النص المفهرس

صفحات 1-20

سََْخُ
رِيَاضْ الصَّالِحِينَ
(٦)

حُقُوق الطَّيْعُ مَحَفُوظَة لِدَارِ التَّوَادِرِ
اُلْطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٥هـ-٢٠١٤م
طَبْعَةخَاصَّة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
دولة قطر
turathuna@islam .gov.qa
قامت بعمليات التنصير الضوئي والإخراج الفني والطباعة
ر
سوريا - دمشق
ص. ب : 34306
هاتف : 00963112227001
فاكس : 00963112227011
لبنان - بيروت
ص.ب: 4462/14
هاتف : 009611652528
فاكس: 009611652529
E_ mail : info@daralnawader.com
Website : www.daralnawader.com

اوقاف
AWQAF
سَرُْ
رِنَاضِ الصَّالِحِين
المَسَتَّى
القَوَائِ المَشَرِعَةُ الجَاهِ
ــفى
شَرَعَ كتَابِ الخَاصِ
تَأْلِيْفُ
اْلْعَلََّمَةِ ابن كَمَالِ بَاشَا
سَمْسِ الدِّينِ أَحَمَدَ بنِ سُليمانَ بنِكَمَالِ باشا الرُّومِيّالخَنِفِيِّ
المَوُلُود في طُوَقَات سَنَة ٨٧٢ هـ. وَلَتولَّ فِي الْقُطَنطِيّة سَنة .٩٤هـ
رَحَمَّهُ الله تعَالى
تَحْقِيْقَ وَدِرَاسَة
صَّةٍ مِنَ
بِإِنْشِرَافٍ
نُور الدُّنْظَالِبُ
المحققين
المُجَلَّدُ السَّادِسُ
من مطبوعات
وَزَارَةُ الأَرْقَافِ وَالشُّؤُوْرُالِْسْلامِيَّةُ
إدَارَةُ الشَّؤُوْنِ الْإِسْلَامِيَّةِ
بتمويل الإدارة العامة للأوقاف
دَوْلةِقَطَرْ

u
13

كتاب الأَكَزَمُ
٢٣٨- باب
فضلِ الذِّكْرِ والحثّ علیهِ
* قالَ الله تَعَالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
* وقالَ تَعَالى: ﴿فَذَكُونِي أَذْكُرَّكُمْ ﴾ [البقرة: ١٥٢].
* وقالَ تَعَالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ وَدُونَ
اُلْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
* وقالَ تَعَالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠].
* وقال تَعَالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَاُلْمُسْلِمَتِ﴾ إلى قوله تعالى:
﴿وَلَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ تَّغْفِرَةً وَأَجْرًا
عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
* وقالَ تَعَالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا
وَسَبِّحُوهُ بُكَّةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
٤١
والآيات في الباب كثيرةٌ معلومةٌ .
٧

(الباب الرابع والأربعون بعد المئة)
(في الأذكار)
(ن): قال القاضي: ذكر الله ضربان: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وذکر
القلب نوعان :
أحدهما: وهو أرفعُ الأذكار، وأجلُّها الفكر في عظمة الله، وجلاله،
وجبروته، وملكوته، وآياته في سماواته وأرضه، ومنه الحديث: ((خَيْرُ الذِّكْرِ
الخَفِيُّ)»، والمراد به هذا.
الثاني: ذكره بالقلب عند الأمر والنهي، فيمتثل ما أمر به ويترك ما نهي
عنه، ويقف عند ما أشكل عليه، وأما ذكر اللسان مجرداً: فهو أضعف الأذكار،
ولكن فيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث، واختلف السلف في ذكر القلب
واللسان أيهما أفضل، قال القاضي: والخلاف عندي إنما يتصور في مجرد
ذكر القلب تسبيحاً وتهليلاً وشبههما، وعليه يدلّ كلامهم، لا أنهم مختلفون
في الذکر الخفي الذي ذكرنا أولاً، فذلك لا يقاربه ذکر اللسان، فکیف یفاضله؟
وإنما الخلاف في ذكر القلب [بالتسبيح المجرد، والمراد بذكر اللسان مع
حضور القلب، فإن كان لاهياً؛ فلا، واحتج من رجح ذكر القلب](١) بأنَّ عملَ
السرِّ أفضلُ، ومن رجَّح اللسان قال: لأن العمل فيه [أكثر]، قال القاضي:
واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب؟ فقيل: تكتبهُ ويجعلُ الله لهم علامةً
يعرفونهُ بها، وقيل: لا يكتبونه؛ لأنه لا يطَّلع عليه غيرُ الله(٢).
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٥).
٨

* قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، سبق في
(الباب العاشر بعد المئة).
(ش): في الآية أربعة أقوال:
أحدها: أن ذكر الله أكبر من كل شيء، فهو أفضل الطاعات؛ لأن
المقصود بالطاعات كلِّها إقامةُ ذكره، فهو سرُّ الطاعات وروحُها .
والثاني: أنکم إذا ذكرتموه؛ ذکرکم، فكان ذكرهُ لكم أكبر من ذکر کم
له، فعلى هذا المصدرُ مضافٌ إلى الفاعل، وعلى الأول مضاف إلى
المفعول .
والثالث: لذكرُ الله أكبرُ من أن يبقى معه فاحشةٌ ومنكرٌ، بل إذا تم
الذكر؛ مَحق كلَّ معصية وكلَّ خطيئة.
والرابع: ذكره الشيخ الإمام ابن تيمية الحراني رحمه الله: إن في
الصلاة فائدتین عظیمتین :
إحداهما: هو نهيه عن الفحشاء والمنكر .
والثانية: اشتمالها على ذكر الله وتضمنها له، وما تضمنتهُ من ذكر الله
أعظمُ من نهيها عن الفحشاء والمنكر(١).
* قوله: ﴿فَأَذِكْرُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، سبق في (الباب الثاني
والأربعين بعد المئة).
* قوله تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ ﴾ [الأعراف:
٢٠٥]، هكذا يستحب أن يكون الذكر، لا يكون نداءً وجهراً بليغاً، لمَّا سألوا
(١) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢ / ٤٢٦).
٩

رسول الله ﴿ فقالوا: يا رسول الله أقريبٌ ربُّنا فنناجيهُ أم بعيدٌ فنناديَهُ؟ فأنزل
الله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦](١)، وفي حديث
أبي موسى الأشعري: ورفعَ الناسُ أصواتَهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال
لهم النبيِ وَِّ: ((أَيّها الناسُ؛ اربَعُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ؛ فإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ
غَائِباً، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ))(٢)، ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية
كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾
[الإسراء: ١١٠]؛ فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن؛ سبُّوه وسبُّوا مَن أنزله
ومَن جاء به، فأمر الله تعالى بأن لا يَجهر؛ لئلا يُسمِعَهُ المشركين، ولا
یُخافت بها عن أصحابه فلا يُسمِعَهم، ويتخذ بين الجهر والإسرار سبيلاً.
وقوله: ﴿بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، أمرنا بالذكر أول النهار
وآخره كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]، و(الغدو): أوائل النهار، و(الآصال):
جمع أصيل(٣).
(م): المراد بذكر الله في نفسه: كونُهُ عارفاً بمعاني الأذكار التي يقولُها
بلسانه، مستحضراً لصفات الجلال والعز، والعلو والعظمة، وذلك لأن الذكر
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٢ / ١٥٨)، وابن حبان في ((الثقات)) (٨ / ٤٣٦)، وابن
أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٦٦٧) من حديث معاوية بن حيدة، وسنده ضعيف.
انظر: ((العجاب في بيان الأسباب)) (١ / ٤٣٤)، و((لسان الميزان)) (٣/ ١٩٥)،
كلاهما لابن حجر .
(٢) رواه البخاري (٢٨٣٠)، ومسلم (٢٧٠٤).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٦/ ٥٠٥).
١٠

