النص المفهرس
صفحات 361-380
٢٢٠- باب
ما يُقَالُ عِنْدَ رُؤيةِ الهِلالِ
١٢٢٨ - عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله ﴾: أَنَّ النبيَّ ◌َ﴿ كانَ إذا
رَأَى الهِلالَ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ والإِيمَانِ، وَالسَّلامَةِ
والإِسْلامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، هِلالُ رُشْدٍ وخَيْرٍ) رواه الترمذيُّ،
وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ.
* قوله وَلخر: «أهله)):
(ط): رُوِيَ بالإدغام والفكِّ(١).
(قض): الإهلال في الأصل: رفعُ الصوت، نقل منه إلى رؤية الهلال؛
لأن الناس يرفعون أصواتهم إذا رأوه بالإخبار عنه، ولذلك سمي الهلال
هلالاً، ثم نقل منه إلى طلوعه؛ لأنه سببٌ لرؤيته، ومنه إلى اطّلاعه، وفي
الحديث بهذا المعنى؛ أي: أطلعه علينا، وأَرِنا إياه، مقترناً بالأمن
والإيمان (٢).
(١) المرجع السابق (٦ / ١٨٩٧).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٩٨).
٣٦١
(تو): ((ربي وربك الله)) تنزيه للخالق أن يشاركه في تدبير ما خلق
شيءٌ، وفيه رد للأقاويل الداحضة في الآثار العلوية بأوجز ما يُمكن، وفيه
تنبيه على أن الدعاء مستحبٌّ، لاسيما عند ظهور الآيات، وتقلُّب أحوال
النَّيِّرات، وعلى أن التوجه فيه إلى الرب، لا إلى المربوب، والالتفات في
ذلك إلى صنع الصانع، لا إلی المصنوع، انتھی.
ولهذا يستحب صَرْفُ الوجهِ عن الهلال إذا رآه؛ لما في ((سنن أبي
داود)): عن قتادة مرسلاً: أن النبي ◌َّ كان إذا رأى الهلالَ؛ صِرفَ وجهَه
عنه(١)، ورُوِيَ عن ابن عباس ◌َ﴾: أنه كان يكره أن يَنتصبَ للهلالِ انتصاباً،
ولكن يُعرِضُ ويقول: «اللهُ أكبرُ، والحمدُ للهِ الَّذِي ذَهبَ بشَهرِ كَذا، وجاء
بشَهرِ كَذا (٢)»، وكره مجاهد الأصواتَ والإشارةَ عند رؤية الهلال، ولعل
صرف الوجه عنه: أن التشبه بأعداء الله الكفار مذموم، ولما كان القمر قد
عُبِدَ من دون الله؛ استُحِبَّ للموحد أن لا يصْمُدَ نحوَه صمداً، ولا يتوجه
بكُلِّيتِه إليه، وصرف وجهه عنه، كأن حاله يقول: ما أنت إلا مخلوق من
مخلوقات الله، مسخر في قبضته، جعلك ميقاتاً للناس والحجِّ، ولیس
توَجُّهي إلا لخالقك وبارئك، الذي هو ربي وربك، فقدَّم نفسَه في
الاعتراف بعبودية الله على القمر؛ إذ الإنسان أشرفُ منه.
(ط): لما قدم في الدعاء قوله: ((الأمن والإيمان، والسلامة
(١) رواه أبو داود (٥٠٩٣)، وهو مرسل، وقال أبو داود: ليس عن النبي ◌ّ في هذا
الباب حدیث مسند صحيح .
(٢) لم نقف عليه عن ابن عباس، وروى أبو داود في ((المراسيل)) (٥٢٧) نحوه عن
قتادة عن النبي ◌َّ﴿ مرسلاً، وقال: روي متصلاً ولا يصح.
٣٦٢
والإسلام))؛ طلب في كلِّ من الفقرتين دفعَ ما يؤذيه من المضارِّ، وجَلْبَ ما
ينفعه من المنافع، في ألفاظ يجمعها معنى الاشتقاق، وعبّر بالإيمان والإسلام
عنهما دلالة على أن نعمة الإيمان والإسلام شاملة للنعم كلُّها، فدلّ هذا على
عظم شأن الهلال حيث جعله وسيلةً لهذا المطلوب، والتفت إليه قائلاً: ((ربي
وربك الله))، مقتدياً بأبيه إبراهيم حيث قال: ﴿لَا أُحِبُّ الَّفِلِينَ ﴾ [الأنعام: ٧٦]
بعد قوله: ﴿هَذَارَبٌِّ﴾ [الأنعام: ٧٦](١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٩٨).
