النص المفهرس

صفحات 181-200

سفر الطاعة وجهان: أحدهما: تحريمه، وهو اختيار النووي، والثاني:
الجواز، وهو اختيار الرافعي، وأما قبل الزوال؛ للشافعي قولان: القديم
جوازه، والجدید أنه کالسفر بعد الزوال.
السادس عشر: أن للماشي إلى الجمعة بكل خطوة أجر سنة صيامها
وقيامها، کما خرجه الإمام أحمد.
السابعة عشرة: أنه يوم تكفير السيئات.
الثامنة عشر: أن جهنم تسجّر كل يوم إلا يوم الجمعة، والمراد منه:
سجر جهنم في الدنيا، والمراد: أنها توقد كل يوم إلا يوم الجمعة، وأما في
الآخرة؛ فلا يفتر ولا يُخفَّف عن أهلها الذين هم أهلُها.
التاسعة عشر: أن فيه ساعة الإجابة، وهي الساعة التي لا يُسأل اللهُ
فيها شيئاً إلا أعطاه.
العشرون: أن فيه صلاةَ الجمعة التي خُصَّت من بين سائر الصلوات
المفروضات بخصائص لا توجد في غيرها من الاستيطان، والعدد
المخصوص، والجهر بالقراءة، وجاء في تركها من التشديد ما لم يأت نظيره
إلا في صلاة العصر.
ففي ((السنن)): عن أبي الجعد الضَّمْري أن رسول الله وَّه قال: ((مَنْ
تَرَكَ ثَلاَثَ جُمَع تَهَاؤُناً بِها طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ) (١). حسنه الترمذي.
وفي ((السنن)) أيضاً عن النبي ◌َّ: الأمرُ لمن تركها أن يتصدق بدينار،
(١) رواه أبو داود (١٠٥٢)، والترمذي (٥٠٠)، والنسائي (١٣٩٦)، وابن ماجه
(١١٢٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦١٤٣).
١٨١

فإن لم يجد؛ فبنصف دینار(١).
الحادية والعشرون: أن فيه الخطبةَ.
الثانية والعشرون: أنه اليوم الذي يستحب فيه التفرغ للعبادة، والله
سبحانه جعل لأهل كل ملة يوماً يتفرغون فيه للعبادة، ويتخلَّوْن فيه عن
أشغال الدنیا، فیوم الجمعة هو يوم عبادة، وهو في الأیام کشهر رمضان في
الشهور، وساعةُ الإجابةِ فيه كليلة القدر من رمضان، ولهذا من صحَّت له
جمعته وسَلِمتْ؛ سلمت له سائر جمعته، ومن صح له رمضان [و] سلم؛
سلمت له سائر سَنَتِهِ، ومن صحَت له حجته؛ صح له سائر عمره، فيوم
الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحجّ ميزان العمر.
الثالثة والعشرون: أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان
العيد مشتملاً على صلاة وقربان، وكان الجمعة يومَ صلاة؛ جعل الله
سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلاً من القربان، وقائماً مقامه كما في
(الصحيح)): ((مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى؛ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةٌ))(٢) الحديث.
الرابعة والعشرون: أن للصدقة فيه مزيَّةً عليها في سائر الأيام.
الخامسة والعشرون: أنه يوم يتجلى الله فيه لأوليائه في الجنة وزيارتهم
له، فيكون أقربُهم منه أقربَهم من الإمام(٣)، وأسبقهم إلى الزيادة أسبقهم إلى
الجمعة .
(١) رواه أبو داود (١٠٥٣)، من حديث سمرة بن جندب ره. وهو حديث ضعيف.
انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٥٢٠).
(٢) رواه البخاري (٨٤١)، ومسلم (٨٥٠) من حديث أبي هريرة حظته.
(٣) في الأصل: ((الأيَّام)).
١٨٢

