النص المفهرس
صفحات 321-340
وفي الشرع: إمساك المكلَّفِ بالنية من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين، والاستمناءِ، والاستقاءةِ، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [ مريم: ٢٦] قيل: عُنيَ به الإمساكُ عن الكلام، بدلالة قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾(١) [مريم: ٢٦]. * قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ : يقول تعالى مخاطباً للمؤمنين وآمراً لهم بالصيام؛ لما فيه من تزكية النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيهم أسوة، فليجهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكملَ مما فعلَه أولئك، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٣]؛ لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان، ثم بيَّنَ مقدارَ الصوم: أنه ليس في كل يوم؛ لئلا يشق على النفوس، فتضعفَ عن حمله وأدائه، [بل] في أيام معدودات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ بعد ذلك بصوم شهر رمضان، وقد رُوِيَ أن الصيام كما كان أولاً عليه الأمم قبلنا، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ، وابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وزاد: ولم يزل هذا مشروعاً من زمان نوح إلى أن نسخَ اللهُ ذلك بصيام رمضان، وقال عباد بن منصور، عن الحسن البصري في هذه الآية فقال: نعم والله؛ كُتب الصيامُ على كل أمة خَلَتْ، كما كتبه علينا شهراً كاملاً، و(أياماً معدودات) عدداً معلوماً، ورُويَ عن السُّدِّي (١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٩١). ٣٢١ نحوه، وروى ابن أبي حاتم عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله مَليه : ((صِيامُ رَمضانَ كَتَبَهُ اللهُ على الأُمَمِ قبلَكُم)) (١) في حديث طويل، ثم بيّن حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَِّيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر؛ لما في ذلك من المشقة، بل يفطران، ويقضيان بِعِدَّةِ ذلك من أيام أخر، وأما الصحيحُ المقيم الذي يطيق الصيام؛ فقد كان مخيراً بين الصيام، والإطعام عن كل يوم مسكيناً، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم؛ فهو خير، وإن صام؛ فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وطاوس، ومقاتل بن حيَّان؛ ولهذا قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ، وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمَّةٌ ﴾ [البقرة: ١٨٥]، إلا الشيخَ الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكيناً، وأفطر ولا قضاء عليه؛ لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، روى الحافظ أبو يعلى الموصلي أن أنساً معظه ضَعُفَ عن الصوم، فصنع جَفْنةً من ثريد، فدعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم(٢). قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ : يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن (١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٦٢٥)، وإسناده ضعيف لجهالة أحد رواته. انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (٨ / ١٧٨). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١/ ٢١٤)، والحديث رواه أبو يعلى في («مسنده)) (٤١٩٤)، ورجاله رجال الصحيح. انظر: ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (٣ / ١٦٤). ٣٢٢ لإنزال القرآن العظيم، وقد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء، روى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله وٍَّ قال: ((أُنزِلَتْ صُحفُ إبراهيمَ في أَوَّلِ ليلةٍ من رَمضانَ، وأُنْزِلَتْ التَّوراةُ لِسِتُّ مَضَيْنَ من رَمضانَ، والإِنْجيلُ لثلاثَ عشرةَ خَلَتْ من رَمَضانَ، وأَنزلَ اللهُ القرآنَ لأربع وعشرينَ خَلَتْ من رَمضانَ)(١)، وفي رواية جابر: أن الزبور نزل لاثنتي عشرة خلت من رمضان، والإنجيلَ لثماني عشرة ليلةً، وأما القرآنُ فإنما نزل جُمْلةً واحدة إلى بيت العِزَّة من السماء الدنيا، فكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه، ثم نزل متفرقاً بحسب الوقائع في [ثلاث و] عشرين سنة (٢). وقوله: ﴿هُدِّى لِلنَّاسِ﴾ : أي: القرآن هدى لقلوب العباد، ممن آمن به واتبعه، ﴿وَبَيِّنَاتٍ ﴾؛ أي: ودلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها، ﴿من الهدى﴾ المنافي للضلال، ومفرِّقاً بين الحق والباطل(٣). وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّةٌ ﴾ : هذا إيجاب حتم على من شهد استهلالَ الشهرِ؛ أي: كان مقيماً في البلد حين دخل شهر رمضان، وهو صحيح، ولمَّا حثَّم الصيامَ؛ أعاد ذِكْرَ (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ١٠٧)، وإسناده حسن. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٤ / ١٠٤). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١ / ٢١٦). (٣) المرجع السابق (١ / ٢١٧). ٣٢٣ الرخصة للمريض والمسافر في الإفطار بشرط القضاء، فقال: ﴿وَمَن كَانَ مَيِ يضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية، معناه: [ومن كان] به مرض يشق عليه الصيام، أو يؤذيه، أو كان في حال سفر؛ فله أن يفطر، وعليه عِدَّةُ ما أفطر، وهاهنا مسائل : إحداها: ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيماً في أول الشهر، ثم سافر في أثنائه؛ فليس له الإفطار؛ لظاهر قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وإنما يباح لمن استهل الشهرَ وهو مسافر، وهذا القول غريب، نقله ابن حزم عن جماعة من الصحابة والتابعين، وفيما حكاه عنهم نظرٌ، فإنه قد ثبت أنه وَّ خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فصام حتى بلغ الكَدِيدَ، ثم أفطر وأمر الناس بالفطر. الثانية: ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرُّ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والصحيح: قول الجمهور: أن الأمر في ذلك على التخيير؛ لما ثبت في «الصحيحين)): (خرجنا مع رسول الله ګ في شهر رمضان في حرّ شدید، حتى إن كان أحدنا لَيَضعُ يدَه على رأسه من شدة الحرّ، وما فينا صائم إلا رسولُ الله ◌َّةِ، وعبدُالله بن رواحةَ)(١). الثالثة: قال طائفة منهم الشافعي: إن الصيام في السفر أفضلُ؛ لفعل النبي ◌َّ، كما تقدم، وقيل: بل الإفطار أفضلُ، أخذاً بالرخصة؛ لما ثبت عن النبي ◌َّهِ: أنه سُئل عن الصوم في السفر، فقال: ((مَن أَفْطَر فحَسَنٌ، (١) رواه البخاري (١٨٤٣)، ومسلم (١١٢٢ / ١٠٨)، من حديث أبي الدرداء ظ ٣٢٤ ومَن صامَ فلاَ جُنَاحَ عَلَيه)(١)، وقال في حديث آخر: ((علَيكُمْ بِرُخصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لكُم))(٢)، وقالت طائفة: هما سواء؛ لحديث حمزة بن عمرو الأسلمي وقوله: يا رسول الله؛ إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ قال: ((إِنْ شِئتَ فصُمْ، وإِنْ شِئتَ فَأَفْطِرْ))، أخرجاه في ((الصحيحين)) (٣). وقيل: إنْ شقَّ الصيام؛ فالإفطار أفضل؛ لحديث جابر: أن رسول الله ﴿ رأى رجلاً قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ((مَا هَذا»؟ قالوا: صائمٌ، فقال: (لَيسَ مِنَ البِرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ))، أخرجاه(٤)، فأما إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه؛ فهذا يتعين عليه الإفطار، ويحرم عليه الصيام والحالةَ هذه؛ لما جاء في ((مسند الإمام أحمد)) وغيرِه عن ابن عمر، وجابر، وغيرِهما: ((مَن لَم يَقْبَلْ رُخصةَ اللهِ كانَ عَليهِ مِن الإِثمِ مثلُ جِبالٍ عَرَفَ))(٥). قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَ يُرِيِدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: في ((مسند أحمد)) قال ◌ََّ: ((إِنَّ خَيْرَ دِينَكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينَكُم أَيْسَرُهُ))(٦) . (١) رواه مسلم (١١٢١ / ١٠٧)، من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي (٢) رواه مسلم (١١١٥)، من حديث جابر بن عبدالله ﴾. (٣) رواه البخاري (١٨٤١)، ومسلم (١١٢١ / ١٠٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها . (٤) رواه البخاري (١٨٤٤)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢). (٥) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١ / ٢١٧ -٢١٨)، والحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٧١). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٨٤٤). (٦) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٣/ ٤٧٩)، من حديث أبي قتادة ظه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٣٠٩). ٣٢٥ وفي ((السنن)): أن رسول الله ﴿ قال: ((بُعِثْتُ بالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ))(١). قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾: أي: أمركم بالقضاء؛ لتكملوا عدَّة شھر کم . ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَاهَدَنكُمْ﴾: أي: لتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَذْكُرُواْ اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٠٠] الآيةَ، وقال: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَنْتَشِرُ واْ فِ الْأَرْضِ وَأَبْثَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة: ١٠]، وجاءت السنَّةُ باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد المكتوبات، وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاءَ صلاةٍ رسولِ الله وَي إلا بالتكبير، وذهب داود بن علي الأصفهاني إلى وجوب التكبير في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله: ﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وفي مقابله مذهب أبي حنيفة: أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه(٢). ١٢١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ﴿ُهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ: ((قَالَ الله ◌َ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّ الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ؛ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يَرْفُتْ، وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ. (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢٦٦)، من حديث أبي أمامة ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٦ / ١٠٢٢). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١ / ٢١٨). ٣٢٦ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ، فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذا لَقِي رَبَّهُ، فَرِحَ بِصَوْمِهِ». متفقٌ عليه، وهذا لفظُ روايةِ البُخَاري. وفي روايةٍ له: ((يَتْرُكُ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ، وَشَهْوَتَهُ، مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَلِهَا)). وفي روايةٍ لمسلمٍ: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِثَةٍ ضِعْفٍ. قال الله تعالى: إلَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ: يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. للصَّائمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. ولَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِبِحِ المِسْكِ». * قوله ◌َ: ((كل عمل ابن آدم له)): وفي رواية لمسلم: («كُلُّ عملِ ابنِ آدمَ يضاعَفُ، الحَسنةُ عشرُ أمثالِها إلى سبعٍ مئةٍ، قال الله تعالى: إِلَّ الصيامَ فإِنَّهُ لِي))(١)، قال الحافظ الدميري: ذكر الطَّالِقانيُّ فيه خمسةً وخمسين قولاً. (ن): اختلف العلماء في معناه، مع كون جميع الطاعات لله، فقيل: سبب إضافته