٣٦٣
٢٢١- باب
فَضْلِ السُّحورِ وتأخيرِهِ
ما لم يَخْشَ طُلُوعَ الفَجْرِ
١٢٢٩ - عَنْ أَنَسِ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: ((تَسَخَرُوا؛
فَإِنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةً)) متفقٌ عليه.
* قوله : ((في السحور بركة)»:
(ك): (السَّحَر): عبارة عمّا بين الصبح الكاذب والصادق(١).
(غب): السَّحر والسَّحرة: اختلاطُ ظلام آخرِ الليل بضياء النهار، وجُعل
اسماً لذلك الوقت، والسَّحُور: اسم للطعام المأكول سَحراً، والتَّسَخُر: أَكْلُه،
انتھی(٢).
ويدخل وقته بنصف الليل كما ذكره الرافعي في الإيمان عن العبادي،
وجزم به في ((شرح المهذب)) هنا، وفي ((المهمات)) عن ابن أبي الصّيف:
بدخول السدس الأخير، قال الحليمي: وإنما يستحب السحور لغير الشبعان،
[أما الشبعان] فلا يستحب له؛ لأن الأكل الزائد على الشبع حرام، أو مكروه.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ٢١٧).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٢٦).
٣٦٤
(ن): (السحور) ضبطناه بفتح السين، وضمها، فالمفتوح: اسم
للمأكول، والمضموم: اسم للفعل، وكلاهما صحيح(١).
(ط): قيل: إن الصواب بالضم؛ لأنه بالفتح الطعامٌ، والبركة والأجر
والثواب في الفعل، لا في الطعام، انتهى(٢).
كيف يمنع البركة في الطعام؟! مع قوله ◌َّهِ: ((فإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أيٍّ
طعامِكُمُ الْبَرِكُة)(٣)، [وقوله]: ((اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في [ما] رَزَقْتَنَا))(٤)، وبركة
الطعام: هو أن يكون عوناً للعبد على العبادة، ولا يخفى تقوية السُّحور
للصائم، وأما قوله: (الأجر والثواب في الفعل، لا في الطعام)؛ فنقول:
ليس في الحديث تعرُّض للأجر والثواب.
(ن): أجمع العلماء على استحباب السحور، وأنه ليس بواجب، وأما
البركة التي فيه فظاهِرةٌ؛ لأنه يقوِّي على الصيام، وتحصل بسببه الرغبة في
الازدياد من الصيام؛ لخفة المشقة فيه على المُتَسَخِّر، هذا هو الصواب المعتمد
في معناه، وقيل: لأنه يتضمن الاستيقاظ والدعاء في ذلك الوقت الشريف،
وقت تنزل الرحمة، وقبول الدعاء والاستغفار، وربما توضأ صاحبه وصلى،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢٠٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٨٤).
(٣) رواه مسلم (٢٠٣٤ / ١٣٦)، من حديث أنس بن مالك ضـ
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ١٥٣) عن علي رضيُّه موقوفاً، وروي مرفوعاً
من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص لهما، وقال عنه أبو حاتم كما في ((العلل)) لابنه
(٢ / ١٤): هذا حديث ليس بشيء. وروى أبو داود (٣٧٣٠)، والترمذي (٣٤٥٥)
- وحسنه ـ نحوه من حديث ابن عباس لثا مرفوعاً.
٣٦٥
أو أدام الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة، أو التأهُّبٍ لها حتى يطلع الفجر(١).
(ق): البركة هي القوة على الصيام، وقد جاء مفسراً في بعض الآثار(٢).
