النص المفهرس

صفحات 261-280

* قوله وَلي: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)):
(تو): شق على الشيء شقّاً ومشقَّةً، والاسم: الشِّقُّ، بالكسر،
والمعنى: لولا أن أُثْقِل عليهم.
(قض): (لولا) تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره، والحقيقة أنها مركبة
من (لو) و(لا)، و(لو) تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فیدل هاهنا مثلاً
على انتفاء الأمر؛ لانتفاء نفي المشقة، وانتفاءُ النفي ثبوتٌ، فيكون الأمر
منفياً؛ لثبوت المشقة، وفيه دليل على الأمر للوجوب، لا للندب من وجهين:
أحدهما: أنه نفى الأمرَ مع ثبوت الندبية، ولو كان للندب، لما جاز ذلك.
وثانيهما: أنه جعل الأمر ثقلاً ومشقة عليهم، وذلك إنما يتحقق إذا
کان دليلاً على الوجوب(١).
(ط): إذا كان (لولا) يستدعي امتناع الشيء لوجود غيره - وظاهرٌ أن
المشقة نفسها ليست بثابتة - فلا بد من مُقدَّر؛ أي: لولا خوفُ المشقة، أو
توقُّعها؛ لأمرتهم.
قال الشيخ أبو إسحاق في ((كتاب اللمع)): في هذا الحديث دليل على
أن الاستدعاء على وجه الندب، ليس بأمر حقيقةً؛ فإن السواك عند كل
صلاة مندوب إليه، وقد أخبر النبيُّ وَّي أنه لم يأمر به، فدلَّ على أن
المندوب إلیه غیرُ مأمور به(٢).
(ن): هذا الاستدلال يحتاج في تمامه إلى دليل على أن السواك كان
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٨٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٧٨٤).
٢٦١

مسنوناً حالَ قولِهِ وَّر: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم))، وفيه دليل على أن
السواك ليس بواجب، قال الشافعي رحمه الله: لو كان واجباً؛ لأمرهم به،
شقَّ أو لم يشقَّ، وفيه دليل على جواز الاجتهاد للنبي وَِّ فيما لم يَرِدْ به نصٌّ
من الله، وفيه بيان ما كان النبي ◌َّ عليه من الرفق بأمته، وفيه دليل على
فضيلة السواك عند كل صلاة. انتهى(١).
قال الشيخ سراج الدين في ((العجالة)): يسن السواك للصلاة، وإن لم
يكن الفم متغيراً؛ لهذا الحديث، وصح من غيرِ طريقٍ للحاكم: ((رَكْعَتانِ
بسِواكٍ أَفْضَلُ مِن سبعينَ رَكعةً بلا سِواكٍ))(٢)، رواه الحميدي بإسنادٍ كلُّ
رجاله ثقاتٌ.
وإذا ضممت إلى ذلك قولَه وَّهِ: ((صَلاةُ الجَماعَةِ أَفضل ... )) الحديثَ،
كانت صلاة الجماعة بسواك بألف وثمان مئة وتسعين، ويتضاعف ذلك بالفضل
في القراءة، والخشوع، وكمال الطهارة، وغير ذلك من الأمور المطلوبة في
الصلاة، بما لا يحصيه إلا اللهُ تعالى، وإذا ضُمَّ إلى ذلك روايةٌ أبي داود:
((الصَّلاةُ في جَماعَةٍ تَعدِلُ خَمساً وعشرينَ صَلاةً، فإِذا صلاَها في فَلَاةٍ، فَأَتَمَّ
رُكوعَها وسُجودَها، بَلَغَتْ خمسينَ صلاةً)(٣)، صححها ابن حبان والحاكم(٤)،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٤٣).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥١٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وهو
حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٥١٩).
(٣) رواه أبو داود (٥٦٠)، من حديث أبي سعيد الخدري ﴿ه. وهو حديث صحيح.
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٨٧١).
(٤) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٠٥٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (٧٥٣)، من
حديث أبي سعيد الخدري ◌ُه .
٢٦٢

زادت المضاعفة، و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءٌ﴾ [الحديد: ٢١]، والحديث
المذكور دالٌّ على أن السواك أفضلُ من صلاة الجماعة؛ لأن الفضل الوارد فيه
أكثر من فعلها، وفيه وقفة، ولا يبعد استحبابه للطواف وسجدة التلاوة والشكر.
١١٩٧ - وَعَنْ حُذِيفَةَ ﴿هَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إذا قَامَ
مِنَ النَّومِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. متفقٌ عليه.
(الشَّوْصُ)): الدَّلْكُ.
* قوله: ((یشوص)):
(ن): هو بفتح الياء، وضم الشين المعجمة، وبالصاد المهملة،
والشَّوْصُ: دَلْكُ الأسنان بالسواك عرضاً، قاله ابن الأعرابي، وإبراهيم
الحربي، وأبو سليمان الخطابي، وآخرون، وقيل: هو الغسلُ، قاله الهروي،
وقيل: التنقية، قاله أبو عبيد، والداودي، وقيل: هو الحَكُّ، قال أبو عمر بن
عبد البر: تأوَّله بعضُهم أنه بأصبعه، وهذه الأقوال متقاربة، وأظهرها
الأول(١).
١١٩٨ - وَعَنْ عَائشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ
لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ الله ما شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٤).
٢٦٣

اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي)) رَوَاهُ مُسلمٌ.
* قولها: «كنا نعد لرسول الله صل* سواكه وطهوره):
(ن): فيه: استحباب ذلك، والتأهُّب لأسباب العبادة قبل وقتها،
والاعتناءُ بها، وفيه: استحباب السواك عند القيام من النوم، انتهى(١).
وفيه: أن من سبقت له السعادة، سيقتْ إليه زوجةٌ تعينه على العبادة.
١١٩٩ - وعَنْ أَنَسِ ﴿ُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَكْثَرْتُ
عَلَيْكُم في السِّوَاكِ)) رَواهُ البُخاريُّ.
* قوله وي: ((أكثرت عليكم في السواك)):
(ط): المفعول محذوف؛ أي: أطلْتُ الكلامَ في السواك كائناً عليكم،
و((في السواك))؛ أي: في شأنه وأمره، وفائدةُ هذا الإخبار - مع كونهم عالمين
به - إظهارُ الاهتمام بشأن السواك، وتوخِّي ملازمَتِهم إياه؛ لكونه مطهرةً للفم،
مرضاة للرب(٢) .
١٢٠٠ - وَعَنْ شُرَيح بْنِ هانئٍ، قالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ الله
(١) المرجع السابق (٦ / ٢٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧٨٩/٣).
٢٦٤

عَنْهَا: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ،
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* قوله: ((بدأ بالسواك)):
(ن): فيه فضيلةُ السواك في جميع الأوقات، وشدةُ الاهتمام به،
وتكرارُه(١).
(ق): ابتداءُ النبي ◌َّ﴿ عند دخوله بيتَه بالسواك؛ لأنه كان يبدأ بصلاة
النافلة، فقلَّما كان يتنفل في المسجد(٢).
(مظ): إنما فعل ذلك؛ لأن الغالب أنه كان لا يتكلم في الطريق، والفمُ
يتغير بالسكوت، فيستاك ليزيله، وهو تعليمٌ لأمته، فمن سكت، ثم أراد
التكلم مع صاحبه، يستاك لذلك؛ لئلا يتأذى من رائحة فمه، انتهى(٣).
هذا وجه بعيد، لأن بيوتَ أزواجِه ◌ِ وَّ كانت قريباً من المسجد، فمِنْ
أين يتصور هذا التغير في هذه الساعة اللطيفة؟!
(ق): هذا الحديث يدل على استحباب تعاهُدِ السواكِ؛ لِمَا يُكرَه من
تغير رائحة الفم بالأَبْخِرَةِ والأطعمة وغيرها، وعلى أنه يتجنب استعمالَ
السواك في المساجد، والمحافل، وحضرة الناس، ولم يُرْوَ عنه ◌َّ أنه تسوَّك
في المسجد، ولا في محفل من الناس؛ لأنه من باب إزالة القذر والوسخ،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٤٤).
(٢) انظر: (المفهم)) للقرطبي (١ / ٥٠٩).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٨٩).
٢٦٥

ولا يليق بذوي المروءات فعلُ ذلك في المساجد، وفي ملأٍ من الناس،
انتھی(١).
لعل المؤلِّفَ أراد السواكَ المُستحبَّ عند تغير الفم، وإزالة صفرة
الأسنان والقلح، فأما من استاك في بيته عند وضوئه، وإزالة ما بفمه من
تغيُّر، ونظَّف فمَه، ثم دخل المسجد لإرادة الصلاة كيف يؤمر بترك
السواك؟! مع قولِهِ وَّهِ: ((لأَمَرَتُهُمْ بالسِّواكِ عندَ كلِّ صَلاةٍ)(٢)، وقولِه ◌َيَّ:
((صَلاَةٌ بسِواكٍ أَفضلُ عندَ اللهِ من سَبعينَ صَلاةً بغيرِ سِواكٍ))(٣)، وقولِ أبي
هريرة: كان أصحابُ رسول الله وَّهِ أَسْوِكَتُهُمْ خلفَ آذانهم، يَسْتَنُّونَ بها
لكل صلاة.
فالسواكُ المأمور به لكل صلاة غيرُ سواكِ إزالةِ القذر والوسخ.
١٢٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ:
(السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاءٌ لِلرَّبِّ)) رَوَاهُ النَّسائيُّ، وابنُ خُزَيمَةَ
في ((صَحیحِهِ)) بأسانيدَ صحيحةٍ .
* قوله : ((مطهرة للفم)).
(مظ): هي مصدر مِيمِيٌّ، مُحتَمِلٌ أن يكون بمعنى الفاعل؛ أي: مطهِرٌ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥٠٩).
(٢) رواه البخاري (٨٤٧)، ومسلم (٢٥٢ / ٤٢)، من حديث أبي هريرة ظ
لته .
(٣) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١ / ٣٨)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٥١٩).
٢٦٦

