النص المفهرس
صفحات 641-660
أداء القليل من حقُّه﴿ أن نكثر من الصلاة عليه في يومه وليلته، انتهى(١).
عن أبي أمامة ﴿ه قال: قال رسول الله وَله: ((أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ
فِي كُلِّ يَومِ جُمعَةٍ؛ فإِنَّ صَلاَةَ أُمَّتِي تُعرَضُ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمعَةٍ، فَمَنْ
كَانَ أَكْثَرَهُم عَلَيَّ صَلاَةً؛ كَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً)، رواه البيهقي، إسنادهُ جيدٌ
ورجاله ثقاتٌ (٢).
وعن أنس بن مالك ه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إِنَّ أَقْرَبَّكُمْ مِنِّي
يَوْمَ القِيَامَةَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ؛ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلاةَ فِي الدُّنيا، مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي
يَوْمِ الجُمُعَةِ وَلَيْلَةِ الجُمُعَةِ مثَّةَ مَرَّةٍ؛ قَضَى اللهُ لهُ مئةَ حَاجَةٍ، سَبَعِينَ مِن
حَوَائِجِ الآخِرَةِ، وثَلاثِينَ مِن حَوائِجِ الدُّنيا، ثُمَّ يُوكِّلُ اللهُ بِذَلِكَ مَلَكاً يُدخِلُهُ
فِي قَبْرِي كَمَا تُدخَلُ عَلَيْكُمُ الهَدَايَا، يُخْبِرُنِي مَنْ صَلَّى عَلَيَّ باسمِهِ ونَسَبِهِ
إلى عَشِيرَتِهِ، فَأَتْبِتُّهُ عِنْدِي فِي صَحِيفَةٍ بَيَضَاءَ»، ذكره البيهقي في الجزء
الذي ذكر فيه حياة الأنبياء(٣)، وابن بشكوال الحافظ، وغيرهما، ورواه أبو
اليُمْن بن عساكر، وأبو القاسم الأصبهاني، وزاد في آخره: ((إِنَّ عِلْمِي بَعْدَ
مَوْتِي كَعِلْمِي فِي الحَيَاةِ»(٤).
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ٣٧٦).
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣/ ٢٤٩). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب» (١٦٧٣).
(٣) رواه البيهقي في ((حياة الأنبياء)) (١٣). وهو حديث موضوع. انظر: ((السلسلة
الضعيفة» (٥٨٥٧).
(٤) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٤ / ٣٠١). وهو كسابقه. انظر التعليق
السابق.
٦٤١
وعن أبي سمرة قال: قال علي بن أبي طالب : مَن صلَّى على
النبي ◌َّه بهؤلاء الكلمات في كل يوم ثلاث مرات، ويوم الجمعة مئة مرة،
يقول: صلواتُ الله وملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقهِ على محمدٍ وآلٍ
محمدٍ، وعليه وعليهم السلامُ ورحمةُ الله وبركاتهُ = فقد صلَّى عليه بصلاةِ
جميع الخلائق، وحشِرَ يوم القيامة في زمرة محمدٍ رسولِ اللهِ وَلِ، وأخذَ
رسولُ الله ◌َ﴿ بيده حتى يدخل الجنةَ، رواه الحافظ أبو موسى المديني في
((الترغيب)).
وعن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسول الله وَله: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ في يَوْمِ
الجُمُعَةِ ثَمَانِينَ مَرَّةً؛ غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَ ثَمَانِينَ سَنَةٍ))، قيل: يا رسول الله؛
كيف الصلاة عليك؟ قال: ((يَقُولُ: اللهمَّ؛ صلِّ على مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ
ورَسُولِكَ النَّبِيِّ الأُميِّ، ويعْقِدُ وَاحِدَةً)، رواه الدار قطني(١).
قال الحافظ زين الدين بن العراقي: هذا حديث حسن غريب(٢)،
وخرّجه ابن شاهين والحافظ ضياء الدين، ولفظهما: ((صَلَّةٌ عَلَيَّ نُورٌ عَلَى
الصِّرَاطِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثَمَانِينَ مَرَّةً؛ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُ ثَمَانِينَ
عَاماً))(٣).
وعن أنس ظه قال: قال رسول اللهِ وَ﴾: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ في يَوْمِ
(١) عزاه للدارقطني ابن عراق في («تنزيه الشريعة)) (٢/ ٣٣١). وهو حديث موضوع.
انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٢١٥).
(٢) انظر: ((تخريج أحاديث الإحياء)) للعراقي (١ / ١٨٦).
(٣) انظر: ((فيض القدير)) للمُناوي (٤ / ٢٤٩). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٣٨٠٤).
٦٤٢
جُمُعَةٍ أَلْفَ مَرَّةٍ؛ لَم يَمُتْ حَتَّى يَرَى مَفْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ)، رواه الحافظ رشيد
الدين، وقال: غريب من حديث ثابت عن أنس، وخرّجهُ ابن شاهين
والحافظ أبو عبدالله المقدسي، ولفظهما: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي يَوْمِ أَلْفَ
مَرَّةٍ))، ولم يذكر الجمعة.