قال ابن دقيق العيد: وللمتصوفة وأرباب المعنى في هذا المعنى كلام
تَشَوَّفُوا فيه إلى اعتبار معنى الصوم وحكمته، وهو كسر شهوة البطن
والفرج، وقالوا: إن من لم تتغير عليه عادته في مقدار أكله لا يحصل له
المقصود من الصوم، وهو كسر الشهوتين، والصواب - إن شاء الله -: أن ما
زاد في المقدار حتى تُعدم هذه الحكمة بالكلية لا يستحب، كعادة المُتْرفين
في التأنق في المآكل [والمشارب] وكثرة الاستعداد لها، وما لا ينتهي إلى
ذلك فهو مستحب على وجه الإطلاق، وقد تختلف مراتب هذا الاستحباب
باختلاف مقاصد الناس وأحوالهم، واختلاف [مقدار] ما يستعملون(٣).
١٢٣٠ - وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴿ُهِ، قالَ: تَسَخَّرْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِوَّةِ، ثُمَّ قُمْنَا إلى الصَّلاةِ. قِيلَ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قالَ:
قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. متفقٌ علیه.
* قوله: ((ثم قمنا إلى الصلاة)):
(ق): يعني: صلاة الفجر (٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢٠٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٥٥).
(٣) انظر: ((إحكام الأحكام)) لابن دقيق العيد (٢ / ٢٠٩).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٥٦).
٣٦٦
(ن): قوله: (قدر خمسين آية) معناه: بينهما قدرُ قراءةِ خمسين آية،
أو أن يقرأ خمسين، وفيه الحثُّ على تأخير السحور إلى قبيل الفجر(١).
(ق): هذا يدل على أنه يفرغ من السحور قبل طلوع الفجر، وهو
معارض بظاهر حديث حذيفة حيث قال: (هو النهارُ إلا أن الشمس لم تطلع)،
فيمكن [أن يحمل] على أنه قصد الإخبار بتأخير السحور، فأتى بتلك العبارة(٢).
١٢٣١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَ﴾، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِوَه
مُؤَذِّنَانِ: بِلالٌ، وَابْنُ أُمَّ مَكْتُومٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِلَّهَ: ((إِنَّ بِلالاً
يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ؛ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمَّ مَكْتُومٍ)، قَالَ: وَلَمْ
يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، وَيَرْقَى هذا. متفقٌ عليه.
* قوله: ((إنَّ بلالاً يؤذّن بليل)):
(ق): فيه دليل على أن ما بعد الفجر لا يقال عليه: ليل، بل هو أول
اليوم المأمور بصومه(٣).
[(ن)]: فيه: جواز الأذان للصبح قبل طلوع الفجر، وفيه: جواز الأكل
والشرب والجماع إلى طلوع الفجر، وفيه: جواز أذان الأعمى، قال أصحابنا :
هو جائز، فإن کان معه بصیر ۔ کابن أم مكتوم مع بلال - فلا كراهة فيه، وإن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢٠٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٥٦).
(٣) المرجع السابق (٣ / ١٥١).
٣٦٧
لم يكن معه بصير؛ كره للخوف من غلطه، وفيه: استحباب أذانین للصبح،
أحدهما: قبل الفجر، والآخر: بعد طلوعه، وفيه: اعتماد صوت المؤذن،
واستدل به مالك، والمزني، وسائرُ من يقبل شهادةَ الأعمى، وأجاب الجمهورُ
عن هذا: بأن الشهادة يشترط فيها العلم، ولا يحصل علمٌ بالصوت؛ لأن
الأصوات تَشْتَبِهُ، وأما وقت الصلاة؛ فيكفي فيه الظنُّ، وفيه: جواز الأكل
بعد النية؛ لأن النبي ◌َّ﴿ أباح الأكل إلى طلوع الفجر، ومعلومٌ أن النية لا تجوز
بعد طلوع الفجر، فدلّ على أنها سابقةٌ، والأكلُ بعدَها لا يضر، وهذا هو
الصواب المشهور من مذهبنا، ومذهبٍ غيرنا، وقال بعض أصحابنا: متى
أكل بعد النية، أو جامع؛ فسدَتْ ووجب تجديدُها، وإلا فلا يصح صومه،
وهذا غلط صريح، وفيه: استحباب السحور وتأخيره، وفيه: استحباب اتخاذ
مؤذِّنَين للمسجد الكبير، قال أصحابنا: وإن دعت الحاجة؛ جاز اتخاذُ أكثرَ
منهما، كما اتخذ عثمان أربعةً، وإن احتاج إلى الزيادة على أربعة؛ فالأصح
اتخاذهم بحسب الحاجة والمصلحة(١).
