النص المفهرس
صفحات 441-460
فَنَزَلَتْ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مَوَاسِمِ الحَجِّ. رواهُ البخاريُّ. (نه): ((عُكاظ)) بضم العين المهملة، والظاء المعجمة: موضع بقرب مكة، كانت تقام به في الجاهلية سوق يقيمون فيها أياماً (١)، و((مجنة)): موضع بأسفل مكة على أميال، وكان يقام بها للعرب سوق، بعضهم يكسر ميمَها، والفتح أكثر، وهي زائدة(٢)، و((ذو المجاز)): موضع عند عرفات يقام به سوق من أسواق العرب في الجاهلية، والمجاز: مَوضع الجوازِ، والميم زائدة، سُمِّي به لأن إجازة الحاجّ كانت فيه(٣). قوله: ((فتأثموا) : (نه): تأثّم فلان، إذا فعل فعلاً خَرج به من الإثم، كما يقال: تحرَّج، إذا فعل ما يخرج به من الحَرج (٤)، و((المواسم)) جمع موسم، وهو الوقت الذي يجتمع فيه الحاجُّ كلَّ سنة، كأنه وُسِمَ بذلك الوَسْم، وهو مَفْعِلٌ منه، اسم للزمان؛ لأنه مَعْلَمٌ لهم(٥). (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٨٤). (٢) المرجع السابق (٤ / ٣٠١). (٣) المرجع السابق (١ / ٣١٦). (٤) المرجع السابق (١ / ٢٤). (٥) المرجع السابق (٥ / ١٨٥). ٤٤١ كتاب الجهاد كتاب الجهاد قال الله تعالى: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَنَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]. * وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُزْهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَ هُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. · وقال تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: ٤١]. * وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَطِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْنَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اَللَّهِ فَاسْتَبْشِرُ واْبِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. * وقَالَ الله تَعَالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ٤٤٥ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَبَةُ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَّ وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ( دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦، ٩٥]. · وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَذْكُمْ عَلَى قَِزَوْنُجِكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِمِ ن تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِبِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِّكُمْ شَرٌ لَّكُإِنْ كُ نَعْلُونَ ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْ خِذِكُمْ جَّاتٍ تَجْرِىٍ مِنْ شَمْنِهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَلَكِنَ طَِّبَةً فِى جَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿ وَأَغْرَى ◌ُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اَللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبُ وَكَثِّرِ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. والآياتُ في الباب كثيرةٌ مَشْهُورَةٌ . (الباب الخامس والثلاثون بعد المئة) (في الجهاد) * قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]؛ أي: جميعُكم كما يقاتلونكم كافة [التوبة: ٣٦]؛ أي: جميعُهم. (م): (كافة) منصوب على الحال، ولا يجوز أن يثَّى و[لا] يجمع، كما إذا قلت: قاتلوهم عامة وخاصة؛ أي: قاتلوهم بأجمعِكم مجتمعين على قتالهم، [كما] أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة، يريد تعاونوا وتناصروا على ذلك، ولا تخاذلوا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين على الجهاد(١). (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٦ / ٤٤). ٤٤٦ * قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُرْهُ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]: هذا إيجاب من الله للجهاد على المسلمين، أن يكفُّوا شرَّ الأعداء عن حَوْزَةِ الإسلام، قال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد: عليه إذا استُعين أن يعين، أو استُغيث [أن يغيث]، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يُحتَجْ إليه قعد، ﴿وَهُوَّكُزْءٌ لَّكُمْ﴾؛ أي: شديد