قوله: ((وقد أرمت»:
(ن): بفتح الراء وإسكان الميم وفتح التاء المخففة، قال الخطابي:
أصله أَرْمَمْتَ، فحذفت إحدى الميمين، وهي لغةٌ لبعض العرب؛ كما
قالوا: ظَلْتُ أفعل كذا؛ أي: ظَلِلْتُ، في نظائر لذلك، وقال غيره: إنما هو
أرَمَّتْ بفتح الراء والميم المشددة وإسكان التاء؛ أي: أرمت العظام(١).
(نه): [وقيل]: إنما هو أرمَّت بتشديد التاء على أنه أدغم إحدى الميمين
في الفاء، وهذا قول ساقطٌ؛ لأن الميم لا تدغم في التاء أبداً، وقيل: يجوز أن
يكون أُرِمت بضم الهمزة على وزن أُمِرت، من قولهم: أُرِمَت الإبل تأرمُ: إذا
تناولت العلف وقطعته بفيها، انتهى(٢).
في ((الثقفيات)): حدثنا أبو بكر بن محمد بن إبراهيم بن علي المُقري،
ثنا أبو العباس محمد بن الحسن بن قُتَيبة العسقلاني، ثنا حرملة، ثنا ابن
وهب، أخبرني عمرو بن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن أيمن، عن عبادة
بن نُسَي، عن [أبي] الدرداء قال: قال رسول الله ◌ََّ: ((أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ
يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ فإِنُّ يَوْمٌ مَشْهُودٌ، تَشْهِدُهُ المَلاَئِكَةُ، وإِنَّ أَحداً لا يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّ
(١) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ٩٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢٦٦).
٦٤٣
عُرِضَتْ عَلَيَّ صَلاَتُهُ حَتَّى فَرَغَ)، قال: قلت: وبعدَ الموت؟ قال: ((إنَّ اللهَ
حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجِسَادَ الأَنْبِياءِ»، فنبيُّ الله حيٌّ یرزَقُ.
قال الترمذي الحكيم رحمه الله: مَن أكل من الأرض بغير الحق؛
سلَّطَ الأرض عليه لتأكله، فأما مَن أكلُهُ باللهِ وللهِ وفي ذاتِ اللهِ؛ فالأرضُ
أذلُّ وأقلُّ من أن تجترئ عليه، وقد جاءنا عن رسول الله وَله: ((تَقُولُ النَّارُ
للمُؤمِن: جُزْيا مُؤمِنُ؛ فَقَد أَطْفَأَ نُوُركَ لَهَبي))، فإذا كان للمؤمن من النور
ما يُطفِئ لهبَ نار الله الكبرى، فما ظنك به إذا ورد المضجع من لحدِهِ؟
كيف تجترى الأرض على أكله؟ وجاء في الخبر: ((إِنَّ الشُّهدَاءَ لاَ تَأْكلُهُمُ
الأَرضُ))، وجاء في الخبر: أَنَّ مَنْ أَذَّنَ سَبعَ سِنِينَ؛ لَم يُدوِّدْ فِي قَبَرِهِ، فإذا
كان الشهيد والمؤذن - وهو الداعي إلى أمر الله - قد امتنعا من الأرض
بحالتيهما، فحالةُ الصديقين الأولياء أرفعُ من هذا وأجلُّ؛ إذ كانوا هم
الشهداء أيام الحياة، والدعاة إلى الله، قد شهدوا محلَّ القربة ودعَوْا إلى الله
على بصيرة.
وحدثنا عبد الجبار، ثنا سفيان عن أبي الزبير، عن جابر قال: لمّا أراد
معاويةُ أن يجري العينَ إلى جنب أُحدٍ عند قبور الشهداء؛ أمر منادياً فنادى
فيهم: من كان له قتيلٌ؛ فليخرج إليه، قال جابر: فخرجنا إليهم فوجدناهم
رطاباً يُثْنَون، فأصابت المِسْحاة إصبع رجل منهم، فبدت إصبعه، فانفجرت
دماً، قال أبو سعيد: لا يُنكِرُ بعد هذا مُنكِر أبداً، وفي رواية عن جابر قال:
فرأيتهم يُثْنَون على رقاب الرجال كأنهم رجال نُؤَّم، حتى أصابت المسحاة قدمَ
حمزة بن عبد المطلب، فانبعث دماً، فحرامٌ على الأرض لحومُ أولياء الله
٦٤٤
ودماؤُهم؛ لأنهم عبيد الله وخاصَّتَهُ، والأرض مسخّرة لهم، والأرض تمضي
في سُخْرتها.