* قوله {قلفي: ((حتى يؤذن ابن أم مكتوم)) :
(ق): أي: يشرع في الأذان، وهذا ظاهره، ويحتمل: حتى يفرغ من
الأذان، ويؤيد هذا الاحتمالَ ما ذكره أبو داود: ((إِذا سَمِعَ أحدُكُم النِّداءَ
والإناءُ على يدِه فلا يَضَعْه حتَّى يَقْضِي حاجتَه مِنْه)) (٢)، وهذا هو أذان ابن أم
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧/ ٢٠٢).
(٢) رواه أبو داود (٢٣٥٠)، من حديث أبي هريرة ◌َته. وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٦٠٧).
٣٦٨
مكتوم؛ لأن هذا إنما يفعل عند ضيق الوقت، وعلى هذا فيكون قوله: في
أذان ابن مكتوم: (حتى يطلع الفجر)؛ أي: يقارب، وكذلك: (أصبحت)؛
أي: قارَبْتَ الدخولَ في الصباح، وهذا التأويل على ما قررناه في حدّ
الصوم: من أن الواجب إمساك جميع أجزاء اليوم، فلا بد من إمساكها،
ويلزم من إمساكها إمساكُ جزءٍ من الليل، وعلى هذا فأول التبيُّنِ هو المُحَرِّم
بنفسه، لكن اختلف في هذا التبين بالنسبة إلى ماذا يكون، فذهب
الجمهورُ، وفقهاءُ الأمصار: إلى أنه أولُ تبيَّنِ الفجر في الأفُقِ الذاهب فيه
عرضاً، رُوي عن عثمان، وحذيفة، وابن عباس، وطَلْق بن علي، وعطاء
بن أبي رباح، والأعمش، وغيرِهم: أن الإمساك يجب بتبيُّنِ الفجر في
الطرق وعلى رؤوس الجبال، وقد قيل لحذيفة: أيَّ حينٍ تسَخَّرْتَ مع
رسول الله ◌ٍَّ؟ فقال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.
ورُوِيَ عن علي ◌َّه: أنه صلى الصبح بالناس، ثم قال: الآن تبين
الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال الطبري: ومما قادهم إلى هذا القول:
أن الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس، وآخرُه
غروبُها، [فأوله طلوعها]، وحكى النقاش عن الخليل: أن النهار من طلوع
الفجر، ويدل على ذلك قوله: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَى النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤](١).
قلت: ما حكاه الطبري ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى أمر [بصوم ما]
يقال عليه: يومٌ، لا [بما] يقال عليه: نهارٌ، فكأنه لم يسمع قوله تعالى:
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: ١٨٤].
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١٥١/٣ - ١٥٣).
٣٦٩
* وقوله: ((ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا»:
(ن): قال العلماء: معناه: أن بلالاً كان يؤذن قبل الفجر، ويتربص
بعد أذانه للدعاء ونحوه، ثم يرقب الفجرَ فإذا قارب طلوعُه؛ نزل فأخبر ابن
[أم] مكتوم للطهارة وغيرها، ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول طلوع
الفجر(١).
(ق): ولعل بلالاً هو الذي كان يقول له: (أصبحتَ أصحبتَ)؛ أي:
قاربتَ الصباحَ(٢).
١٢٣٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ ◌َهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهْ قالَ:
((فَصْلُ ما بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ الكِتابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» رواه
مسلم .
* قوله مي: ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)):
(تو): (فصل) بالصاد المهملة، [والضاد] المنقوطة تصحيف.
(ن): (أكلة السحر) هي بفتح الهمزة، هكذا ضبطه الجمهور، وهو
المشهور، وأما الأكلة بالضم: هي اللقمة الواحدة، وادعى القاضي [عياض
أن] الرواية فيه بالضم، قال: والصواب الفتح لأنه المقصود هنا(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢٠٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٥١).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢٠٧).
