النص المفهرس
صفحات 501-520
الإنفاق في سائر وجوه البر. ١٣٤٠ - وعَنْ أبي أُمَامَةَ ﴿هِ، عَنِ النبيِّ ◌َِِّ، قالَ: ((مَنْ صَامَ يَوْماً في سَبيلِ الله، جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقاً كَمَا بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ) رواهُ الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. * قوله وي: ((من صام يوماً في سبيل الله))، سبق في (الباب الثالث والثلاثين بعد المئة). * قوله وقال: ((خندقاً»: (ط): هو استعارة تمثيلية عن الحاجز المانع، شبه الصوم بالحصن، وجعل له حاجزاً بينه وبين النار التي شبهت بالعدو، ثم شبه الخندق في بُعدِ غورِهِ بما بين السماء والأرض(١). ١٣٤١ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِلَّى: ((مَنْ ماتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ، ماتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ) رواهُ مسلمٌ. * قوله بيليجر: ((مات على شعبة من النفاق»: (ن): قال عبد الله بن المبارك: فنُرى أن ذلك على عهد رسول الله الَّه، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦١٤). ٥٠١ و(نرى) بضم النون؛ أي: نظن، وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل، وقال غيره: إنه عام، والمراد أن من فعل ذلك فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف؛ فإن ترك الجهاد أحد شُعب النفاق. وفي هذا الحديث: أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها، لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها، وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكّن من الصلاة في أول وقتها فأخرها بنية أن يفعلها في أثنائه، فمات قبل فعلها، أو أخر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى فمات قبل فعله، هل يأثم أم لا؟ والأصح عندهم أنه يأثم في الحج دون الصلاة؛ لأن مدة الصلاة قريبة، فلا ينسب إلى تفريط بالتأخير، بخلاف الحج، وقيل: يأثم فيهما، وقيل: لا يأثم فيهما، وقيل: يأثم في الحج الشيخ دون الشاب(١). ١٣٤٤ - وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَ ﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو، فَتَغْتَمُ وَتَسْلَمُ، إِلاَّ كانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُنَيْ أُجُورِهِم، وَمَا مِنْ غَازِيةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ، إِلاَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ)) رواهُ مسلمٌ. * قوله إيلاف: ((ما من غازية): (نه): ((الغازية)) تأنيث الغازي، وهي هاهنا صفة لجماعة غازية، وقد غزا يغزو غزواً، فهو غازٍ، والغزوة المرة من الغزو، والاسم الغَزاة، وجمع (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٥٦). ٥٠٢ الغازي غُزاة وغُزَّى وغَزِيّ وغُزَّاء؛ كقضاة وسُبَّقَ وحَجِيج وفُسّاق(١)، و(السرية)) الطائفة من الجيش(٢). (ط): إنما أتى نزَلّ بـ (أو) تنبيهاً على إثبات الحكم المذكور في الكثير من الغزاة والقليل منهم، ويحتمل أن يكون شكاً من الراوي (٣). (ن): قال أهل اللغة: ((الإخفاق)) أن يغزوا فلا يغنموا شيئاً، وكذلك كل طالب حاجة إذا لم تحصل فقد أخفق، ومنه أخفق الصائد إذا لم يقع له صيد، وأما معنى الحديث؛ فالصواب الذي لا يجوز غيره أن معناه أن الغزاة إذا سلموا وغنموا؛ يكون أجرهم أقلّ من أجر مَن لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجزاء غزوهم، فإذا حصلت؛ فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق الأحاديث الصحيحة المشهورة؛ كقوله: ((منَّا