للفم، وكذا المرضاةُ؛ أي: مُحصِّلٌ لرضا الله تعالى، ويجوز أن يكون بمعنى
المفعول؛ أي: مَرْضِيٌّ للرب(١).
(ط): يمكن أن يقال: إنهما مثل: ((مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ)) (٢)؛ أي: السواك
مَظِنَّةٌ للطهارة والرضا؛ أي: يحمل السواكُ الرَّجُلَ على الطهارة ورضا الله،
وعطف ((مرضاة)) يحتمل الترتيب، بمعنى الإخبار عنهما، وتفويض الترتيب
إلى الذهن، فتكون الطهارة به علةَ الرضا، وأن يكونا مستقلَّينِ في العِلِيَّةِ(٣).
١٢٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ عَهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَهِ، قَالَ: ((الفِطْرَةُ
خَمْسٌ، أَوْ: خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وتَقْلِيمُ
الأَظْفَارِ، وَنَّفُ الإِبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ » مُتفقٌ عليهِ.
الاسْتِحْدَادُ: حَلْقُ العَانَةَ، وَهُوَ حَلْقُ الشَّعْرِ الَّذِي حَوْلَ الفَرْجِ.
١٢٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
((عَشْرٌ مِنَ الفِطرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللَّحْيَةِ، وَالسَّوَاكُ،
واسْتِنْشَاقُ المَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وغَسْلُ البَرَاجِمِ، وَتَّفُ الإِبِطِ،
وَحَلْقُ العَانَةِ، وانْتِقَاصُ المَاءِ)). قالَ الرَّاوِي: وَنَسِيتُ العَاشِرَة، إِلاَّ
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٩١).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٥٨٧) من حديث يعلى بن مرة بلفظ: ((إن الولد
مبخلة مجبنة))، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٩٨٩).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٧٨٧).
٢٦٧

أن تَكُونَ المَضْمَضَةُ؛ قالَ وَكِيعٌ - وَهُوَ أَحَدُ روَاتِهِ -: انتِقَاصُ الماءِ؛
يَعْنِي: الاسْتِنْجَاءَ. رَوَاهُ مُسلِمٌ.
((البَرَاجِمُ)) بالباءِ الموحدةِ والجيمِ، وهِي: عُقَدُ الأَصَابعِ.
((وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ)) مَعْنَاهُ: لا يَقُصُّ مِنْهَا شيئاً.
١٢٠٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ﴾، عَنِ النَّبِيِّنَّهِ، قالَ: ((أَحْفُوا
الشَّوَارِبَ، وأَعْفُوا اللِّحَى)) مُتفقٌ عليهِ.
* قوله يتلقى: ((الفطرة خمس)):
(ن): معناه: خمس من الفطرة، كما في الرواية الأخرى: ((عَشْرٌ مِنَ
الفِطْرَةِ))(١)، وليست منحصرة في العشر؛ لأن (مِنْ) للتبعيض، والمراد
بالفطرة: السنَّةُ، ومعناه: أنها من سنن الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم،
وقيل: هو الدِّينُ (٢).
(تو): وهذا أوجه؛ لأنها مفسَّرة في كتاب الله تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلِينِ حَنِيفًا فِظَرَتَ اللَّهِ الَِّ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾ [الروم: ٣٠]؛ أي: دينِ الله الذي
اختاره لأَوَّلِ مَفْطُورٍ مِن البشر، أو يكون المراد: عشرٌ مما رُكِّبَ في العقول
التي فطر الله الخلق عليها استحسانُ ذلك.
(ق): هذه الخصال هي التي ابتلى اللهُ بها إبراهيمَ، فأَتمهُنَّ، فجعله
اللهُ إماماً، قاله ابن عباس، وهذه الخصال مجتمِعةٌ في أنها محافظة على
(١) رواه مسلم (٢٦١ / ٥٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها .
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٧).
٢٦٨