٣٧٠
(ق): هي بالفتح مصدرُ أَكَلَ أَكْلَةَ، والمراد: أكلُ ذلك الوقت، ورُوِيَ
بالضم، وفيه بُعْدٌ، إذ ليس المراد: أن المتسخِّرَ يأكل لقمة واحدة، ويصح أن
يقال: إنه عبّر عما يُتَسَخَّرُ به باللقمة لِقِلَّته، انتهى(١).
قال القاضي بهاء الدين في ((شرح الينابيع)): ويحصل التسحر بقليل
الأكل وكثيره، وبالماء أيضاً؛ لما رواه ابن حبان عن عبدالله بن عمر ظا
قال: قال رسول الله وٍَّ: (تَسَخَّرُوا ولَو بجَرْعَةٍ))(٢).
(تو): المعنى: أن السحور هو الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب؛
لأن الله تعالى أباح لنا ما حَرَّم عليهم، ومخالفتُنا إياهم في ذلك تقع موقعَ
الشكر لتلك النعمة.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٥٥).
(٢) رواه ابن حبان في «صحيحه)) (٣٤٧٦). وهو حديث حسن صحيح. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)) (١٠٧١).
٣٧١
٢٢٢- باب
فَضْلِ تَعْجِيلِ الفِطْرِ ،
وما يُفْطَرُ عَليهِ، وما يَقُولُهُ بَعْدَ الإفْطارِ
١٢٣٣ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍعَ﴿هَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ:
((لا يَزالُ النَّاسُ بِخَيْرِ مَا عَجَّلوا الفِطْرَ)) متفقٌ عليه.
* قوله ريقة: ((ما عجلوا الفطر)):
(ق): إنما كان ذلك لأن التعجيل أحفظُ للقوة، وأَدْفَعُ للمشقة، وأبعدُ
للغلُوٌّ والبدعة، وليظهر الفرق بين الزمانين في حكم الشرع(١).
(ن): معناه: لا يزال الناس بخير، وأمرُ الأمة منتظماً ما داموا محافظين
على هذه السُّنّة، وإذا أخروه؛ كان ذلك علامة على فسادٍ يقعون فيه، وفيه:
الحث على تعجيل الفطر بعد تحقق غروب الشمس(٢).
١٢٣٤ - وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دخَلْتُ أَنَ ومَسْرُوقٌ على
عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها، فَقَالَ لَهَا مَسْرُوقٌ: رَجُلانِ منْ أَصْحَابِ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٥٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢٠٨).
٣٧٢
مُحَمَّدٍ نَّهِ، كِلاَهُمَا لا يَأْلُو عَنِ الخَيْرِ: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ المَغْرِبَ
وَالإِفْطَارَ، والآخَرُ يُؤَخِّرُ المغْرِبَ والإِفْطَارَ؟ فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ
المَغْرِبَ وَالإِفْطَارَ؟ قالَ: عَبْدُالله - يعني: ابْنَ مَسْعودٍ -، فَقَالَتْ:
هَكَذَا كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ يَصْنَعُ. رواه مسلم.
قوله: ((لا يَأْلُو)): أَيْ: لا يُقَصِّرُ في الخَيْرِ.
* قوله: ((والآخر يؤخر المغرب والإفطار)) :
هذا الرجل هو أبو موسى، كذا رواه مسلم عن أبي كريب(١).
وفي ((شرح السنة)): عن حميد بن عبد الرحمن: أن عمر وعثمان ز
كانا يصليان المغرب قبل أن [يفطرا، ثم] يفطران بعد الصلاة (٢).
١٢٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَهِ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قالَ الله وَتْ:
أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْراً) رواه الترمذيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسَنٌ.
* قوله: ((أعجلهم فطراً):
(مظ): يعني: من هو أكثر تعجيلاً في الإفطار، فهو أحب إلى الله، ولعل
سببَ محبةِ الله إياه متابعةُ سنة رسول الله، ولأنه إذا أفطر قبل الصلاة تمكن من
أداء الصلاة بحضور القلب(٣).
(١) رواه مسلم (١٠٩٩ / ٤٩).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٦ / ٢٥٥).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٢٢).