باللسان عارياً عن الذكر بالقلب عديم الفائدة؛ لاجتماع الفقهاء على أن
الرجل إذا قال: بعت واشتريت ولا يعرف معاني الألفاظ؛ لا ينعقد البيعُ
والشراءُ، فكذا هاهنا، وقال: ﴿ وَأَذْكُرُ رَبَّكَ ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ولم يقل:
إلهك، ولا سائر الأسماء، وأضاف نفسه إليه، وكل ذلك يدلُّ على نهاية
الرحمة والتقريب، والفضل والإحسان، والمقصود منه أن يصير العبدُ فرحاً
مبتهجاً عند سماع هذا الاسم؛ لأن لفظ الرب مشعر بالتربية.
القيد الثاني من القيود المعتبرة في الذكر: حصول التضرع؛ لأن كمال
حال الإنسان إنما يحصل بانكشاف أمرين: أحدهما: عزَّةُ الربوبية، وهذا
إنما يَتِمُّ بقوله: ﴿ وَأَذْكُرُ رَبَّكَ فِ نَفْسِكَ ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، والثاني: ذلَّةً
العبودية، وذلك إنما يحصل بقوله: ﴿تَضَرُّعًا ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، فالانتقال من
[الذكر إلى التضرع يشبه النزول من المعراج، والانتقال من](١) التضرع إلى
الذكر يشبه الصعود، وبهما يتمُّ معراج الأرواح القدسية.
القيد الثالث: قوله: ﴿وَخِيفَةٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وهذا الخوف يقع
على وجوه:
أحدها: خوف التقصير في الأعمال.
وثانيها: خوف الخاتمة، والمحققون خوفُهم من السابقة؛ لأنه إنما
يظهر في الخاتمة ما سبق به الحكم في الفاتحة .
وثالثها: خوفُ أني كيف أُقابل نعمة الله التي لا حصر لها بطاعاتي الناقصة
(١) ما بين معكوفتين من ((تفسير الرازي)) (١٥ / ٨٧).
١١

وأذكاري القاصرة، وأما القراءة الثانية، وهي قوله: (وخفيةً)، فالإخفاء في
حق المبتدئين يرادُ لصون الطاعات عن شوائب الرياء والسمعة، وفي حق
المنتهين المقربين منشؤه الغيرة.
القيد الرابع: وقوله: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، المعنى
أن يذكر ربه على وجه يُسمِع نفسَهُ؛ فإن ذلك سببٌ لحصول الذكر القلبي
الروحاني.
القيد الخامس: قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، والحكمة
فيه: أن عند الغدوة انقلبَ الإنسانُ من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة
التي هي كالحياة، والعالم انقلب من الظلمة التي هي طبيعةٌ عدميةٌ إلى النور
الذي هو طبيعةٌ وجودية، والأمرُ في الأصيل بالضد، والمراد أنه تعالى أمر
بالذكر على الدوام.
القيد السادس: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِّنَ الْغَفِلِينَ ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]،
والمعنى أن قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] دلَّ على أنه يجب أن
يكون الذكر حاصلاً في كل الأوقات، وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ مِّنَ الْفَفِلِينَ﴾ [الأعراف:
٢٠٥]، يدلُّ على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائماً، وأن لا يغفل الإنسان
لحظةً واحدة عن استحضاره جلالَ الله بقدرِ الطاقة البشرية، وتحقيق
القول: أن بين الروح وبين البدن تصعدُ علاقةٌ عجيبةٌ؛ لأن كلَّ أثر يحصلُ في
جوهر الروح ينزلُ منه أثر إلى البدن، وكل حالة تحصلُ في البدن تصعدُ
منه نتائج إلى الروح، ألا ترى أن الإنسان إذا تخيّل الشيءَ الحامضَ؛
ضَرِس سنُّهُ، وإذا تخيَّل حالةً مكروهةً وغضب؛ سخن بدنهُ؟ فهذه آثار تنزل
١٢

من الروح إلى البدن.
وأيضاً إذا واظب الإنسان على عمل من الأعمال وكرَّره مرَّات؛
حصلتْ ملكة قویةٌ راسخة في جوهر النفس، فهذه آثار صعدت من البدن إلى
النفس .
إذا عرفت هذا؛ فنقول: إذا حضر الذكر اللساني، وذكر بحيث يسمع
نفسه؛ حصل أثر من ذلك الذكر اللساني في الخيال، ثم يصعَد من أثر
الذكر الخيالي مزيدُ أنوار إلى جوهر الروح، ثم تنعكس من تلك الإشراقات
الروحانية آثارٌ إلى اللسان، ومنها إلى الخيال، ثم مرة أخرى إلى العقل،
ولا تزال تنعكسُ هذه الأنوار بعضها إلى بعض وتستكملُ ببعض، ولمَّا كان
لا نهاية لتزايد أنوار هذه المراتب؛ لا جرم لا نهاية لسفر العارفين في هذه
المقامات القدسية، وذلك بحر لا ساحل له، ومطلوب لا نهاية له(١).
* قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة:
١٠]، وعن عمر ظُه عن النبي ◌َّ قال: ((مَنْ دَخَلَ سُوْقاً مِنَ الأَسْوَاقِ فَقَالَ:
لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وَهُو عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ كَتَبَ اللهُ لَهُ أَلَفَ أَلَفِ حَسَنَةٍ، ومَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ
لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ))(٢)، قال مجاهد: لا يكون العبدُ من الذاكرين الله كثيراً
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٨٦/١٥ -٨٩).
(٢) رواه الترمذي (٣٤٢٩) وقال: غريب، وقال ابن القيم في ((المنار المنيف))
(ص: ٤١): ((هذا الحديث معلول، أعله أئمة الحديث)). وانظر: ((علل الحديث))
لابن أبي حاتم (٢ / ١٧١).
١٣