١٤٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َلّى:
(رَغِمَ أَنْفُ رَجُلِ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ)) رواه الترمذيُّ،
وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
* قوله وَّه: ((رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ علي)):
(ط): قولهم: (رغم أنف فلان) كنايةٌ عن غاية الذُّل والهوان،
والفاء في قوله: ((فلم يصلِّ علي)) واقع موقع (ثم) الاستبعادية، والمعنى:
بعيدٌ من العاقل، بلِ المؤمن المعتقد أن يتمكنَ من إجراء كلماتٍ معدودةٍ
على لسانه فيفوزَ بعشر صلواتٍ من الله ◌َّ، ويُرفَعَ عشرَ درجاتٍ، ويُحَطَّ
عشرُ خطيئات عنه ثم لم يغتنمه حتى يفوت عنه، فحقيقٌ بأن يحقرَهُ الله
ويضربَ عليه الذِّلةَ والمَسْكنةَ، فمَن عظّم رسول الله وَه وحبيبَهُ؛ عظّمهُ
اللهُ، ورفعَ قدرَهُ في الدارين، ومَن لم يعظِّمُهُ؛ أذلَّهُ اللهُ وأهانةً، ومن هذا
القبيل عادةُ الكُتَّاب أن يقتصروا في كتابة الصلاة والسلام على النبي تَله
بالرمز(١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٤٤).
٦٤٥
١٤٠١ - وعَنْهُ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تَجْعَلُوا
قَبْرِي عِيداً، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ) رواهُ
أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
* قوله وَلقى: ((لا تجعلوا قبري عيداً):
(تو): إذا فسرنا العيد على معنى واحد الأعياد؛ ففي الكلام حذف؛
أي: لا تجعلوا زيارة قبري عيداً، أو لا تجعلوا قبري مظهرَ عيد، ومعناه النهي
عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد، فإنه يومٌ رخِّص لهم في اللهو واللعب
واتخاذ الزينة، وقد كانت اليهود والنصارى يسلكون هذا المسلك في زيارة
قبور أنبيائهم، ولم يزل بهم صنيعُهم ذلك حتى ضرب الله على قلوبهم حجابَ
الغفلة، ورماها بسهم القسوة، فاتبعوا سننَ عبدة الأوثان في زيارة طواغيتهم،
فاتخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ، ولهذا قال رَِّ: ((اللهمَّ؛ لا تَجعَلْ قَبَرِي وَثَّناً
يُعبَدُ، اشتَدَّ غَضَبُ اللهِ على قَوْمِ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنَبِيَائِهِم مَسَاجِدَ»، ويحتمل أن
يراد به من العيد، وهو الاسم من الاعتياد، يقال: عادَه واعتادَه وتعوَّده؛ أي:
صار عادة له، والعيد: ما اعتادك من همٍّ أو غيره، قال:
إذا أقولُ صَحَا يَعْتَادُهُ عِيدًا
أَمْسَى بَأَسْمَاءَ هَذَا القَلْبُ مَعمُودا
أي: لا تجعلوا قبري محلّ اعتياد تعتادونه عيداً، وإنما نهاهم عن ذلك
لمعان، منها: ما ذكرناه في الوجه الأول، ومنها: أنهم إذا فعلوا ذلك؛ سلكوا
مسلك المعاودة في باب العبادة.
ومنها: أنهم يشتغلون بذلك عما هو الأصلح لدينهم والأهم في
وقتهم.
٦٤٦
ومنها: أن اعتياده يُفضي بالأكثرين إلى إضاعة الوقت، وسوء الأدب،
والتعرض لما ينتهي بهم إلى حال يرتفعُ دونَهَا حجابُ الحِشْمة.
ويؤيد هذه التأويلات قولُهُ وَ له بعد هذا القول: ((وصلوا علي؛ فإن
صلاتكم تبلغني حيث كنتم))؛ أي: لا تتكلفوا المعاودة إليَّ؛ فقد استغنيتم
بالصلاة عليَّ.
(قض): ظاهره نهيٌّ عن المعاودة، والمراد المنع عما يوجبه، وهو
ظنهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه، ولا يعرض عليه، ولذلك علَّل النهيَ
بقوله: ((فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (١)؛ فإن النفوس القدسية إذا
تجرَّدت عن العلائق البدنية؛ عرجت واتَّصلَت بالملأ الأعلى، ولم يبقَ لها
حجابٌ، فترى الكل كالمشاهِدة، بنفسها، أو بإخبار الملك لها، كما نطق
به الحديث: ((إِنَّ للهِ مَلاَئِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي
السَّلاَمَ»(٢)، وفيه سرٍّ يطَّلع عليه مَن تيسر له (٣).
١٤٠٢ - وعنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ
عَلَيَّ، إِلَّ رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ)) رواهُ أبو داودَ
باسنادٍ صحيحٍ.
(١) رواه أبو داود (٢٠٤٢) من حديث أبي هريرة ﴿ه. وهو حديث صحيح. انظر:
«صحيح أبي داود)) (١٧٨٠).
(٢) رواه النسائي (١٢٨٢) من حديث ابن مسعود ﴿ه.
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٠٧).