٣٧٣
(تو): أي: أحبُّ عبادي من يخالف أهل البدعة فيما يعتقدون من
وجوب التأخير، ويحتمل: أنه أراد به جمهورَ هذه الأمة الذین یتدینون
بشريعة محمد رير؛ أي: أحب إلى الله ممن كان قبلهم من الأمم، والأَوَّل
أشبهُ.
(ط): لعل الثانيَ أوجهُ، وذلك أنه وَِّ لما أراد أن يحُثَّ الناس على
تعجيل الفطر، وتبيين مكانته عند الله؛ وصف المخلصين من عباده بذلك؛
ليكون ذريعة إلى المقصود، ونحوُه قولُه تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَِّلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ.
يُسَيِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ،﴾ [غافر: ٧]، وحملة العرش ليسوا ممن
لا يؤمنون، لكن ذُكِرِ الإيمان لشرفه، والترغيب فيه، ومن ثَمَّ خصَّ المحبة
بالذكر؛ لأن متابعة الحبيب توجب محبةَ الله تعالى: ﴿ قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
فَاتَّبِعُونِ يُحْبِبَّكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٣١]، هذا إذا أريد الاتصاف بالخير، وإن
[أُريد] التفضلة بين هذه الأمة وبين [اليهود والنصارى؛ كان الوصف
للتمييز؛ لأن] اليهود والنصارى يؤخرون، انتهى(١).
قال الشافعي في ((الأم)): ((إذا أخر الإفطار بعد تحقق غروب الشمس:
إن كان يرى الفضل في تأخيره؛ [كرهتُ] ذلك؛ لمخالفة الأحاديث، وإن لم
ير الفضل في تأخيره؛ فلا بأس؛ لأن الصوم لا يصلح في الليل))(٢).
(ش): قال القيرواني: أخبرني شيخ من أهل الفضل، قال: أخبرني
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٨٧).
(٢) انظر: ((الأم)) للإمام الشافعي (٢ / ٩٧).
٣٧٤
فقيه، قال: كان عندنا رجل يكثر الصوم ويسرده، لكنه كان يؤخر الفطر، فرأى
في المنام كأن أسودینِ أخذا بضَبْعَیهِ وثیابه إلی تنور مُحْمَىّ؛ لیلقیاہ فیه، قال:
فقلت لهما: على ماذا؟ فقالا: على خلافك لسنة رسول الله بَّر، فإنه أمر
بتعجيل الفطر، وأنت تؤخره، قال: فأصبح وجهه قد اسودّ [من] وهج النار،
وكان يمشي متبرقعاً في الناس(١).
١٢٣٦ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﴾ِ، قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌َّى:
(إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ،
فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائمُ)) متفقٌ عليه.
* قوله وَل: ((إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت
الشمس)» :
(ن): كل واحد من هذه الثلاثة يتضمن الآخَرَينِ، وإنما جمع بينها؛
لأنه قد يكون في وادٍ بحيث لا يشاهد غروبَ الشمس، فيعتمد إقبالَ
الظلام، وإدبارَ الضياء(٢).
١٢٣٧ - وَعَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْفِى ◌َ﴾، قالَ:
(١) انظر: ((الروح) لابن القيم (ص: ١٩١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢٠٩).
٣٧٥
سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِّهِ، وَهُوَ صَائمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قالَ
لِبَعْضِ القَوْمِ: ((يَا فُلانُ! انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنا»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله!
لَوْ أَمْسَيْتَ؟ قَالَ: (انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَ))، قال: إِنَّ عَلَيْكَ نَهَاراً، قال:
(نْزِلْ فَاجْدَحْ لِنَ))، قَالَ: فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُمْ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ،
ثُمَّ قالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»،
وَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ. متفقٌ عليهِ.
قوله: ((اجْدَحْ)) بجيم ثُمَّ دالٍ ثُمَّ حَاءٍ مهملتين؛ أي: اخْلِطِ
السَّوِيقَ بالمَاءِ .
* قوله پیاقر: ((یا فلان انزل فاجدح)»:
هذا الرجل الذي قيل له: ((انزل فاجدح)) هو بلال المؤذن، قاله
النووي، وابن بَشْكُوال، قال النووي: إنه جاء مبيناً في ((سنن أبي داود)(١).