عليكم، ومشَقَّةٌ، وهو كذلك، فإنه إما أن يُقتل أو يُجرح، مع مشقة السفر، ومجالدة الأعداء. وقوله: ﴿وَعَسَىَ أَنْ تَكْرَ هُوَ أَشَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌلَكُمْ﴾: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم. قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمُّ﴾، ومن ذلك القعود عن القتال، فإنه قد يعقبه استيلاءُ العدوِّ على البلاد، والله أعلم بعواقب الأمور منكم، وبما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم. (م): المكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلاً شاقاً على النفس، بل التكليف [عبارة] عن إلزام ما في فعله كُلْفٌ ومشقة، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياةُ، فلذلك أشقُّ الأشياء على النفس القتالُ(١). وقوله: ((وهو خير لكم))؛ أي: ربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل، وبالضِّدِّ، ولأجله حَسُنَ شربُ الدواء المرِّ في الحال؛ لتوقع حصول الصحة في المستقبل، وحسن (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٦ / ٢٤). ٤٤٧ [تحمُّل] الأخطار في الأسفار؛ لتوقع الربح، وكذلك الجهاد فإن من تحمَّل ألمَ القتل بسبب رضوان الله كان متيقناً بفضل الله ورحمته، وأنه لا يضيع أجر المحسنين، وبأن لذَّاتِ الدنيا أمورٌ باطلة، ومتى كان العبد كذلك فارق الدنيا على حبِّ الله، وبغض الدنيا، وذلك مِن أعظم سعادات الإنسان(١). * قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ﴾ [التوبة: ١١١] : يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قَبِلَ العِوضَ عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بایعھم - والله - فأغلى ثمنهم. وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله ◌َ في عنقه بيعة وفّ بها، أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية . ولهذا يقال لمن حمل في سبيل: بايع [الله]؛ أي: قبل هذا العقد ووفّى به، قال عبدالله بن رواحة لرسول الله وَ ◌ّهـ يعني ليلةَ العقبة -: اشترط الربك ولنفسك، قال: ((أَشْتَرِطُ لرَبِّي أنْ تَعْبُدوهُ ولا تُشرِكُوا به شيئاً، وأشْترِطُ لنَفْسِي أنْ تَمْنَعُوني ممَّا تَمنعُونَ منهُ أنفُسَكُم وأموالَكُم))، قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: ((الجَنَّةُ))، قالوا: ربح البيعُ، لا نُقِيلُ ولا نستقيل، فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ اُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١](٢). (١) المرجع السابق (٦ / ٢٤). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧/ ٢٩١). ٤٤٨ قوله: ﴿فَيَقْتُّلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ﴾؛ أي: سواء قتلوا أو قُتلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد وجبت لهم الجنة . وقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾: تأكيد لهذا الوعد، وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه، ونزّله على رسله في كتبه الكِبارِ، وهي التوراةُ المُنزَّلة على موسى، والإنجيلُ المُنزَّل على عيسى، والقرآنُ المُنزَّل على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: ولا أحدَ أعظمُ وفاء بما عاهد عليه مِن الله، فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد، ووفّ بهذا العهد بالفوز العظيم، والنعيم المقيم. (م): قال أهل المعاني: لا يجوز أن يشتري الله شيئاً في الحقيقة؛ لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك، ولهذا قال الحسن: أنفساً هو خلقها، وأموالاً هو رزقها، لكن هذا ذكره الله لحسن التلطّف في الدعاء إلى الطاعة . وفي الآية لطيفة، وهي: أن المشتري لا بدَّ له من تقديم البائع، وهاهنا البائع هو الله، والمشتري هو الله، وهذا إنما يصح في حق القَيِّمِ بأمر الطفل الذي لا يمكنه رعايةُ المصالح في البيع والشراء، وصحة هذا البيع مشروطة برعاية الغِبْطة العظيمة، فهذا المثل جارٍ مَجرى التنبيه على كون العبد كالطفل الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه، وأنه تعالى هو المُراعي لمصالحه بشرط الغبطة . واعلم: أن الإنسان عبارة عن الجوهر الأصلي الباقي، وهذا البدن ٤٤٩ يجري مجرى الأداةِ والآلةِ والمَرْكَبِ له، وكذلك المال خُلِقَ وسيلةً إلى رعاية