٦٤٧
* قوله : «إلا رد الله علي روحي):
(ط): [يُنهون] إليه صلوات أمته كما تُنهى أمور الرعية إلى الملوك،
لعل معناه يكون روحه المقدسة في شأن ما في الحضرة الإلهية، فإذا بلّغُه
سلامُ أحد من الأمة؛ ردَّ الله تعالى روحه المقدسة من تلك الحالة إلى ردِّ
مَن سلَّم عليهِ، وكذلك شأنه وعادته في الدنيا، يُفيض على أمته من
سحائب الوحي الإلهي ما أفاضَهُ الله عليه، ولا يشغله هذا الشأن، - وهو
شأن إضافة الأنوار القدسية على أمته - عن شأنه بالحضرة الإلهية، كما كان
في عالم الشهادة لا يشغله شأن عن شأن، والمقامُ المحمود في العقبى
عبارةٌ عن هذا المعنى، فهو صلوات الله عليه في الدنيا والبرزخ والعقبى في
شأن أمته(١).
١٤٠٣ _ وعَنْ عَلِيٍّ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه: ((البَخِيلُ
مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ)). رواه الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ
حسنٌ صحيحٌ.
* قوله : ((البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي)):
(غب): ((البخل)): إمساك المقتنيات عما لا يحِقُّ حبسها عنه، والبخيل
الذي يَكثُر منه البخل؛ كالرحيم والراحم(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٤٣).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣٨).
٦٤٨
(ش): اختلف في وجوب الصلاة عليه ◌َّفي كلما ذكر اسمه، فقال أبو
جعفر الطحاوي، وأبو عبدالله الحليمي : یجب، وقال غيرهما: هو مستحب
ليس بواجب، يأثم تاركه، ثم اختلفوا، فقالت فرقة: تجب الصلاة عليه في
العمر مرة واحدة؛ لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكراراً، والماهية تحصل بمرَّة،
وهذا محكي عن أبي حنيفة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، قال ابن عبد البر:
وهو قول جمهور الأمة، وقالت فرقة: تجب في كل صلاة في تشهدها الأخير،
وهو قول الشافعي وأحمد في آخر الروايتين عنه، احتج الموجبون بحجج:
أحدها: هذا الحديث، قالوا: لأن البخل صفة ذمِّ، قال رَّهِ: ((أَيُّ دَاءٍ
أَدَوَأُ مِنَ البُخْلِ))(١)، وتارك المستحب لا يذمُّ، وأيضاً البخيل هو مانع
ما وجب علیه، فمن أدی الواجب کله لا يسمَّى بخيلاً.
الحجة الثانية: قوله ◌َ﴾: ((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِندَهُ فَلَم يُصَلِّ
عَلَيِّ))، و((رغم أنفه)) دعاءٌ عليه وذمُّ له(٢).
الثالثة: أنه بَّهِ صعِد المنبر فقال: ((آمِينَ آمِينَ»، وذكر الحديث
الصحيح، وقال فيه: مَنْ ((ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيكَ، فَمَاتَ، فدَخَلَ النَّارَ
فَأَبعدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، قُلْتُ: آمِينَ))، رواه ابن حبان في ((صحيح)(٣).
الرابعة: ما رواه النسائي بإسناد صحيح عن أنس بن مالك قال: قال
(١) رواه البخاري (٤١٢٢) موقوفاً على أبي بكر معظُه.
(٢) رواه الترمذي (٣٥٤٥) من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث صحيح. انظر:
((إرواء الغليل)) (٦).
(٣) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٩٠٧) من حديث أبي هريرة ظُه. وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٩٩٦).
٦٤٩
رسول الله وَّهِ: (مَنْ ذُكِرَتُ عندَهُ فَلْيُصَلِّ عَلَيَّ؛ فإنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً؛
صَلَّى اللهُ عَلَيهِ عَشْراً)(١)، والأمر ظاهر في الوجوب.
الخامسة: أن الله سبحانه أمر بالصلاة والتسليم عليه، وَّر، وهذا الأمر
في مقابلة إحسانه رَّي إلى الأمة، وتعليمهم، وإرشادهم، وهدايتهم، وما
حصل لهم ببركته من سعادة الدنيا والآخرة، ومعلومٌ أن مقابلةَ مثل هذا النفع
العظيم لا يحصلُ بالصلاة عليه مرة واحدة في العمر، بل لو صلى العبد عليه
بعدد أنفاسِهِ؛ لم يكن مُوفياً لحقه بَّهِ، فجعِلَ ضابطُ شكر هذا النعم بالصلاة
عليه عند ذكر اسمه، ولهذا سمِّ مَن لم يصلِّ عليه عند ذكر اسمه ◌َلێ بخيلاً،
لأن مَن أحسن إلى العبد الإحسانَ العظيمَ، [وحصل له به الخيرُ الجسيمُ]، ثم
يُذكَرُ عندَهُ ولا يُثني عليه ولا يُمجِّده = عدَّه الناسُ بخيلاً لئيماً كفوراً، فكيف
بمن أدنى إحسانه إلى العبد يزيدُ على أعظم إحسان المخلوقين بعضهم
لبعض، الذي لا تتصور القلوب حقيقة نعمته وإحسانه فضلاً مَن أن يقوم
بشكره، فلا أقلّ من أن يُصلَّى عليه مرة إذا ذُكِر اسمُهُ.
