النص المفهرس

صفحات 61-80

يقال: من يرتدد فيمت وهو كافر فحبط عمله، قدم معنى الضمير المجرور
أي: (في عمله) فجعل اسم الإشارة، وبنى الخبر عليه؛ لإفادة الاختصاص،
عَرَفَه مَن ذاقه، ولأهل السنة دلائل مشهورة لا يهمنا الآن ذكرها (١).
(ك): المراد بالترك إما تهاوناً بها، أو مستحلاً لتركها، أو بحبوط العمل
الكفر، كما هو مذهب أحمد من [أنَّ] تارك الصلاة عامداً كافر، أو بالعمل
عمل الدنيا الذي يسبب الاشتغال به ترك تلك [الصلاة]، يعني لا ينتفع به، ولا
يتمتع عنه، أو بحبوط عمله: نقصان عمله في يومه؛ إذ الأعمال بالخواتيم لا
سيما في الوقت الذي يقرب أن ترفع الأعمال إلى الله تعالى، أو هو ورد على
سبيل التغليظ أي: كأنما حبط عمله(٢)، انتهى.
في ((الصحيحين)): عن ابن عمر ﴿لها أن رسول الله وَّهِ قال: ((مَنْ فَاتَتْهُ
صَلاَةُ العَصْرِ فَكَأَنَّمَا وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ)) (٣).
(ن): رُويَ بنصب اللامين ورفعهما، والنصب هو الصحيح المشهور
على أنه مفعول ثان ومن رَفَع، فعلى ما لم يُسَمَّ فاعله، ومعناها: يُنزع منه
أهله وماله، وهذا تفسير مالك بن أنس .
وأما على رواية النصب، فقال الخطابي وغيره: معناه نقص هو وأهله
وماله، فليحذر من يفوّتُها کحذره من ذهاب أهله وماله.
وقال ابن عبد البر: معناه عند أهل الفقه واللغة: أنه كان يصاب بأهله
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٨٥).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ١٩٨).
(٣) رواه البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٦٢٦) من حديث ابن عمر حدوثها.
٦١

وماله إصابة يطلب بها وتراً والوتر الجناية التي يطلب ثأرها، فيجتمع عليه
غم المصيبة وغم مقاساة طلب الثأر(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥/ ١٢٥ -١٢٦).
٦٢

١٨٩- يا
فضلِ المشي إلى المساجدِ
١٠٥٣ - عَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ﴿: أَنَّ النبيَّ ◌َ﴿ِ قالَ: ((مَنْ غَدَا
إِلَى المَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُلَهُ في الجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ)،
متفقٌ عليه.
* قوله : ((من غدا إلى المسجد أو راح))، سبق في (الباب الثالث
عشر).
١٠٥٤ - وعنهُ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قالَ: ((مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ
مَضَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ؛ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ،
كانَتْ خُطُوَاتُهُ، إِحْدَاها تَخُطُّ خَطِيئَةً، والأُخْرِى تَرْفَعُ دَرَجَةً))،
رواه مسلمٌ.
* قوله ويتر: ((والأخرى ترفع درجة)):
(ق): قال الداودي: إن كانت له ذنوب حطت عنه، وإلا رفعت له
٦٣

درجات. قلت: هذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة الواحدة درجة واحدة؛
[إما الحطُّ، و] إما الرفع، وقال غيره: بل الحاصل بالخطوة الواحدة ثلاثة
أشياء؛ لقوله في الحديث الآخر: ((كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ حَسَنَةً، وَرَفَعُه
بِهَا دَرَجَةٌ، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً))(١).
١٠٥٥ - وعَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴿ه، قالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ
لا أَعْلَمْ أَحَداً أَبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَتْ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ،
فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَاراً تَرْكَبُهُ في الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ،
قالَ: ما يَسُرُّني أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ
لي مَمْشايَ إلى المَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي. فقالَ
رَسُولُ اللهِ: ((قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّه))، رواه مسلمٌ.
حديث أبي بن كعب وحديث جابر سبقا في (الباب الثالث عشر).
١٠٥٧ - وعنْ أبي موسى ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّةٍ:
(إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْراً في الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ إِلَيْها مَمْشَى، فَأَبْعَدُهُمْ.
والَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ حَتَّى يُصَلُِّها مَعَ الإمامِ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الَّذِي
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٩٠)، والحديث رواه مسلم (٦٥٤) من حديث
ابن مسعود قلته .
٦٤