(ن): معنى الحديث: أنه زَّ وأصحابَه كانوا صياماً، وذلك في شهر
رمضان، كما صُرِّح به وفي رواية لمسلم، فلما غربت الشمس؛ أمره بالجَذْحِ
ليفطر، فرأى المخاطَبُ آثارَ الضياء والحُمْرةِ التي بعد غروب الشمس، فظن
أن الفطر لا يحل إلا بعد ذهاب ذلك، واحتمل عنده: أن النبي ◌َّ لم يره،
فأراد تذكيرَه وإعلامَه بذلك، وفيه: جواز الصوم في السفر وتفضيله على
الفطر، وتذكير العالم ما يُخاف أن يكون نسيه، وأن الفطر على التمر ليس
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢١٠)، والحديث رواه أبو داود (٢٣٥٢). وهو
حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٦٨).
٣٧٦
بواجب، وإنما هو مستحب، ولو تركه جاز، والأفضلُ بعده الفطرُ على الماء،
وقد جاء هذا الترتيب في رواية أبي داود، انتهى(١).
قال ابن الملقن في ((العمدة)): قال ابن المنذر في كتاب ((الإشراف)): إنه
يجب الفطر على التمر، ولعل مراده: تأكُّدُه، نعم ذلك مذهبُ ابنِ حزم
الظاهري، كما نصَّ عليه في «مُحَلاَ)).
* قوله تعالى: ((فقد أفطر الصائم»:
(ق): يحتمل أن يكون معناه: دخل وقت الفطر حكماً، يقال: أَظْهَرَ:
إذا دخل في وقت الظهر، وأَشْهَرَ: إذا دخل في الشهر، وعلى هذا لا يكون فيه
تعرّض للوصال بنفي ولا إثبات، ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطراً
حكماً ومعنىّ، وهذا لأن زمان الليل يستحيل فيه الصومُ الشرعي، وعلى هذين
التأويلين يُخرَّج خلاف العلماء: هل يصح إمساك ما بعد الغروب؟ فمنهم من
قال: لا يصح، وهو كيوم الفطر، ومَنَعَ الوصالَ، ومنهم من جوّز إمساكَ ذلك
الوقت، ورأى أن له أجر الصائم، محتجاً بأحاديث الوصال، وبقوله الآتى:
(أَيُّكُم أرادَ أن يُواصِلَ؛ فَلْيُواصِلْ إلَى السَّحَرِ)) (٢)، قالوا: وإنما نهاهم عن
الوصال رحمةً لهم، ورفقاً بهم(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢١٠)، والحديث رواه أبو داود (٢٣٥٥)، من
حديث سلمان بن عامر ظُه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٧٤٦).
(٢) رواه البخاري (١٨٦٢)، من حديث أبي سعيد الخدري نظـ
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٥٨).
٣٧٧
١٢٣٨ - وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرِ الضَّبِّيِّ الصَّحَابِيِّ ﴾، عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ، قَالَ: (إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْتُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ
يَجِدْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ؛ فَإِنَّهِ طَهُورٌ)).
رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ.
· قوله ويلقي: ((فليفطر على تمر)):
هذا دليل لابن حزم ومن تبعه من الظاهرية في وجوب الفطر على
التمر إن وجده، واستدلوا بظاهر الأمر.
(ش): هذا من كمال شفقته وَّر على أمته ونُصْحِهم، فإن إعطاء
الطبيعةِ الشيءَ الحُلْوَ مع خُلُوِّ المعدة أدعى لقبوله، وانتفاع القوى به،
لاسيما القوةِ الباصرة، فإنها تقوى به، وحلاوةُ المدينة التمرُ، وهو عندهم
قوتٌ وأُدْمٌ، ورُطَبُه فاكهةٌ، وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوعُ
يُيْسِ، فإذا رُطُّبَت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده؛ ولهذا كان الأَوْلى
بالظمآن الجائع أن يبدأ قبل الأكل بشُربٍ قليل من الماء، ثم يأكل بعده،
هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثيرٌ في صلاح القلب،
لا يعلمها إلا أطباء القلوب، انتهى(١).