السادسة: قوله ◌َّهِ: (مَنْ ذُكِرْتُ عِندَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عليَّ؛ خَطِىءَ طَريقَ
الجَنَّةِ))، هكذا رواه البيهقي(٢)، وهو من مراسيل محمد ابن الحنفية، وله
شواهد، فلولا أن الصلاة عليه واجبةٌ عند ذكره؛ لم يكن تاركُها مخطئاً
لطريق الجنة.
(١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٩٨٨٩). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)» (١٦٥٧).
(٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٥٧٣). وهو حديث صحيح. انظر: ((فضل
الصلاة على النبي {قَال®)) (٤٤).
٦٥٠
السابعة: ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: قال
رسول الله بَّهِ: (مِنَ الجَفَاءِ أَن أُذكَرَ عِندَ الرَّجُلِ فَلاَ يُصَلِّيَ عَلَيَّ))(١)، وهذا
المرسل وحده لم يحتج به، لكن له أصول وشواهد من تسمية تارك الصلاة عليه
عند ذكره بخيلاً وشحيحاً، والدعاء عليه بالرَّغْم، وجفاؤه منافٍ لكمال حبِّهِ.
وثبت في ((الصحيح)): أنه ◌َّه قال: ((لاَ يُؤْمِنُ أَحدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحبَّ
إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))(٢)، ومعلوم أن جفاءه نَّر ينافي
ذلك، وإذا ثبت الوجوب على مَن ذكر عنده؛ فالوجوب على الذاكر نفسه
أولی.
أجاب الجمهور أن ما ذكرتم يدلُّ على تأكد استحباب الصلاة عليه وَّه
عند ذكره لا على الوجوب؛ لوجوه:
أحدها: أن الصحابة في خطابهم للنبي ◌ّ كانوا يقولون: يا رسول
الله؛ يا نبي الله؛ مقتصرين على ذلك، ولو كانت الصلاة واجبة؛ لأنكر
علیهم ترکها.
الثاني: أنها لو كانت واجبة؛ لكان هذا من أظهر الواجبات، ولبيَّنه
النبي ◌َ﴿ بياناً يقطعُ به العذرَ، وتقومُ به الحجة.
الثالث: أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم هذا
القول، بل حكي الإجماع على أن الصلاة عليه ليست من فروض الصلاة،
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣١٢١). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٤٥١٦).
(٢) رواه مسلم (٤٤) من حديث أنس ظـ
٦٥١
وقد نُسِب موجبُها إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع، فكيف خارجَ الصلاة؟!
الرابع: لو وجبت؛ لوجب على المؤذن أن يقول: أشهد أن محمداً
رسول الله ◌َ، وهذا لا يشرع له في الأذان، فضلاً أن يجب عليه، وكذلك
إجابة المؤذن.
الخامس: أن التشهد الأول ينتهي عند قوله: وأن محمداً عبده ورسوله
اتفاقاً، واختلف هل تشرع الصلاة على النبي ◌َّفي وعلى آله فيه، ثلاثُةُ أقوال،
ولم يقل أحد بوجوبها.
السادس: لو وجبت الصلاة عليه ﴿﴿ كلَّما ذُكِر؛ لوجب على القارئ
كلَّما مرَّ بذكر اسمه ◌َّ أن يصليَ عليه ويقطعَ قراءته؛ ليؤدي هذا الواجب،
سواء كان في الصلاة أو غيرها، ومعلوم أنه لو كان واجباً؛ لكان الصحابة
والتابعون أقومَ به، وأسرعَ إلى أدائه.
السابع: لو وجبت الصلاة عليه وَّل﴿ كلَّما ذُكِر اسمه؛ لوجب الثناء
على الله رَّ كلَّما ذُكِر اسمه، بل كان ذلك أولى وأحرى؛ فإن من المُحَال
التعظيمَ والإجلالَ للرسول دون مرسلِهِ سبحانهً، ولم يقل بالوجوب أحدٌ،
ولكلٍّ من هاتين الفرقتين أجوبةٌ عن الفرقة المنازعة لها، بعضُها ضعيفٌ
جداً، وبعضُها قويٌّ (١).
١٤٠٤ - وعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﴿هَ، قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ وَه
(١) انظر: ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: ٣٨٢) وما بعدها.
٦٥٢
رَجُلاً يَدْعُو في صَلاَتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ تَعَالى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى
النبيِّ ◌َ﴿ِ، فقالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((عَجِلَ هذا»، ثُمَّ دَعَاهُ، فقالَ لَهُ - أَوْ
لِغَيْرِهِ -: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَالثَّاءِ
عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النبيِّ ◌َِّ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» .
رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
* قوله: ((لم یمجد الله)) :
(نه): في حديث قراءة الفاتحة: ((مجَّدَنِي عَبدِي))؛ أي: شَرَفَتِي
وعَظَّمَتِي، انتهى(١).