السادسة والعشرون: أنه قد فسر الشاهد الذي أقسم الله [به] في كتابه
بیوم الجمعة .
السابعة والعشرون: أنه اليوم الذي ادخره الله لهذه الأمة، وأضل عنه
أهل الكتاب قبلَهم.
الثامنة والعشرون: أنه خيرة الله من أيام الأسبوع، كما أن شهر رمضان
خيرته من شهور العام، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من
الأرض، ورسوله محمد ټګ خيرته من خلقه.
التاسعة والعشرون: أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم، وتوافيها
في يوم الجمعة، فيعرفون زوَّارَهم، ومن يمرّ بهم، ويسلم عليهم ويلقاهم
في ذلك اليوم أكثرَ من معرفتهم في غيره من الأيام، فهو يوم يلتقي فيه
الأحياء والأموات، فإذا قامت الساعة فيه، التقى فيه الأولون والآخرون،
فهو یوم التلاق.
الثلاثون: أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم.
وذكر الشيخ رحمه الله أدلة كل واحد من هذه الخواص وأطنب فيها،
فلیراجع کتاب (زاد المعاد))(١).
١١٥٠ - وَعَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾: أنَّهما سَمِعَا رَسُولَ اللهِوَه
يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: ((لَتْتُهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ، أَوْ
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ٣٧٥ _ ٤١٥).
١٨٣

لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِينَ)) رواه مسلمٌ.
* قوله: «على أعواد منبره)): قيل: (المنبر): [من] نبر الشيءَ ينبِرُه:
إذا رفعه، ومنه الانتبار، وهو: التَنَفَّط، وفي حديث حذيفة: ((فتراه منتبراً)(١)،
وفي حديث عمر : إياكم والتخلل بالقصب؛ فإن الفم ينتبر منه(٢)، وفسر
بعض العلماء قوله تعالى: ﴿فِ مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] بالمنبر، قال واثلة بن
خليفة : فيمن لا يستحق صعود المنبر:
تَقُومُ عَلَيْها فِي يَدَیْك قَضِيبُ
لَقَدْ صَبَرَتْ لِلذُّلِّ أَعٌوَادُ مِنْبٍَ
وَكَادَتْ مَسَامِيرُ الحَدِيْدِ تَذُوبُ
بَكَى المِنْبَرُ الغَرْبِيُّ إِذْ قُمْتَ فَوْقَهُ
(ن): فيه استحباب اتخاذ المنبر، وهو سنة مُجْمَع عليها.
وقوله: ((وَدْعِهم)): أي: تركهم، فيه: أن الجمعة فرض عين.
ومعنى (الختم): الطبعُ، وقالوا في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى
قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] أي: طبع، ومثله الرين، وقيل: الرين أيسرُ من الطبع،
والطبعُ أيسرُ من الإقفال، والإقفالُ أشدها.
قال القاضي: اختلف المتكلمون في هذا، فقيل: هو إعدام اللطف،
وأسبابِ الخير، وقيل: هو خلق الكفر في صدورهم، وهو قول أكثرِ
متكلمي أهلِ السنة، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم، وقيل: هو علامة
جعلها الله في قلوبهم؛ لتعرف بها الملائكة من يُمْدَح ومن يُذَمُّ(٣).
(١) رواه البخاري (٦١٣٢)، ومسلم (١٤٣).
(٢) ذكره ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث)) (٥ / ٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٥٢ - ١٥٣).
١٨٤

(ق): (ودعهم): تركهم، وزعمت النحوية أن العرب أماتوا مصدره
وماضيه، والنبي ◌َّهِ أفصح، وقد قرأ ابنُ أبي عبلة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا
فَلَى﴾ [الضحى: ٣] مُخفَّفاً أي: ما تركك(١).
(تو): زعمت النحاة أنه لا يقال: وَدَعَه، وجاء في الشعر:
غَالَه في الحُبِّ حَتَّى وَدَعَهْ
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي مَا الَّذِي
ولا عبرة بما قالوا؛ فإن قول النبي ◌َّيو هو الحجة القاضية على كل
ذي لهجة وفصاحة.
الختم: الطبع، ومنه: ختمت الكتاب؛ أي: طبعته بطابعه، وهو في
الحقيقة: عبارة عما يخلقه الله في قلوبهم؛ من الجهل والجفاء والقسوة.
وجمهور الأئمة على أنها فرض عين، ونقل عن مالك من لم يحقق
أنها سنة متأكدة، ولیس بصحیح من مذهبه، ولا مذهب أصحابه، وروی
ابن وهب عنه لفظاً غلط في تأويله.
(قض): أي: أحد الأمرين كائن لا محالة؛ إما الانتهاء عن ترك
الجمعات، أو خَتْمُ اللهِ على قلوبهم؛ فإنَّ اعتياد ترك الجمعة يُغلِّب الرين
على القلوب، ويزهد النفوس في الطاعة، وذلك يؤدي إلى أن يكونوا من
الغافلین(٢) .
(ط): اللام في ((لينتهين)) للابتداء، وهو جواب القسم، و((ثم))
للتراخي في المرتبة؛ فإن كونهم من الغافلين والمشهود فيهم بالغفلة أدعى
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٢١).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١/ ٣٨٦).
١٨٥