مَن ماتَ ولم يأكُلْ من أجرِهِ شيئاً، ومنَّا مَن أينعَتْ لهُ ثمرتُهُ فهو يَهدِبُها))(٤)؛ أي: يجتنيها . وحكى [القاضي عياض] في تفسيره أقوالاً فاسدة، منها قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح، ولا يجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة كما لم ينقص ثواب أهل بدر، وهم أفضل المجاهدين، وهي أفضل غنيمة، وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانىءٍ حُمَيدٍ بن هانىءٍ مجهولٌ، ورجحوا الحديث (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣ / ٣٦٦). (٢) المرجع السابق (٢/ ٣٦٣). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢٦٣٩/٨). (٤) رواه البخاري (١٢١٧)، من حديث خباب څته. ٥٠٣ السابق: ((يرجِعُ بما نالَ من أجرٍ وغَنِيمةٍ))، فرجحوا هذا الحديث لشهرته، ولأنه في ((الصحيحين))، وهذا في مسلم خاصة. وهذا القول باطل من أوجه؛ فإنه لا تعارض بينه وبين الحديث المذكور، فإن في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة، ولم يقل: إن الغنيمة تنقص الأجر أم لا، ولا قال: أجره كأجر من لم يغنم، فهو مطلق وهذا مقيد، فوجب حمله عليه، وقولهم: أبو هانىء مجهول، غلطٌ فاحشٌ، بل ثقةٌ مشهورٌ، وأما قولهم: إنه ليس في ((الصحیحین))؛ فليس بلازم صحة الحديث كونه فيهما، أو في أحدهما، وأما قولهم: في غنيمة بدر؛ فليس فيه نص أنهم لو لم يغنموا؛ لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا [فقط]، وكونهم مغفوراً [لهم]، مرضياً عنهم، ومن أهل الجنة، لا يلزم أن لا تكون وراءها مرتبة أخرى هي أفضل منه، مع أنه شديد الفضل، عظيم الأجر(١). (قض): ثلثي الأجر هما: السلامة، والغنيمة في الدنيا، وبقي له الثلث الآخر بسبب ما قصد بغزوه محاربة أعداء الله، ونصرة دينه(٢). ١٣٤٥ - وعنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾: أَنَّ رَجُلاً قالَ: يَا رَسُولَ الله! اثْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ، فَقالَ النَّبِيُّ نَّهِ: ((إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتي الجِهادُ في سَبيلِ الله وَقَ)). رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ جَیِّدٍ . (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٥٢ - ٥٣). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥٨٩). ٥٠٤ * قوله ◌َالى: [(«السياحة))]: (نه): ساح في الأرض يسيح سياحة: إذا ذهب فيها، وأصله من السيح، وهو الماء الجاري المنبسط على الأرض، أراد مفارقة الأمصار وسکنی البراري، انتھی(١). هذا الحديث مما يستدلُّ به على استحباب المخالطةِ وتفضيلِها على العزلة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر التابعين، وأما قولُ المائلين إلى تفضيل العزلة: إن هذا إنما كان في ابتداءِ الإسلام؛ لشدة الاحتياج إلى الجهاد؛ فضعيفٌ؛ لأن التخصيص يحتاج إلى دليل. ١٣٤٦ - وعَنْ عبدِالله بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ ﴿﴾، عَنِ النَّبيِّوَّهِ﴾ قَالَ: ((قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ)). رواه أبو داودَ بإسنادٍ جیدٍ . ((القَفْلَةُ)): الرُّجُوعُ، والمراد: الرُّجُوعُ مِنَ الغَزْوِ بَعْدَ فَراغِهِ؛ ومعناه: أَنَّهُ يُثابُ في رُجُوعِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الغَزْوِ. (نه): ((القفلة)) المرة من القفول، وهي الرجوع من سفره؛ أي: إن أجر المجاهد في انصرافه إلى أهله بعد غزوة كأجره في إقباله إلى الجهاد؛ لأن [في] قفوله راحةً للنفس، واستعداداً بالقوة للعود، وحفظاً لأهله برجوعه إليهم . وقيل: أراد بذلك التعقيبَ، وهو رجوعُهُ ثانياً في الوجه الذي جاء منه (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٣٢). ٥٠٥ منصرفاً وإن لم يلقَ عدواً، ولم يشهد قتالاً، وقد يفعل ذلك الجيش إذا انصرفوا من مغزاهم لأحد أمرین: أحدهما: أن العدوَّ إذا رآهم قد انصرفوا عنهم؛ أمنوهم وخرجوا عن أمكنتهم، وإذا قفَلَ الجيشُ إلى دار العدو؛ نالوا الفرصةَ منهم، فأغاروا عليهم. والآخر: أنهم إذا انصرفوا ظاهرين؛ لم يأمنوا أن يقفوَ العدوُّ أثرَهم، فيوقعوا بهم، وهم بها غارون، فربما استظهر الجيشُ أو بعضُهم بالرجوع على أدراجهم، فإن كان من العدو طلبٌ؛ كانوا مستعدين للقائهم، وإلا فقد سلموا أو أحرزوا ما معهم من الغنيمة. وقيل: يحتمل أن يكون وَّفي سئل عن قوم قفلوا؛ لخوفهم أن يدهمَهم من عدوِّهم مَن هو أكثر عدداً منهم، فقفلوا ليستَضِيِفُوا إليهم عدداً آخرَ من أصحابهم، ثم یکروا على عدوهم(١). (تو): الأولُ أقومُ؛ لأن القفولَ إنما يُستَعملُ في الرجوع عن الوجه الذي ذهب إليه لحاجةٍ إلى حيثُ توجَّه منه. (ط): التشبيهُ إنما يذهَبُ إليه إما لإلحاق الناقص بالكامل أو لبيان المساواة، فالتنكيرُ إما للتعظيم، فيكون معناه ربَّ قفلةٍ تساوي الغزوةَ لمصلحة [ما] كما ذكر في الوجه الأول، بل يمكن أن تكون القفلةُ أرجحَ من الغزوة إذا لم يكن في الغزوة مصلحةٌ للمسلمين وفي القفلة مصلحةٌ، كما ذكر في الوجه الثالث، ولا يبعد أن يستعار القفلة للكرةً(٢). (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٩٣). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨/ ٢٦٥٤). ٥٠٦ ١٣٤٧ - وعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ﴾، قالَ: لمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ الحول مِنْ غَزْوَةٍ تَبُّوكَ، تَلَقَّاهُ النَّاسُ، فَتَلَقَّيْتُهُ مَعَ الصِّبْيانِ على ثَنِيّةِ الوَدَاعِ. رواه أبو داودَ بإسنادٍ صَحِيحِ بِهِذا اللفظِ، وَرَوَاهُ البخاريُّ، قالَ: ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى رَسُولَ اللهَِّهِ مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ. * قوله: ((تلقاه الناس)): (الجوهري): أي: استقبلوه، ففيه استحباب استقبال القادم من السفر . ١٣٤٨ - وَعَنْ أَبِي أَمامَةَ ﴿لِ، عَنِ النبيِّ وَِّ، قالَ: ((مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِياً، أَوْ يَخْلُفْ غَازِياً في أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ اللهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ)). رواه أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ. * قوله وقال: «أو يخلف غازياً)): (ط): عطف على ((يجهز))، وإنما لم يُعدِ الجازم؛ لئلا يتوهم استقلالُه، وليؤذن بأن تجهيزَ الغازي وكونهُ خليفةً للغازي في أهله، ليس بمثابة الشخوص بنفسه إلى الغزو(١). (نه): ((بقارعة))؛ أي: داهية تهلكه، يقال: قرعه الأمر: إذا أتاه فجأة(٢). (الجوهري): أي: بشدة من شدائد الدهر(٣). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٦٤٤). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٤٥). (٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٣/ ١٢٦٣)، (مادة: قرع). ٥٠٧ (ط): ولذلك سميت القيامة قارعة، والباء فيه للتعدية(١). * : * ١٣٤٩ - وعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النبيَّ ◌َّ قالَ: ((جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكِم وَالْسِنَتِكُمْ» رواهُ أبو داودَ یاسنادٍ صحيحٍ. * قوله: ((ألسنتكم)): (مظ): أي: بأن تذمُّوهم، وتعيبوا أصنامَهم، ودينَهم الباطلَ، واعتقادَهم الفاسدَ(٢). (ط): فإن قلت: هذا يخالف قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًّا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الأنعام: ١٠٨]؛ قلت: كان المسلمون يسبون آلهتهم، فنهوا؛ لئلا يكون سبُّهم سبباً لسب الله، والنهي منصبٌّ على الفعل المعلل، فإذا لم يؤدِّ السبُّ إلى سبِّ الله يجوزُ (٣). ١٣٥٠ - وعَنْ أَبِي عَمْرٍو - ويقالُ: أَبو حَكِيمٍ - النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ ◌َُ قالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ، إذا لَمْ يَقَاتِلْ مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ، أَخَّرَ القِتالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٤٤). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٤٩). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٤٤). ٥٠٨ * قوله: ((حتى تزول الشمس)): (ن): سببه أنه أمكنُ للقتال؛ فإنه وقت هبوب الرياح ونشاط النفوس، وكلما [طال]؛ ازدادوا إقداماً على عدوهم. وقد جاء في ((صحيح البخاري)): ((حتَّى تَهُبَّ الأرواحُ وتحضُرَ الصَّلواتُ))(١)، قالوا: وسببه فضيلة أوقات الصلاة والدعاء عندهما (٢). (ق): وقيل: سببه ليبردَ الوقتُ على المقاتلة، ويخِفَّ عليهم حملُ السلاح التي يؤلم حملُها في شدة الهاجرة. وقيل: بل كان يفعل ذلك لانتظار هبوب ريح النصر التي نُصِرَ بها؛ كما قال: ((نُصِرْتُ بالصَّبا))(٣). ١٣٥١ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿به، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّنْ: ((لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، واسْأَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإِذا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاصْبِرُوا)) متفقٌ عليه. قوله ◌َّ: ((لا تتمنوا لقاء العدو))، سبق في (الباب الثالث). (١) رواه البخاري (٢٩٨٩). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٤٦ - ٤٧). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٢٤)، والحديث رواه البخاري (٩٨٨)، ومسلم (٩٠٠) عن ابن عباس ٥٠٩ ١٣٥٢ - وعَنْهُ، وعَنْ جَابِرِ ﴾: أَنَّ النبيَّ وَ﴿ قَالَ: ((الحَرْبُ خَدْعَةٌ)) متفقٌ عليه. * قوله : ((الحرب خدعة))، قيل: الحرب مشتقة من الحَرَب الذي هو السَّلَب، قال أبو تمام: والحربُ مشتقةُ المعنى من الحرَبِ (ن): ((خدعة)) فيه ثلاث لغات مشهورات، اتفقوا على أن أفصحهن فتح الخاء وإسكان الدال، قال: ثعلب وغيره: هي لغة النبي ◌َّ، والثانية: بضم الخاء وإسكان الدال، والثالثة: ضم الخاء وفتح الدال(١). (ق): معناه بفتح الخاء: أن الحرب تكون ذات خدعة، فوضع المصدر موضع الاسم؛ أي: ينبغي أن يستعمل فيها الخداع ولو مرة واحدة، ويحتمل أن يكون معناه أن الحرب تتراءى للناس بالصورة المستحسنة ثم تنجلي عن صورة مستقبحة؛ كما قيل: تسعى بزينتِها لكلِّ جَهُولِ الحَربُ أوَّلُ ما تكونُ فتيّةً ولَّت عجوزاً غيرَ ذاتِ خَلِيلٍ حتَّى إذا اشتعلَتْ وشبَّ ضِرَامُها مكروهةً للشمِّ والتَّقبِيلِ شَمْطَاءَ ينكَرُ لونُها وتغيّرتْ وفائدته على هذا ما قاله في الحديث: ((لا تتمنوا لقاء العدو))(٢). (تو): روي بفتح الخاء وإسكان الدال؛ أي: إنها خدعة واحدة من (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٤٥). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥٢١/٣ - ٥٢٢). ٥١٠ تيسرت له حقَّ(١) له الظفر، وبضم الخاء وسكون الدال؛ أي: معظم ذلك المكر والخديعة، وبضم الخاء وفتح الدال؛ أي: إنها خداعة للإنسان؛ لما يخيلُ إليه ويمِنِّيه، ثم إذا لابسَها؛ وجدَ الأمر بخلاف ما خيِّلَ. (ن): اتفقوا على جواز الخداع مع الكفار في الحرب كيف اتفق، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان، وقد صح في الحديث جوازُ الكذب في ثلاثة أشياء، أحدها في الحرب، قال الطبري: إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريضُ دون حقيقة الكذب؛ فإنه لا يحلُّ، والظاهرُ إباحةُ نفس الكذب، لكن الاقتصارَ على التعريض أفضلُ، انتهى(٢). روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ظه لما برز إلى عمرو بن عبد ودٌّ وتناوشا؛ قال له: يا عمرو؛ ألم تكن الشريطة بيننا أن لا يعيننا أصحابنا؟ قال: ذلك فمه؟ قال: فمن هذا الذي جاء يمدك؟ فالتفت عمرو فبادره علي ◌َظُهُ بضربةٍ أبانت فخذَهُ، فذكرَ للنبي وَّر فقال: ((الحربُ خَدْعَةٌ)). (١) في الأصل: ((حتى))، والصواب المثبت. (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٤٥). ٥١١ ٢/٢٣٢- باب بيانِ جماعةٍ مِنَ الشُّهداءِ فِي ثَوابِ الآخرة ويغسلون، ويُصَلَّى عَلَيهِم، بخلافِ القتيلِ في حربِ الكُفَّارِ * قوله: ((باب جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة))، سبق معنی الشهید في الباب قبله. وروى الطبراني في ((الكبير)): عن أبي الدرداء ظ ◌ُّه قال سمعت النبي وَّل يقول: ((يشفَعُ الشَّهيدُ في سبعةٍ من أَهلِ بيتهِ يومَ القِيَامَةِ»(١). ١٣٥٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿به، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ في سَبيلِ الله)) متفقٌ عليهِ. * قوله ويلقى: ((الشهداء خمسة))، وفي ((الموطأ)): ((الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله))، فذكر المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، وصاحب ذات الجنب، والحرق، والمرأة تموت بجمع(٢). (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((المعجم الكبير)) للطبراني، ورواه أبو داود (٢٥٢٢)، وفيه ((سبعين)) بدل ((سبعة)). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح أبي داود)) (٢٢٧٧). (٢) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١ / ١٣١). وهو حديث صحيح. انظر: ((أحكام الجنائز)) (ص: ٣٩). ٥١٢ روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((مَوتُ غُربةٍ شَهادَةٌ))(١). (ن): ((المطعون)» هو الذي يموت في الطاعون(٢). (نه): هو المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهواء، فتفسد به الأمزجة والأبدان، انتهى(٣). في ((صحيح مسلم)): عن أنس ◌َظُه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((الطَّاعُونُ شَهادَةُ كلِّ مُسلِمٍ)(٤). وفي ((مسند أحمد)) والنسائي: عن العرباض بن سارية أن رسول الله وليه قال: ((يَختصِمُ الشُّهداءُ والمُتوقَّونَ على فُرْشِهِم إلى ربِّنا وَكَ في الذِينَ يُتوفّونَ من الطَّاعونِ، [فيقولُ الشُّهداءُ: إخواننا قتِلُوا كما قُتِلْنا، ويقولُ المُتُوفَّونَ على فُرشِهِمْ: إخواننا ماتُوا على فُرشِهِمْ كما مِثْنا على فُرْشِنَا، فيقولُ ربُّنَا رَّت: أُنْظُروا إلى جِراحِهِم]، فإِنْ أشبَهتْ جِراحُهم جراحَ المقتُولينَ؛ فإِنَّهم منهُم ومعَهُم، فإذا جِراحُهم قد أشبَهَتْ جِراحَهُم)) (٥). وعن عتبة بن عبيد عن النبي ◌َّ﴿ قال: ((يأتي الشُّهداءُ والمُتوفّونَ بالطَّاعونِ، فيقولُ أصحابُ الطَّاعُونِ: نحنُ شُهدَاءُ، فيُقالُ: أُنظرُوا، فإِنْ (١) رواه ابن ماجه (١٦١٣). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٨٢٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٦٢). (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٢٧). (٤) رواه مسلم (١٩١٦). (٥) رواه النسائي (٣١٦٤)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٢٨). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٨٠٤٦). ٥١٣ كانت جِراحَاتُهُم كجِرَاحِ الشُّهداءِ تَسيلُ دماً كَرِيحِ المِسْكِ؛ فَهُمْ شُهدَاءُ، فَيَجِدُونَهُم كَذَلِكَ))، رواه الطبراني في ((الكبير)(١). قال الحافظ عبد العظيم: إسناده لا بأس به (٢). وعن عبدالله بن يسار: أن سليمان بن صُرَد قال لخالد بن عرفطة: أما سمعت رسول الله وَ ﴿ يقول: ((مَنْ قَتَلَهُ بَطنهُ؛ لم يُعذّبْ فِي قَبَرِهِ؟)) قال: نعم، رواه الطبراني في ((الكبير)) من طرق كثيرة، وابن حبان في ((صحيحه)(٣). وفي ((الكبير)) أيضاً: عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَّهُ: ((مَنْ صُرِعَ عَن دَابَتِهِ؛ فهوَ شَهِيدٌ))(٤). وفيه أيضاً: عن عنترة أبي هارون مرفوعاً في عدِّ الشهداء: ((والمُتَردي شهيدٌ، والسلُّ شهيدٌ، والغريبُ شهيدٌ))(٥). وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله وَّمَ: (مَن قُتِلَ في سبيلِ اللهِ فهُوَ شَهِيدٌ، المطعونُ شهيدٌ، المبطونُ شهيدٌ، النفساءُ شهيدةٌ، مَن أكله السبعُ فهو شهيدٌ، الغَرق شهادةٌ، (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٧/ ١١٨). وهو حديث حسن. انظر: ((أحكام الجنائز)) (ص: ٣٧). (٢) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٢/ ٢٢٢). (٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٤١٠١)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٢٩٣٣). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٤١٠). (٤) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٧ / ٣٢٣). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٣٣٦). (٥) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٨ / ٨٧). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٨٢٦). ٥١٤ الحَرِقُ شهادةٌ، الهَدمُ شهادةٌ، مَن قِتِلَ دون ماله فهو شهيدٌ، مَن أدركَهُ الموتُ وهو يكدُّ على عيالهِ من حلالٍ فهو شهيدٌ، مَن قِتِلَ دون نفسِهِ فهو شهيدٌ، ومَن قتِلَ دون دينهِ فهو شهيدٌ))، رواه الحافظ أبو سعيد إسماعيل بن الحسن بن المثنى في كتابه ((الداعي إلى وداع الدنيا(١)). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّهُ: ((مَن ماتَ مَرِيضاً ماتَ شَهِيداً))، رواه السلمي في كتابه ((التعازي)). (ن): ((المبطون)) هو صاحبُ داءِ البطن، وهو الإسهالُ، قال القاضي: وقيل: هو الذي به الاستسقاءُ، أو انتفاخُ البطن، وقيل: هو الذي يشتكي بطنَهُ، و((الغرق)) هو الذي يموت غريقاً بالماء، و((صاحب الهدم)) من يموت تحته، و((الحرق)» هو الذي يموت بحرق النار، و«ذات الجنب)) معروف، وهي قرحة تكون في الجنب باطناً، وأما (المرأة تموت بجُمع))؛ فهو بضم الجيم وفتحها وكسرها، والضم أشهر، قيل: هي التي تموت حاملاً جامعة ولدها في بطنها، وقيل: هي البكر، والصحيح الأول(٢). [(ق)] (الغرق) يروى بغير ياء؛ كحَذِر، ويروى بياء، وهو للمبالغة؛ كعليم، وهؤلاء إنما حصلت لهم مرتبة الشهداء لأجل أنهم لم يغزو بنفوسهم ولا فرطوا في التحرز، لكن أصابتهم تلك الأسباب بقضاء الله وقدره، فأما من غرَّرَ أو فرّطَ في التحرز حتى أصابه شيءٌ من ذلك فمات؛ فهو عاصٍ، وأمرُه إلى الله، إن شاء عذَّبهُ، وإن شاء عفا عنه(٣). (١) وهو حديث منكر. انظر: ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم (١ / ٣٣٠). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٦٢ - ٦٣). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٥٧). ٥١٥ (قض): هؤلاء ألحقوا بمن قتل في سبيل الله؛ لمشاركتهم إياهم في بعض ما ينال من الكرامة بسبب ما كابدوه من الشدة، لا في جملة الأحكام والفضائل(١). (ن): ((من مات في سبيل الله فهو شهيد)) معناه: بأي صفة مات(٢). (ط): فإن قلت: خمسة خبر للشهداء والمعدود بعده بيان له، فيكون حمله على المبتدأ من باب التشبيه؛ كأنه قيل: المبطون كالشهيد ... إلى آخره، فكيف يصح هذا في الشهيد؛ فإنه حمل الشيء على نفسه؟ قلت : هو من باب قوله : أنا أبو النَّجمِ وشِعْري شِعْري كأنه قيل: الشهيد الكامل أو المعروف هو من قتل في سبيل الله(٣). (ن): إنما كانت هذه الموتات شهادة بفضل الله تعالى بسبب شهادتها وكثرة ألمها، قال العلماء: والمراد بشهادة هؤلاء كلهم أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا؛ فيغسلون ويصلى عليهم، والشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفار، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون هنا، وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من غلَّ في الغنيمة، أو قتل مدبراً(٤). (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥٨٨) (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٦٣). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٤٢). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٦٣). ٥١٦ ١٣٥٤ - وعنهُ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((ما تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ فِيكُم؟ قالُوا: يا رَسُولَ الله! مَنْ قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ، فَهُوَ شهيدٌ. قال: ((إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذاً لَقَلِيلٌ!))، قالُوا: فَمَنْ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: ((مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ مَاتَ في سَبيلِ الله، فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في الطَّاعُونَ، فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في الْبَطنِ، فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالغَرِيقُ شَهِيدٌ)) رواهُ مُسْلمٌ. * قوله پيلقر: ((ما تعدون الشهداء فیکم؟» : (ط): قال المالكي: العدُّ يوافق الظن في المعنى والعمل، ويشهد له ما روي أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي ◌ِّرِ فقال: ما تعدُّونَ أهلَ بدرٍ فيكم؟ قال: ((مِنْ أَفْضَلِ المُسلِمِينَ)) (١)، فـ (ما) في قوله: (ما تعدون) استفهامية في موضع نصب مفعول ثان، وأهل بدر مفعول أول، وإجراء (عدَّ) مُجرى (ظنَّ) معنىّ وعملاً مما أغفله النحويون، ومن شواهده قول الشاعر : ولكنَّمَا المَولى شريكُكَ في العُدْمِ وقول الآخر: ولا تعددِ المَولَى شريكَكَ في الغِنَى لا تعددِ المرءَ خِلاً قبلَ تَجرِبةٍ فربَّ ذي ملَقٍ في قلبهِ إِحَنُ(٢) (١) رواه البخاري (٣٧٧١)، من حديث رفاعة بن رافع . (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٣٨). ٥١٧ (تو): ((ما)) استفهامية، ويسأل بكلمة (ما) عن جنس ذات الشيء ونوعه، وقد يسأل بها عن الأشخاص الناطقين، ولما كانت حقيقة الاستفهام هاهنا السؤال عن الحالة التي ينال بها المؤمن رتبة الشهادة؛ استفهم عنها [بكلمة (ما)؛ لتكون أدلَّ على وصفها وعلى المعنى المراد منها، ثم إنها مع ذلك تسدُّ مسدً (من)، ولهذا أجابوا عنها](١) بقولهم: مَن قتل في سبيل الله. (ط): ((ما)) هنا سؤال عن وصف