الجوهري: (المجيد): الكريم، وقد مَجُدَ الرجلُ بالضم فهو مجيد
وماجد، و(التمجيد): أن ينسب الرجل إلى المجد(٢).
* قوله : ((عجل هذا):
(قض): أشار ◌َّهه إلى أن من شرط السائل أن يتقرَّبَ إلى المسؤول
قبل طلب الحاجة بما يُوجِب له الزُّلفى لديه، ویتوسَّلَ الشفيع له بین یدیه؛
ليكون أطمعَ في الإسعاف، وأحقَّ بالإجابة، فمَن عرضَ السؤالَ قبل تقديم
الوسيلة فقدِ استعجلَ(٣).
(ط): ((فليبدأ)) يحتمل أن يكون عطفاً على مقدر؛ أي: إذا صلى وفرغ
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٩٨).
(٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢ / ٥٣٦) مادة (مجد).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٠٨).
٦٥٣
وأراد الدعاء؛ فليبدأ، وأن يكون عطفاً على المذكور؛ أي: إذا صلى أحدكم
وقعد للتشهد؛ فليبدأ بحمد الله؛ أي: الثناء عليه بقوله: (التَّحيات
المباركات).
١٤٠٥ - وعَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ ﴿هِ، قَالَ: خَرَجَ
عَلَيْنَ النبيُّ نَّهِ، فَقُلْنا: يَا رَسُولَ الله! قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ،
فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قالَ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ،
وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ
مَجِيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ
عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)) متفقٌ عليهِ.
* قوله: ((قد علمنا كيف نسلم عليك)):
(مظ): معناه أن الله علَّمَنَا بلسانك وبواسطة بيانك [كما بينت لنا] في
التحيات السلام عليك أيها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتهُ(١).
* قوله: ((وعلى آل محمد» :
(غب): (الآل): قيل: هو مقلوب عن الأهل، ويصغر على أُهَيل،
إلاَّ أنه خصَّ بالإضافة إلى الأعلام الناطقين دون النكرات، ودون الأزمنة
والأمكنة، فلا يقال: آل رجل، ولا آل زمان كذا، أو موضع كذا، كما يقال:
أهل زمن كذا، وبلد كذا، وقيل: هو في الأصل اسم الشخص، ويصغر أُويلاً،
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ١٦١).
٦٥٤
ويستعمل فيمن يختص بالإنسان اختصاصاً ذاتياً، إما بقرابة قريبة أو بموالاة،
قال [الله رَّ]: ﴿وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، وقال: ﴿أَدْخِلُوَأْءَالَ
فِرْعَوْنَ ﴾ [غافر: ٤٦]، قيل: آل النبي أقاربه، وقيل: المختصون به من حیث
العلم، وذلك لأن أهل الدين ضربان: ضرب متخصِّصٌ بالعلم المتقَن
والعمل المُحكَم، فيقال لهم: آل النبي وأمته، وضرب يختصون بالعمل على
سبيل التقليد، ويقال لهم: أمة محمد، ولا يقال: آله، فكلُّ آلٍ للنبي ◌َِّ أمةٌ
له، وليس كلُّ أمةٍ له آلهُ(١).
(ن): في آل النبي ◌َّير أقوال: أظهرها - وهو اختيار الأزهري وغيره من
المحققين -: أنهم جميع الأمة، والثاني: بنو هاشم وبنو المطلب، والثالث:
أهل بيته ټ وذريته(٢).
(ش): هذا الذي رجّحه الشيخ محي الدين واختاره الأزهري حكاه
ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، وأقدم مَن رُوِي عنه هذا القول جابرُ بنُ
عبدالله، ذكره البيهقي عنه، ورواه عن سفيان الثوري وغيره(٣)، واختاره
بعض أصحاب الشافعي، حكاه عنه أبو الطيب الطبري في ((تعليقه))، وقيل:
إن آله وَلقر هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة،
والصحيح من هذه الأقوال الأربعة: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، ويليه
قولُ مَن قال: إنهم أهلُ بيتهِ نَّهِ وذريته، وأما قول مَن قال: إنهم جميعُ
الأمة، أو كلُّ تقيٍّ: فضعيفان؛ لأنه ◌َّه قد رفع الشبهة بقوله: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٢٤).
(٣) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢ / ١٥١ - ١٥٢).
٦٥٥
لاَ تَحِلُّ لآلِ مُحمَّدٍ))(١)، وقوله: ((إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا المَالِ))(٢)،
وقوله: ((اللهمَّ؛ اجعَلْ رِزْقَ آلِ مُحمَّدٍ قُوتاً)(٣)، وهذا لا يجوز أن يُراد به
جميع الأمة قطعاً، فأولى ما حُمِل عليه الآل في الصلاة الآلُ المذكورون في
سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك(٤).