لشقائهم، وأَنْطَقُ بخسرانهم من مطلق كونهم مختوماً عليهم(١).
١١٥١ - وعن ابن عمر ﴾: أنَّ رسول الله ◌َّهِ، قَالَ: ((إِذَا
جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ)). متفقٌ عَلَيْهِ.
١١٥٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﴿ه: أنَّ رسولَ اللهِ وَّةِ،
قَالَ: ((غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ)). متفقٌ عَلَيْهِ.
المراد بِالمُخْتَلِمِ: البَالِغُ. وَالمُرادُ بِالوَاجِبٍ: وُجُوبُ اخْتِيارٍ،
كَقولِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ. واللهُ أعلم.
(ن): اختلف العلماء في غسل الجمعة، فحُکي وجوبُه عن بعض
الصحابة، وطائفةٍ من السلف؛ لظاهر هذه الأحاديث، وبه قال أهل الظاهر،
وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ومالك،
وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، وفقهاء الأمصار إلى أنه [سنة]
مستحبة، ليس بواجب.
قال القاضي: وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه [و] احتج
الجمهور بأحاديث صحيحة، منها: حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب،
وقد ترك الغسل، وهو عثمان بن عفان، وأقره عمر ظه، وحاضرو الجمعة،
وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجباً؛ لما ترك ولأَلْزَموه بها. ومنها
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٧٠).
١٨٦

قوله وَّهِ: (مَنْ تَوَضَّأَ؛ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ؛ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ))(١)،
[تقديره: لكان أفضل] وأكمل، ونحو هذا من العبادات، وأجابوا عن أحاديثٍ
الأمر أنها محمولة على الندب؛ جمعاً بين الأحاديث(٢).
(خط): لم تختلف الأمة في أن الصلاة مجزئة إذا لم يغتسل، فلما لم
يكن الغُسل من شرط صحتها؛ دل على أنه استحباب، كالاغتسال للعيد
والإحرام الذي يقع الاغتسال فيه مقدَّماً على سببه، ولو كان واجباً؛ لكان
متأخراً عن سببه، كالاغتسال للجنابة والحيض والنفاس(٣).
(ق): ومن الأدلة على عدم وجوب غسل الجمعة: قوله وَّ: ((مَنْ
تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثمَّ أَتَى الجُمُعةَ، فاسْتَمَعَ وأنصت؛ غُفِرَ له))(٤)
الحديث، فذكر فيه الوضوء، فاقتصر عليه دون الغسل، ورتّب الصحة
والثواب عليه، وقال ◌َله: ((غُسْلُ الجُمُعةِ واجبٌ على كلِّ مُخْتَلِمٍ، وسواٌ،
ويَمَسُّ [مِنَ] الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ))(٥)، وظاهر هذا وجوب السواك والطيب،
وليس كذلك بالاتفاق، فدلّ على أن قوله: ((وَاجِبٌ)) ليس على ظاهره، بل
المراد: الندب المؤكَّد؛ إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب.
وفي قوله ◌َّر: ((إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل)) دليل لمالك على
(١) رواه أبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (١٣٨٠) من حديث سمرة بن
جندب رَظُه. وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦١٨٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٣٣ - ١٣٤).
(٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ١٠٦).
(٤) رواه مسلم (٨٥٧ / ٢٧)، من حديث أبي هريرة طلبته.
(٥) رواه مسلم (٨٤٦ / ٧)، من حديث أبي سعيد الخدري
١٨٧