حتى يذكر اللهَ قائماً وقاعداً ومضطجعاً(١).
* قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾
[الأحزاب: ٣٥]، فيه دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخصّ منه؛ لقوله
تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا ﴾ [الحجرات: ١٤].
وفي ((الصحيحين)): (لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ))(٢)، فسلبهُ
الإيمانَ، ولم يلزم من ذلك كفرهُ بالإجماع، فدلَّ على أنه أخصُّ منه،
و((القنوت)): هو الطاعة في سكون، فالإسلام بعده مرتبةٌ يرتقى إليها، وهو
الإيمان، ثم القنوت ناشىءٌ عنهما، و﴿الصَّادِقِينَ﴾؛ أي: الأقوال، والصدقُ
خصلةٌ محمودةٌ، وكان بعضُ الصحابة لم يُجرَّب عليه كِذْبةٌ في جاهلية ولا في
إسلام، وهو علامةٌ على الإيمان، ولا يزال الرجل يَصدقُ ويتحرَّى الصِّدقَ
حتى يُكتب عند الله صديقاً، ومنَ صدق نجا، و((الصبر)): سجيةُ الأثبات،
وهي الصبر على المصاب، والعلم بأن المقدور كائن لا محالة، و((الخشوع)):
السكون، والطمأنينة، والتؤدة، والوقار، والتواضع، والحامل عليه الخوف
من الله تعالى ومراقبته، و((الصدقة)): هي الإحسان إلى الناس المحاويج الذين
لا كسب لهم ولا كاسب، و«الصيام»: زكاة البدن، وتطهيره، وتنقيته من
الأخلاق الرديئة طبعاً وشرعاً، قال سعيد بن جبير: مَن صام رمضانَ وثلاثةً من
كل شهر؛ دخل في قوله تعالى: ﴿وَالصَّنَّبِمِينَ وَالصََّّبِمَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]،
ولمَّا كانَ الصَّوم من أكبر العون على كسر الشهوة؛ ناسب أن يذكر بعده:
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٣ / ٥٦٣).
(٢) رواه البخاري (٢٣٤٣)، ومسلم (٥٧)، من حديث أبي هريرة
١٤

﴿وَاْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ ﴾ [الأحزاب: ٣٥]؛ أي: عن المآثم والمحارم لا عن
المباح.
قوله: ﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، روى ابن أبي حاتم
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله وَّه قال: ((إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنَ
اللَّيْلِ فَصَلََّا رَكْعَتَيْنٍ؛ كَانا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتِ)).
وفي «مسند أحمد)): عن أبي سعيد أيضاً أنه قال: قلت: يا رسول الله؛
أيُّ العبادة أفضل درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: ((الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيراً))،
قال: قلت: يا رسول الله؛ ومِنَ الغازي في سبيل الله؟ قال: (لَوْ ضَرَبَ
بَسَيْفِهِ الكُفَّارَ وَالمُشْرِكِينَ حتَّى يَنْكَسِرَ ويَخْتَضِبَ دَمَاً؛ لَكَانَ الذَّاكِرُونَ اللهَ
أَفْضَلَ مِنْهُ»(١).
* قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ اللّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، أمر عباده
المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تعالى، المنعم عليهم بأنواع النعم؛ لما لهم
في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب، عن أبي هريرة ﴿ه قال: دعاءٌ
سمعتُهُ من رسول الله وٍَّ لا أدعهُ: ((اللهمَّ؛ اجْعَلْنِي أُعْظِمُ شُكرَكَ، وأَتَبَعُ
نَصِيحتَكَ، وأُكثِرُ ذِكْرَكَ، وأَحْفَظُ وَصِيَتَكَ))، رواه أحمد(٢).
وعن ابن عباس ◌َ ◌ّما قال: قال رسول الله وَله : ((أُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً [كثيراً
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٧٥)، وانظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ١٦٣).
والحديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٨٩٨).
(٢) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٢/ ٣١١). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)» (١١٦٦).
١٥