من له كرامة وقرب عند الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩]، فيشتمل على ما ذكره صلوات الله عليه من قوله: ((من قتل في سبيل الله)) إلى آخره، فلما لم يطابق جوابهم سؤاله صلوات الله عليه؛ رد عليهم بقوله: ((إن شهداء أمتي إذاً لقليل))، وكان يكفي على ظنهم أن يقولوا: من قتل في سبيل الله، فأطنبوا وأتوا في الخبر بالفاء؛ دلالةً على أن صلة الموصول علة للخبر، فخصوا ما أريد العموم فيه. قال المالكي: (في) من قوله: ((في الطاعون والبطن)) بمعنى الباء الدالة على السببية؛ كقوله تعالى: ﴿لَّوْلَ كِنَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨](٢). (ط): لمَّا كان الطاعونُ والبطنُ لقابليتِهما وتمكينِهما الموتَ فيهما جُعلا ظرفاً لهما، فكأنَّهما تمكَّنا منهما تمكُّنَ المَظرُوفِ في الظرفِ، فجریا (١) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٣٨). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٦٣٩). ٥١٨ لذلك مجری سبیین(١). * ١٣٥٥ - وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَ ﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ)) متفقٌ عليهِ . • قوله وعملهو: ((دون ماله)): (ق): ((دون)) في أصلها ظرف مكان بمعنى أسفل وتحت، وهي نقيض فوق، قد استعملت في هذا الحديث بمعنى الباء لأجل السببية، وهو مجاز وتوسع، ووجهه أن الذي يقاتل عن ماله إنما يجعله خلفه أو تحته ثم يقاتل عليه(٢). (ن): فيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير الحق، سواء كان المال قليلاً أو كثيراً؛ لعموم الحديث، وهذا قول الجماهير، وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئاً يسيراً؛ كالثوب والطعام، وهذا ليس بشيء، وأما المدافعة عن الحريم؛ فواجبة بلا خلاف، وفي المدافعة عن النفس بالقتل خلاف في مذهبنا ومذهب غيرنا، والمدافعة عن المال جائزة غير واجبة(٣). (ط): ((دون دينه)) (دون) هاهنا بمعنى قدام؛ كقول الشاعر: (١) المرجع السابق، الموضع نفسه . (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٥٢). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٦٥). ٥١٩ تُرِيكَ القَذَى [من ] دُونِها وهْيَ دُونَهُ(١) ١٣٥٧ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ◌َ﴿ه، قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ: يا رسولَ الله! أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالي؟ قالَ: ((فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ))، قال: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قال: ((قَاتِلْهُ»، قالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَنِي؟ قالَ: (فَأَنْتَ شَهِيدٌ))، قال: أَرَأَيْتَ إِنْ قَلْتُهُ؟ قال: ((هُوَ في النَّارِ)) رواهُ مسلمٌ. وقوله : ((فلا تعطه مالك»: (ن): معناه: لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء(٢). (ق): بل المراد تحريم الإعطاء إذا طلبه على وجه الحِرابة، قليلاً كان أو كثيراً، وأن المحارب يجب قتله، ولذلك قال مالك: قتال المحاربين جهاد(٣) . (ن): ((هو في النار)) معناه أنه يستحق ذلك، وقد یجازی وقد يعفى عنه، إلا أن يكون مستحلاً بغير تأويل؛ فإنه يكفر، انتهى (٤). ذكر الإمام الحافظ أبو عبدالله محمد بن أحمد القرطبي في كتاب (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٤٩٤). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٦٥). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٥٢). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٦٥). ٥٢٠