أن الغسل إنما يجب عند الرواح متصلاً به، كما هو مذهب مالك
والأوزاعي، وأحد قولي الليث وغيرهم، وفيه نظر، والمراد بالمحتلم:
البالغ، وخُصَّ بالذكر؛ لأن الاحتلام أكثر ما يبلغ به الرجال، وهو الأصل،
وهذا كما قال في حق النساء: ((لا تُقْبَلُ صَلاَةُ خَائِضٍ إلاَّ بِخِمَارٍ)) يعني
بالحائض: البالغ من النساء، وخصّها بالذكر؛ لأن الحيض أغلبُ ما
يختصّ به النساء من علامات البلوغ، وفيه دليل على أن الجمعة لا تجب
على صبي، ولا امرأة(١).
(ش): وجوب هذا الغسل أقوى من وجوب الوترِ، وقراءةِ البسملة
في الصلاة، ووجوبِ الوضوء من مس النساء، ومسِّ الذكر، ومن القهقهة
في الصلاة، ومن الرعاف والقيء، ووجوب الصلاة على النبي بمصير في
التشهد الأخير، ووجوب القراءة على المأموم، وللناس فيه ثلاثة أقوال:
النفي، والإثبات، والتفصيل بين من له رائحة يحتاج إلى إزالتها، فيجب
عليه، وبين من هو مستغنٍ عنه، فيستحب له، والثلاثة لأصحاب أحمد
خاصَّةً(٢).
(ن): مذهبنا المشهور: أنه يستحب غسل الجمعة لكل مريد لها،
وفي وجه لأصحابنا يستحب للذكور خاصَّةً، و[في] وجهٍ: يستحب لمن
يلزمه الجمعة، دون النساء والصبيان، والعبيد والمسافرين، و[في] وجه:
يستحب لكل أحد سواء أراد حضور الجمعة أم لا، كغسل العيد يستحب
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤٧٩ - ٤٨٠).
(٢) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ٣٧٦ - ٣٧٧).
١٨٨

لكل أحد، والصحيح الأول(١).
*
٠٠
١١٥٣ - وَعَنْ سَمُرَةَ عَ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((مَنْ
تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ، فَالغُسْلُ أَفْضَلُ)»
رواه أبو داود، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
* قوله وسحر: ((فبها ونعمت)» :
(خط): قال الأصمعي: معناه فبالسنة أخذ، ونعمت الخصلة، أو
نعمت الفعلة، ونحو ذلك، وإنما ظهرت التاء وهي علامة التأنيث؛ لإضمار
السنة أو الخصلة أو الفعلة، ففيه البيان الواضح أن الوضوء كافٍ للجمعة، وأن
الغُسْل لها فضيلةٌ لا فريضة.
(نه): أي: نعمت الفعلة هي، فحذف المخصوص بالمدح، والباءُ في
((فبها)) متعلق بفعل مضمر؛ أي: فبهذه الخصلة أو الفعلة - يعني: الوضوء -
يُنال الفضل(٢).
١١٥٤ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ:
((لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦/ ١٣٤ - ١٣٥).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ٨٢)، ووقع في الأصل: ((بيان))
مکان ((ینال)) والتصويب من ((النهاية)).
١٨٩

وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِن طِيبٍ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ
اثْنَيَّنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّ غُفِرَ
لهُ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى)) رواه البخاريُّ.
* قوله وَلـ: ((ويتطهر ما استطاع من طهر)):
(ط): التنوين فيه للتكثير(١).
(مظ): أراد بالطهر: قصَّ الشارب، وقَلْمَ الأظفار، ونتف الإبط، وحلق
العانة، وتنظيف الثياب.
و(أو)) في قوله: ((أو يمس)): للشك من الراوي؛ لأن معنى الدهن هنا
الطيب(٢).
(ط): ((من طيب بيته)): قيده إما توسعة كما في حديث سعيد: ((وَمَسَّ
مِنْ طِيْبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ)(٣)، أو استحباباً؛ ليؤذن بالسنة أن يَتَّخِذَ الطيبَ لنفسه،
ويجعل استعماله عادة له، فيدخر فى بيته، فلا يختص الجمعة بالاستعمال (٤)،
انتھی .
وفي رواية البخاري: ((وَيَتَطَهَّر مَا اسْتَطَاعَ مِن الظُّهُورِ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢٧٣).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢/ ٣٢١).
(٣) رواه أبو داود (٣٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة حولها. وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٠٦٦).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٧٣).
١٩٠