حُسْنِ الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخِلقة
التي خُلق الإنسانُ عليها، وتركُ إزالةِ هذه الأشياء يشوِّه الإنسانَ ويُقبِّحه،
بحيث يُستقذَر ويُتَجَنَّب، فيخرج عما تقتضيه الفطرةُ الأولى، فسُمِّيتْ هذه
الخصالُ فطرةً لهذا المعنى(١).
(ن): معظم هذه الخصال سنةٌ، ليست بواجب عند العلماء، وفي
بعضها خلاف في وجوبه؛ كالختان، والمضمضة، والاستنشاق، ولا يمتنع
قَرْنُ الواجب بغيره، كما قال تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ.
يَوْمَ حَصَادِهِ،﴾ [الأنعام: ١٤١]، والإيتاءُ واجب، والأكل ليس بواجب، وأما
تفصيلها: فالختان واجب عند الشافعيِّ، وكثيرٍ من العلماء، وسنة عند مالكِ،
وأكثرِ العلماء، وهو عند الشافعي واجبٌ على الرجال والنساء جميعاً،
والواجب في الرجل أن يقطع جميعَ الجِلْدة التي تغطي الحَشَفةَ، وفي المرأة
يجب قطعُ أدنى جزءٍ من الجِلدة التي في أعلى الفرج.
والصحيح: أن الختان جائز في حال الصغر، ليس بواجب، ولنا
وجه: أنه يجب على الوليِّ أن يختِن الصغيرَ قبل بلوغه، وفي وجه: أنه
يحرم ختانه قبل عشر سنين، وإذا قلنا بالصحيح، استُحِبَّ أن يُخْتَنَ في
اليوم السابع من ولادته.
وهل يُحسب يوم الولادة من السبع، أم تكون سبعة سواه؟ فيه
و جهان: أظهرهما يحسب.
ولو مات إنسان غيرَ مختونٍ ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: الصحيح
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥١١).
٢٦٩

المشهور: أنه لا يختن صغيراً كان، أو كبيراً، والثاني: يختن، والثالث:
يختن الكبير دون الصغير(١).
(ق): استدل ابن سريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى
العورة، قال: ولولا أن الختان فرض، لَما أُبِيحَ النظر إليها من المختون،
وأُجيبَ: بأن مثلَ هذا يباح لمصلحة الجسم؛ كنظر الطبيب إجماعاً،
والطِّبُّ ليس بواجب، فما فيه مصلحة دينية أولى بذلك(٢).
(حس): ومن الدليل على وجوبه: أن قطعَ عضوٍ سلیم حرامٌ، وهاهنا
جائز، فلو لم يكن القطع واجباً، لبقي أصلُ التحريم على ما كان، وأيضاً إذا
لم يُخْتَنْ بقي البولُ في القُلْفَة، فيمنع صحةَ الصلاةِ(٣).
(ن): وأما الاستحداد، فهو حَلْقُ العانة، سُمِّي استحداداً؛ لاستعمال
الحديدة، وهي الموسى، وهو سنة، والمراد به: نظافة ذلك الموضع،
والأصل فيه الحلقُ، ويجوز القصُّ، والنتفُ، والنُّورَةُ، والمراد بالعانة:
حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما.
وأما وقت حلقه؛ فالمختار ضبطُه بالحاجةِ وطولِهِ، فإذا طال حُلِقَ،
كذلك الضبطُ في قصِّ الشارب، ونتف الإِبْطِ، وتقليم الأظافر، وأما
حديث أنس به: وقَّتَ لنا رسولُ اللهِوَّه في قصِّ الشارب، وتقليمِ الأظافر
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٤٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥١٤).
(٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ٣٩٩)، وانظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي
(١ / ٧٨٧).
٢٧٠

