النص المفهرس
صفحات 481-500
قولي: بخ بخ إلا رجاء أن أكون من أهل الجنة(١). (ط): أنه ◌َّ لما قال: ((قوموا إلى جنة))؛ أي: سارعوا إليها، وابذلوا مهجكم وأرواحكم في سبيل الله، ولا تقاعسوا عنها، عظّم عمير ذلك وفخَّمه بقوله: (بخ بخ)، فقال ◌َّ: ((ما حملك على هذا، أخوفاً قلت هذا؟)) قال: ((بل رجاء))، والفاء في [((فإنك من أهلها))] جزاء شرط؛ أي: إذا كان الأمر على ما قلت، فإن الله يجيبك إلى ما ترومه وترجوه، وقوله: ((لئن أنا حييت)) اللام موطئة للقسم، و(إن) شرطية، و(أنا) فاعل فعل مضمر يفسره ما بعده، و(إنها لحياة) جواب القسم، واكتفى به عن جواب الشرط، ويمكن أن يذهب إلى مذهب أصحاب المعاني فيقال: إن الضمير المنفصل قدم للاختصاص، وهو على منوال قوله: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وكأنه وجد نفسه مختارة الحياة على الشهادة فأنكر عليها ذلك الإنكار، وإنما قال: ذلك استبطاء للانتداب بما ندب به من قوله له: ((قوموا إلى جنة))؛ أي: سارعوا إليها، ومما ارتجز به عُمَيٌ يومئذٍ قوله: إلاَّ التُّقى وعَمَلَ المَعادِ رَكْضَاً إلى اللهِ بِغَيرِ زَادِ وكلُّ زادٍ عُرْضَةُ النَّفَادِ والصَّبرَ في اللهِ عَلَى الجِهَادِ غَيْرَ التُّقى والبِرِّ والرَّشَادِ [أي: أركضُ ركضاً]، وأسرع إسراعاً مثل إسراع الخيل وركضه، خفف في القول كما خفف في الأكل؛ مبادرةً إلى ما انتدب إليه(٢). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٣٥). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٣٧ -٢٦٣٨). ٤٨١ (ن): فيه جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة، وهو جائز لا كراهة فيه عند جماهير العلماء(١). ١٣١٦ - وعَنْهُ، قالَ: جَاءَ ناسٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ فقالوا: أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلِّمُونَ القُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُمُ: القُرَّاءُ، فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ، يَقْرَؤُونَ القُرآنَ، وَيَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ، وكانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالمَاءِ، فَيَضَعُونَهَ في المَسْجِدِ، وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهَ، ويَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ، ولِلفُقَرَاءِ، فَبَعَثَهم النَّبِيُّ ◌َّهُ، فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قبلَ أَنْ يَبلُغُوا المَكَانَ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيََّا: أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ، فَرَضِيِنَا عَنْكَ، وَرَضِيِتَ عَنَّا، وَأَتَى رَجُلٌ حَرَاماً خَالَ أَنَسٍ مِنْ خَلْفِهِ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفْذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، فقالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((إِنَّ إِخْوَانِكُم قَدْ قُتِلُوا، وإنَّهِم قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا: أَنَّا قَدْ لَقِينَكَ، فَرَضِيِنَا عَنْكَ، وَرَضِيِتَ عَنَّ)». متفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلم. * قوله: ((فبعث إليهم سبعين رجلاً)): (ق): هؤلاء السبعون هم الذين استشهدوا ببئر معونة، غدر بهم قبائل (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٦). ٤٨٢ من سليم مع عدو الله عامر بن الطفيل، فقتلوهم عن آخرهم، ولم يُصَب النبي ټۇ ولا المسلمون بمثلهم و(الصّفة) بيت في المسجد منقطع عنه(١). (ن): كانت لهؤلاء في آخر المسجد صفة، وهي مكان منقطع من المسجد مظلَّل عليه، يبيتون فيه (٢). * قوله: «فيضعونه في المسجد» : (ن): أي: يضعونه مسبَّلاً لمن أراد استعماله لطهارة أو شرب أو غيرهما، وفيه جواز وضعه في المسجد، وقد كانوا يضعون أيضاً أعراق التمر لمن أرادها في المسجد في زمن النبي ◌ِّ، ولا خلاف في جواز هذا وفضله(٣) . (ق): وفيه دليل على جواز استيطان الغرباء والفقراء مكاناً في المسجد، وعلى الاجتماع لقراءة القرآن ومدارسة العلم، على أن المتفرغ للعبادة وطلب العلم لا يخل بحاله ولا ينقص توكله اشتغاله والنظر في مطعمه ومشربه وحاجته(٤). (ن): وفيه فضيلة الصدقة وفضيلة الاكتساب من الحلال لها، وفيه جواز المبيت في المسجد بلا كراهة، وفيه فضيلة ظاهرة للشهداء وثبوت (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٤٠). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٧). (٣) المرجع السابق (١٣ / ٤٧). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٧٤٠ - ٧٤١). ٤٨٣ الرضا منهم ولهم، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ ج [المائدة: ١١٩]؛ أي: رضي عنهم بطاعته ورضوا عنه بما أكرمهم به وأعطاهم إياه من الخيرات، والرضا من الله: إفاضة الخير والإحسان والرحمة، فيكون أيضاً من صفات الأفعال، وهو أيضاً بمعنى إرادته، فيكون أيضاً من صفات الذات(١). (ق): قوله: «فزت وربّ الكعبة) : أي: بما أعدّ الله للشهداء، وظاهره أنه عاين منزلته في الجنة في تلك الحال، ويحتمل أن يقول ذلك محققاً لوعد الله ورسوله الحق الصدق، فصار کأنه واقع(٢). ١٣١٧ - وعنْهُ، قالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ضُه عن قِتَالِ بَدْرٍ، فقالَ: يا رسولَ الله! غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ، لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أَصنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ، انكَشَفَ المُسْلِمُونَ، فقالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي: أَصْحَابَهُ -، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ - يعني: المُشرِكِينَ -، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فقال: يَا سَعِدُ بْنَ مُعَاذٍ! الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٧ - ٤٨). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٤١ - ٧٤٢). ٤٨٤ دُونِ أُحُدٍ! قالَ سعدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يا رَسُولُ اللهِ مَا صَنَعَ! قَالَ أَنَسٌ: فَوَجْدنَا فِيهِ بِضْعاً وَثَمَانِنَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْم، وَوَجَدْنَهُ قَدْ قُتِلَ، وَمَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلاَّ أُخْتُهُ بِبَنِهِ. قالَ أَنَسَرٌ: كُنَّا نُرَى - أَوْ نَظُنُّ -: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ﴾ إلى آخرها [الأحزاب: ٢٣]. متفقٌ عليه، وقد سَبَقَ في بابِ : المُجَاهَدَةِ. * قوله: ((ليرين))، سبق في (الباب الحادي عشر). * ١٣١٨ - وعَنْ سَمُرَةَ ﴿ه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((رَأَيْتُ اللَّْلَةَ رَجُلَيْنِ أَيَانِي، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلاني دَاراً هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْها، قالا: أَمَّا هذِهِ الدَّارُ، فَدَارُ الشُّهَدَاءِ)) رواه البخاريُّ، وهو بعضٌ من حديثٍ طويلٍ فيه أنواعٌ من العلم سيأتي في بابٍ: (تحريمِ الكذِبِ) إنْ شاءَ الله تَعَالَى. * قوله ◌َّج: ((رأيت الليلة رجلين))، سيأتي في (الباب الثاني والخمسين بعد المئة). ١٣١٩ - وعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ أُمَ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ، وَهِيَ أُمّ ٤٨٥ حارِثَةَ بْنَ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َِّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ؟ وكَانَ قُثِلَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَإِنْ كانَ في الجَنَّةِ، صَبَرْتُ، وَإِنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ، اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُّكَاءِ، فقال: ((يا أُمَّ حارِثَةَ! إِنَّهَا جِنانٌ في الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْتَكِ أَصابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى)) رواه البخاريُّ. ● قوله سلة: ((إنها جنان)): (ط): هو الضمير المبهم، يفسره ما بعده من الخبر؛ كقولهم: هي العرب تقول ما شاءت، ويجوز أن يكون الضمير للشأن، و(جنان) مبتدأ، والتنكير فيه للتعظيم، والمراد بالجنان الدرجات؛ لما ورد: ((في الجَنَّةِ مئةُ دَرَجَةٍ، والفردَوسُ أعلاَها))(١). (نه): ((الفردوس)» هو البستان الذي فيه الكرم والأشجار، والجمع الفراديس(٢). ١٣٢٠ - وعَنْ جابِرِ بْنِ عبدِ الله ﴿﴾، قالَ: جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَنَهَانِي قَوْمٌ، فقالَ النبيُّ بِّهِ: ((مَا زَالَتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨/ ٢٦٣٦)، والحديث رواه الإمام أحمد في («المسند» (٥/ ٣٢١) من حديث عبادة بن الصامت ظته. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٢٤٤). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٢٧). ٤٨٦ بِأَجْنِحَتِها)) متفقٌ عليه. قوله: «مُثل به» : (ن): بضم الميم وكسر الثاء المخففة، يقال: مُثِلَ بالقتيل والحيوان يُمثَل مَثْلاً؛ كقتل يقتل قتلاً؛ إذا قطع أطرافه وأنفه وأذنه، أو مذاكيره ونحو ذلك، والاسم المثلة، وقوله ◌َّ: ((فما زالت الملائكة تظلُّهُ بأجنحتها)) يحتمل أن ذلك لتزاحمهم عليه؛ لبشارته بفضل الله تعالى عليه ورضاه وما أعدّ له من الكرامة، أو ازدحموا عليه إكراماً له وفرحاً به، أو أظلوه من حر الشمس؛ لئلا یتغیر ريحه أو جسمه(١). (ق): هو عبدالله [بن عمرو] بن حرام [بن ثعلبة] بن كعب بن غنم الأنصاري السلمي، أحد النقباء، شهد العقبة وبدراً، وقتل يوم أحد، ومُثِلَ به، روى بَقِيُّ بن مخلد عن جابر قال: لقيني رسول الله وَّ فقال: ((يا جَابرُ؛ ما لي أَراكَ مُنَكِّساً مُهتَمّاً؟)) قلت: يا رسول الله؛ استشهد أبي وترك عيالاً، وعليه دين، قال: ((أفلاَ أُبشِّركَ بِمَا لِقِيَ اللهُ عَنَ بِهِ أباكَ؟)) قلت: بلى يا رسول الله؛ قال: ((إنَّ اللهَ أحيا أباكَ وكَلَّمَهُ كِفَاحاً، وما كَلَّمَ أحداً قطُّ إِلاَّ من وراءِ حجَابٍ، فقالَ لهُ: يا عَبدِي؛ تمَنَّ أُعطِكَ، قال: يا ربِّ؛ ترُدُّنِي إلى الدنيا فأقتلَ فيكَ ثانيةً، فَأُبلِّغَ مَن ورائِي، فأنزلَ اللهُ: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية))(٢). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٢٤ - ٢٥). (٢) رواه الترمذي (٣٠١٠) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٩٠٥). ٤٨٧ وهذه فضيلة عظيمة لعبد الله لم يسمع بمثلها لغيره، والمراد - والله أعلم - أنه ما كلم أحداً من الشهداء، وممن ليس بنبيٌّ بعد موته - وقيل : يوم القيامة - إلا عبدالله، انتھی(١). قال الترمذي الحكيم في ((النوادر)): فإذا كان هذا للشهداء كل هذا الحظ، وإنما بذلوا نفوسهم في طاعة الله ساعة واحدة بمرة واحدة، فما ظنك بالصديقين وقد بذلوا نفوسهم عمراً من الأعمار، كيف يكون حظهم منه يوم مماتهم من الكلام والبر والأثرة؟ ١٣٢١ - وعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيَّفٍ ﴿له: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قالَ: (مَنْ سَأَلَ الله تَعَالَى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلی فِرَاشِهِ) رواه مسلمٌ. * قوله ريج: ((من سأل الله الشهادة بصدق))، سبق في (الباب الرابع). ١٣٢٣ - وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ◌َُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِلَّى: ((مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ القَتْلِ إِلَّ كَما يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ القَرْصَةِ)). رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٣٨٦). ٤٨٨ * قوله ◌َّ: ((إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة»: (ط): (القرص) الأخذ بأطراف الأصابع، وأتى في قوله: ((لا يجد ألم القتل)) بأداة الحصر؛ دفعاً لتوهم من يتصور أن ألمه يفضل على ألمها، وذلك في شهيد دون شهيد