وَيَمَسُّ مِنْ طِيْبٍ بَيْتِهِ)(١).
وفي ((مسند أحمد): عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله وَليهِ: ((إِنَّ
مِنَ الحَقِّ عَلى المَسْلِمِينَ: أَنْ يَغْتَسلَ أَحَدُهُمْ يَومَ الجُمُعةِ، وَأَنْ يَمَسَّ مِنْ طِيبٍ
إنْ كان عندَ أهلِهِ، فإِنْ لَم يَكُنْ عِنْدَهُم طِيبٌ؛ فَإِنَّ الماءَ طِيْبٌ))(٢).
(مظ): ((لا يفرق بين اثنين)): أي: لا يجلس بين الاثنين اللَّذَین یجلسان
متقاربین بحيث لا يكون بينهما موضع جلوس واحد(٣).
(ط): هذا كناية عن التبكير؛ أي: عليه أن يبكّر، فلا يتخطَّى رقاب
الناس، ويفرِّقَ بين الاثنين(٤).
(مظ): ((ما كتب له)): ما رزقه الله من صلاة السنة والنوافل(٥).
(ن): فيه: [أنَّ] التنفل قبل خروج الإمام يوم الجمعة مستحب، وهو
مذهبنا، ومذهب الجمهور. وفيه: أن النوافل المطلقة لا حد لها؛ لقوله وَله :
«ما قُدِّر له))(٦)، انتھی.
قال ابن المنذر: روينا عن ابن عمر ﴾: أنه كان يصلي قبل الجمعة
(١) رواه البخاري (٣٤٣).
(٢) رواه الإمام أحمد (٤ / ٢٨٢)، وهو حديث حسن. انظر: ((تخريج أحاديث
المشكاة)) (١٤٠٠).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٣٢١).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٧٣).
(٥) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٣٢١).
(٦) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٤٦).
١٩١

اثنتي عشرة ركعة، وعن ابن عباس أنه كان يصلي ثماني ركعات(١).
(ن): فيه: أن الكلام بعد الخطبة قبل الإحرام بالصلاة لا بأس به(٢).
(ط): (يُنصت)): بضم الياء(٣).
(نه): يقال: أنصت ينصت إنصاتاً: إذا سكت سكوتَ مستمع، وقد
نصت أيضاً، وأنصته: إذا أسكته، فهو لازم ومتعدّ(٤).
* قوله وَل: ((إلا غُفر له بينه وبين الجمعة الأخرى)):
زاد في رواية لمسلم: ((وَفَضْلَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ»(٥).
(ن): هو بنصب (فضل) على الظرف، ومعنى المغفرة له ما بين
الجمعتين وثلاثة أيام: أن الحسنة بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي
فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تُجعل بعشر أمثالها،
والمراد ما بين الجمعتين من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت
من الجمعة الثانية، حتى يكون بسبعة أيام، بلا زيادة ولا نقصان، ويُضمُّ
إليها ثلاثةُ أيام، فتصير عشرة (٦).
(ك): ((بينه)): أي: بين يوم الجمعة هذا وبين يوم الجمعة الأخرى.
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ٤٣٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٤٦).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٧٣).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٦١).
(٥) روا مسلم (٢٦/٨٥٧)، من حديث أبي هريرة ﴿ه.
(٦) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٤٧).
١٩٢

فإن قلت: ما المراد بالأخرى؛ الماضية قبلَها أو المستقبلة؟ قلت:
يحتملهما؛ لأن الأخرى تأنيث الآخَر بفتح الخاء، لا بكسرها، فلا يلزم أن
تكون متأخرة.
لا يقال: المغفرة إنما هي بعد وقوع الذنب؛ لأنا نقول: لا نسلِّم ذلك؛
لأن الله تعالى قال: ﴿لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَاتَقَدَّمَ مِنْ ذَنْيِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾ [الفتح: ٢](٢).
٠
١١٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَيْ قالَ:
(مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَبَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ
الأُولى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّما
قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ؛ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشاً أَقْرَنَ،
وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ في
السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةٌ، فَإِذَا خَرَجَ الإمامُ، حَضَرَتِ
المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)) متفقٌ عليه.
قوله: ((غُسلَ الجَنَبَةِ»؛ أَي: غُسلاً كَغُسل الجَنَابَةِ فِي الصَّفَةِ.
* قوله : ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة)): معناه: غُسلاً
كغسل الجنابة في الصفات، هذا هو المشهور في تفسيره، وقال بعض
أصحابنا: المراد غسل الجنابة حقيقةً، قالوا: ويُستحب له مواقعة زوجته؛
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٠/٦).
١٩٣