مصالح هذا المَرْكب، والله تعالى اشترى من الإنسان هذا المَركبَ وهذا المالَ بالجَنَّة؛ لأن الإنسان ما دام متعلِّقَ القلب بمصالح هذا الجسم المتبدِّل ـ وهو البدن والمال - امتنع وصوله إلى السعادة العالية الحقيقية، فإذا انقطع التفاته عنها، وبلغ ذلك الانقطاعُ إلى أن عَرَّضَ البدنَ للقتل، والمالَ للإنفاق في طلب رضوان الله، فقد رجح الهدى على الهوى، والمولى على الدنيا، وأحد العوضين: الجسدُ البالي، والمالُ الفاني، والعوضُ الثاني: الجنة الباقية، والسعادة الدائمة، فالربح حاصل، والغم زائل، فلهذا قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُواْ﴾ [التوبة: ١١١]. واعلم: أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات، أولها: كونُ المشتري هو الله المُنزَّه عن الكذب والحيلة، ثانيهما: تعبيره عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء، ثالثها: قوله: ﴿وَعْدًا﴾ [التوبة: ١١١]، ووَعْدُ الله حقُّ، رابعها: كلمة ﴿عَلَيْهِ﴾ للوجوب، خامسها: [قوله]: ﴿حَقًّا﴾ [التوبة: ١١١]، وهو تأكيد للتحقيق، سادسها: قوله: ﴿فِي التَّوْرَكَةِ وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ﴾ [التوبة: ١١١]، وذلك يجري مجرى إشهادِ جميع الكتب الإلهية، [وجميع الأنبياء والرسل]، سابعها: قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] [وهو غاية في التأكيد]، ثامنها: قوله: ﴿يِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ،﴾ [التوبة: ١١١] [وهو أيضاً مبالغة في التأكيد]، تاسعها: قوله: ﴿اُلْفَوْزُ ﴾ [التوبة: ١١١]، عاشرها: قوله: ﴿اَلْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١](١) . (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٦ / ١٥٨). ٤٥٠ * قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَمِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]: سبق تفسيره في الحديث من (الباب الأول). * قوله: ﴿وَكُلَّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]: فيه دلالة على أن الجهاد [ليس] بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية، ثم أخبر تعالى بما فضَّل اللهُ المجاهدين من الدرجات في غُرَف الجنات العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، إحساناً منه وتكريماً، فقال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةَ وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]. * قوله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَذْكُ عَلَ تِجَزَوْنُجِكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]: أراد الصحابة أن يسألوا عن أحب الأعمال إلى الله وفق ؛ ليفعلوه، فأنزل الله هذه السورة، ومن جملتها هذه الآية، ثم فسّر هذه التجارة العظيمة التي لا تبور بقوله: ﴿نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الصف: ١١] إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [الصف: ١١]؛ أي: من تجارة الدنيا والكدّ لها، ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢]؛ أي: إن فعلتم ما أمرتكم به غفرتُ لكم الزلاتِ، وأدخلتُكم الجناتِ، والمساكنَ الطيباتِ، والدرجاتِ العاليات، ويزيدُهم على ذلك زيادةً يحبونها، وهي ﴿َنَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنَحْ فَرِيبٌ﴾ أي: عاجل فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة، لمن أطاع الله ورسوله ونصر دينه، فإنَّ من قاتل في سبيل الله، ونصر دينه؛ تكفَّل الله بنصره. (م): التجارة عبارة عن معاوضة الشيء بالشيء، وكما أن التجارة تُنجي التاجرَ من محنة الفقر وزحمة الصبر، فكذا هذه التجارة، وكما أن في التجارة الربحَ والخسرانَ، فكذا في هذا، فإن من آمن وعمل صالحاً؛ فله الربح الظاهر، ومن أعرض عن العمل الصالح؛ خسر خسراناً مبيناً. ٤٥١ والجهادُ بعد هذين الوجهين ثلاثةٌ: جهادٌ فيما بينه وبين نفسه، وهو قهر النفس، ومنعُها من اللذات والشهوات، وجهادٌ فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع منهم، وأن يشفق عليهم ويرحمهم، وجهادٌ فيما بينه وبين الدنيا، وهو أن يتخذها زاداً لمَعادِهِ، فيكون [على] خمسةِ [أوجه](١). ١٢٨٥ - عَنْ أَبِي هُرِيرَةَ﴾، قالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِلَهُ: أَيُّ الأَعمال أَفْضَلُ؟ قالَ: ((إيمانٌ بِاللهِ ورَسُولِهِ))، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الچِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ))، قِيلَ: ثُمَّ ماذَا؟ قالَ: ((حَجٌّ مَبْرُورٌ)) متفقٌ علیهِ . * قوله: ((سئل رسول الله ◌َّ﴿ أي العمل أفضل؟))، سبق في الباب قبله. ١٢٨٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿هِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى الله تَعَالَى؟ قَالَ: ((الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا))، قُلْتُ: ثُمَّ أَمِّ؟ قالَ: ((بِرُّ الوَالِدَيْنِ))، قُلْتُ: ثُمَّ أٌّ؟ قالَ: ((الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله)) متفقٌ عليهِ. (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٩/ ٢٧٤ - ٢٧٥). ٤٥٢ * قوله: ((أي العمل أحب إلى الله؟))، سبق في (الباب الأربعين). * ١٢٨٨ - وَعَنْ أَنَسِ ﴿هِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((لَغَدْوَةٌ في سَبِيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها)) متفقٌ عليهِ. * قوله : «الغدوة في سبيل الله أو روحة)): (ن): (الغَدوة) بفتح الغين: السيرُ أولَ النهار، و((الروحة)): السيرُ من الزوال إلى آخر النهار، و((أو)) هاهنا للتقسيم، لا للشك، ومعناه: أن الروحة يحصل بها هذا الثواب، وكذا الغدوة، والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدوِّ والرواح من بلدته، بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة أو روحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غُدُوُّه ورَواحُه في موضع القتال؛ لأن الجميع يُسمَّى غَدوةً ورَوحةً في سبيل الله، ومعنى هذا الحديث: أن فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، وثوابها خيرٌ من نعيم الدنيا كلُّها، لو ملكها إنسان و[تُصُوِّر] تنقُّمُه بها كلِّها، ونعيمُ الآخرة باقٍ. قال القاضي: وقيل: في معناه [ومعنى] نظائره من تمثيل أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا: إنها خير من الدنيا و[ما] فيها لو ملكها إنسان، وملك جميعَ ما فيها وأنفقه في أمور الآخرة، قال: وليس تمثيلُ الباقي بالفاني على ظاهر إطلاقه(١). (ق): هذا القول الأخير [أليقُ]، والقول الأوّل أسبقُ، وهذا إنما هو (١) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٣ / ٢٦ - ٢٧). ٤٥٣ على المستقر في النفوس من تعظيم ملك الدنيا، وأما على التحقيق؛ فلا تدخل الجَنَّةُ مع الدنيا تحت (أَفْعَلُ) إلا كما يقال: العسل أحلى من الخل(١). ١٢٨٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ ﴾، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبيلِ الله))، قال: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» متفقٌ عليهِ. * قوله وَلخر: ((مؤمن يجاهد بنفسه وماله))، سبق في (الباب التاسع والستين). ١٢٩٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ◌َ﴿هُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ قَالَ: (رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيًا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، والرَّوْحَةُ يَرُوحُها العَبْدُ في سَبيلِ الله تَعَالى، أَوِ الغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا)) متفقٌ عليه. * قوله مقلجر: ((رباط يوم في سبيل الله)): (نه): (الرباط) في الأصل: الإقامةُ على جهاد العدو بالحرب، وارتباطُ الخيل وإعدادُها، والمرابطة: أن يربط الفريقان [خُيولَهم] في ثغرٍ، كلٌّ منهما (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧١٠). ٤٥٤ مُعِدٌّ لصاحبه، فسُمِّي المقام في الثغور: رباطاً، ويكون الرِّباطُ مصدرَ رابطْتُ؛ أي: لازمتُ(١). ١٢٩١ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﴿ه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهُ يَقُولُ: ((رِباطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامٍ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ فِهِ، جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَانَ» رواهُ مُسلمٌ. * قوله: «وإن مات جری علیه عمله»: (ط): الضمير في ((مات)) راجع إلى المُرابِطِ، وإن لم يَجْرِ له ذكر؛ لدلالة الرباط عليه(٢). (ن): هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجريان عملِه عليه بعد موته فضيلةٌ مختصة به، لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء [صريحاً] في غير ((مسلم)): ((كُلُّ مَيْتٍ يُخْتَمُ على عَملِهِ، إلاَّ المُرابِطَ فإنَّه يُنْمَى لَهُ عَملُه إلى يَومِ القِيامِ»(٣). (ط): معنى [وجرى عليه عمله)): كقوله]: جرى عليه القضاء؛ أي: يقدر له من العمل بعد الموت، كما جرى منه قبل الممات فـ ((جری)) هاهنا بمعنى : قُدِّر. (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ١٨٥ - ١٨٦). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٢٧). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٦١)، والحديث رواه الترمذي (١٦٢١). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٢١٨). ٤٥٥ ونحوه في المريض قولُهُ وَّهِ: ((إِنَّ العَبدَ إذا كانَ على طَرِيقَةٍ حَسَنةٍ مِنَ العِبادَةِ، ثُم مَرِضَ، قيل لِلمَلَكِ المُوكَّلِ به: اكْتبْ لهُ مِثلَ عَمِلِه إذا كان طَلِيقاً)(١)، ولما كان قولُهُ وَّهِ: ((أُجْرِيَ عَليهِ رِزْقُه)) تلميحاً إلى قوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]؛ أُجْرِيَ مُجراه في البناء على المفعول(٢). (ن): قوله: ((وأجرى عليه رزقه)) موافق لقولِ الله تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، والأحاديثِ الواردةِ: أن أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة . * وقوله: ((أمن الفتَّان»: ضبطوا (أمن) بوجهين، أحدهما: بفتح الهمزة، وكسر الميم، من غير واو، والثاني: أومن بضم الهمزة، وبواو، وأما (الفُتَّان)) فبضم الفاء: جمع فاتن، ورواية الطبري بالفتح، ورواية أبي داود في «سننه)): ((وأَمِنْ مِنْ فَتَّان القَبْرِ))(٣). (ق): رُويَ بضم الفاء من أكثر الرواة، ويكون للجنس؛ أي: يؤمن كل ذي فتنة (٤). (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٢٠٣) من حديث عبدالله بن عمروظـ وإسناده حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٣٤٢١). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٢٧). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٦١)، والحديث رواه أبو داود (٢٥٠٠) من حديث فضالة بن عبيد ظه، وذكره الطبري في ((تفسيره)) (١٦ / ٥٨). وهو حديث صحیح. انظر: «صحيح أبي داود)) (٢٢٥٨). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٥٦). ٤٥٦ (ط): إذا رُوِيَ بالفتح فالوجه ما قيل من أن المراد منه: الذي يفتن المقبورَ بالسؤال فيعذبه، وإن رُوِيّ بالضم فالأولى أن يحمل على أنواع من الفتن بعد الإقبار، من ضَغطةِ القبر، والسؤالِ، والتعذيبٍ في القبر، وبعدَه من أهوال القيامة(١). (تو): يؤيد هذا ما ورد في بعض طرق هذا الحديث عن سلمان: ((ومَنْ ماتَ فيه وُقِيَ فِتنةَ القَبِ))(٢)، وما ورد في حديث المقدام: ((ويُجَارُ مِن عَذابِ القَبِ)(٣)، يعني: الشهيدَ. وقيل: ((الفَتَّان)) بفتح الفاء، يريد به: الشيطانَ الذي يفتن الناس بخداعه وغروره، وتزيينه لهم المعاصيَ، والوَجْهُ الأولُ. ١٢٩٣ - وَعَنْ عُثْمَانَ ◌َ﴿ه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَه يَقُولُ: ((رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلَّفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ)) رواه الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. * قوله ميمي: ((رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» : (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٢٧). (٢) رواه الترمذي (١٦٦٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٤٨١). (٣) رواه الترمذي (١٦٦٣). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٣٧٥). ٤٥٧ (ط): فإن قلتَ: ((المنازل)) جمعٌ مُحلَّىَ بلام الاستغراق، فيلزم أن تكون المرابطة أفضل من المجاهدة في المعركة، ومن انتظار الصلاة في المساجد، وقد قال فيه: ((فذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ))(١)، قلتُ: هذا في حق من فُرِضَ عليه المرابطةُ، وتعيَّن بنصب الإمام(٢). ١٢٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ ى: ((تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ في سَبِيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إِلَّ جِهَادٌ في