(ن): احتج بقوله: (وعلى آل محمد) مَن أجاز الصلاة على غير الأنبياء،
واختلف العلماء فيه، فقال مالك والشافعي والأكثرون: لا يصلَّى على غير
الأنبياء استقلالاً، ولكن يصلَّى عليهم تبعاً، وقال أحمد وجماعة: يصلَّى على
كل واحد من المؤمنين مستقلاً، واحتجوا بقوله وَّه: ((اللهمَّ؛ صَلِّ عَلَى آلٍ
أَبِي أَوْفَى))، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَكَبِكَتُهُ﴾
[الأحزاب: ٤٣]، واحتج الأكثرون بأن هذا النوع مأخوذٌ من التوقيف واستعمال
السلف، ولم يُنقَل استعمالُهم ذلك، بل خصُّوا به الأنبياءَ كما خصُّوا الله تعالى
بالتقديس والتسبيح، فيقال: قال الله تبارك وتعالى، وتقدَّس، وعزَّ وجلَّ،
ونحو ذلك، ولا يقال: قال النبي عز وجل، أو كان عزيزاً جليلاً، وأجابوا عن
قول الله تعالى: ﴿ هُوَ اَلَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣] وعن الأحاديث بأن
ما كان من الله تعالى ورسوله ◌َّهِ = هو دعاءٌ وترخُمٌ ليس فيه التعظيمُ والتوقيرُ
الذي يكون من غيرهما، وأما الصلاة على الآل والأزواج والذرية؛ فإنما جاء
على التَّبع لا على الاستقلال، وقد بينا أنه يقال تبعاً؛ لأن التابع [يحتمل فيه ما]
(١) رواه مسلم (١٠٧٢).
(٢) رواه البخاري (٣٥٠٨).
(٣) رواه مسلم (١٠٥٥).
(٤) انظر: ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: ٢١١).
٦٥٦
لا يحتمل استقلالاً، واختلف أصحابنا في الصلاة على غير الأنبياء، هل
يقال: هو مكروهٌ أو مجرَّدُ ترك أدب، والصحيح المشهور: أنه مكروه كراهة
تنزيه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن ذلك، وقيل: إنه حرام، قال الشيخ
أبو محمد الجُويني: والسلام في معنى الصلاة؛ فإن الله تعالى قرن بينهما، فلا
يُفْرَد به غائب غيرُ الأنبياء، ولا يقال: أبو بكر، أو عمر، أو علي عليه السلام (١).
قوله : ((كما صليت على إبراهيم)) :
(ش): إنه ◌َ﴿ أفضلُ من إبراهيم، فكيف طلب من الصلاة مثل ما لإبراهيم
عليه السلام مع أن المشبّه به أصلُه أن يكون فوق المشبّه؟ فقالت طائفة: كان
هذا قبل أن يَعرِف أنه سيدُ ولد آدم، وهذا ضعيفٌ؛ فإنه وَِّ علَّمهم هذه
الصلاة بعد أن سألوه عن قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وشرعه لهم إلى يوم القيامة، [والنبي لم يزل أفضل
ولد آدم قبل أن يعلم بذلك وبعده، و](٢) بعد أن علم لم يُغيِّر نظم الصلاة ولا
بدَّلها، وقيل: سأل صلاة يتخذه بها خليلاً، وقد أجابه الله، وهذا أيضاً من
جنس ما قبله؛ فإن مضمونهُ بعد أن اتخذه خليلاً لا تشرع هذه الصلاة عليه،
وقيل: التشبيه عائد إلى الآل فقط، وتم الكلام عند قوله: ((اللهمَّ؛ صل على
محمد)) ثم قال: ((وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم))، فالصلاةُ المطلوبةُ لآل محمد هي المشبهةُ بالصلاة الحاصلة لآّل
إبراهيم، وهذا نقله العمراني عن الشافعي رحمه الله، وهو باطل عليه قطعاً؛
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٢٧).
(٢) ما بين معكوفتين من ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: ٢٧٨).
٦٥٧
فإن الشافعي أجلُّ من أن يقول هذا، ولا يليق بعلمه وفصاحته، وقد ورد في
أحاديث هذا الباب ((اللهمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ كمَا صَلَّيْتَ على آلِ إِبراهِيَمْ))،
وأيضاً فإنه لا يصح من جهة العربية كما ذكرناه في ((جلاء الأفهام))، وقيل:
التشبيه إنما هو في أصل الصلاة لا في قدرها ولا في كيفيتها؛ كما في قوله
تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكٌ ﴾ [القصص: ٧٧]، وقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَآ
إِلَيْكَ كُمَا أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحِ﴾ [النساء: ١٦٣] الآية، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ
تَعُودُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ونظائره، وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ فإن ما ذكروه يجوز أن
يستعمل في الأعلى والأدنى والمساوي، ولو كان التشبيه في أصل الصلاة؛
لحسُنَ أن يقول: اللهمَّ؛ صلِّ على محمد كما صليت على آل أبي أوفى، أو
كما صليت على آحاد المؤمنين، أو كما صليت على آدم ونوح وهود، فأي
فضيلة في ذلك لإبراهيم وآله؟(١)
(ن): وقيل: إنه على ظاهره، ومعناه: اجعل لمحمد وآله صلاةً بمقدار
الصلاة التي لإبراهيم وآله، والمسؤول مقابلة الجملة بالجملة؛ فإن المختار
في الآل أنهم جميع الأتباع، ويدخل في آل إبراهيم خلائق لا يُحصَون من
الأنبياء(٢).