حتى] يقولَ المنافقون: تُراؤون))، رواه الطبراني(١).
وروي عن ابن عباس حَها: إن اللهَ لم يفرِض فريضةً إلا عذَر أهلها في
حال عذرٍ غيرَ الذِّكر؛ فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في
تركه إلا مغلوباً على تركه، فقال: اذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبکم،
بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، وفي الغنى والفقر،
والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً
وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٤٢]، فإذا [فعلتم] ذلك؛ صلی علیکم هو وملائكته.
وقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكَّةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]؛ أي: عند الصباح
والمساء.
قوله: ﴿هُوَ اَلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، تهييج إلى الذكر؛
أي: أنه یذکرکم فاذكروه أنتم(٢).
(م): إن الله سبحانه حيث ذكر الذكر في أكثر المواضع قرنهُ بالكثرة له،
فقال في الآية السابقة: ﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقال:
﴿لَّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال: ﴿وَاذْكُرُواْ
اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة: ١٠]؛ لأن الإكثار من الأعمال البدنية غيرُ ممكن أو عسرٌ؛
فإن الإنسان أكلهُ وشربهُ، وتحصيلُ مأكوله ومشروبه يمنعُهُ من أن يشتغل دائماً
بالصلاة، ولكن لا مانع له من أن يذكر الله وهو آكل، ويذكره وهو شارب، أو
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٢٧٨٦)، وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر:
((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٩٠٢).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ١٨٢).
١٦

ماش، أو بائع، أو شارٍ، وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: ١٩١]، ولأن جميع هذه الأحوال إذا اقترنت
بنية الاستعانة على العبادة؛ صارت ذكراً(١).
١٤٠٨ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَيهِ:
(كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيِبَتَانِ إِلَى
الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ)) متفقٌ عليهِ.
قوله الله: «كلمتان خفيفتان»:
٠
(ط): الخفة استعارة للسهولة، شبه جريان سهولة الكلمتين على اللسان
بما يخف على الحامل من بعض الأمتعة فلا يتعبه؛ كالشيء الثقيل، فذكر
المشبه به وأراد المشبه، وأما الثقل؛ فعلى الحقيقة عند علماء أهل السنة؛ إذ
الأعمال تجسّم حينئذٍ، والخفة والسهولة من الأمور النسبية، فهما مختصران
من قوله: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، فتدبر، وفيه
حضٌّ على المواظبة عليهما، وتحريضٌ على ملازمتهما، وتعريض بأن سائر
التكاليف صعبةٌ شاقةٌ على النفس ثقيلةٌ، وهذه حقيقةٌ سهلةٌ عليها مع أنها تثقلُ
في الميزان ثقلَ غيرها من التكاليف، فلا تتركوها إذن، روي في الآثار أنه سئل
عيسى عليه السلام: ما بالُ الحسنة تثقُلُ والسيئة تخفُّ؟ فقال: إن الحسنة
حضرت مرارتُها وغابت حلاوتُها، فلذلك ثقُلَت عليكم، ولا يحملنّكم ثقلُها
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٨٢/٢٥).
١٧

على تركها، فإن بذلك ثقُلَت الموازين يوم القيامة، والسيئات حضرت
حلاوتُها وغابت مرارتُها، فلذلك خفَّت عليكم، ولا يحملنّكم خفَّتُها على
فعلِها؛ فإن بذلك خفَّت الموازين يوم القيامة(١).
(ك): ((كلمتان))؛ أي: كلامان، وتطلق الكلمة عليه كما يقال: كلمة
الشهادة، و((الحبيبتان)): المحبوبتان، بمعنى المفعول لا بمعنى الفاعل،
والمراد محبوبية قائلها .
فإن قلت: الفعيل [بمعنى] المفعول - لا سيما إذا كان موصوفه
مذكوراً معه - يستوي فيه المذكر والمؤنث، فما وجه لحوق علامة التأنيث؟
قلت: التسويةُ بينهما جائزةٌ لا واجبةٌ، أو وجوبها في المفرد لا في
المثنى، أو انتهاء المناسبة الحقيقية والثقيلة؛ لأنهما بمعنى الفاعلة
لا المفعولة، أو هذه التاء لثقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، وخصص
لفظ (الرحمن) من بين سائر الأسماء الحسنى؛ لأن المقصود بيان سعة
رحمة الله على عباده، حيث يجازي على العمل القليل الثواب الكثير، وفيه
فضيلة عظيمة للكلمتين، والمقصودُ من ذكر الخفة والثقل بيانُ قلة العمل
وكثرة الثواب.
فإن قلت: قد نهي عن السجع؟
قلت: ذلك فيما كان كسجع الكهان في كونه متكلفاً، أو متضمناً
لباطل(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٢٠).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ١٨٤).
١٨