يتلذذ ببذل مهجته في سبيل الله طيباً به نفسه؛ كعمير بن الحمام وإلقاء تمراته ولقائه الموت كما مرّ. وأنشد خبيب الأنصاري: على أيِّ شقِّ كانَ للهِ مَصْرَعِي ولستُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسلِماً يُبَارِكْ على أوَصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعٍ وذَلِكَ في ذَاتِ الإِلَهِ وإِن يشَأ انتھی(١). ويحتمل إجراء الحديث على ظاهر عمومه، ويقال: إن الله يرفع عن الشهداء الإحساس بشدة وجع القتل؛ كرامة لهم، فلا يحسّون إلا مقدار القرصة، ويكون عاماً في الشهداء. ١٣٢٤ - وعَنْ عِبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْفَى :﴿﴾: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِلَيه في بَعضٍ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ انْتُظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قامَ في النَّاسِ فقالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! لا تَتَمَّنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ))، ثم قال: ((اللَّهُمَّ مُنزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٥١). ٤٨٩ وَهَازِمَ الأَحْزَابِ! اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرِنَاَ عَلَيْهِمْ)) متفقٌ عليه. * قوله ويتر: ((لا تتمنوا لقاء العدو))، وسبق في (الباب الثالث). ١٣٢٥ - وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌ِله: (ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ، أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ البَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُم بَعْضاً). رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ. * قوله ◌َّله: ((ثنتان لا تردان))، سبق في آخر (الباب التاسع بعد المئة). ١٣٢٦ - وعَنْ أَنَسِ ﴿ُهِ، قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذا غَزَا، قالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقاتِلُ)) رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. * قوله ويقي: ((اللهم أنت عضدي)»: (قض): (العضد) كناية عما يعتمد عليه ويثق المرء به في الخيرات وغيره من القوة، و(أحول) من حال يحول حيلة، والمراد به كيد العدو، وقيل: أكرُّ وأتحرَّك، من حال إذا تحرك، و(الصول) الحمل على العدو، ومنه الصائل(١). (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ١٠١)، وفيه: ((وثيق المرء به في الحراب وغيره من الأمور)). ٤٩٠ (خط): وفي ((أحُولُ)) وجه آخر، وهو أن معناه المنع والرفع، من قولك: حال بين الشيئين إذا منع أحدهما عن الآخر، تقول: لا أمنع ولا أدفع إلا بك(١). ١٣٢٧ - وعَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ كَانَ إذا خَافَ قَوماً، قالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُخُورِهِم، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرورِهِمْ)). رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ. * قوله ويقى: ((اللهم؛ إنا نجعلك في نحورهم))، سبق في (الباب السادس بعد المئة). ١٣٢٨ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيها الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)) متفقٌ عليه. ١٣٢٩ - وعَنْ عُرْوَةَ البَارِقِيِّ ◌َ﴿ه: أَنَّ النبيَّ ◌َِّ قالَ: ((الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ: الأَجْرُ، وَالمَغْنَمُ)) متفقٌ عليه . * قوله ميليفى: ((معقود بنواصيها الخير)): (ق): هذا الكلام جمع من أصناف البديع ما يعجز عنه كل بليغ، (١) انظر: ((معالم السنن) للخطابي (٢ / ٢٦٧). ٤٩١ ومن سهولة الألفاظ ما يعجب ويستطاب، و((النواصي)) جمع ناصية وهي الشعر المسدل على الجبهة، ((وإلى يوم القيامة)) متعلق بـ (معقود)، ويفهم منه دوام حكم الجهاد إلى يوم المعاد، و((الأجر والغنيمة)) تفسير للخبر المذكور، وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف(١). (ن): فيه استحباب رباط الخيل