النص المفهرس
صفحات 421-440
كتاب الحج 3 كِتَاب الجخ * قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. (الباب الرابع والثلاثون بعد المئة) (في الحج) (نه): الحج في اللغة: القصد إلى كل شيء، وخصَّه الشرعُ بقصدِ مَعيَّنِ ذي شروط معلومة، وفيه لغتان: الفتحُ، والكسرُ، وقيل: الفتحُ المصدرُ، والكسرُ الاسمُ(١). (ن): الحج بفتح الحاء: هو مصدر، وبالفتح والكسر جميعاً: هو الاسم منه، وأصله: القصدُ، ويطلق على العمل أيضاً، وأصل العمرة: الزيادة . والحج فرضُ عينٍ على كل مكلّفٍ حرِّ مسلمٍ مستطيعٍ، واختلف في وجوب العمرة، فقيل: واجبة، وقيل: مستحبة، وللشافعي قولان، أصحهما: وجوبُها، وأجمعوا على أنه لا يجب الحج ولا العمرة في عمر الإنسان إلا مرة (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٤٠). ٤٢٣ واحدة، إلا أن ينذر فيجيب الوفاء بالنذر، وإلا إذا دخل مكة لحاجة لا تتكرر، ففي وجوب الإحرام بحج أو عمرة خلاف، وهما قولان للشافعي، أصحهما: استحبابه. واختلفوا في وجوب الحج، هل هو على الفور، أو التراخي؟ فقال الشافعي وأبو يوسف وطائفة: هو على [التراخي] إلا أن ينتهي إلى حال يُظن فواتُه لو أخره عنها، وقال أبو حنيفة ومالك وآخرون: هو على الفور(١). (ق): وكلهم اتفقوا على أنه يجوز تأخيره السنةَ والسنتين؛ لأنه وَله أخَّر الحجَّ سنةً بعد إيجابه بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] الآيةَ، وهذه آية وجوب الحج عند الجمهور، وهو أحد أركان الإسلام ودعائمه(٢). عن أنس ◌َُ: أن رسول الله وَ ل﴿ سئل عن قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فقيل: ما السبيل؟ قال: ((الزَّادُ والرَّاحِلَةُ)) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم(٣). وفي ((مسند أحمد)) عن ابن عباس ◌َ ◌ًّا قال: قال رسول الله اله : (تَعَجَّلُوا إِلى الحَجِّ - يعني الفريضة - فإِنَّ أحَدَكُمْ لا يَدْرِي ما يَعْرِضُ لَهُ)(٤)، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٧٢). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢٥٦). (٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٦١٤). وهو حديث ضعيف. انظر: ((إرواء الغليل)) (٩٨٨). (٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٣١٣). وهو حديث حسن. انظر: ((إرواء الغليل)) (٩٩٠). ٤٢٤ وله عن ابن عباس مرفوعاً: ((مَن أَرادَ الحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ))(١). قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾؛ أي: ومن جحد فَرْضِيَّةَ الحج؛ فقد كفر والله غني عنه . وروى ابن مردويه عن علي ◌ُه قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَن مَلكَ زَاداً وراحِلَة ولَم يَحُجَّ بيتَ اللهِ؛ فَلا يَضُرُّه ماتَ يَهُودياً، أو نَصْرانياً، ذَلِكَ بأنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ اُلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧])». ورواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والترمذي، وفي إسناده مقالٌ(٢)، لكن صح عن عمر بن الخطاب ظه: من أطاق الحج فلم يحج، فسواءٌ عليه مات یهودیاً أو نصرانياً(٣). ورُويَ عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كلَّ من كان له جِدَةٌ فلم يحج، فيضربوا عليهم الجِزْيةَ، ما هم بمسلمين (٤). (م): في هذه الآية أنواعٌ من التوكيد، أحدها: قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٢١٤). وهو حديث حسن. (٢) رواه الترمذي (٨١٢)، وابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٤ / ١٦)، وابن أبي حاتم في («تفسيره)) (٣/ ٧١٣). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٧٥٣). (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٤٤٥٥). (٤) رواه ابن الجوزي في ((التحقيق في أحاديث الخلاف)) (١٢١٣)، وهو مرسل؛ لأن الحسن لم يسمع من عمر ته. انظر: ((تنقيح التحقيق)) لابن عبد الهادي (٢/ ٣٩٥). ٤٢٥ حِبُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، والمعنى: أنه سبحانه لكونه إلهاً ألزمَ عبيدَه هذه الطاعةَ، فيجب عليهم الانقيادُ، سواءٌ عرفوا وجهَ الحكمة فيها أم لم يعرفوا، ثانيها: أنه ذكر (الناس)، ثم أبدل عنه من (استطاع إليه) والتفصيلُ بعد الإجمال يدلُّ على شدة العناية والاهتمام، ثالثها: لامُ الملكِ وهي قوله: (والله) وكلمةُ (على) وهي للوجوب، رابعها: إيجابه على كل إنسان يستطيعه، وتعميمُ التكليفِ يدلُّ على شدة الاهتمام، خامسها: قوله: (ومن كفر) مكان (لم يحج) وهذا تغليظ شديد في تارك الحج، سادسها: ذِكْرُ الاستغناءِ، وذلك مما يدل على المَقْتِ والسُّخط والخذلان، سابعها: قوله: (عن العالمين) ولم يقل: (عنه)؛ لأن المستغنيَ عن كلِّ العالمين أولى أن يكون مستغنياً عن ذلك الإنسان الواحد وطاعتِهِ، ومما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج قولُه وَّهِ: ((حُجُّوا قبلَ أنْ لا تَحُجُّوا، فإنَّه قَدْ هُدِمَ البيتُ مَرَّتينٍ، ويُرفَعُ في الثَّالِثِ))(١). ويروى: ((حُجُّوا قبلَ أنْ لا تَحُجُّوا، قبلَ أنْ يَمْنَعَ البَرُّ جانِبَه))(٢)، قيل: معناه: يتعذَّرُ عليكم السفرُ في البَرِّ إلى مكة؛ لعدم الأمنِ، أو غيره. (١) أورده بهذا اللفظ الثعلبي في ((تفسيره)) (٣/ ١٥٧)، والزمخشري في ((الكشاف)) (١/ ٤١٩)، ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٥٠٦)، وابن حبان في ((صحیحه)) (٦٧٥٣) من حديث ابن عمر ه مرفوعاً بلفظ: ((استمتعوا من هذا البيت فإنه قد هدم ... )). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١١١٠). (٢) أورده بهذا اللفظ الزمخشري في ((الكشاف)) (١ / ٤٢٠)، ورواه الدار قطني في (سننه)) (٢ / ٣٠٢) من حديث أبي هريرة ◌ُه بلفظ: ((حجوا قبل أن لا تحجوا)) قيل: ما شأن الحج؟ قال: ((تقعد أعرابها على أذناب أوديتها فلا يصل إلى الحج أحد)). وهو حديث موضوع. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٦٩٧). ٤٢٦ وعن ابن مسعود: حُجُّوا هذا البيتَ قبلَ أن تنبتَ في البادية شجرةٌ لا تأكلُ منها دابةٌ إلا هلكت، انتهى(١). ورُويَ عن أنس بن مالك ظُه، عن رسول الله وٍَّ قال: ((أَوحَى اللهُ إلى آدمَ عليهِ السلامُ: أنْ يا آدمُ؛ حُجَّ هذا البيتَ قبلَ أنْ يَحدُثَ بِكَ حَدَثُ المَوْتِ، قالَ: وما تُحْدِثُ عليَّ يا ربِّ؟ قالَ: ما لا تَذْرِي، وهُو المَوتُ، قال: وما المُوتُ؟ قالَ: سَوفَ تَذُوقُ ... )) الحديثُ بطوله رواه أبو القاسم الأصبهاني(٢). ١٢٧١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((يُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وإِقَامِ الصَّلاةِ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» متفقٌ علیهِ. * قوله وفقير: ((بني الإسلام على خمس))، سبق في (الباب الحادي والثلاثين بعد المئة). (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٨/ ١٣٦). وقول ابن مسعود أورده أيضاً الثعلبي في ((تفسيره)) (٣/ ١٥٧)، والزمخشري في ((الكشاف)) (١ / ٤٢٠). (٢) رواه أبو القاسم الأصبهاني في ((الترغيب والترهيب)) (١٠٤٨). وهو حديث موضوع. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٦٩٧). ٤٢٧ ١٢٧٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾، قالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهَِِّ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ الحَجَّ، فَحُجُّوا))، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يا رَسُولَ الله؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلاثاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: (لَو قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قالَ: ((ذَرُوني ما تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فإذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ، فَأَنُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَإِذَا نَهَيْئُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَدَعُوهُ)) رواهُ مسلمٌ. * قوله: «فقال رجل»: (قض): هو الأقرعُ بن عابس، ((أَكُلَّ عام؟)) أي: تأمرنا أن نحج كلَّ عام، وهذا يدل على أن مجرد الأمر لا يفيد التكرارَ ولا المرةَ، وإلا لما صح الاستفهام، وإنما سكت ◌ّ﴿ حتى قالها ثلاثاً زجراً [له] عن السؤال، [فإنه تقديم] بين يدي رسول الله صلهم منهيٌّ عنه؛ لأنه ◌َّ مبعوث لبيان الشرائع، وتبليغ الأحكام، فلو وجب الحجُّ كلَّ سنة لبينه الرسولُ وَ﴿ لا محالةَ، ولا يقتصر على الأمر به مطلقاً، سواء سئل أو لم يسأل، فيكون السؤال استعجالاً ضائعاً، ثم [إنه لما] رأى أنه لا ينزجر به، ولا يقنع إلا بالجواب الصريح؛ أجاب عنه بقوله: ((لَو قُلْتُ: نَعَم لَوجَبَ كلَّ عامِ حَجَّةٌ))، فأفاد به أنه لا يجب كل عام؛ لما في (لو) من الدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، وأنه إنما [لم] يتكرر لما فيه من الحرج والكلفة الشاقة، ونبه على أن العاقل ينبغي له أن لا يستقبل الكُلَفَ الخارجةَ عن وُسْعِهِ، وأن لا يسأل عن شيء ٤٢٨ إن يُبْدَ له أساءَهُ، ويحتج بهذا الحديث من جوز تفويض الحكم إلى رأي النبي ◌َّ، وهو ضعيف؛ لأن قوله: [((ولو قلت)) أعمُّ من أن يكون قولاً] من تلقاء نفسه، أو من وَحْيٍ نازلٍ، والدالُّ على الأعمِّ لا يدلُّ على الأخصّ، لكنه يدل على أن الأمر للوجوب؛ لأن قوله: ((لو قلت: نعم، لوجب)) إنما يصح إذا كان الأمر مقتضياً للوجوب(١). * وأما قوله ◌َير: ((ذروني ما تركتكم ... )) إلى آخر الحديث؛ فقد سبق شرحه في (الباب السادس عشر). ١٢٧٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: سُئلَ النَّبيُّ ◌َّهِ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قالَ: ((إيمَانٌ بِالله وَرَسُولِهِ))، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قالَ: ((الچِهَادُ في سَبِيلِ الله))، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((حَجٌّ مَبرُورٌ)). متفقٌ عليه. ((المبرُورُ)»: هُوَ الَّذِي لا يرتَكِبُ صَاحِبُهُ فِيهِ مَعْصِيَةً. * قوله: ((سئل رسول الله وَ له: أيُّ العمل أفضل)): وجه الجمع بين هذا الحديث وبين ما جاء في معناه سبق في (الباب الثالث عشر). * قوله: «الجهاد»: (ك): أي: القتال مع الكفار لإعلاء كلمة الله، وإنما جعله أفضلَ من غيره؛ لأنه بذلُ النفسِ في سبيل الله . (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢/ ١٢٠ - ١٢١). ٤٢٩ والجُودُ بالنَّفْسِ أَقْصَى غايةِ الجُودِ و(الجهادُ) إما مبتدأ محذوفُ الخبر، أو خبرٌ محذوفُ المبتدأ، وكذلك أخواه، ثم الأفضل بعدَه هو الحج؛ لأنه عبادة مركّبة من العبادة البدنية والمالية(١). (ن): الحج المبرور هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، ومنه: برَّتْ يمينُه، إذا سَلِمَ من الحِنْث، وبَرَّ بيعُه، إذا سلم من الخداع، وقيل: المبرور: المُتقبّل، وقال الحربي: بُرَّ حجُّك بضم الباء، وبَرَّ حجُّك بفتحها، إذا رجع مبروراً، وفي الحديث: (بِرُّ الحَجِّ إْعامُ الطَّعامِ، وطِيبُ الكَلامِ))(٢)، فعلى هذا يكون من البِرِّ، الذي هو فعلُ الجميل، قال: ويجوز أن يكون المبرورُ الصادقَ الخالصَ لله تعالى، وقال الجوهري : بَرَّ حَجُّه، وبُرَّ حَجُّه، بفتح الباء وضمها، وبَرَّ اللهُ حجّه، وقول من قال: المبرورُ المتقبَلُ قد يُستشكل من حيث إنه لا اطلاعَ على القبول، وجوابُه: أنه قد قيل: من علامات القبول أن يزداد بعدَه خيراً(٣). (ط): يقال: بَرَّه: أحسنَ إليه، فهو مبرور، ثم قيل: بَرَّ اللهُ عملَه: إذا قَبِلَه، كأنه أحسنَ إلى عمله بأن قَبِلَه، ولم يَرُدَّه، وعلامة كونه مقبولاً الإتیانُ بجميع أركانه وواجباته، مع إخلاص النية واجتناب ما نهي عنه. (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٢٦). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٧٧٨) من حديث جابر ظه. وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٠٩٤). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٧٤ - ٧٥). ٤٣٠ وقوله: ((إيمان بالله، والجهاد، وحج مبرور)): أخبارُ مبتدأ محذوفٍ، نكَّر الإيمان؛ ليُشعر بالتعظيم والتفخيم؛ أي: التصديقُ المُقارَنُ بالإخلاص، المُستَتْبِعُ للأعمال الصالحة، وعرَّف الجهادَ؛ ليدل على الكمال، لأن الخبر المعرَّف باللام يدل على الاختصاص، كما قال: ((فَذَلِكُمُ الرِّباطُ))، ووصَف الحجَّ بالمبرور؛ ليدل [بما يدل] التنكيرُ في الإيمان، والتعريفُ في الجهاد، فإن قلت: لم لا تحملها على الابتداء محذوفةَ الأخبار؟ قلتُ: يأبى التنكيرُ في ((إيمانٌ)) ذلكَ، على أن المقدَّرَ في الكلِّ: ((أفضلُ الأعمال))، وهو أعرفُ من ((حج مبرور)) ومن ((إيمان بالله))، فأُجْرِيَ [((الجهاد))] مُجراهما مراعاة للتناسب(١). (ك): عرَّف الجهادَ، ونكَّر الإیمانَ والحجَّ؛ لأنهما لا یتکرر وجوبهما، بخلاف الجهاد فإنه قد يتكرر، فالتنوين للإفراد الشخصي، والتعريف للكمال، إذ الجهاد لو أتى به مرةً مع الاحتياج إلى التكرار؛ لما كان أفضل(٢). ١٢٧٤ - وَعَنْهُ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يقولُ: ((مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». متفقٌ عليهِ. * قوله تيار: ((فلم يرفث»: (ن): رَفَث، ورَفِث، بفتح الفاء وكسرِها، يرفُثُ، [ويرفِث] ويرفَتُ (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٣٨). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري) للكرماني (١ / ١٢٧). ٤٣١ بضم الفاء وكسرها وفتحِها(١). (نه): الرفث: التصريح بذكر الجماع، والإعرابُ به، وقال الأزهري: هو كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة (٢). (ط): قال سعيد بن جبير: في قوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجْ ﴾ [البقرة: ١٩٧]: الرفث: إتيانُ النساء، والفسوق: السِّباب، والجدال: المِراءُ، يعني: مع الرُّفقاء والخَدَمِ والمُكارين، وإنما لم يذكر الجدال في الحديث اعتماداً على الآية، والفاء في ((فلم يرفث)) معطوف على الشرط، وجوابُه: ((رجع))؛ أي: صار، والمجرور خبر، ويجوز أن يكون حالاً؛ أي: رجع مشابهاً لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه(٣). (ك): لفظ ((كيوم)) يجوز فيه البناء على الفتح (٤). ١٢٧٥ - وعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قالَ: ((العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، والحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّ الجَنَّةُ)) متفقٌ عليه. * قوله : ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما): (ن): هذا ظاهر في فضيلة العمرة، وأنها مكفِّرة للخطايا الواقعة بين (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١١٩). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢٤١). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٣٩). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٦٠/٨). ٤٣٢ العُمْرتين، وسبق بيان هذه الخطايا، وبيانُ الجمع بين هذا الحديث وأحاديثٍ تكفيرِ الوضوء الخطايا، وصومٍ عاشوراء، واحتج بعضُهم في نصرة مذهب الشافعي والجمهور: في استحباب تكرر العمرة في السنة الواحدة مراراً، وقال مالك وأكثر أصحابه: يكره أن يعتمر في السنة أكثرَ من عمرة واحدة، قال القاضي: وقال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثرَ من عمرة. واعلم: أن جميعَ السنة وقتٌ للعمرة، إلا من هو ملتبس بالحج، فلا يصح اعتماره حتى يفرغ من الحج، وبهذا قال مالك وأحمد والجماهير، وقال أبو حنيفة: تكره العمرة في خمسة أيام: يومٍ عرفةَ والنحرِ و[أيام] التشريقِ. ومعنى قوله ◌َّه: ((ليس له جزاء إلا الجنة)): أنه لا يُقتصَرُ لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بدَّ أن يدخل الجنة (١). ١٢٧٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! نَرَى الچِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ فَقَالَ: ((لَكِنْ أَفْضَلُ الجِهَادِ حَجِّ مَبْرورٌ» رواهُ البخاريُّ. * قوله آله: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور»: سبق وجه الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث الواردة في تفضيل الجهاد على الحج في أول (الباب الثالث عشر). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١١٧ - ١١٨). ٤٣٣ ١٢٧٧ - وَعَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدَاً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمٍ عَرَفَةَ)) رواهُ مسلمٌ. * قوله ويثير: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة)» : (ق): روينا ((أكثر)) رفعاً ونصباً، فرفعُه على التميمية، ونصبُه على الحجازية، وهو في الحالین خبرٌ لا وصف، والمجروران بعده مبنیان، فـ ((من يوم عرفة)) يبين الأكثرية مما هي، و((من أن يعتق)) يبين المميز، وتقدير الكلام: ما يومٌ أكثرُ من يوم عرفة عتيقاً من النار(١). (ن): هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك، ولأصحابنا في أفضل الأيام وجهان، أصحهما: أنه يوم عرفة، وثانيهما: أنه يوم الجمعة؛ لقوله وَّهِ: ((خَيرُ يومٍ طَلَعَتْ عليهِ الشَّمسُ يومُ الجُمُعةِ))(٢)، ويتأول هذا الحديث على أنه أفضل أيام الأسبوع، انتهى(٣). يوم عرفة أفضل أيام الدنيا، كما خرّجه ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث جابر (٤)، وذكر أبو زكريا النووي عن البغوي وغيره: أن يومَ عرفة أفضلُ أيام السنة، وعلى المرجح من المذهب لو قال رجل لزوجته: (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٦٠). (٢) رواه مسلم (٨٥٤) من حديث أبي هريرة ضـ (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١١٧). (٤) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٨٥٣). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب» (٧٣٨). ٤٣٤ أنت طالق في أفضل أيام الدنيا، طُلقتْ يومَ عرفة(١). قال أبو بكر بن الأنباري: إنما سُمِّتْ يومَ عرفة؛ لأن جبريل علّم إبراهيمَ عليهما السلام المناسكَ كلَّها بعرفةَ، فقال: أَعَرَفْتَ في أي موضع تطوفُ، وفي أيِّ موضع تسعى، وفي أي موضع تقف، وفي أي موضع تنحر وترمي؟ فقال له: عَرَفْتُ، فسُمِّيت عرفةَ، وجاء نحوه عن أبي مِجْلَز وابن عباس، وقال الضحاك: إنما سُميت بذلك؛ لأن آدمَ عليه السلام وقع بالهند، وحواءَ بجُدَّة، فاجتمعا بعرفةَ وتعارفا. وعن ابن عباس ظطه: أن إبراهيم عليه السلام رأى ليلةَ التروية في منامه أنه يُؤمَر بذبح ابنه، فلما أصبح رَوَّى يومَه أجمعَ؛ أي: فكر، أَمِنَ الله ذلك الحلم، أم من الشيطان؟ فسُمِّيَ اليومُ من فكرته ترويةً، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله رَق ، فسُمِّيَ اليومُ عرفةَ، وقيل: سمي بذلك لطيب رائحته، مأخوذ من العَرْفِ، الذي هو الأَرَجُ الطيِّبُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُدِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَالَهُمْ﴾ [محمد: ٦]؛ أي: طيّبها في أحد التأويلين، وقيل: إن آدم اعترف بذنبه فيه، فوقعت له التوبة والقبول فيه، وقيل: سُمِّيَ بذلك لأن الناس يتعارفون بعرفات، كالرَّكْب الشامي يعرف أخبارَ العراقي، والعراقي أخبارَ اليماني، وقيل: لأن الناس يعترفون هناك بذنوبهم، وقيل: لأن الحُور العِين تستأذن رِضوانَ، فيَطَّلِعْنَ على أزواجهن في يوم عرفة، فِيَعْرِفْنَ أزواجهن، فسُميت عرفة لذلك. ذكره الترمذي الحكيم في كتابه ((أسرار الحج)). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٤٢). ٤٣٥ بقية هذا الحديث: ((إنَّهُ ليَدنُو، ثمَّ يُباهِي بِهِمْ المَلائِكةَ، فيقولُ: ما أراد هؤلاء» : (ن): هذا دنوّ رحمتِه وكرامته، لا دُنُّ مسافة ومماسة، كما رُويَ في حديث آخر: (ما رُِيَ الشَّيطانُ يوماً هو فيهِ أَصْغرُ ولا أَدْحَرُ ولا أَحْقَرُ ولا أَغْيَظُ منهُ في يوم عرفةَ، وما ذاكَ إِلاّ لِمَا يَرى مِن تَنَزُّلِ الرّحْمَةِ، وتَجاوُزِ اللهِ عنِ الذُّنوبِ العظامِ))(١) الحديثَ، وقد يريد: دُوَّ الملائكة إلى الأرض، أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة(٢). (ق): ((يباهي بهم الملائكة)) أي: يثني عليهم عندَهم، ويعظمُهم بحضرَتِهم، كما في حديث آخر: «انظُروا إلى عِبادِي، جاؤوني شُعْئاً غُبْراً، أُشْهِدُكُم أَنِّي قد غَفَرْتُ لَهُم))(٣)، وكأنَّ هذا - والله أعلم - تذكير للملائكة بقول: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وإظهارٌ لتحقيق قولِه: ﴿إِنَّّ أَعْلَمُ ﴾ [البقرة: ٣٠]. وقوله: ((ما أراد هؤلاء)»، أي: إنما حملهم على ذلك - حتى خرجُوا عن أوطانهم، وفارقوا أهليهم - ابتغاءُ مرضاتي، وامتثالُ أمري، انتهى(٤). خرّج أبو عبدالله الحاكم من طريق حسين بن عبدالله الهاشمي، عن (١) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١ / ٤٢٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب» (٧٣٩). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١١٧). (٣) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٨٤٠) من حديث جابر ظه. وهو حديث صحيح لغيره. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦٧٩). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٤٦١). ٤٣٦ عكرمة، عن عباس ﴿4﴾ قال: رأيت رسول الله وَ ﴿ يدعو بعرفةَ، يداه إلى صدره، كاسْتِطْعامٍ المساكين. وخرّج أحمد في ((مسنده))، وابن ماجه في ((سنته)): عن عباس بن مرداس : أن رسول الله وَ﴿ دعا لأمته عَشِيةَ عرفةَ بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء، فأجابه: [الله ◌َ] ((إنِّي قد فعلتُ، إلا ظُلمَ بعَضِهِم بعضاً، وأما [ذنُوبُهُم فيما] بَيْنِي وبَينَهُم فقد غفرتها، فقالَ: ((يا رَبِّ إِنَّكَ قادِرٌ أنْ تُثِبَ هذا المَظلومَ [خيراً من مَظلمتِهِ] وتَغْفِرَ لهذا الظَّالِمِ))، فلم يُجَبْ تلكَ العشيةَ بشيء، ثم لما كانت غداةُ المزدلفة أعاد الدعاءَ، فأجابَه [اللهُ عَلَقْ]: ((إني قد غَفَرْتُ لهُم)) ثم تبسم رسول الله ﴿ ﴿ فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله؛ إنك قد تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها! فقال: (َبَسَّمتُ من عَدُوِّ اللهِ إِبليسَ، لَمَّا عَلِمَ أنَّ اللهَ تعالى قد اسْتجابَ لي؛ أَخَذَ يدعُو بالوَيلِ والثُّبُورِ، ويَحْثُو التُّرابَ على رَأْسِهِ))(١). ١٢٧٨ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿﴾: أَنَّ النبيَّ نَِّ قالَ: ((عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً، أَوْ: حَجَّةً مَعِي)) متفقٌ عليهِ .. * قوله وتلف: ((عمرة في رمضان تعدل حجة)): (ن): أي: تقوم مقامها في الثواب؛ لا أنها تعدِلُها في كل شيء، فلو (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ١٤)، وابن ماجه (٣٠١٣). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٧٤٢). ٤٣٧ كان عليه حَجَّةٌ فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن الحجة (١). (ق): إنما عَظُم أجرُ العمرة في رمضان؛ لحرمة الشهر، ولشدةِ النَّصَبِ، والمشقةِ اللاحقةِ من عَمَلِ العمرةِ في الصوم، وقد أشار إلى هذا قوله وَّهُ لعائشة وقد أمرها بالعمرة: ((إِنَّها على قَدْرِ نَصَبِكِ))، أو قال: (نَفَقَتِكِ))(٢). ١٢٧٩ - وَعَنْهُ: أَنَّ امرَأَةً قَالَتْ: يا رَسُولَ الله! إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ في الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِراً، لا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأْحُجُّ عَنْهُ؟ قالَ: ((نعم)). متفقٌ عليهِ. * قولها: ((شيخاً كبيراً» : (ط): (شيخاً) حال، وقوله: (لا يثبت) يجوز أن يكون صفةً بعدَ صفةٍ، وأن يكون من الأحوال المُتداخلة، ويجوز أن يكون (شيخاً) بدلاً؛ لكونه موصوفاً؛ أي: وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ كبير، أو حصل له المال وهو في هذه الحالة، والأول أوجه. وقوله: (أفأحج عنه؟) الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوفة على محذوف؛ أي: أيصح مني أن أكون نائبةً له، فأحج عنه (٣)؟ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩/ ٢). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٣٧٠)، والحديث رواه مسلم (١٢١١) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ /١٩٣٩ - ١٩٤٠). ٤٣٨ (ن): فيه: جواز سماع كلام الأجنبية عند الحاجة في الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك، وفيه: جواز النيابة في الحج عن العاجز المأيوس منه بهرم أو زمانة أو موت، وفيه: جواز حج المرأة عن الرجل، وفيه: برّ الوالدين بالقيام بمصالحها من قضاء دين وخدمة ونفقة وحج عنه وغير ذلك، وفيه: وجوب الحج [على من هو] عاجز بنفسه، مستطيع بغيره، كولده، هذا مذهبنا؛ لأنها قالت: (أدركته فريضة الحج شيخاً كبيراً؛ لا يستطيع أن يثبت على الراحلة)، وفيه: جواز حج المرأة بلا محرم، إذا أمنت على نفسها، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور: جواز الحج عن العاجز بموت أو عَضْبٍ، وهو الزَّمانة والهرم ونحوهما، وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحجَّ حَجَّةَ الإسلام، وحكى النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن الميت ولا غيره، وهي الرواية عن مالك، وإن أوصى به (١). (حس): زعم بعضهم أنه لا يجوز حجُّ المرأة عن الرجل؛ لأنها تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرجل، فلا يحج عنه إلا رجل مثله، وهذا الحدیث یرد علیه(٢). (ق): هذا الذي لا يثبت على الراحلة يُسمَّى بالمَعْضُوب، والعَضْبُ: القَطْعُ، وكأنَّ من انتهى إلى هذه الحالة قُطِعَتْ أعضاؤه، إذ لا يقدر على شيء، وجوز مالكٌ الحجَّ عن الميت، مستدلاً بما خرّجه عبد الرزاق قال: قال (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٢٦ - ٢٧). (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٧ / ٢٧). ٤٣٩ رسول الله وَّهُ: ((إِنَّ اللهَ يُدخِلُ بالحَجَّةِ الواحِدةِ ثلاثةَ الجَنَّةَ، المَيْتَ والحاجّ والمُنَفِّذَ لِذلكَ))(١). ١٢٨٣ - وَعَنْ أَنَسِ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وَكَانَتْ زامِلَتَهُ. رواهُ البخاريُّ. * قوله يليفر: ((حج على رحل)): قال الإمام الغزالي: من الآداب الدقيقة في الحج: أن لا يركب إلا زاملة كما حجَّ رسولُ الله ◌ََّ، أما المحمل فليجتنبه إلا إذا [كان] يخاف على الزاملة أن لا يستمسك عليها لعذر، وفيه معنيان: أحدهما: التخفيف عن البعير، فإن المحمل يؤذيه، الثاني: اجتناب زيِّ المُتْرفين والمتكبرين، وقيل: إن هذه المحامل أحدثها الحَجَّاجُ، فكان العلماء في وقته ينكرونها، وكان ابن عمر * إذا نظر إلى ما أحدث الحَجّاج من الزي والمحامل يقول: الحاجُّ قليل، والركب كثير، ثم نظر إلى رجل مسكين رتّ الهيئة تحته جواليق، فقال: هذا نعم من الحجاج(٢). ١٢٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴾، قَالَ: كَانَتْ عُكَاظُ وَمِجَنَّةُ، وَذُو المَجَازِ أَسْوَاقاً في الجَاهِلِيَّةِ، فَتَأَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي المَواسِمِ، (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٤١ - ٤٤٢، ٤٤٤). (٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (١ / ٢٦٣). ٤٤٠