* قوله : «سبحان الله وبحمده) :
(ك): ((سبحان)) مصدر لازم النصب بإضمار الفعل، وهو علم
للتسبيح، والعلم على نوعين علمٌ جنسي وعلمٌ شخصي، ثم إنه تارةً يكون
للعين وأخرى للمعنى، فهذا من العلم الجنسي الذي للمعنى.
فإن قلت: لفظ (سبحان) واجب الإضافة، فكيف الجمع بين
الإضافة والعلمية؟
قلت: ينكَّر ثم يضاف، ومعنى التسبيح: التنزيه؛ يعني أنزِّه الله تعالى
تنزيهاً مما لا يليق به تعالى، و(الواو) في ((وبحمده)) للحال؛ أي: وأسبحه
ملتبساً بحمدي له من أجل توفيقه للتسبيح ونحوه، أو لعطف الجملة على
الجملة؛ أي: وأسبح وألتبس بحمده، و((الحمد)): هو الثناء على الجميل
الاختياري على وجه التعظيم .
واعلم أن لله تعالى صفاتٍ عدميةً؛ مثل كونه لا شريك له، ولا يعزب
عنه مثقال ذرةٍ، وسائر التنزيهات، وتسمى بصفات الجلال، وصفات
وجودية؛ مثل العلم والقدرة ونحوهما، وتسمى بصفات الإكرام؛ اقتباساً
من قوله تعالى: ﴿ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: ٢٧]، فالتسبيح إشارةٌ إلى
الأولى، والتحميدُ إلى الثانية، وإطلاق اللفظين يعني تركَ التقييدِ بمتعلقٍ
يشعرُ بالعموم، فكأنه قال: أنزهه عن جميع النقائص، وأحمده بجميع
الكمالات، والنظم الطبيعي يقتضي إثبات التخلية أولاً عن النقصان، ثم
التحلية ثانياً بالكمال، فلهذا قدَّم التسبيحَ على التحميد، وفيه نكتة أخرى،
وهي أنه ذكر أولاً لفظَ الله الذي هو اسمُ الذات المقدسة الجامعة لجميع
١٩

الصفات العليا والأسماء الحسنى، ثم وصفَهُ بالتعظيم الذي هو شاملٌ
السلب ما لا يليق به وإثبات ما يليق؛ إذ العظمةُ المطلقةُ الكاملةُ مستلزمة
لعدم الشريك ونحوه، والعلمٍ بكل المعلومات، والقدرةِ بكل المقدورات
إلى غير ذلك، وإلا؛ لم يكن عظيماً، وأما تكرار التسبيح؛ فللإشعار
بَتَنزِيهه تعالى على الإطلاق، ثم إن التسبيح ليس إلا ملتبساً بالحمد؛ ليعلم أن
الكمال له نفياً وإثباتاً معاً جميعاً، أو لأن الاعتناءَ بشأن التنزيه أكثرُ من الاعتناء
بالتحميد؛ لكثرة المخالفين فيه، قال تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّاوَهُم
مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، ولهذا ورد في القرآن بعبارات مختلفة، جاء بلفظ
المصدر: ﴿سُبْحَنَ اُلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ [الإسراء: ١]، وبالماضي: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِمَا
فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١]، وبالمضارع: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة: ١]،
وبالأمر: ﴿سَبِحِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، ولأن التنزيه مما تدركهُ عقولُنا،
بخلاف كمالاته؛ فإنها قاصرة عن إدراك حقيقتها(١).
١٤٠٩ _ وعَنْهُ ظُهِ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَأَنْ أَقُولَ:
سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ
مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)) رواه مسلم.
* قوله: ((مما طلعت عليه الشمس)):
(ق): أي: أن تكون لي الدنيا بكلِّيتها فأنفقها في سبيل الله، وفي
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢ / ١٨٥).
٢٠