أن لا نترك أكثرَ من أربعين ليلةً؛ فمعناه: لا نترك تركاً یتجاوز به أربعين، لا
أنه وقَّتَ لهم التركَ أربعين(١).
(ق): الأربعون تحديدُ أكثرِ المدة، والمستحبُّ تفقّدُ ذلك من جمعة
إلى جمعة، وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا كثر ذلك أُزيل(٢).
(ن): وأما تقليمُ الأظافر؛ فسنة ليس بواجب، وهو تفعيل من القَلْمِ،
وهو القطع، ويستحب أن يبدأ باليدين قبلَ الرجلين، فيبدأ بمسبحة يده
اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام، ثم يعود إلى
اليسرى، فيبدأ بخنصرِها، ثم بنصرِها، إلى آخره، ثم يعود إلى الرجل
اليمنى، فيبدأ بخنصرِها، ويختم بخنصر اليسرى، انتهى(٣) .
قال الغزالي رحمه الله: والذي لاح لي - والعلم عند الله - في رعاية
هذا الترتيب في قلم الأظفار: أن اليد أشرفُ من الرِّجْلِ، فيبدأ بها، ثم
اليمنى أشرفُ من اليسرى، فيبدأ بها، ثم على اليمين خمس أصابع،
والمسبحة أشرفها؛ إذ هي المُشيرةُ في كلمتي الشهادةِ من جملة الأصابع،
ثم بعدها ينبغي أن يبتدئ بما على يمينها؛ إذ الشرع يستحب إدارة الطَّهور
وغيرِه على اليمين، وإن وضعْتَ ظهرَ اليد على الأرض؛ فالإبهام على
اليمين، وإن وضعْتَ الكفَّ؛ فالوسطى هي اليمين، واليدُ إذا وُضِعَتْ
بطبعها، كان الكفُّ مائلاً إلى الأرض؛ إذ جهة حركة اليمنى إلى اليسار،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥١٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٩).
٢٧١

واستتمامُ الحركةِ إلى اليسار يجعل ظهرَ الكف عالياً، فما يقتضيه الطبع
أولى، ثم إذا وضعْتَ الكفَّ على الكف؛ صارت الأصابع في حكم حلقة
دائرة، فيقتضي ترتيبُ الدور الذهابَ من يمين المسبحة، إلى أن يعود إلى
المسبحة، فتقع البدايةُ بخنصر اليسرى، والختمُ بإبهامها، ويبقى الإبهام
اليمين، وإنما قَدَّرْتُ الكفَّ موضوعةً على الكف، حتى تصيرَ الأصابعُ
كالأشخاص في حلقة؛ ليظهر ترتيبها، وتقديرُ ذلك أولى من تقدير وضع
الكف على ظهر الكف، أو وضعٍ ظهرِ الكف على ظهر الكف؛ فإن ذلك لا
يقتضيه الطبع .
وأما أصابع الرِّجْل؛ فالأولى أن يبدأ بخنصر اليمنى، ويختمَ بخنصر
اليسرى، كما في التخليل؛ فإن المعاني التي ذكرناها لا يتم هاهنا؛ إذ
لا مسبحة في الرِّجل، وهذه الأصابع في حكم صف ثابت على الأرض،
فيبدأ من جانب اليمين، وإن تقديرَها حلقةً بوضع الأخمص على الأخمص
يأباه الطبع، بخلاف اليدين، وينبغي أن لا تكون جميعُ حركاتِ العبد
خارجةً عن وزنٍ وقانونٍ وترتيبٍ؛ فإن الاسترسال مُهْمَلاً كما يتَّفق سجيةُ
البهائم، وضبطُ الحركات بموازين المعاني سجيةٌ أولياء الله، وكلما كانت
حركاتُ الإنسان وخطراتُه إلى الضبط أقربَ، وعن الإهمالِ وتركِهِ سدَىّ
أَبْعِدَ، كان قُرْبُه إلى رتبة الأولياء والأنبياء أكثرَ، وكان قُرْبُه من الله أظهرَ (١).
واعلم أن قَلْمَ الأظفار مستحبٌّ؛ لبشاعة صورتها إذا طالت، ولِمَا
يجتمع فيها من الوسخ، ولو كان تحت الظفر وسخٌ، لا يمنع ذلك صحةَ
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (١ / ١٤١).
٢٧٢

الوضوء؛ لأنه لا يمنع وصول الماء، ولأنه يتساهل فيه للحاجة، لا سيما
في أظفارِ الرَّجل، والأوساخِ التي تجتمع على البَراجِمِ، وظهورِ الأرجل،
وأيدي العرب، وأهلِ السواد، وكان ◌َّهِ يأمرهم بالقَلْمِ، وينكر ما يرى
تحت أظفارهم من الأوساخ، ولم يأمرهم بإعادة الصلوات، ولو أمر به؛
لكان فيه فائدة أخرى، وهو التغليظ، والزجر عن ذلك(١).
(ن): وأما نتفُ الإِبْط؛ فسنة بالاتفاق، لِمَن قَوِي عليه، ويحصل
أيضاً بالحَلْقِ، والنُّورَةِ، وحكى يونس بن عبد الأعلى قال: دخلتُ على
الشافعي رحمه الله، وعنده المزني يحلق إبْطيه، فقال الشافعي: علمتُ أن
السنةَ النتفُ، ولكن لا أقوى على الوجع، ويستحب أن يبدأ بالإبط الأيمن،
انتھی(٢).
قال الإمام أبو حامد الغزالي: يستحب النتف على من تعوَّد بالابتداء
نتفَه، وأما من تعوَّد الحلْقَ؛ فيكفيه الحلقُ؛ إذ في النتف تعذيب وإيلام،
والمقصود أن لا يحصل الوسخ في خلالها(٣).
(ن): وأما قصُّ الشارب؛ فسنة أيضاً، ويستحب أن يبدأ بالجانب
الأيمن، وهو مخيٌّ بين القص بنفسه، وبين أن يولِّيَ ذلك غيرَه؛ لحصول
المقصود من غير هتك مروءة، ولا حرمة، بخلاف الإبط والعانة، وأما حدُّ ما
يقصه؛ فالمختار: أنه يقص حتى يبدو طرفُ الشَّفَةِ، ولا يَحُقُّه من أصله، وأما
(١) المرجع السابق (١ / ١٤١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٩).
(٣) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (١ / ١٤١).
٢٧٣

