النص المفهرس
صفحات 101-120
لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة. و(الهرم): كبَر السن الذي يؤدي إلى تماوت الأعضاء وتساقط القوى، وإنما استعاذ منه؛ لكونه من الأدواء التي لا دواء لها، والمراد بـ (سوء الكبر)): ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل والتخابط في الرأي، وغير ذلك مما يسوء به الحال. (ط): يمكن أن يراد بالفقرات كلها معنى الترقي، استعاذ أولاً من الكسل؛ أي: أعوذ بك أن أتثاقل في الطاعة مع استطاعتي، ثم من الهرم الذي فيه سقوط بعض الاستطاعة، فيقوم ببعض وظائف الطاعات، ثم من ((سوء الكبر)) الذي يصير فيه كالحِلْس(١) الملقى على الأرض، لا يصدر منه شيء من الخيرات(٢). (نه): ((سوء الكبر)) يروى بسكون الباء وفتحها، فالسكون بمعنى البطر، والفتح بمعنى الهرم(٣). (خط): الفتح أصح. (ط): والدراية أيضاً تساعد الرواية؛ لأن الجمع بين البطر والهرم كالجمع بين الضب والنون، والتنكير في ((عذاب)) للتهويل والتفخيم(٤). (١) أي: البساط . (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٧٢). (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٤٣). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦/ ١٨٧٢). ١٠١ ، ١٤٥٦ _ وعَنْ عبدِ اللهِ بنِ خُبَيْبٍ - بضَمِّ الخَاءِ المُعْجَمَةِ - و قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِوَله: ((اقْرَأْ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، والمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيءٍ» رواه أبو داود، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. * قوله: ((والمعوذتين» : (ط): نصب عطفاً على (قل هو الله أحد) على تقدير: اقرأ، ومن هذا يعرف أن (قل هو الله أحد) علم لهذه السورة، وكذا المعوذتان للسورتين الأخیرتین. وقوله: ((تكفيك من كل شيء))؛ أي: تدفع عنك كل شيء، ويحتمل أن يكون معناها: تغنيك عما سواها(١). ١٤٥٧ - وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ عَظَهِ، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّ: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ بَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَئِلَةٍ : بِاسْمِ اللهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، إِلَّ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ» رواه أبو داودَ، والتِّرمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. (١) المرجع السابق (٥ / ١٦٧١). ١٠٢ * قوله : ((إلا لم يضره شيء)»: هذا الحديث رواه أبان بن عثمان، وكان أبان قد أصابه طرف فالج، فجعل الرجل ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر إلي؟ أما إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذ ليُمضي اللهُ عليَّ قدرَهُ. لا يقال: كثيراً ما نقول ذلك في الصباح والمساء وتصيبنا أنواعُ البلايا في الدين والبدن؛ لأنا نقول: المراد بهذا القول التام دون [غيره]. ١٠٣ ٢٤٢- باب ما يقوله عند النوم : قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِى الْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًاوَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآيات [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. (باب ما يقول عند النوم) * قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] الآية، سبق قريباً في (باب ذكر الله تعالى قائماً وقاعداً). ١٤٥٨ _ وعَنْ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي ذَرِّ ◌َ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَهُ كانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، قالَ: ((بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيَا وَأَمُوتُ)) رواه البخاريُّ. * قوله ويقول: ((باسمك اللهم أحيا وأموت))، سبق في (باب ما يقول ١٠٤ عند نومه و استيقاظه). * * * ١٤٥٩ _ وعَنْ عَلِيٍّ ◌َهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قالَ لَهُ وَلِفَاطِمَةً (إِذَا أَوَيْتُمَا إِلى فِراشِكُمَا - أَوْ: إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُما -، فَكَبِّرًا ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلَاثاً وَثَلاَئِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاَثًاً وَثَلاَئِينَ)). وفي روايةٍ: التَّسْبِيحُ أربَعاً وَثَلاثِين. وفي روايةٍ: التَّكبيرُ أربَعاً وَثَلاثِينَ. متفقٌ عليه. * قوله آلاف: ((إذا أويتما إلى فراشكما))، هذا مختصر حديث رواه علي بن أبي طالب عليه: أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي ◌َّ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيقٌ، فلم تصادفه، فذَكرَت ذلك لعائشةَ، فلمّا جاء؛ أخبرته عائشة، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: ((عَلَى مَكَانِكُمَا))، فجاء فقعد بيني وبينها، حتى وجدْتُ بردَ قدمهِ على بطني، فقال: ((أَلاَ أَدُّكُمَا عَلَى خَيرٍ مِمَّا سَألْتُمَا؟ إذا أَخذْتُما مَضجَعَكُما؛ فَسَبِّحَا ثَلاَئاً وثَلاَئِينَ، واحْمَدَا ثَلاَثًاً وَثَلاَئِينَ، وكَبِّرًا أَرْبَعاً وثَلاَئِينَ، فَهُو خَيرٌ لكُمَا مِنْ خَادِمِ))(١) . (ط): في هذا الحديث دلالةٌ على مكانة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من الرسول ◌َّه ومحبَّتِهِ إياها، حيث خصَّتها فاطمةُ رضي الله عنها (١) رواه البخاري (٣٥٠٢)، ومسلم (٢٧٢٧ / ٨٠) من حديث علي بن أبي طالب رضيته. ١٠٥ بالسِّفارة بينها وبين أبيها دون سائر الأزواج، وفيه أيضاً إظهارُ غاية التعطُّف والشفقةِ على ابنتِهِ وصهرِهِ، ونهايةُ الاتحاد برفع الحشمة والحجاب حیث لم يُزعِجْهما عن مكانهما، وتركَهما على ما هما عليه من الاضطجاع، بل أدخل رجله بينهما حتى وجدا برد قدمه على صدرهما، ثم علَّمهما ما هو الأهمُّ بحالهما من التسبيح والتحميد والتكبير من طلبها بالرقيق، فهو من باب تَلقِّي المخاطب بغير ما يتطلَّبُ؛ إيذاناً بأن الأهم من المطلوب هو التزودُ للمعادِ، والتَّجافي من دار الغرور، والصبرُ على مشاقُّها ومتاعبها (١). ١٤٦٠ - وعَنْ أَبي هُريرةَ ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّى: (إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلى فِرَاشِهِ، فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ؛ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي، فَارْحَمْهَا، وإِنْ أَرْسَلْتَهَا، فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)) متفقٌ عليه. (ن): ((داخلة الإزار)): طرفه، ومعناه: يستحب أن يَنفُض فراشَهُ قبل أن يَدخُل فيه؛ لئلا يكون قد دخل فيه حيةٌ أو عقربٌ أو غيرُهما من المُؤذيات، ولينفُض ويدُه مستورةٌ بطرف إزاره؛ لئلا يحصل في يده مكروهٌ إن كان هناك. (تو): لم يأمره بداخلة الإزار دون خارجه؛ لأن ذلك أبلغ وأجدى (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٧٦). ١٠٦ وإنما ذلك على جهة الخبر عن فعل الفاعل لأن المؤتزر إذا ائتزر يأخذ أحد طرفي إزاره بيمينه والآخر بشماله، فيرد ما أمسك بشماله على جسده، وذلك داخلة إزاره، وتبقي الداخلة معلقة، وبها يقع النفض فإن قيل: فلم لا يقدر الأمر فیه علی العکس؟ قلنا: لأن تلك الهيئة هي صنيع ذوي الأدب. (ق): هذا الحديث لإرشاد إلى مصلحتين: أحدهما: معلومة ظاهرة وهو أن الإنسان إذا قام عن فراشه؛ لا يدري ما دَبَّ عليه بعده من الحيوانات ذوات السُّموم، فينبغي إذا أراد أن ينام عليه؛ أن يتفقده ويمسحه. الثانية: اختصاص هذا النفض بداخلة الإزار، ومصلحته لم تظهر لنا، بل إنما ظهرت تلك للنبي وّ بنور النبوة، وإنما الذي علينا الامتثال. ويقع لي: أن النبي ◌َّرَ [علم] فيه خاصية طبية تنفع من ضرر بعض الحيوانات كما قد أمر بذلك في حق العائن كما ورد في الحديث. ويدل على ذلك ما زاده الترمذي في هذا الحديث («فليأخذ صَنِفِةَ إِزَارِهِ، فَلْينفُضَنَّ بها فِراشَهُ ثلاثاً)(١) فحذا بها حَذْوَ تكرار الرُّقی(٢). (ط): (ما) مبتدأ (يدري) معلق عليه؛ لتضمنه معنى الاستفهام(٣). (١) رواه الترمذي (٣٤٠١) من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧١٨). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٤٣). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٧٣). ١٠٧ (مظ): ((خلفه))؛ أي: قام مقامه بعده على الفراش؛ من تراب، أو قذاة، أو هواءً(١). * قوله: «باسمك ربي وضعت جنبي»: (ق): في رواية لمسلم: ((سُبحانك اللَّهمَّ ربِّي، لك وَضَعْتُ جَنْبِي)) هكذا صح «لك وضعت)) باللام، وروي بالباء أيضاً، فالباء للاستعانة؛ أي: بك أستعين على وضع جنبي ورفعه، وأما اللام: فيحمل أن يكون معناه لك تقربت بذلك؛ فإن نومه إنما كان ليستجمَّ به لما عليه من الوظائف، ولأنه كان يُوحى إليه في نومه، ولأنه كان يُقتدى به، فصار نومُهُ عبادةً، وأما يقظته: فلا يخفى أنها كانت كلها عبادة(٢). (ط): ((إن أمسكت نفسي)) هو من قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَبُرْسِلُ اَلْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ [الزمر: ٤٢]، جمع النفسين في حكم التوفِّي، ثم فرَّق بين جهتي التوفيِّ بالحكم بالإمساك، وهو قبض الروح، والإرسال، وهو ردُّ الحياة؛ أي: الله يتوفى الأنفس التي يقبض والنفس التي لم يقبض، فيمسك الأولى ويرسل الأخرى(٣). * وقوله: «بما تحفظ به»: (الباء) مثلها في كتبت بالقلم، و(ما) موصولة مبهمة، وبيانها ما دل (١) انظر: ((المفاتيح في شرح مصابيح السنة)) للمظهري (٣ / ٢٠٦). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٤٤). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٧٣). ١٠٨ عليه صلتها؛ لأن الله تعالى إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي ومن أن لا يهنوا في طاعته وعبادته بتوفيقه ولطفه(١). ١٤٦١ - وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عَنْها: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ كانَ إِذا أَخَذَ مَضْجَعَهُ، نَفَثَ فِي يَدَيْهِ، وَقَرَأَ بِالمُعَوِّذاتِ، وَمَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ. متفقٌ عليه. وفي رواية لهما: أَنَّ النبيَّ نَّهِ كَانَ إِذَا أَوَى إِلِى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ، جَمَعَ كَفَيْهِ، ثُمَّنَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌّ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِما مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. متفقٌ عَليهِ. قالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: ((النَّفْثُ)): تَفَخْ لَطِيفٌ بِلاَ رِيقٍ. * قوله: «ثم نفث فيهما فقرأ فيهما»: (ط): قيل: ينبغي أن يكون النفث بعد التلاوة، ليُوصِل بركةَ القرآن واسم الله تعالى إلى بشرة القارئ أو المقروء له، فيكون هذا من باب قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، وقوله: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيِّكُمْ (١) المرجع السابق، الموضع نفسه . ١٠٩ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: ٥٤]، على أن التوبة عين القتل، ونظائره في كلام الله العزيز غير عزيز. والمعنى: جمع كفّيه ثم عزم على النفث فيهما فقرأ، والصحيح في معناه: أن النفث مقدَّم على القراءة، ولعل السر في تقديم النفث مخالفةٌ السحرة البطلة، على أن أسرار الكلام النبوي جلَّت عن أن تكون مشرع كل وارد. وقوله: ((يبدأ بهما ... إلى آخره)): بيانٌ لجملة قوله: ((يمسح بهما ما استطاع من جسده»، أو بدل منه، کقول الشاعر : أَقُولُ لهُ ارْحَلْ لاَ تُقِيمَنَّ عِنْدَنَا فإن (لا تقیمن) بدل من (ارحل). ويقول الآخر: مَتَّى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِیَارِنَا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا لكن قوله: ((ما استطاع من جسده)) وقوله: ((يبدأ)) يقتضيان أن يقدر يبدأُ بهما (١) على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، ثم ينتهي إلى ما أدبر من جسده . ١٤٦٢ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴿﴾، قالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٥٢). ١١٠ (إِذا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، وَقُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَاً ولا مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مِثَ، مِثَّ عَلَى الفِطْرَةِ، واجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَقُولُ)) مُتَّفَقٌ علیه. * قوله : ((إذا أتيت مضجعك فتوضأ))، سبق في (الباب الثالث بعد المئة). ١٤٦٣ - وَعَنْ أَنَسِ ﴿: أَنَّ النَّبيَّ ◌َ﴿ كَانَ إِذا أَوَى إِلى فِرَاشِهِ، قَالَ: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وسَقَاناً؛ وكَفَاناً وآواناً، فَكَمْ مِمَّنْ لا كافيَ لَهُ، وَلا مُؤْوِيَ)) رواهُ مسلمٌ. * قوله يقي: ((فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي؟!» : (ن): أي: لا راحم له ولا عاطف عليه، وقيل: معناه لا وطن له ولا سکن یأوي إليه(١). (ق): أي: كثير من الناس ممن أراد اللهُ إهلاكَه لم يُطعِمهُ ولم يَسقِهِ ولم يَكسُه، إما لأنه أعدم هذه الأمور في حقه، وإما لأنه لم يُقدره على الانتفاع بها (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣٤). ١١١ حتى هلك، هذا ظاهره، ويحتمل أن يكون معناه: فكم من أهل الجهل والكفر بالله تعالى لا يعرف أن له إلهاً يطعمه، ويسقيه، ويؤويه، ولا يقرُّ له بذلك، فصار [الإله في حقه وفي اعتقاده] كأنه [معدوم](١). (مظ): ((الكافي)) و((المؤوي)): هو الله تعالى، يكفي شرَّ بعض الخلق عن بعض، ويهيئ لهم المأوى والمسكن، فالحمد لله الذي جعلنا منهم، فكم من خلق لا يكفيهم الله شرَّ الأشرار بل تركهم وشرهم؟! وكم من خلق لم يجعل الله لهم مأوى، بل تركهم يهيمون في البوادي؟!(٢) . (ط): ((كم)) يقتضي الكثرة، ولا يرى ممن حاله هذا إلا قليلاً نادراً، على أنه افتتح بقوله: (أطعمنا وسقانا)، ويمكن أن يُنزَّل هذا على معنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، فالمعنى: أنا نحمد الله على أن عرفنا نعمتَهُ ووفَّقنا لأداء شكرها، فكم من منعَم عليه لم يعرفها فكفر بها؟! وكذلك الله مولى الخلق كلهم، بمعنى أنه ربهم ومالكهم، لكنه ناصرٌ، للمؤمنين ومحبٌّ لهم، فـ (الفاء) في ((فكم)) لتعلیل الحمد، انتهى . يؤيده ما في رواية الطبراني: ((فَكَمْ من مَكفُوفٍ لا كَافِيَ لهُ ولا مُؤْوِي، ومَصِيرهُ إلى النَّارِ؟!))(٣)؛ أي: فكم ممن قدر عليه رزقه في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق؟! (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٤٥). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٢٠٨). (٣) رواه الطبراني في ((الدعاء)) (٨٩٤). ١١٢ كِتَابَ الدَّعَوَاتِ --------- كِتَابَ الدَّعوا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ج ٦٠]. وَقَالَ تعالى: ﴿آدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ اٌلْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. * وَقَالَ تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]. * وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّإِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ الشُّوْءَ﴾ الآية [النمل: ٦٢]. (الباب الخامس والأربعون بعد المئة) (في الدعوات) (ن): دلَّت الأحاديث الصحيحة على استحباب الدعاء والاستعاذة، وعليه أجمع العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار وفي كل الأعصار، وذهبت طائفة من الزهاد وأهل المعارف: إلى أن ترك الدعاء أفضل؛ استسلاماً للقضاء، وقال آخرون منهم: إن دعا للمسلمين؛ فحسن، وإن خصَّ نفسه؛ ١١٥ فلا، ومنهم من قال: إن وجد في نفسه باعثاً للدعاء؛ استحبَّ، وإلا؛ فلا، ودليل الفقهاء ظواهر الكتاب والسنة في الأمر بالدعاء والإخبار عن الأنبياء صلوات الله عليهم(١) . * قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. (م): كل من دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأقاربه وأصدقائه