاء والرُّغاء.
و((المعافاة)): هي أن يعافيك الله تعالى من الناس ويعافيهم منك؛
أي: يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاك عنهم وأذاهم عنك، وقيل:
هي مفاعلة من العفو، وهي أن يعفو عن الناس ويعفو هم عنه، انتهى(٢).
وروى الترمذي محسناً وابن ماجه عن أبي بكر عظته قال: قام
رسول الله بَّ على المنبر ثم بكى، فقال: ((سَلُوا اللهَ العَفْوَ والعَافِيَةَ؛ فإنَّ
أحداً لم يُعْطَ بعدَ اليقينِ خَيْراً منَ العَافِيةِ))(٣).
(١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٧١٧). وهو حديث حسن صحيح. انظر:
((صحيح الترغيب والترهيب)) (٣٣٨٧).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٦٥).
(٣) رواه الترمذي (٣٥٥٨). وهو حديث صحيح. انظر الحديث السابق.
١٥٢
وروى الترمذي أيضاً وحسَّنه عن أنس ظه: أن رجلاً جاء إلى النبي ◌َّ
فقال: يا رسول الله؛ أيُّ الدعاء أفضلُ؟ قال: ((سَلْ رَبَّكَ العَافِيَةَ والمُعَافَاةَ في
الدُّنْيًا والآخِرَةِ))، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله، أيُّ الدعاء أفضل؟
فقال له مثل ذلك، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك، قال: ((فَإِذا أُعطِيتَ
العَافِيَةَ والمُعَافَاةَ في الدُّنيا والآخِرَةِ؛ فَقَد أَفْلَحْتَ))(١).
١٤٨٩ - وَعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ
الله عَنْهَا: يا أُمَ المُؤْمِنِينَ! مَا كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ وَهِ إِذا كَانَ
عِنْدَكِ؟ قَالَت: كانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: (يَا مُقَلِّبَ القُلوُبِ! ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى
دِينِكَ)) رَوَاهُ الترمذيُّ، وقَالَ: حَديثٌ حَسَنٌ.
* قوله: ((يا مقلب القلوب)»، سبق معناه في (الحديث الخامس) من
هذا الباب.
١٤٩٠ - وَعَن أَبِي الدَّرْدَاءِ نَُّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ :
((كانَ مِن دُعاءِ دَاوُدَ وَّهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ
يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَل حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ
مِنْ نَفْسي، وَأَهْلي، وَمِنَ الماءِ البارِدِ)) رَوَاهُ الترمذيُّ، وَقَالَ:
حديثٌ حَسَنٌ.
(١) رواه الترمذي (٣٥١٢).
١٥٣
* قوله ◌َّ: ((اللهمّ اجعل حبك أحب إلي من نفسي)»:
(ط): إنما قال: ((حبَّك)) بدل نفسك؛ مراعاةً للأدب، حيث لم يرد أن
يقابل بنفسه نفسه ◌ّت، فإن قيل: لعلَّه إنما عدل؛ لأن النفس لا تطلق على الله؟
قلت: بل إطلاقه صحیح، وقد روي في التنزيل .
وقوله: ((من الماء البارد)»: أعاد (من) هاهنا، ليدل بذلك على
استقلال الماء البارد في كونه محبوباً، وذلك في بعض الأحيان؛ فإنه يعدل
الروح، وعن بعض الفضلاء: ليس للماء قيمة؛ لأنه لا يباع إذا وجد،
ولا يباع إذا فقد(١).
١٤٩٢ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةً و﴿هَ، قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِنَّهِ بِدُعَاءٍ
كَثِيرٍ، لَم نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئاً؛ قُلْنا: يا رَسُولَ الله! دَعَوْتَ بِدُعاءٍ كَثِيرٍ لَمْ
نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئاً؛ فَقَالَ: ((أَلَا أَدُلُكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذَلكَ كُلَّهُ؟ تَقُولُ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ نَّهِ؛ وَأَعُوذُ
بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ بَّهِ، وَأَنْتَ المُسْتَعَانُ،
وَعَلَيْكَ البَلاغُ؛ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ) رواهُ الترمذيُّ، وَقَالَ:
حَديثٌ حَسنٌ.