ليكون أغضَّ لبصره، وأحصن لفرجه، وهذا ضعيف أو باطل، والصواب
ما قدمناه.
(ق): رواية الجمهور غسل الجنابة، ووقع عند ابن ماهانَ: ((غسل
الجمعة))(١).
* قوله مقلي: «ثم راح فكأنما قرب بدنة»:
(ن): معنى ((قرّب)): تصدَّق، والمراد ((بالرواح)): الذهاب أوّل النهار،
وفي المسألة خلاف مشهور؛ مذهب مالك، وكثير من أصحابه، والقاضي
حسين، وإمام الحرمين من أصحابنا: أنَّ المراد بالساعات هنا: لحظات لطيفة
بعد زوال الشمس، و(الرواح) عندهم: بعد الزوال، وادَّعَوا أن هذا معناه في
اللغة.
ومذهب الشافعي، وجماهیر أصحابه، وابن حبيب المالكي، وجماهير
العلماء: استحباب التبكير إليها أول النهار، والساعات عندهم: من أول
النهار، و(الرواح) يكون أول النهار وآخره، أو في الليل، وهذا هو الصواب
الذي يقتضيه الحديث والمعنى؛ لأن النبي ◌ّ أخبر أن الملائكة تکتب من جاء
في الساعة الأولى، وهو كالمهدي بدنةً، ثم جاء في الساعة الثانية، ثم الثالثة،
ثم الرابعة، ثم الخامسة، وفي رواية النسائي: (السادسة)، فدل على أنه
لا شيء من الهدي والفضيلة لمن جاء بعد الزوال، ولأن ذكر الساعات إنما
كان للحث على التبكير إليها، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل الصف
الأول، وانتظارها، والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه، وهذا كلُّه لا يحصل
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤٨٤).
١٩٤

بالذهاب بعد الزوال، ولا فضيلة لمن أتى بعده؛ لأن النداء يكون حينئذٍ،
ويحرم التخلف بعد النداء.
واختلف أصحابنا؛ هل تُعتبر الساعات من طلوع الفجر، أو من طلوع
الشمس؟ الأصحُّ عندهم من طلوع الفجر، ثم إن من جاء في أوَّلِ ساعةٍ من
هذه الساعاتِ، ومن جاء في آخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة والبقرة
والكبش؛ لكنَّ بدنة الأول أكملُ مِنْ [بدنةِ مَنْآ جاء في آخر الساعة، وبدنة
المتوسّطِ متوسطةٌ، وهذا كما أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع
وعشرين درجة، ومعلوم أن الجماعة تطلق على اثنين وعلى ألوف(١)، فمن
صلى في جماعةٍ هم عشرة آلاف له سبع وعشرون درجة، ومن صلى مع اثنين
له سبع وعشرون درجة، لكنَّ درجات الأول أكمل، وأشباه هذا كثيرة، وفيما
ذكرته جواب عن اعتراض ذكره القاضي عياض(٢).
(ق): (الرواح) في اللغة: الرجوع بعشيٍّ، وأول العشي زوال
الشمس، وهو أول وقت أمرنا الله فيه بالسعي إلى الجمعة، قال العراقيون من
أصحابنا: للجمعة أذانان: عند الزوال، وعند جلوس الإمام على المنبر،
وهذه الساعات المذكورة في هذا الحديث هي مراتب أوقات الرائحين إلى
الجمعة من أول وقت الزوال إلى أن يجلس الإمام على المنبر، وليست عبارة
عن الساعات التعديلية؛ لوجوه :
أحدها: التمسُّك بلفظ الرواح ولئن سُلِّم أنه يقال على المشي مطلقاً؛
فهو مجاز، ولا يُعارَضُ هذا بما ورد في قوله: ((المُهَجِّرُ إِلى الجُمُعَةِ كَالَّذي
(١) في الأصل: ((العرف))، والتصويب من ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٣٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦/ ١٣٥ - ١٣٦).
١٩٥