وجدِّه، فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان، أما إذا دعا في وقت لا يبقى في القلب التفاتٌ إلى غير الله، فالظاهر أنه يحصِّلُ الإجابةَ. إذا عرفت هذا؛ ففيه بشارة كاملة، وهي: أن انقطاع القلب بالكلية عما سوى الله تعالى لا يحصل إلا عند القرب من الموت، فإن الإنسان قاطعٌ في ذلك الوقت بأنه لا ينفعُهُ شيءٌ سوى فضل الله تعالى، فوجب أن يكون الدعاء في ذلك مقبولاً عند الله تعالى، فنرجو من فضل الله وإحسانه أن يوفِّقنا للدعاء المقرون بالإخلاص والتضرع في ذلك الوقت(٢). * قوله تعالى: ﴿أَدْ عُواْرَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ ﴾ [الأعراف: ٥٥]. قال ابن جرير: ﴿تَضَرُّعًا﴾؛ أي: تذلُّلاً واستكانةً لطاعته، ﴿وَخُفْيَةٌ﴾؛ أي: بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته فيما بينكم وبينه، لا جهاراً ومراءاةً. قال ابن عباس ﴿وَخُفْيَةٌ﴾؛ أي: سراً، وقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣٠). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ٧١). ١١٦ وفي ((الصحيحين)) عن أبي موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتَهم بالدعاء، فقال رسول الله وَّةٍ: ((أَيَّها النَّاسُ، اربَعُوا على أَنفُسِكُم، فإنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصمَّ ولاَ غَائِباً)) الحديث(١). وروى ابن المبارك عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعرُ به الناس، وإن كان الرجل لقد فقِهَ الفقهَ الكثيرَ وما يشعرُ به الناس، وإنَّ الرجل ليصلي الصلاةَ الطويلةَ في بيته وعنده الزوَّارُ وما يشعرون به، لقد أدركنا أقواماً ما على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوهُ في السر فيعملونَهُ علانيةً أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وذلك أن الله ذكر عبداً صالحاً ورضيَ فعلُهُ فقال: ﴿إِذْنَادَى رَبَُّ نِدَآءَ خَفِيًا﴾ [مريم: ٣]. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]؛ أي: في الدعاء وغيره. قال أبو مِجْلَزِ: أي: لا نسأل منازلَ الأنبياء(٢). وعن عبدالله بن مُغفَّل أنه سمع ابناً له يقول: اللهمَّ، إني أسألُكَ القصرَ الأبيضَ عن يمين الجنة إذا دخلتُها، فقال: يا بنيَّ، اسأَلِ اللهَ الجنةَ وعُذْ به منَ النّار، فإني سمعتُ رسول الله وََّ يقول: «يَكُونُ قَومٌ يَعتَدُونَ في الدَّعَاءِ والطُّهُورِ))، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه(٣). (١) رواه البخاري (٢٨٣٠)، ومسلم (٢٧٠٤ / ٤٤). (٢) انظر: ((تفسير الطبري)) (٨ / ٢٠٧). (٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ٨٧)، وأبو داود (٩٦)، وابن ماجه (٣٨٦٤). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٩٨٤). ١١٧ وفي ((مسند الإمام أحمد)): عن سعد أنه سمع ابناً له يدعو وهو يقول: اللهمَّ إني أسألُكَ الجنةَ ونعيمها وإستبرقَها، ونحواً من هذا، وأعوذ بكَ من النار وسلاسلها وأغلالِها، فقال: إني سمعت رسول الله وَلا يقول: ((إِنَّهُ سَيَكُونُ قَومٌ يَعتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ»، وقرأ هذه الآية، ((وإنَّ بحسبك أن تقول: اللهمَّ، إني أسألُكَ الجنَة وما قَرَّبَ إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل))(١). ، قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]، المراد من هذه الآية أنه تعالى لا يخيب دعاءَ داعٍ، ولا يشغلُهُ عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، ففيه ترغيبٌ في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه تعالى، كما في ((مسند أحمد)): عن سلمان الفارسي، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَيَسْتَحْبِي أَنْ يَبْسُطَ العَبْدُ إِلَيْهِ يدَيهِ يَسألُهُ فيهمَا خَيْراً فَيَرُدَّهُما خائبتين)). ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه(٢). وعن أبي سعيد: أن النبيِ نَّه قال: ((مَا مِنْ مُسلِمٍ يَدعُو اللهَ بَدَعْوةٍ ليسَ فِيهَا إِثمٌ ولاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّ أَعطَاهُ اللهُ بِهَا إِحدَى ثلاثِ خِصَالٍ: إمَّا أن يُعجِّلَ له دَعوَتَهُ، وإمَّا أن يَدَّخِرَها لَهُ في الآخِرَةِ، وإمَّا أن يَصرِفَ عنهُ منَ السُّوءِ مِثْلَها))، قالوا: إذاً نكثرُ؟ قال: ((اللهُ أكثَرُ))، رواه أحمد(٣). (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ١٧٢). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٦٧١). (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ٤٣٨)، وأبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٦٣٥). (٣) رواه الترمذي (٣٣٨١)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ١٨). وهو حديث = ١١٨ وروی ابن مردویه من حدیث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، حدثني جابر بن عبد الله: أن النبي ◌َّمِ قرأ: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فقال رسول الله وَّ: ((اللهَّم؛ أَمَرْتَ بالدُّعَاءِ وتَوَكَّلتَ بِالإِجَابَة، لَبَيْكَ اللهِمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّك لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ والنِّعمَةَ لَكَ والمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ، أَشْهَدُ أنَّكَ فَردٌ أَحدٌ صَمَدٌ، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأَشْهَدُ أنَّ وعدَكَ حقٌّ، ولقاءَك حقٌّ، والجنَّةَ حقٌّ، والنَّارَ حَقٌ، والسَّاعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأَنْتَ تَبَعَثُ مَن في القُبُورِ))(١). * قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]؛ أي: هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضرَّ المضرورين سواه. قال عبيدالله بن أبي صالح: دخل علي طاوس يعودني، فقلت: ادعُ اللهَ لي يا أبا عبد الرحمن، فقال: ادعُ لنفسِكَ، فإنه يُجِيبُ المُضطرّ إذا دعاهُ. وقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول إن [الله تعالى] يقول: بعزَّتي، إنه مَنِ اعتصمَ بي فإن كادته السماوات بمن فيهن والأرض بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجاً، ومن لم يعتصم بي، فإني أخسِفُ به من تحت قدميه الأرضَ، فَأَجعلُه في الهواء، وأَكِلُه إلى نفسه(٢). = حسن صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٦٣٣). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الشكر)) (١٥٥)، وإسناده ضعيف جدًّا، الكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس . (٢) رواه أبو داود في ((الزهد)) (١/ ٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره)) (٩/ ٢٩١٠). ١١٩ (م): ((المضطر)): هو الذي أحوجه مرضٌ أو فقرٌ أو نازلةُ الدهر إلى التضرع إلى الله تعالى، وعن السُّدِّي: هو الذي لا حول له ولا قوة، وقيل: المذنب إذا استغفر(١). (الثعلبي): قال ذو النون: هو الذي قطعَ العلائقَ عمَّا دون الله . قال سهل بن عبدالله: المضطر هو الذي رفع يديه إلى الله داعياً، لم تكن له وسيلة من طاعة قدَّمها(٢). ، عَنِ النَّبِّنَّهِ، قَالَ: ١٤٦٥ - وعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشیرٍ ((الدُّعَاءُ هوَ العِبَادَةُ)) . رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، والترمذيُّ، وَقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ. * قوله اري: ((الدعاء هو العبادة))، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. (قض): لمَّا حكم بأن الدعاء هو العبادةُ الحقيقيةُ التي تَستأهلُ أن تُسمى عبادة من حيث إنه يدل على أن فاعله مُقبِلٌ بوجهه إلى الله تعالى، مُعرِضٌ عما سواه، لا يرجو ولا يخاف إلا منه = استدل عليه بالآية، فإنها تدل على أنه أمر مأمور به، إذا أتى به المكلف، قُبل منه لا محالة، ويترتب عليه المقصودُ ترتُّبَ الجزاء على الشرط، والمسبب على السبب، وما كان (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٤ / ١٧٩). (٢) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٧ / ٢١٩). ١٢٠