* قوله: ((وعليك البلاغ)):
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٣٢).
١٥٤
(نه): ((البلاغ)) ما يُتبلَّغ ويتوصَّل به إلى الشيء المطلوب(١).
١٤٩٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾، قَالَ: كَانَ مِن دُعَاءِ
رَسُولِ اللهِوَِّ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزائِمَ
مَغْفِرَتِكَ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالفَوزَ
بِالجَنَّةِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ)).
رواهُ الحاكِم أَبو عبدِالله، وقالَ: حديثٌ صحيحٌ على شرطِ
مسلمٍ.
* قوله: ((موجبات رحمتك)):
(نه): أي: أعمالاً توجب للعامل الجنة(٢).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٥٢).
(٢) المرجع السابق (٥ / ١٥٢).
١٥٥
٣٤٣- با
فضلِ الدُّعاءِ بِظَهْرِ الغيبِ
قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَدُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
أَغْفِرْ لَنَاوَ لِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ ﴾ [الحشر: ١٠].
وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ﴾
[محمد: ١٩].
* وقالَ تَعالَى إِخبَاراً عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَِّ: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: ٤١].
(باب فضل الدعاء بظهر الغيب)
* قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا﴾
[الحشر: ١٠]، الآية، سبق [تفسيرها].
* قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ﴾ [محمد: ١٩]،
قال في ((معالم التنزيل)): هذا إكرام من الله لهذه الأمة، حيث أمر نبيَّهم وَل
أن يستغفر لذنوبهم، وهو الشفيع المُجَابُ فيهم(١).
(١) انظر: ((معالم التنزيل)) للبغوي (٤ / ١٨٣).
١٥٦
(الثعلبي): عن أبي هريرة حظبه قال: قال رسول الله وَّ: ((مَنْ لَم يَكُنْ
عِندَهُ مَا يَتَصدَّقُ بهِ؛ فَلْيَسْتَغْفِرْ للمُؤمِنينَ والمُؤمِنَاتِ؛ فإنَّها صَدَقةٌ)(١).
وعن أبي الدرداء عنه، عن النبي ◌ِّ قال: ((مَنِ اسْتَغْفَرَ للمُؤمِنِينَ
والمُؤمِناتِ كُلَّ يَومٍ سَبْعاً وعِشرينَ مَرَّةً أو خَمْساً وعِشْرِينَ مَرَّةً، كَانَ مِنَ الَّذِيِنَ
يُستجَابُ لَهُمْ، ويُرزَقُ بِهِمْ أهلُ الأرضِ))، رواه الطبراني في ((الكبير)(٢).
(م): المراد بالذنب: ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب، أو يقال:
الغفران: الستر على القبيح، ومن عصم؛ فقد ستر عليه قبائح الهوى.
ومعنى طلب الغفران منا: أن لا يَفضَحَنا، وذلك قد يكون بالعصمة
منه، فلا نقع فيه.
وفي هذه الآية لطيفة: وهي أنه بَّر له أحوال ثلاث: حالٌ من الله،
وحالٌ من نفسه، وحالٌ من غيره، فأما مع الله: فوحِّدهُ، وأما مع نفسِكَ:
فاسْتَغْفِرْ واطلُبِ العصمةَ، وأما مع المؤمنين والمؤمنات: فاستغفِرْ لهم من
اللهِ(٣).
: قوله حكاية عن إبراهيم: ﴿ رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[إبراهيم: ٤١]، كان هذا قبل أن يتبرَّأَ من أبيه لمَّا تبينَ عداوتَهُ للهِ رَّتَ(٤).
(١) رواه الثعلبي في ((تفسيره)) (٩/ ٣٤)، ورواه الطبراني في ((المعجم الأوسط))
(٢٦٩٣)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦١٢٢).