رواياتُ ((أَحْفُوا الشَّوارِبَ))؛ فمعناه: أحفوا ما طال على الشفتين، وأما إعفاء
اللحية؛ فمعناه توفيرها، وهو بمعنى: ((أَونُوا اللُّحَى)) في الرواية الأخرى(١)،
وكان من عادة الفرس قَصُّ اللحية، فنهى الشرع عن ذلك(٢).
(تو): قَصُّ اللحية كان من صنيع الأعاجم، وهو اليوم شعار كثير من
المشركين؛ كالإفرنج، والهنود، ومَنْ لا خَلاقَ له في الدين؛ كالفرق
المَوسُومَةِ بِالقَلَنْدَرِيَّة، طهّر اللهُ منهم حَوْزَةَ الدين.
(ق): والإحفاءُ والجزُّ في الشارب: هو قص ما طال على الشفتين،
وليس بالاستئصال عند مالك، وجماعةٍ من العلماء، وهو عندَه مُثْلَةٌ يُؤْدَّب مَنْ
فعله إذ قد وجد من يقتدي به من الناس لا يحفون جميعه، ولا يستأصلون
ذلك، ورُويَ عن عمر بن الخطاب ◌َُ: أنه إذا كان حَزَبَهُ أمرٌ؛ فَتَلَ شارِبِه، ولو
کان يستأصله؛ لم يكن له ما يُفْتَل، وذهب الکوفیون وغیرُهم إلى الاستئصال،
تمسكاً بالظاهر، وذهب بعض العلماء إلى التخيير في ذلك.
وأما إعفاءُ اللحية؛ فهو توفيرها، وتكثيرها، قال أبو عبيد: عفا الشيءُ:
إذا كَثُر وزاد، وأعفيتُه أنا، وعفا: دَرَسَ، وهو من الأضداد، فلا يجوز نتفها،
ولا حلقها، ولا قص الكثير منها، وأما أخذ ما يتطاير، وما يُشَوِّه، ويدعو إلى
الشُّهرة ◌ُولاً وعَرْضاً؛ فحسنٌ عند مالكٍ، وغيرِه من السلف. انتهى(٣).
قال الغزالي: معنى: ((حُقُّوا الشَّوَارِبَ))؛ أي: اجعلوها حِفافَ الشفة؛
(١) رواه مسلم (٢٥٩/ ٥٤)، من حديث ابن عمر ظـ
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٤٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥١٢).
٢٧٤

أي: حولها، وحِفافُ الشيء حوله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَبِكَةَ حَفِينَ
مِنْ حَوّلِ الْعَرَّشِ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ أي: مُطِيفينَ بحفافيه، وفي لفظ آخر: (أَحْفُوا))
وهذا يُشْعِرِ بالاستئصال، وقوله: ((حُقُّوا)) يدل على ما دون ذلك، وأما
الحَلْقُ؛ فلم يَرِدْ، والإحفاءُ قريب من الحلق نُقِلَ عن الصحابة، ولا بأس بترك
سِبَالَيْهِ، وهما طرفا الشارب، فعلَ ذلك عمرُ حَظُه وغيرُه؛ لأن ذلك لا يستر
الفم، ولا يبقى فيها غَمْرُ الطعامِ؛ إذ لا يصل إليه، واختلفوا فيما طال من
اللحية، فقيل: إن قبض الرَّجل على لحيته، وأخذ ما تحت القبضة؛ فلا
بأس، قد فعله ابن عمر ﴾، وجماعةٌ من التابعين، واستحسنه الشَّعبيُّ، وابنُ
سيرينَ، وكرهَهُ الحسنُ، وقتادةُ، وقالا: تركُها عَافِيَةً أحبُّ؛ لقوله وَله:
(أَعْفُوا اللِّحَى))؛ أي: كثِّروها، والأمر في هذا قریب إن لم ينته إلى تقصيص
اللحية، وتدويرِها من الجوانب؛ فإن الطول المُفرط قد يُشَوِّه الخِلْقَةَ، ويُطْلقُ
ألْسِنَةَ المغتابين بالنسبة إليه، فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية، وقال
الَّخَعيُّ: عجبتُ لرجل عاقلٍ طويلِ اللحية كيف لا يأخذ من لحيته، فيجعلَها
بين لحيتين؟! فإن التوسط في كل شيء حسن؛ ولذلك قيل: كلما طالتٍ
اللحيةُ، قَصُر العقلُ.
وفي اللحية عَشْرُ خصالٍ مكروهةٌ، بعضُها أشدُّ من بعض:
الأول: الخضاب بالسّواد، نھی عنه رسول الله ێ، ولا بأس بالخضاب
بالسواد لأجل الغزو، إذا صَحَّتِ النيةُ، ولم يكن فيه هوىّ وشهوةٌ.
الثاني: الخِضاب بالصُّفْرةِ، والحُمْرةِ، وذلك جائزٌ للغزو والجهاد،
فإن لم يكن على هذه النية؛ فمذموم.
٢٧٥