إلى الله تعالى: أنه لم يَعبُدْ أحدٌ غيرَ الله تعالى به، فلم يُعظِّم الكفارُ في عصر من الأعصار معبوداً لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة (١) رواه مسلم (١١٥١ / ١٦٤)، من حديث أبي هريرة ضـ ٣٢٧ الصلاة، والسجود، والصدقة، والذكر، وغيرِ ذلك، وقيل: لأن الصوم يَبْعُدُ من الرياء لخفائه، بخلاف الصلاة، والحج، والغزو، والصدقة، وغيرها من العبادات الظاهرة، وقيل: لأنه ليس للصائم نفسِه فيه حظّ، قاله الخطابي، وقيل: لأن الاستغناء عن الطعام من صفات الله، فتَقَرُّبُ الصائمِ بما يتعلق بهذه الصفة، وإن كانت صفاتُ اللهِ لا يشبهها شيء، وقيل: معناه أنا المنفردُ بِعِلْمِ مقدارِ ثوابه، وتضعيف حسناته، وغيرُه من العبادات أظهرَ سبحانه بعضَ مخلوقاته على مقدارِ ثوابها، وقيل: هي إضافة تشريف كقوله: ﴿نَاقَةٌ اُللَّهِ ﴾ [الأعراف: ٧٣] مع أن العالم كله له [رَّ](١). (قض): وقيل: لأن سائر الحسنات راجعةٌ إلى صرف المالِ، واشتغالِ البدن بما فيه رضاه، والصومُ يتضمن كَسْرَ النفس، وتعريضَ البدن للنقصان والتحوُّلِ، مع ما فيه من الصبر على مضض الجوع، وحُرْقة العطش، فبينه وبينها أَمَدٌ بعيد، وإليه الإشارة بقوله: ((يَدَعُ شَهْوَتَهُ وطَعامَهُ لِجْلِي؟!))(٢). (تو): فإن الله تعالى جبل الأبدان على أن تكون دائمة التحلل بالبخارات المتصاعدة من المسام بالعرق، والتنفس، وغير ذلك، فهي مفتقرة بحسب ذلك إلى البدن، وإذا احتبس البدن عنها؛ أفضى بها ذلك إلى التهلكة والتحول معرضاً نفسه للتلف، فالصائم إذا آثر ذلك مستسلماً لربه، منشرحَ الصدر به؛ صار عمله أخصّ الأعمال وأولاها بالله، انتهى. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨/ ٢٩). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٩٠). ٣٢٨ قال المنذري في ((الترغيب)): سئل سفيان بن عيينة عن هذا فقال: إذا كان يوم القيامة؛ يحاسب اللهُ وَكّ عبدَه، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله، حتى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمَّل الله ما بقي عليه من المظالم، ويُدخله بالصومِ الجنةَ، قال: هذا كلامه، وهو غريب(١). (ن): وفي هذا الحديث بيان عِظَمِ فضلِ الصوم، والحث عليه، وقولُه تعالى: ((وأَنَا أَجْزِي بِه)) بيانٌ لِعِظَمٍ فضلِه، وكثرةٍ ثوابه؛ لأن الكريم إذا أخبرنا بأنه يتولى الجزاءَ؛ اقتضى عِظمَ قدرِ الجزاء، وسَعةَ العطاء(٢). * قوله ◌َّجٍ: «الصيام جُنَّةٌ»: (ن): بضم الجيم معناه: سِتْرٌ ومانعٌ من الرَّفث والآثام، ومانعٌ أيضاً من النار، ومنه: المِجَنُّ، وهو التُّرس، ومنه: الجِنُّ لاستتارهم(٣). (ك): ((لا يرفث)) بفتح الفاء، وكسرها، وضمها؛ أي: لا يفحُشْ في الكلام(٤). (ن): ((لا يصخب))، هكذا هو بالسين والصاد، وهو الصياح، قال القاضي: ورواه الطبري: ((ولاَ يَسْخَرْ)) بالراء، قال: ومعناه صحيح؛ لأن السخرية تكون بالقول والفعل، وكله من الجهل، قلت: وهذه الروايةُ تصحيفٌ، وإن كان لها معنى، انتهى(٥). (١) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٢ / ٤٨). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ /٢٩). (٣) المرجع السابق (٣٠/٨). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٩ / ٧٨). (٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٣١). ٣٢٩ * قوله: «فإن سابه أحد»: صيغة (فاعَلَ) للمشاركة، معناه: أنه إن تعرَّض أحدٌ لسَبِّهِ، وأراد منه أن یسُبَّه هو حتی یشترکا في السِّباب؛ فلیُعرِضْ عنه. * ((وليقل: إني صائم)): (ن): يراد منه القول باللسان؛ ليندفع عنه خصمه؛ يعني: إذا كنتُ صائماً لا يجوز لي أن أخاصمك بالشتم والهذيان، وقيل: المراد به الكلامُ النَّفْسِيُّ، بأن يتفكر في نفسه أنه صائم، ولا يجوز له أن يغضب ويهذي ویسب(١). (ق): قيل: يقوله في الفرض بلسانه، وفي التطوع في نفسه؛ لأنه أبعدُ من الرياء. (ك): عند الشافعي يحمل على كلا المعنيين، واعلم: أن كلَّ أحد منهيٌّ عن الرفث والجهل والمخاصمة، لكنَّ النهيَ في الصائم آكدُ، قال الأوزاعي: يُفطِرُ بالسبِّ والغيبة، قيل: معناه: أنه يصير في حكم المفطر في سقوط الأجر، لا أنه مفطرٌ حقيقةً (٢). * قوله وتلقى: ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»: (ن): يروى: ((الخُلفةُ)(٣) وهو بضم الخاء فيهما، وهو: تغيُّر رائحة الفم، هذا هو الصواب الذي عليه الجمهور، قال القاضي: وكثيرٌ من الشيوخ (١) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ١٥١). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٩/ ٧٩). (٣) رواه مسلم (١١٥١ / ١٦١). ٣٣٠ يَرْؤُونَها بفتحها، وهو خطأ. قال المازري: هذا مجاز واستعارة؛ لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شيء فتستطيبه، وتنفر عن شيء فتستقذره، والله تعالى يتقدَّس عن ذلك، لكن جَرَتْ عادتُنا بتقريبٍ الروائح منّا، فاستعير ذلك في الصوم؛ لتقريبه من الله تعالى، قال القاضي: وقيل: يجازيه به الله تعالى في الآخرة، فتكون نكهته أطيب من ريح المسك، کما أن الشھید یکون ریحُه ريح المسك، انتھی(١). قال ابن حبان في ((صحيحه)): شعار المؤمنين يوم القيامة التَّحْجيلُ بوضوئهم في الدنيا، فَرْقاً بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم طيبُ خُلُوفهم أطيب من ريح المسك؛ [ليُعرفوا] من بين ذلك الجَمْعِ بذلك العمل، نسأل الله بركةَ ذلك اليوم(٢). (ن): وقيل: رائحته عند ملائكة الله تعالى أطيبُ من رائحة المسك عندنا، وإن كانت رائحةُ الخُلُوف عندنا خلافَه، والأصحُّ ما قاله الداودي من المغاربة، وقاله من قال من أصحابنا: إن الخُلوف أكثر ثواباً من المسك، حيث ندب إليه في الجُمَع والأعياد ومجالس الحديث والذكر، وسائرٍ مجامع الخير(٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٢٩). قلنا: نسبة الاستطابة إليه سبحانه وتعالى كنسبة سائر الصفات الواردة في حقه كالضحك والرضا والغضب والتعجب، نؤمن بها كما جاءت، ونسلم بها كما وردت، ونكل علمها إلى الله تعالى، مع اعتقاد أن لها معنى يليق بذي الجلال والإكرام. (٢) انظر: ((صحيح ابن حبان)) (٨ / ٢١٠)، عند الحديث رقم (٣٤٢٣). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٣٠). ٣٣١ (ك): قال ابن بطال: معنى: ((عند الله))؛ أي: في الآخرة، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَيِّكَ﴾ [الحج: ٤٧] يريد أيامَ الآخرة(١). (ن): احتج أصحابنا بهذا الحديث على كراهة السواك للصائم بعد الزوال؛ لأنه يزيل الخُلوف الذي هذه صفته وفضيلته، وإن كان السواك فيه فضلٌ أيضاً، إلا أن فضيلة الخلوف أعظمُ، قالوا: كما أن دم الشهيد مشهود له بالطيب، ويترك له غسل الشهيد، مع أن غسل الميت واجب، فإذا تُرِكَ الواجبُ [للمحافظة] على بقاء الدم المشهود له بالطيب، فتَرْكُ السواك الذي ليس هو واجباً للمحافظة على بقاء الخلوف المشهود له بذلك أولی، انتھی(٢). ﴿وَوَ عَدْنَا مُوسَى تَلَاثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، إن موسى عليه السلام لما صام ثلاثين يوماً بأمر الله حين طلب الرؤية؛ أنكر خُلوفَ فِيهِ، فاستاك بعود خُرنُوب، فقالت له الملائكة: إنا كنا نستنشق مِن فِيكَ رائحة المسك، فأفسدتَه بالسواك، فأمره اللهُ أن يزيد عليه عشرَ لَيَالٍ . (مظ): لا يكره السواك للصائم في جميع النهار، بل هو سنة عند أكثر العلماء، وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ لأنه تطهير، وقال ابن عمر: يكره بعد الزوال؛ لأن خلوفَ فم الصائم أثرُ العبادة، وهو أطيب عند الله من ريح المسك، والخلوف يظهر عند خُلُوِّ المَعِدَةِ من الطعام، وذلك يكون عند الزوال غالباً، وإزالة أثر العبادة مكروه، وبه قال الشافعي وأحمد، انتهى(٣). (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٩ / ٧٩). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨/ ٣٠). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢٩/٣). ٣٣٢ قال ابن الملقن في ((عمدة المحتاج)): في بعض نسخ الترمذي عن الشافعي: أنه لم يَرَ بأساً بالسواك للصائم أولَ النهار وآخرَه. قال النووي في ((شرح المهذب)): وهذا النقل غريب، وإن كان قوياً من جهة الدليل، وبه قال المُزَنيُّ وأكثر العلماء، وهو المختار(١)، قلت: ومالَ الشيخ عِزُّ الدين بن عبد السلام إلى استحبابه فقال: لا يلزم من الثناء عليه عدمُ أفضليةٍ غيرِه، بدليل ركعتي الفجر مع الوتر، وقال غيرُه: ولأن في السواك تعظيمَ الرب سبحانه وتعالى، لأن مخاطبة العظماء مع تطهير الفم تعظيمٌ لا شكَّ فيه، بخلاف الخُلوف، قال: ولأن المضمضة تزيل الخلوف ولا تكره، وقال بعضهم: الخلوف رائحة الفم من خُلُوِّ المعدة، والسواكُ لا يزيله، وإنما يزيل وسخَ الأسنان. (ق): لم يصح عنه بَِّ نهيُ الصائمِ عن السواك أولَ النهار وآخرَه، بل رُويَ عنه خلافُه، ويُذكَر عنه: ((خَيْرُ خِصالِ الصَّائمِ السِّواكُ))(٢)، رواه ابن ماجه من حديث مجالد، وفيه ضعف. (تو): أرى فيه وجهاً آخر، وهو أن النبي ◌َّ لمَّا أراد أن يبين فضلَ الصوم، ودرجةَ الصائم؛ مثَّلَ ما يُكره منه من الرائحة في الطباع البشرية بأطيبٍ ما يُرام ويُستنشق من الروائح، والنزول من الأعلى إلى الأدنى في هذا الباب عند التمثيلٍ، وتقريرِ المعنى مِن أحدِ طُرقِ البلاغة، وأنهجِ (١) انظر: ((المجموع)) للنووي (١ / ٣٤١). (٢) رواه ابن ماجه (١٦٧٧)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٩٠٨). ٣٣٣ مناهج البيان، وكأنَّ في قول من يذهب في ذلك إلى ابتغاء التقرُّب إلى الله تعالى بتلك الرائحة، واستحبابِ استدامتِها، وكراهةِ إزالتها تعمُّقاً وعدولاً عن الجَلِيِّ الواضح إلى الخفيِّ المُشكل، لاسيما وقد أُزيل الخفاءُ بحديث عامر بن ربيعة: رأيتُ النبيَّ وَِّ ما لا أُحصي يتسوَّكُ وهو صائم(١). : قوله ◌َلخير: (للصائم فرحتان»: (ن): أما فرحته عند لقاء ربه؛ فسببُها ما يراه من جزائه، ويذكر نعمة الله عليه بتوفيقه لذلك، وأما عند فطره؛ فسببُها تمامُ عبادته بالخروج عن عهدة المأمور، وسلامتِها عن المفسدات، وما يرجوه من ثوابها(٢). (مظ): تحتمل الفرحة الأولى فرحَ نفسه بالأكل والشرب، فإن الإنسان يفرح بالأكل والشرب بعد الجوع والعطش(٣). (تو): وقيل: فرحته عند إفطاره بما جاء في الحديث من أن للصائمِ عندَ إفطاره دعوة مستجابةً . : قوله: وفي رواية لمسلم: ((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم)). (قض): لما أراد بقوله: ((كل عمل)) الحسناتِ من الأعمال؛ وضع (الحسنةَ) في الخبر موضع الضمير الراجع إلى المبتدأ، و((إلا)) مستثنى عن كلام غير محکيٍّ دلّ عليه ما قبله، والمعنى: أن الحسنات يضاعف جزاؤها (١) رواه الترمذي (٧٢٥)، وهو حديث ضعيف. انظر: (إرواء الغليل)) (٦٨). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٣١). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٠). ٣٣٤ من عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، إلا الصوم فإن ثوابه لا یقادر قدره، ولا يقدر [على] إحصائه إلا الله تعالى، فلذلك يتولى جزاءه بنفسه، ولا يَكِلُه إلى ملائكته(١). * قوله(٢): ((يدع شهوته وطعامه من أجلي)): قال في ((الديباجة)): هذا تنبيه على الجهة التي [بها] يستحق الصوم أن یکون کذلك، وهو الإخلاص الخاص به (ط): هذه جملة مستأنفة واردة بياناً لموجَب الحكم، وقول الشارح: (إلا مستثنى عن كلام غير محكي) يمكن أن يقال عليه: إنه مستثنى من ((كلُّ عملِ ابنِ آدمَ)) وهو مروي عن الله تعالى، يدل عليه قوله: ((قالَ اللهُ تَعالى))، ولما لم يذكر هذا في صدر الكلام؛ أورده في وسطه بياناً، وفائدةُ البيان بعد الإبهام تفخيمُ شأن الكلام، وأنه نَّهِ ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْمَوَىَ (٢) إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْىٌ يُؤْحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وكذا