(٢) وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الكبير)) (٥٤٠٤).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٨ / ٥٤).
(٤) انظر: (تفسير ابن كثير)) (٨ / ٢٢٨).
١٥٧
قال في («معالم التنزيل)): قيل: إن أمه أسلمت، وقيل: أراد إن أسلما
وتابا، وقد بيَّن اللهُ عذرَ خليلهِ في استغفاره لأبيه في (سورة التوبة)(١).
١٤٩٤ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ◌َهِ: أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَه
يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ، إِلَّ قالَ المَلَكُ:
وَلَكَ بِمِثْلٍ)) رواه مسلم.
* قوله: ((بظهر الغيب)):
(ط): (الظهر) مقحم، وموضعه نصب على الحال من المضاف إليه؛
لأن الدعوة أضيف إلى الفاعل، ويجوز أن يكون ظرفاً للمصدر.
وقوله: ((مستجابة)) خبرٌ لها .
وقوله: (([عند] رأسه ملك)) جملةٌ مستأنفة مبينةٌ للاستجابة .
و(الباء) في (بمثل) زائدة في المبتدأ، كما في قولك: (بحسبك درهم)(٢).
(ن): ((بظهر الغيب)) معناه في غيبة المدعو له وفي سره؛ لأنه أبلغ في
الإخلاص، ((ولك بمثل)) هو بكسر الميم وإسكان الثاء، هذه الرواية المشهورة.
قال القاضي: ورويناه بفتحها أيضاً، يقال: هو مثْلُهُ ومَثَلَهُ ومثيلهُ بزيادة
الياء؛ أي: عديله سواء، وفي هذا فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب،
ولو دعا لجملة المسلمين، فالظاهر حصولُها أيضاً، وكان بعض السلف إذا
(١) انظر: ((معالم التنزيل)) للبغوي (٣٩/٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٠٧).
١٥٨
أراد أن يدعو لنفسه، يدعو لأخيه بتلك الدعوة؛ لأنه يُستجاب ويَحصل له
مثلُها(١).
(ق): قوله: ((ما من عبد مسلم يدعو لأخيه))، المسلم: هنا هو الذي
سلِمَ المسلمون من لسانه ويده، الذي يُحب للناس ما يُحب لنفسه، وهو
الذي يحملُهُ مالُه وشفقتُه على أخيه المسلم أن يدعوَ له بظهر الغيب،
فيوافِقُه الملكُ في الدعاء ويبشرُهُ على لسان رسوله بَّر بأنَّ له مثل ما دعا
لأخيه، والأخوة هنا: الأخوة الدينية، وقد يكون معها صداقةٌ ومعرفةٌ، وقد
لا یکون، انتھی(٢).
وعن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إنَّ أَسرَعَ الدُّعاءِ
إِجابةً، دعوةُ غائبٍ لغائبٍ))، رواه أبو داود والترمذي(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٦١ - ٦٢).
(٣) رواه أبو داود (١٥٣٥)، والترمذي (١٩٨٠). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر:
((ضعيف الجامع الصغير)) (٨٤١).
١٥٩
٢٤٤- باب
فی مسائل من الدعاءِ
١٤٩٦ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ
صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْراً، فَقَدْ أَبْلَغَ في
الثَّنَاءِ». رواه الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ.
* قوله مي: «فقد أبلغ في الثناء)» :
(ط): وذلك أنه اعترافٌ بالتقصير، وأنه ممَّن عجزَ عن جَزائهِ وثنائهِ،
ففوض جزاءَهُ إلى الله تعالى ليجزيَهُ الجزاءَ الأوفى(١).
١٤٩٧ - وَعَنِ جَابِرٍ ◌َُهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ:
((لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُم؛ وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا
عَلَى أَمْوَالِكُم؛ لا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءَ،
فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ)) رواه مسلمٌ.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ٢٢٣١).
١٦٠