كان وهب منبه يقول: إن الصائم يرتفع بصره، فإذا أفطر على حلاوة
رجع بصره.
قال ابن الملقن في ((العمدة)): إن القصد بذلك أن لا يدخل جوفَه ما مسَّتْه
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٢ / ٥٠).
٣٧٨
النارُ أولاً، ويحتمل: أن يراد هذا، مع قصد الحلاوةِ، إذا قدر عليها تفاؤلاً .
* قوله: «فإنه طھور» :
(ط): لإرادة الثواب وبركته، علل الماء بالطهورية؛ لأنه مزيل للمانع
من أداء العبادة، ولهذا منَّ الله تعالى على عباده بقوله: ﴿وأنزلنا من السماء
ماء طهوراً﴾ [الفرقان: ٤٨](١).
١٢٣٩ - وَعَنْ أَنَسِ ﴿هَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِهِ يُفْطِرُ قَبْلَ
أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَتُمَيْرَاتٌ؛ فَإِنْ لَمْ
تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ، حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. رَوَاهُ أَبو داودَ، والترمذيُّ،
وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
* قوله: ((على رطبات)):
(ش): في فطره ◌َّر على رطبات، أو على التمر، أو على الماء تدبيرٌ
لطيف جداً، فإن الصوم يُخْلِي المعدة من الغذاء، فلا يجد الكبد فيها ما يجذبه
ويرسله إلى القوى والأعضاء فضعف، والحلوُ أسرعُ شيء وصولاً إلى الكبد،
وأحبه إليه، ولاسيما إن كان رطباً، فيشتد قبولها له، فتنتفع به هي والقوى،
فإن لم يكن فالتمرُ؛ لحلاوته وتغذيته، فإن لم يكن فحَسَواتُ ماءٍ تطفئ لهيبَ
المعدة وحرارةَ الصوم، فتنتبه بعده للطعام وتأخذه بشهوة، انتهى(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٨٨).
(٢) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ٣١٣).
٣٧٩
اعلم: أن المؤلف رحمه الله ترجم لهذا الباب بقوله: (وما يقوله بعد
إفطاره)، ولم يتعرض لشيء من ذلك، فنذكر طرفاً منه، عن ابن عمر تلئا:
أن النبي ◌َّ كان إذا أفطر قال: ((ذَهَبَ الظَّمأُ وابتَلَّتِ العُروقُ، وثَبتَ الأجْرُ
إنْ شاءَ الله)، رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم في ((المستدرك)) بلفظ
واحد، قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري(١).
(ن): ((الظمأ)) مهموز الآخر، مقصور: هو العطش (٢).
(ط): قوله: (ثبت الأجر)) بعد قوله: ((ذهب الظمأ)) استبشار منه؛
لأن من فاز بُغْيَتِهِ، ونال مطلوبه بعد التعب والنَّصَب، وأراد أن يستلذَّ بما
أدركه مزيدَ استلذاذٍ، ذَكَرَ تلك المشقةَ، ومن ثم حمد أهل السعادة في
الجنة بعدما أفلحوا بقوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ
شَكُورُ ﴾ [فاطر: ٣٤]، انتهى(٣).
وعن معاذ بن زهرة قال: كان رسول الله وَّه إذا أفطر قال: ((الحَمدُ للهِ
[الَّذي] أعانَنِي فصُمْتُ، ورزَقَني فأفطَرْتُ))، رواه ابن السني(٤).
وعنه: أنه بلغه أن النبي ◌َّ كان إذا أفطر قال: ((اللَّهُمَّ لكَ صُمتُ،
وعلى رِزِقِكَ أفطَرتُ))، رواه أبو داود هكذا مرسلاً(٥).
(١) رواه أبو داود (٢٣٥٧)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٣٣٢٩)، والحاكم في
((المستدرك)) (١٥٣٦). وهو حديث حسن. انظر: ((إرواء الغليل)) (٩٢٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٥٤).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٨٨).
(٤) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٧٩). وهو حديث ضعيف. انظر:
((ضعيف الجامع الصغير)) (٤٣٤٨).
(٥) رواه أبو داود (٢٣٥٨). إسناده ضعيف مرسل، ومعاذ هذا تابعي مجهول، =
٣٨٠