(ش): تقرير هذا يجعلُ الصلاةَ الحاصلةَ لإبراهيم ولآله وفيهمُ الأنبياءُ
جملةً مقسومةً على محمد ◌َّ﴿ وآله، ولا ريب أنه لا يحصلُ لآل النبي ◌َّ [مثل
(١) انظر: ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: ٢٧٨).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٢٦).
٦٥٨
ما حصل لآل إبراهيم وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى قسمُ
النبي](١) والزيادةُ المتوفرة التي لم يستحقها آله مختصةً به وَّ، فيصير الحاصل
له من مجموع ذلك أعظم وأفضل من الحاصل لإبراهيم عليه السلام، وهذا
أحسن من کل ما تقدم، وأحسن منه أن يقال: محمد پڼ هو من آل إبراهيم بل
هو خير من آل إبراهيم، نصَّ عليه ابن عباس حظ﴾، فيكون قولنا: كما صليت
على آل إبراهيم مُتَنَاوِلاً للصلاة عليه مع سائر آل إبراهيم عموماً وهو فيهم،
ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له وَّ، ويُطلَب له من
الصلاة هذا الأمرُ العظيم الذي هو أفضلُ مما لإبراهيم قطعاً، وتظهر حينئذٍ
فائدة التشبيه و جریه علی أصله(٢).
* قوله : ((وبارك على محمد وعلى آل محمد»:
(ش): حقيقة البركة: الثبوت، واللزوم، والاستقرار، ومنه: برك البعير:
إذا استقرَّ على الأرض، والمَبْرك موضع البروك، والبركة بكسر الباء: الحوض؛
لإقامة الماء فيها، والبركة: النماء والزيادة، والتبريك: الدعاء بذاكَ، يقال: بارك
فيه، وبارك عليه، والمبارك الذي قد بارك الله، وكتابه تعالى مبارك؛ لكثرة خيره
ومنافعه، والرب تعالى يقال في حقه: تبارك، ولا يقال: مبارك.
قال الجوهري: إن تبارك بمعنى بارك؛ مثل قاتل وتقاتل، وهذا غلطٌ
عند المحققين، وإنما تبارك تفاعل بمعنى البركة، [وهذ الثناء في حقه
تعالى إنما هو لوصف رجع إليه](٣)؛ كتعالى؛ فإنه تفاعل من العلو، ولهذا
(١) ما بين معكوفتين من ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: ٢٩٠).
(٢) انظر: ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: ٢٩٠).
(٣) ما بين معكوفتين من ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: ٣٠٤).
٦٥٩
جمع بينهما في دعاء القنوت تباركت وتعاليت، وتبارك لا ينصرف في لغة
العرب، لا يستعمل منها مضارع ولا أمر، وعلَّةُ ذلك أن تبارك لمَّا لم
يُوصَف به غيرُ الله لم يقتضٍ مستقبلاً؛ إذ الله تعالى قد تبارك في الأزل،
وغلط أبو علي القالي حيث قال: مضارعه يتبارك، وهذا الدعاء يتضمن
إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته وثبوته له، ومضاعفته
وزيادته، وقال تعالى في إبراهيم: ﴿وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَ إِسْحَقّ﴾ [الصافات:
١١٣]، ولم يذكر إسماعيل.
وجاء في التوراة ذكرُ البركة على إسماعيل ولم يذكر إسحاق؛ إيذاناً
بما حصل لنبيِّه من الخير والبركة، لاسيما خاتمةُ بركتهم وأعظمها وأجلها
رسولُ الله ◌َلِـ
وذكر في القرآن بركته على إسحاق منبِّهاً لنا على ما حصل في أولاده
من نبوة موسى عليه [السلام] وغيره، وما أوتوه من الكتاب والعلم،
لا يقال: هؤلاء أنبياء بني إسرائيل لا تعلُّق لنا بهم، بل يجبُ لنا احترامُهم،
وتوقيرهم، والإيمانُ بهم، ومحبتُهم، وموالاتُهم، ولما كان هذا البيت
المبارك المطهّر أشرفَ بيوت العالم على الإطلاق؛ خصَّهم الله تعالى
بخصائص، منها: أنه جعل فيهم النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم عليه
[السلام] نبيٌّ إلا من أهل بيته، ومنها: أنه جعلهم أئمة يهدون بأمره إلى يوم
القيامة، وكل مَن دخل الجنة من أولياء الله بعدهم إنما دخل من طريقهم
وبدعوتهم، ومنها: أنه سبحانه اتخذ منهم الخلیلین إبراهیم ومحمد صلی الله
عليهما وسلم، ومنها: أنه سبحانه جعل إبراهيم إماماً للناس، وأجرى على
يديه بناء بيته، وأمر عباده أن يصلوا إلى هذا البيت، [ومنها: أن الله سبحانه]
٦٦٠