أراد بقوله: ((كلُّ عملِ ابنِ آدمَ)» الحسناتِ منه، لا السيئاتِ، فبيَّن في الخبر [أن] المرادَ منه الحسنات، دلالةً على أن المُعتدّ [به] من الأعمال الحسنات، ولو قيل: حسنات ابن آدم تُضاعَف بعشر أمثالها؛ لم يكن بهذه المثابة(٣). (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٨٩). (٢) في الأصل: ((ط)) بدل ((قوله))، ولعل المثبت هو الصواب. (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٧٤). ٣٣٥ ١٢١٦ - وعنهُ: أَنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ الله، نُودِيَ مِنْ أَبُوابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَالله! هذا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الچِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ». قال أبو بكرٍ ﴾: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يا رَسُولَ الله! ما عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوابِ كُلِّهَا؟ قالَ: ((نَعَم، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)) متفقٌ عليه. * قوله : ((من أنفق زوجين)) : قال الهروي في ((تفسيره)): قيل: ما زوجان؟ قال: فرسان، أو عبدان، أو بعيران، قال ابن عرفة: كل شيء قُرن بصاحبه فهو زوج، يقال: زوَّجتُ بين الإبل، إذا قرنتَ بعيراً ببعير، وقيل: درهم ودينار، أو درهم وثوب، قال: الزوج يقع على الاثنين، ويقع على الواحد، وقيل: إنما يقع على الواحد إذا كان معه آخر، ويقع الزوج أيضاً على الصنف، وفُسِّر به قولُه تعالى: ﴿وَكُمْ أَزْوَجًا ثَثَةً ﴾ [الواقعة: ٧]، وقيل: يحتمل أن يكون هذا الحديث في جميع أعمال البر من صلاتين، أو صيام يومين، والمقصود تَشْفِیعُ صدقةٍ بأخرى، والتنبيهُ على فضل الصدقة والنفقة في الطاعة، والاستكثارِ منها. (تو): ويحتمل أن يراد به تكرير الإنفاق مرة بعد أخرى؛ أي: ليتعود ذلك، ويأخذه دَأَباً نحو قوله تعالى: ﴿أَرْجِعِ الْصَرَّكََّّنِ﴾ [الملك: ٤]، وفي ٣٣٦ (الغريبين)) عن أبي ذر : ((مَن أَنْفَقَ [مِن] مالهِ زَوجَينِ في سَبيلِ اللهِ؛ ابْتَدرَتْه حَجَبَةُ الجَنَّةِ))، قيل: وما زَوجانِ؟ قال: ((فَرسانِ، أو عَبدانٍ، أو بَعیرانِ من إِیِلِهِ))(١). (ط): أقول: هذا هو الوجه إذا حُملت التثنيةُ على التكرير؛ لأن القصد من الإنفاق التثبيت من الأنفس بإنفاق كرائم الأموال، والمواظبة عليه كما قال تعالى: ﴿وَتَتْبِينًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]؛ أي: ليثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح، وبذلُه أشقُّ شيء على النفس من بين سائر العبادات الشاقّة(٢). * قوله: ((في سبيل الله)): (ن): قيل: هو على العموم في جميع وجوه الخير، وقيل: هو مخصوص بالجهاد، والأول أصح وأظهر(٣) . * قوله: ((هذا خیر) : (ن): قيل: معناه: لك هنا خير وثواب وغبطة، وقيل: هذا الباب فيما نعتقده خيرٌ لك من غيره من الأبواب؛ لكثرة ثوابه ونعيمه، فتعالَ فادخل منه، ولابدَّ من تقدير ما ذكرناه: أن كل منادٍ يعتقد ذلك البابَ أفضلَ من غيره(٤). (١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٤٦٤٣)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٧٧٤). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٤١). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١١٦). (٤) المرجع السابق، الموضع نفسه . ٣٣٧ (ك): ((خير)) ليس اسمَ تفضيل، بل معناه: هو خيرٌ من الخيرات، والتنوين فيه للتعظيم(١). * قوله: ((فمن كان من أهل الصلاة» : وذكر مثله في الصدقة والجهاد والصيام. (ن): قال العلماء: من كان الغالب عليه في عمله وطاعته ذلك(٢). * [قوله: «دعي من باب الريان)): (ن): قال العلماء]: سُمي بابَ الريان تنبيهاً على أن العطشان بالصوم في الهواجر سيروى، وعاقبته إليه، وهو مشتق من الرِّي(٣). (ط): فإن قلت: لم خصَّ كلَّ باب باسم العبادة المختصة به وکنی عن الصيام بالريان؟ قلت: بما يدلي الصوم إلى النسبة إلى الله بقوله: ((الصَّومُ لي))، وعلله بقوله: ((يتركُ طعامه وشرابَه))، وخصّ الشراب بالذكر؛ لكونه أهم حينئذٍ، وفيه إشارة إلى قوله: ﴿وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، قال الحربي: إن كان الريان اسماً للباب فلا كلام فيه، وإلا فهو من الرِّواء الذي يَرْوَى [من الماء]، يقال: رَوِيَ [یروی] فهو ريَّان. والمعنى: أن الصائم بتعطیشه نفسه في الدنیا يدخل من باب الريان؛ ليأمن من العطش (٤). (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٩ / ٨٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١١٦). (٣) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٤٢). ٣٣٨ (ن): قوله ◌َّه: ((من باب كذا و[من باب] كذا)، فذكر باب الصلاة والصدقة والصيام والجهاد، قال القاضي: قد جاء ذكر بقية أبواب الجنة الثمانية في حديث آخر [في] باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وباب الراضين، فهذه سبعة أبواب جاءت في الأحاديث، وجاء في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: أنهم يدخلون من الباب الأيمن، فلعله الباب الثامن، انتهى(١). قال الحافظ أبو عبدالله محمد بن أحمد بن فرح القرطبي في ((التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة»: قد ذكر الترمذي الحكيم أبواب الجنة في ((نوادر الأصول))، فذكر بابَ محمد ◌َّ، وهو باب الرحمة، فهو منذ خلقه [الله] مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها؛ أغلق فلم يفتح إلى يوم القيامة، وسائر الأبواب مفتوحة على أعمال البر، فباب للصلاة، وباب للصوم، وباب الزكاة والصدقة، وباب للحج، وباب للجهاد، وباب للصِّلَةِ، وباب للعمرة، فزاد: بابَ الحج، وبابَ العمرة، وبابَ الصلة، فعلى هذا أبواب الجنة أحد عشر باباً، وقد ذكر الآجري أبو الحسين عن أبي هريرة عن النبي ◌َّمِ قال: ((إِنَّ في الجَنةِ باباً يُقال له: [باب] الضُّحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى؟ هذا بابُكُم فادخُلُوه)) قال: ولا يبعد أن يكون [لنا] ثالث عشر على ما ذكره أبو عيسى الترمذي، عن سالم بن عبد الله [عن أبيه] قال: قال رسول الله وَله: ((بابُ أمَّتِي الَّذِي يدخُلُون منهُ الجنَّةَ عَرْضُهُ مَسيرةُ الرَّاكِبِ المُجَوِّدِ ثلاثاً، ثمَّ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١١٧). ٣٣٩ إِنَّهم ليُضْغَطُونَ عليهِ حتَّى تَكادَ مَناكِبُهم تَزُولُ))(١)، فقوله: ((باب أمتي)) يدل على أنه لسائر أمته ممن يغلب عليه عمل يدعى به، وعلى هذا يكون ثالث عشر ولهذا يدخلون مزدحمين . وقد خرّج مسلم عن خالد بن مسلم قال: خطبنا غزوان، وكان أميراً على البصرة، وذكر الحديثَ، وفيه: ولقد ذكر لنا أن ما بين المِصْرَاعَينِ مسيرةَ أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كَظِيظٌ من الزحام(٢). وخرّج أيضاً عن أنس في حديث الشفاعة: ((والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه؛ إنَّ ما بينَ المِصْراعَينِ مِن مَصارِيعِ الجنَّةِ لَكَمَا بينَ مَكَّةَ وهَجَرَ، أو كَما بينَ مگّةً وبُصری)»(٣). وخرّج أيضاً عن سهل بن سعد أن رسول الله وَّه قال: ((لَيَدخُلَنَّ الجنةَ من أمتِي سبعون ألفاً، أو سبعُ مئة ألفٍ)) لا يدري أبو حازم أيهما قال ((مُتماسِكُون آخذٌ بعضُهم بعضاً، لا يَدخلُ أوَّلُهم حتّى يَدخلَ آخِرُهم، وُجُوهُهم على صُورةِ القَمرِ ليلةَ البدْرِ))(٤)، فهذه ثلاثة أبواب أُخَر، إذ هي غير ما تقدم، فيحصل منها - والحمد لله - ستةَ عشرَ باباً(٥). (١) رواه الترمذي (٢٥٤٨)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٣١٣). (٢) رواه مسلم (٢٩٦٧ / ١٤)، وقد جاء في ((مسلم)): ((خالد بن عمير)) و((عتبة بن غزوان)) بدل: ((خالد بن مسلم)) و((غزوان)) .. (٣) رواه مسلم (١٩٤ / ٣٢٧)، من حديث أبي هريرة (٤) رواه مسلم (٢١٩/ ٣٧٣). (٥) انظر: ((التذكرة)) للقرطبي (٢ / ٩٥٣ - ٩٥٧). ٣٤٠