سَبِيلي، وَإِيمانٌّ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلي؛ فَهُوَ ضامِنٌ عَلَيَّ أَنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ أُرْجِعَهُ إلى مَنْزِلِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بما نَلَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! ما مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ في سَبيلِ اللهِ، إِلاَّ جاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ كُلِمَ؛ لَوْنُهُ لَوْنُ دَم، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكٍ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى المُسْلِمِينَ، مَا قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ الله أَبَداً، وَلكِنْ لا أَجِدُ سَعَةٌ فَأَحْمِلَهِمْ، وَلا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّوا عَنِّي. وَالَّذِي نَفَسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأُقْتُلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ، فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ؛ فَأُقْتَلَ)). رواهُ مُسلمٌ، وروى البخاريُّ بَعْضَهُ. ((الكَلْمُ)»: الجرُ. (١) رواه مسلم (٢٥١) من حديث أبي هريرة حظه. (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٤٦٤٨). ٤٥٨ * قوله ◌َلي: «تضمن الله لمن خرج في سبيله)): (ن): في رواية: ((تَكَفَّلَ الله)) معناهما: أوجب الله تعالى له الجنة بفضله وكرمه سبحانه وتعالى، وهذا الضمان والكفالة موافقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ﴾ [التوبة: ١١١] الآيةَ(١). (ق(٢)): لأن من اشتری شیئاً تعيَّن علیه ثمنُه، فكذلك من ضمنه، وهذا كله عبارة أن هذا الجزاء لا بدَّ منه، إذ قد سبق هذا في عمله، ونافذٍ حُكمِه(٣). * قوله: ((لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي)» : (ن): هكذا في جميع النسخ ((جهاداً) بالنصب، وكذا [قال] بعدَه: ((وإيماناً وتصديقاً))، وهو منصوب على أنه مفعول له، وتقديره لا يخرجه المُخْرِجُ، ويحرّكه المُحَرِّكُ إلا للجهاد والإيمان والتصديق(٤). (ط): على رواية الرفع: المستثنى منه أعَمُّ عامٌ [الفاعل؛ أي: لا يُخرجه مُخرِج، ولا يحرِّكه مُحرِّك إلا إيمان وتصديق، وعلى رواية النصب: المستثنى منه أعم عامٌ] المفعولِ له؛ أي: لا يخرجه المُخرِج، أو [يحرِّكه] المُحرِّك لشيء من الأشياء إلا للإيمان والتصديق(٥) . (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٠). (٢) في الأصل ((ط))، والصواب المثبت. (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٠٥). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٠). (٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٢٤ - ٢٦٢٥). ٤٥٩ (ك)(١): يقتضي أن يقال: ((في سبيله)) ((إيمانٌ به))، فعدل من الغَيبة إلى التكلُّم التفاتاً، أو ذُكِر على سبيل الحكاية من قول الله تعالى(٢). (ن): فهو ضامن بمعنی: مضمون، کماء دافقٍ بمعنی : مدفوق، وقيل: إنه بمعنی : ذو ضمان. * وقوله: ((أن أدخله الجنة»: قال القاضي: يحتمل: أن يدخله عند موته، كما قال تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَّهُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَفُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وفي الحديث: ((أرواحُ الشُّهداءِ في الجَنِةِ))، ويحتمل: أن يكون المراد دخولُ الجنة عند دخول السابقين والمُقرَّبين بلا حساب ولا عذاب، ولا مؤاخذة بذنب، وتكون الشهادةُ مُكفِّرةً لذنوبه(٣). * قوله: ((أو أُرجعه إلى مسكنه): (ك): (رجع) جاء لازماً من الرجوع، ومتعدياً من الرَّجْع، و((نال))؛ أي: أصاب، وجاء على لفظ الماضي؛ لتحقق وعد الله تعالى(٤). (ق): يعني: أن الله تعالى ضمن له إحدى الحسنين، إما الشهادة فيصير إلى الجنة، وإما الرجوع إلى وطنه بالأجر والغنيمة(٥). (ن): ((أو غنيمة)) معناه: ما حصل له من الأجر بلا غنيمة، إن لم يغنموا، (١) في الأصل: ((ق))، والصواب المثبت. (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٥٥). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٠). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٥٦). (٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٠٥ -٧٠٦). ٤٦٠