يُهْدِي بَدَنَةً))(١)، فيقال: إنه من الهاجرة، وذلك قبل الزوال؛ لأنا لا نسلِّم
أنها تختص بما قبل الزوال، بل بشدة الحر وقتَ الهاجرة، فهو صالح لما
قبل الزوال وبعده، وبيَّنَ لفظُ (الرواح) أن المراد به ما بعد الزوال،
ولا يقال: حقيقة الساعة هي المتعارفة بين الناس؛ لأنا نقول: إن الساعة
في عرف اللغة: القطعة من الزمان غير محدودة بمقدار، قال تعالى: ﴿مَا لَبِثُواْ
غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، ويقال: جئتك ساعة كذا.
ثانيها: عمل أهل المدينة.
وقد جاء في ((سنن النسائي)) ما ينصّ على تركهم البكور للجمعة في أول
النهار وسعيهم إليها قبل خطبتها وصلاتها، وما كان أهل عصر النبي ◌َّ
والتابعون ممَّن يترك الأفضل، ويقتصر على أقل الدرجات.
ثالثها: أنَّاً لو تنزلنا على [أن] الساعات [في الحديث هي] التعديلية؛
لزم انقضاء فضائل المبكّرين بانقضاء الخامسة، ولا يبقى لأهل السادسة
فضل، وذلك؛ لأن البدنة لأهل الساعة الأولى إلى ذكر البيضة لأهل
الخامسة، وهذا مناقض للحديث؛ فإنه أخبر أن أجورهم لا تزال تكتب إلى
أن يخرج الإمام(٢).
(ش): لفظة (الرواح) تُطلق [على] المضي بعد الزوال إذا قرنت
بالغدوِّ، وكقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]، وفي الحديث:
((مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ أَوْ رَاحَ؛ أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزْلاً في الجَّنة))(٣).
(١) رواه البخاري (٨٨٧)، من حديث أبي هريرة .
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٨٦ - ٤٨٧).
(٣) رواه البخاري (٦٣١)، من حديث أبي هريرة صفه.
١٩٦

وقال الشاعر :
وَحَاجةُ مَنْ عَاشَ لاَ تَنْقَضِي
نَرُوحُ وَنَغْدُو لِحَاجَاتِنا
وقد يطلق الرواح بمعنى: الذهاب والمضيِّ، قال الأزهري: العرب
تستعمل الرواح في السير كلَّ وقت، تقول: راح القوم: إذا ساروا، ويقول
أحدهم لصاحبه: نروح وروحوا؛ أي: سيروا، فهاهنا الرواح بمعنى المضي
إلى الجمعة، والخفَّة إليها، وأما عمل أهل المدينة؛ فغايته أنه عملهم في زمن
مالك رحمه الله، فهذا ليس بحجة، ولا عند من يقول: إجماع أهل المدينة
حجة؛ فإن هذا ليس فيه إلا ترك الرواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا
جائز بالضرورة، وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه، ومصالح أهله ومعاشه،
وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار،
ولا ريب أن انتظار الصلاة بعد الصلاة، وجلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي
الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه ورجوعه، وكون أهل المدينة لا يفعلون ذلك
لا يدل على أنه مكروه، فهكذا التبكير في أول النهار(١)، انتهى.
وأما قوله: لا يبقى لأهل الساعة السادسة فضل، يقال: عدم الذكر
هاهنا لا يدل على العدم مطلقاً، وقد جاء في ((سنن النسائي)): بعد الكبش:
بَطَّةٌ، ثم دجاجةٌ، ثم بيضةٌ، وفي روايةٍ بَعْدَ الكَبْشِ: دَجَاجَةٌ، ثمَّ عُصْفُورٌ، ثمَّ
بيضةٌ(٢)، وإسناد الروايتين صحيح.
(ن): (البدنة): قال جمهور أهل اللغة، وجماعة الفقهاء: يقع على
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ٤٠٣ - ٤٠٧).
(٢) رواهما النسائي (١٣٨٥) و(١٣٨٧) من حديث أبي هريرة ظُه.
١٩٧