الثالث: تبييضُها بالكِبْرِيتِ إظهاراً لعُلُوِّ السِّنِّ، وتوصُّلاً إلى التوقير،
وقبول الشهادة، وإظهاراً لكثرة العلم، وظناً بأن كثرة الأيام تعطیه فضلاً،
وهيهاتَ، فلا يزيد كِبَرُ السِّن الجاهلَ إلا جهلاً .
الرابع: نتفُ بياضها، وقد نهى رسول الله بَّه عن نتف الشيب.
الخامس: نتفُها، أو نتفُ بعضِها بحكم العبث، والهوسِ، ونتفُ
الفَنِيكَيْنِ بدعةٌ، وهما جنبا العَنْفَقَةِ، وأما نتفُها في أول النبات تشبيهاً بالمُرْدِ؛
فمن المنكرات الكبار.
السادس: تصفيفُها طاقةً فوقَ طاقةٍ؛ للتزين للنساء والتصنَّعِ.
السابع: الزيادةُ فيها، وهو أن يزيد في شعر العارِضَيْنِ مِن الصَّدْغِ.
الثامن: تسريحُها لأجل الناس، وتركُها منقلبة، إظهاراً للزهد.
التاسع والعاشر: النظرُ إلى سوادِها، أو بياضِها بعين العُجْبِ، وذلك
مذموم في جميع أجزاء البدن، بل في جميع الأخلاق والأفعال(١).
(ن): الحادي عشرَ: عقدُها وضَفْرُها.
الثاني عشر: حَلْقُها.
وإذا نبتت للمرأة لحيةٌ؛ يُستحبُّ لها حلقُها(٢).
وأما المضمضةُ والاستنشاقُ؛ فاختلفوا في وجوبهما على أربعةِ مذاهبَ:
أحدها: مذهبُ مالكِ، والشافعيِّ، وأصحابهما: أنهما سنتان في
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (١ / ١٤٣ - ١٤٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٩).
٢٧٦

الوضوء، والغُسل، وإليه ذهب الحسنُ البصري، والزهريُّ، والحكمُ،
وقتادةُ، ويحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعد، وهو
روايةٌ عن عطاءٍ، وأحمدَ.
الثاني: أنهما واجبتان في الوضوء، والغُسل، لا يصحان إلا بهما، وهو
المشهور عن أحمدَ ابنِ حنبل، وهو مذهب ابنِ أبي ليلى، وحمادٍ، وإسحاقَ
بنِ راهويه، وروايةٌ عن عطاءٍ.
والثالث: أنهما واجبتان في الغُسل دون الوضوء، وهو مذهب أبي
حنيفةَ وأصحابِهِ، وسفيان الثوريِّ.
والرابع: أن الاستنشاقَ واجبٌ في الوضوءِ، والغُسلِ، والمضمضةَ
سنةٌ فيهما، وهو مذهب أبي ثَوْرٍ، وأبي عُبيد، وداودَ الظاهريِّ، وأبي بكرِ
بنِ المنذر، وروايةٌ عن أحمد(١).
قال أصحابنا: كمالُ المضمضة: أن يجعل الماء في فمه، ثم یدیره
فيه، ثم يَمُجُّه، وأقلُّها أن يجعل الماء في فِيهِ، ولا تشترط إدارتُه على
المشهور الذي قاله الجمهور، وقال جماعة من أصحابنا: يشترط، وأما
الاستنشاق؛ فهو إيصال الماء إلى داخل الأنف، وجَذْبُه بالنَّفَس إلى أقصاه،
وتُستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق، إلا أن يكون صائماً، فيُكره
ذلك، وعلى أيِّ صفةٍ أوصل الماءَ إلى الفم، والأنفِ، حصلت المضمضةُ
والاستنشاقُ، وفي الأفضل خمسة أوجه:
الأصح: يتمضمض، ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل
(١) المرجع السابق (٣ / ١٠٧).
٢٧٧