واقتنائها للغزو وقتال أعداء الله، وأن فضلها وخيرها والجهاد باق إلى يوم القيامة، وأما الحديث الآخر أن الشؤم قد يكون في الفرس، فالمراد به غير الخيل المعدة للغزو، أو أن الخير والشؤم قد يجتمعان فيها؛ فإنه فسر الخير بالأجر والمغنم، ولا يمتنع مع هذا أن يكون الفرس مما يتشاءم به(٢). ١٣٣٠ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿به، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِلّهِ: (مَنِ احْتَبَسَ فَرَساً في سَبِيلِ الله إِيمَاناً بِالله، وَتَصْدِيقاً بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ، وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ في مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) رواه البخاريُّ. * قوله يميلفي: ((من احتبس فرساً في سبيل الله): (تو): حبسته واحتبستُه واحتبس أيضاً بنفسه، يتعدى ولا يتعدى، والمعنى "أنه يحبسه على نفسه ليسدّ ما عسى أن يحدث في ثغر من ثغور المسلمين من ثلمة . (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٧٠٣). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٦ - ١٧). ٤٩٢ (ط): ((إيماناً) مفعول له؛ أي: ربطه خالصاً لله تعالى؛ امتثالاً لأمره، وقوله: ((تصديقاً بوعده)) عبارة عن الثواب على الاحتباس، فمن احتبس فكأنه قال: صدقت فيما وعدتني(١). * قوله: ((فإن شبعه وريه)) إلى آخره، سبق معناه في (كتاب الزكاة). ١٣٣١ - وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﴿به، قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ◌َل بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فقالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ الله، فقالَ رَسُولُ الله ◌ٍَّ: (لَكَ بِهِا يَوْمَ القِيَامَةِ سَبِعُ مِثَةِ ناقَةٍ كُلَّهَا مَخْطُومَةٌ)) رواهُ مسلم. * قوله: ((بناقة مخطومة»: (ن): أي: فيها خطام، وهو قريب من الزمام(٢). (نه): (خطام البعير): أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان، فيجعل في أحد طرفيه حلقة، ثم يشد به الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة، ثم يقلد البعير، ثم يثنى على مخطمه، وأما الذي يجعل في الأنف دقيقاً، فهو الزمام(٣). (ن): قيل: يحتمل أن المراد له أجر سبع مئة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره ويكون له في الجنة بها سبع مئة ناقة، كل واحدة منهنَّ مخطومة (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٦٧). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٣٨). (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٥٠). ٤٩٣ [يركبهنَّ حيث شاء] للتنزه، كما جاء في خيل الجنة ونجبها، وهذا الاحتمال أظهر(١). (ق): هذه الحسنة مما ضوعفت إلى سبع مئة ضعف، وهو أقصى الأعداد المحصورة التي تضاعف الحسنات إليها؛ كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلّ سُنْبُلَةٍ مِّئَةُ حَبٌَّ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وبقي بعد هذا المضاعفةُ من غير حصر ولا حدّ، وهي مفهومة من قوله تعالى: ﴿وَاُللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ ﴾ [البقرة: ٢٦١](٢). ١٣٣٢ - وعَنْ أَبِي حَمَّادٍ - ويُقال: أَبُو سُعاد، ويُقالُ: أَبو أَسَدٍ، ويقال: أَبُو عامِرٍ، ويقالُ: أَبُو عَمْرٍو، ويُقالُ: أَبَوِ الأَسْودِ، ويُقالُ: أَبَو عَبْسٍ - عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ ◌َ﴾، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴿ وَهُوَ عَلى المِنْبَرِ يَقُولُ: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ، أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ)) رواه مسلمٌ. * قوله وَله: ((ألا إنَّ القوة الرمي، ألا إنَّ القوة الرمي)): (ن): هذا تصريح بتفسيرها، وردٌّ لما يحكيه المفسرون من الأقوال سوى هذا، وفيه فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٣٨). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧٢٦/٣ - ٧٢٧). ٤٩٤ سبيل الله، وكذلك المثاقفة وسائر استعمال أنواع السلاح، وكذلك المسابقة بالخيل وغيرها، والمراد بهذا كله التمرن على القتال والتدرب والتحذق فيه، ورياضة الأعضاء بذلك(١). (ق): (القوة): التقوي بإعداد ما يحتاج إليه من الدروع، والمجانّ، والسيوف، والرماح، وآلات الحرب، إلا أنه لما كان الرمي أنكاها في العدو، وأنفعَها؛ فسرَّها وخصصها بالذكر، وأكّدها ثلاثاً، ولم يرد أنها كل العدة، بل أنفعها، ووجه أنفعيتها: أن النكاية بالسهام تبلغ العدو من الشجاع وغيره، بخلاف السيف والرمح؛ فإنه لا تحصل النكاية بهما إلا من الشجعان الممارسين للكرِّ والفرِّ، وليس كل أحد كذلك، ثم إنها أقرب مؤنة، وأيسر محاولة وإنكاء، ألا ترى أنه قد يرمي رأس الكتيبة فينهزم أصحابه؟ إلى غير ذلك مما تحصل منه الفوائد(٢). (ط): (ما) في ((ما استطعتم)) موصولة، والعائد محذوف، و((من قوة)) بيان له، فالمراد بها نفس القوة، وفي هذا البيان والمبين إشارة إلى [أن] هذه العدة لا تستتب بدون المعالجة والإدمان الطويل، وليس شيء من عدة الحرب وأداتها أحوج إلى المعالجة والإدمان عليها مثل القوس والرمي بها، ولذلك كرر صلوات الله عليه تفسير القوة بالرمي(٣)، وفي الحديث الآتي ((فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه)) إشارة إلى هذا. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٦٤). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٥٩). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٦٥). ٤٩٥ ١٣٣٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ، وَيَكْفِيكُمُ اللهُ، فَلا يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ» رواه مسلمٌ. * قوله وقال: ((ستفتح عليكم أرضون)): (ن): بفتح الراء على المشهور، وحكى الجوهري لغة شاذة بإسكانها، و((يعجز)) بكسر الجيم على المشهور، وبفتحها في لغة (١). (مظ): يعني أهل الروم غالب حربهم [بالرمي]، وأنتم تتعلمون الرمي؛ ليمكنكم محاربة أهل الروم، وستفتح عليكم ويدفع الله عنكم شر أهل الروم، فإذا فتح لكم الروم، فلا تتركوا الرمي وتعلّمه؛ فإن الرمي مما يحتاج إليه أبداً(٢). (شف): أي لا ينبغي أن يعجز أحدكم عن تعلم الرمي، حتى إذا حان وقت فتح الروم؛ أمكنه العون على الفتح، وهذا حثٌّ وتحريض منه صلوات الله عليه على تعلم الرمي. (ط): لعل الأوجه التوجيه الثاني؛ فإن الفاء في قوله: ((فلا يعجز)) سببية؛ كأنه قيل: إن الله سيفتح لكم عن قريب الروم، وهم رماة، ويكفيكم الله بواسطة الرمي شرهم، فإذاً لا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه؛ أي: عليكم أن تهتموا بشأن النضال وتمرنوا فيه، وعضوا عليه بالنواجذ، حتى إذا زاولتم محاربة (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٦٤ - ٦٥). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٦٥ - ٣٦٦). ٤٩٦ الروم، تكونوا متمكنين منه، وإنما أخرجه مخرج اللهو إمالة للرغبات إلى تعلم الرمي، وإلى الترامي والمسابقة؛ فإن النفوس مجبولة على ميلها إلى اللهو (١). (ق): ((أن يرمي بأسهمه))؛ أي: يجعل الرمي بدلاً من اللهو فيدوم علیه، ويشغل به حتى لا ينساه، ولا يغفل عنه فيأثم(٢). ١٣٣٤ - وعَنْهُ: أَنَّهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ عُلَّمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، أَوْ: فَقَد عَصَى)) رواه مسلم. * قوله: ((فليس منا، أو: قد عصی)): (ق): هذا شك من بعض الرواة في أيِّ اللفظين قاله ◌ََّ(٣). (ن): هذا تشديد عظيم في نسيان الرمي بعد علمه، وهو مكروه كراهة شديدة لمن تركه بلا عذر (٤). (ق): سبب هذا الذم أن هذا الذي تعلم الرمي حصلت له أهلية الدفاع عن دين الله والعناء فيه، والنكاية في العدو، فقد يتعين لأن يقومَ بوظيفة الجهاد، فإذا ترك ذلك حتى يعجز عنه؛ فقد فرط في القيام بما تعين علیه، وبالتمكين منه، فذم على ذلك. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٦٦). (٢) انظر: ((المفهم))، للقرطبي (٣ / ٧٦٠). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧٦٠/٣ - ٧٦١). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٦٥). ٤٩٧ وقوله: ((فليس منا))؛ أي: ليس على طريقتنا، ولا سنَتِنا، وهو ذم بلا شك(١). (ط): هو أشد ممن لم يتعلم؛ لأنه لم يدخل في زمرتهم، وهذا دخل ثم خرج، كأنه رأى النقص فيه واستهزأ به، وكل ذلك كفران لتلك النعمة الخطيرة (٢). ١٣٣٥ - وعنهُ ﴾، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الوَاحِدِ ثَلاثَةَ نَفَرِ الجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ. وارْمُوا، وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا. وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَما عُلِّمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا))، أَوْ قال: ((كَفَرَهَا)). رواهُ أبو داودَ. * قوله وَالجى: ((ومُنَبِّلهُ»: (نه): يقال: نبَّلتُ الرجلَ بالتشديد: إذا ناولته النبل ليرمي به، وكذلك أَنْبَلْتُه، ويجوز أن يريد بالمُنبل الذي يردُّ النَّبَلَ على الرامي من الهدف(٣). (تو): وفي الحديث: أن النبي ◌َُّ قال: ((كنتُ أُنْبِّلُ على عُمُومَتِي يومَ الفِجَارِ))(٤)؛ أي: أجمع لهم النبل، وفي حديث سعد: أنه كان يرمي (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٧٦١). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٦٦). (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ٩). (٤) انظر: ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٣٢٦). ٤٩٨ بين يدي النبي ◌َّ﴿ - وقد ذهب الناس - والنبي ◌َّ﴿ يُنْبِلهُ، كلما نفدت نبله؛ أعطاه نبلاً(١). (ط): ((واركبوا)) عطف على ((وارموا))، يدل على المغايرة، وأن الرامي يكون راجلاً والراكب رامحاً، فيكون معنى قوله: ((وأن ترموا)) أن الرمي بالسهم أحب إلي من الطعن بالرمح(٢). ١٣٣٦ - وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع ◌َلُهِ، قالَ: مَرَّ النَّبيُّ لَّهِ على نَفَرِ يَنْتُضِلُونَ، فَقَالَ: ((ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كانَ رامِياً» رواهُ البخاريُّ. * قوله: ((ينتضلون)): (الجوهري): انتضل القوم وتناضلوا؛ أي: رموا للسبق. ، قوله ◌َل في: ((فإن أباكم كان رامياً) : أراد به إسماعيل الذبيح عليه السلام، خرّج البخاري في ((صحیحه)) : ((ثُمَّ جَاء إبراهيمُ بعدَ ذلكَ وإسماعيلُ يَبرِي نبلاً له تحتَ دوحةٍ قريباً من زمزمَ، فلمَّا رَآهُ؛ قامَ إليهِ، فصَنَعَا كما يصنَعُ الوالِدُ بالولَدِ، والولدُ بالوالِدِ»، وفي رواية: ((ثُمَّ إنه بدا لإبراهيمَ عليهِ السَّلامُ، فقالَ لأهلِهِ: إنِّي مطّلعٌ تَرِكَتِي، فَجَاءَ (١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٥٦/٣)، وفيه: ((وفتى ينبله))، وهما روايتان. انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٩/٥). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٦٩). ٤٩٩ فوافقَ إسماعيلَ مِن وراءِ زمزمَ يُصلِحَ نبلاً لهُ ... )) الحديث(١). * ١٣٣٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﴿ه، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَه يَقُولُ: ((مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ الله، فَهُوَ لَهُ عِدْلُ مُحَزَّرَةٍ». * قوله ما *: «فهو له عدل محررة» : قوله: ((محررة)) صفة موصوف محذوف تقديره: رقبة محررة، أو نسمة محررة . (نه): ((المحرر من العبيد)» الذي جعل حرا٢ً). ١٣٣٨ - وعَنْ أَبِي يَحْيَى خُرَيْمٍ بْنِ فاتِكٍ ◌َ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ الله، كُتِبَ لَهُ سَبْعُ مِئةٍ ضِعْفٍ)) رواه الترمذيُّ. * قوله: ((سبع مئة ضعف)): ظاهر هذا أن الإنفاق في سبيل الله يضاعف إلى أقصى الدرجات المحصورة، وهي سبع مئة كما سبق في الذي أتى بناقة مخطومة، وليس كذلك (١) رواه البخاري (٣١٨٤)، من حديث ابن عباس رضي﴾ (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٦٢). ٥٠٠