الواحدة من الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك؛ لعظم بدنها، وخصّها جماعة
بالإبل، والمراد هاهنا الإبل بالاتفاق؛ لتصريح الحديث بذلك، والبدنة
والبقرة يقعان على الذكر والأنثى باتفاقهم، والهاء فيها للوحدة، كقمحة
وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس، وسميت بقرة؛ لأنها تبقر الأرض؛ أي:
تشقُّها بالحِراثة، والبقْر: الشقُّ، ومنه قولهم: محمد الباقر ظُ؛ لأنه بقر العلمَ
ودخل فيه مدخلاً بليغاً وصل منه غايةً مرضيَّةً.
ووصف ((الكبش)) بالأقرن؛ لأنه أكملُ وأحسنُ صورةً، ولأن قرنه
يُنتفع به.
و((الدجاجة)): بكسر الدال وفتحها، يقع على الذكر والأنثى.
و((حضرت الملائكة)) وغيرهم: بفتح الضاد وكسرها، لغتان مشهورتان،
الفتح أفصح وأشهر، وبه جاء [القرآن] ﴿ وَإِذَا حَضَرَ اُلْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨].
قالوا: هؤلاء الملائكة غير الحفظة، وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة.
[و] فيه الحث على التبكير إلى الجمعة، وأن مراتب الناس في الفضيلة
فيها وفي غيرها بحسب أعمالهم.
وفيه: أن القربان والصدقة يقع على القليل والكثير.
وفيه: أن التضحية بالإبل أفضل من البقر في الهدايا، واختلفوا في
الأضحية، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور: أن الإبل أفضل، ثم
الغنم، كما في الهدايا، ومذهب مالك: أن أفضل الأضحية الغنم، ثم
البقر، ثم الإبل، قال: لأنه ◌َ﴾ ضحى بكبشين.
أجاب الجمهور: إنه محمول على أنه وَّ لم يتمكن من ذلك الوقت إلا من
١٩٨

الغنم، أو فعله؛ لبيان الجواز، وقد ثبت أنه وس # ضحى [عن] نسائه بالبقر(١).
١١٥٦ - وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ:
(فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّ يَسْأَلُ اللهَ شَيئاً،
إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّه))، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلَهَا. متفقٌ عليه.
١١٥٧ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴾، قَالَ:
قَالَ عَبْدُالله بْنُ عُمَرَعَ﴾: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه
في شَأْنِ سَاعَةِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نعمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى
الصَّلاةُ». رواه مسلمٌ.
* قوله تعالى: ((فيها ساعة» :
(ن): قال القاضي: اختلف السلف في وقت هذه الساعة، وفي معنى
((قائم يصلي))، فقال بعضهم: هي من بعد العصر إلى الغروبِ، قالوا: ومعنى
ايصلي) : يدعو.
ومعنى (قائم): ملازم ومواظب؛ لقوله تعالى: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا﴾
[المائدة: ١١٧]، قال آخرون: هي من حين خروج الإمام إلى فراغ الصلاة، وقال
آخرون: من حين تقام الصلاة حتى يفرغ، والصلاةُ عندهم على ظاهرها،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٣٦ - ١٣٧).
١٩٩

وقيل: هي من حين يجلس الإمام على المنبر حتى يفرغ من الصلاة قبل آخر
ساعة من يوم الجمعة، قال القاضي: وقد رُويت عن النبي ◌َله آثار مفسِّرة لهذه
الأقوال، قال: وقيل: هي عند الزوال، وقيل: من الزوال إلى أن يصير الظل
نحو ذراع، وقيل: هي مخفية في اليوم كليلة القدر، وقيل: من طلوع الفجر إلى
طلوع الشمس، وليس معنى هذه الأقوال أن هذا كلَّه وقتٌ لها، بل معناه أنه
يكون في أثناء ذلك الوقت؛ لقوله: ((وأشار بيده يقللها)). هذا كلام القاضي،
والصحيح، بل الصواب ما رواه مسلم: أنها ((مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إلى أن
تُقْضَى الصَّلاةُ»، وهو بتاء مثنَّاة فوق مضمومة.
وروينا في ((سنن البيهقي): عن أحمد بن سلمة قال: ذاكرت مسلم بن
الحجاج بحديث مخرمة هذا، [فقال مسلمٌ: هو] أجودُ حديث، وأوضحُه في
بيان ساعة الجمعة (١).
(ق): حديث أبي موسى نصٌّ في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى
غيره(٢).
(مظ): ما بين أن يجلس الإمام؛ أي: ما بين الخطبتين إلى أن يفرغ الإمام
من الصلاة(٣).
(ط): أصل الكلام يقتضي أن تقترن لفظة (بين) بطرفي الزمان،
فيقال: بين أن يجلس وبين أن يقضي إلا أنه أتى (بإلى)؛ ليتعين أن جميع
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٤٠ - ١٤١)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي
(٣/ ٢٥٠).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ /٤٩٤).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢/ ٣١٥).
٢٠٠