واحدة، ثم يستنشق منها .
الثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثاً، ثم يستنشق
منها ثلاثاً.
الثالث: يجمع أيضاً بغرفة، ولكن يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم
يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق.
والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثاً، ثم
يستنشق، ثم من الأخرى ثلاثاً.
والخامس: يفصل بست غرفات، [يتمضمض بثلاث غرفات] ثم
يستنشق بثلاث غرفات، والصحيح: الوجه الأول، وبه جاءت الأحاديث
الصحيحة في ((البخاري)) و((مسلم)) وغيرِهما، وأما حديث الفصل؛
فضعيف، فتعين المصيرُ إلى الجمع، واتفقوا على أن المضمضة على كلِّ
قولٍ مقدَّمةٌ على الاستنشاق، وعلى كل صفة، وهل هو تقدیمُ استحبابٍ أو
اشتراط؟ فيه وجهان أظهرهما: الاشتراط؛ لاختلاف العضوين، والثاني:
الاستحباب؛ كتقديم اليد اليمنى على اليسرى، وأما غسل البراجم؛ فسنة
مستقلّة، ليست مختصَّةً بالوضوء، والبَراجِم، بفتح الباءِ، وبالجيمِ: جمع
بُرجمة، بضم الباء، وهي عُقَدُ الأصابع ومفاصلُها، ويلتحق بالبراجم
ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وهو الصِّماخُ، وكذلك ما يجتمع
في داخل الأنف، وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أيِّ موضع كان من
البدن بالعرق، والغبارِ، ونحوهما.
وأما (انتقاصُ الماء) فهو بالقاف، والصاد المهملة، وقد فسّره وکیعٌ
٢٧٨

بالاستنجاء، وقال أبو عبيد وغيره: معناه: انتقاصُ البول بسبب استعمال الماء
في غسل مَذاكِيرِه، وقيل: هو الانتضاح، وقد جاء في رواية: ((الانتضاح)) بدلَ
((انتقاص الماء))، قال الجمهور: الانتضاح: نضح الفرج بماء قليل بعد
الوضوء؛ لينتفي عنه الوسواس، وذكر ابن الأثير أنه روي: ((انتفاص)) بالفاء،
والصاد المهملة، والمرادُ نضحه على الذَّكَر، من قولهم لِنَضْحِ الدم القليلِ:
نُقْصةٌ، وجمعها: نُقَصٌ، وهذا الذي نقله شاذ، انتهى(١).
قال في (الفائق)): انتقاص الماء: هو أن يغسل مذاكيره ليرتد البول؛
لأنه إذا لم يغسل نزل منه الشيء بعد الشيء، فيعسر استبراؤه، فلا يخلو
الماء من أن يُراد به البولُ، فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول، أو أن يُراد
الماءُ الذي يُغْسَل به، فيكون مضافاً إلى الفاعل، على معنى التعدية،
والانتقاص یکون متعدِّیاً، ولازماً، قال عدي :
لَم يَنْتَقِصْ مِنِّي المَشيبُ قُلامةً
والآنَ حِينَ بَدا أَلَبُّ وأَكْيَسُ (٢)
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٠٥ - ١٠٧).
(٢) انظر: ((الفائق في غريب الحديث)) للزمخشري (١ / ٢٦٥).
٢٧٩

٢١٦- باب
تأكيدٍ وجوب الزكاة،
وبيان فضلها، وما يتعلّقُ پِها
قالَ الله تَعَالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
* وقالَ تَعَالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ لَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ حُنَفَآءَ
وَيُقِيمُواْ الصَّلَوْةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةٌ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
* وقَالَ تَعَالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾
[التوبة: ١٠٣].
(الباب الحادي والثلاثون بعد المئة)
(في تأكيد وجوب الزكاة، وبيانِ فضلها)
(نه): أصل الزكاة: الطهارةُ، والنَّمَاءُ، والبركةُ، والمدحُ، وكلُّ ذلك
قد استُعمل في القرآن والحديث، ووزنُها (فَعَلَةٌ)، كالصَّدَقة، فلما تحركت
الواوُ، وانفتح ما قبلها؛ انقلبت ألفاً، وهي من الأسماء المشتركة بين
المُخْرَجِ، والفِعل، فتطلق على العين، وهي الطائفة من المال المُزَّى بها،
وعلى المعنى، وهو التَّزْكِية (١).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٣٠٧).
٢٨٠