يُصَلِّيِ ثُمَّ ينَامُ))، متفقٌ عليه.
: قوله مخلفي: ((فأبعدهم)):
(ط): الفاء فيه للاستمرار، كما قوله: ((الأُمْثَلُ فَالأُمْثَلُ، وَالأُكْمَلُ
فَالأُكْمَلُ)) يعني أن أجر الصلاة، وانتظار الإمام ليصلي معه أعظم أجراً من
الذي يصلي في وقت الاختيار، ولا ينتظر الإمام، ويحتمل أن يراد بقوله:
(يصلي)) يصليها مع الإمام أعظم من الذي يصليها أيضاً مع الإمام أي: كما
أن بعد المكان مؤثر في زيادة الأجر، كذلك طول الزمان؛ لأنهما متضمنان
لزيادة المشقة التي في ضمن الانتظار(١).
(ط): في قوله: ((ثم ينام)): غرابة لأنه جعل عدم الانتظار نوماً، فيكون
المنتظر وإن نام فيه يقظان؛ لأنه مراقب للوقت كالمرابط ينتظر فرصة
المجاهدة، وهذا يضيع تلك الأوقات كالنائم، فهو كالأجير الذي أدى ما عليه
من العمل ثم مضى لسبيله(٢).
(ك): في قوله: (ثم ينام): إشارة إلى الاستراحة لمقابلة المشقة التي
في ضمن الانتظار(٣).
١٠٥٨ - وعَنْ بُرَيدَةَ ◌َُهِ، عَنِ النّبِيِّنَّهِ، قالَ: ((بَشِّرُوا
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٣٢).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ٤١).
٦٥

المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ الثَّامِّ يَوْمَ القِيامةِ». رواه أبو
داود، والترمذيُّ.
* قوله : ((بشروا المشائين)):
(ط): في وصف النور بالتامِّ، وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى قصة
المؤمنين يوم القيامة، وقولهم في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىِّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَةٌ, نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِ يِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم:
٨] وإلى قصة المنافقين، وقولهم للمؤمنين: ﴿أَنْظُرُونَا نَفَْیِسْ مِن نُّرِكُمْ﴾ [الحديد:
١٣ ].
قال صاحب ((الكشاف)): ﴿لَا يُخْزِى﴾: تعريض بمن أخزاهم الله من
أهل الكفر والفسوق، واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم من مثل
حالهم ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى (١)﴾ على الصراط، قال ابن عباس: يقولون ربنا أتمم
علينا نورنا إذا طُفِىءَ نور المنافقين؛ إشفاقاً.
وفيه أن من انتهز هذه الفرصة - وهي المشي إلى المساجد في الظلم
في الدنيا - كان مع النبي والذين آمنوا معه من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ومن تقاعس عنها؛ لا يأمن من أن يُتَهَكَّمَ
بهم، ويقال لهم: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورٌ﴾ [الحديد: ١٣] فحق لذلك أن
نخصَّ هذه البشارة؛ لِعِظَمها وفخامتها بمبشَّرِ دون مبشَّر.
(١) في الأصل: ((يسعى نورهم))، وهو خطأ؛ لأن المذكورة من (سورة التحريم):
(٨)، وما في الأصل: (سورة الحديد): (١٢).
٦٦

ويعضده ما رويناه في ((صحيح مسلم)): عن ابن مسعود حظ ه قال:
((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللّهَ غَداً مُسْلِماً؛ فَلْيُحَافِظْ على هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ
يُنَادَى بِهِنَّ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الهُدَى، وإنَّهُنَّ مِنْ سُنَّنِ
الهُدَى، وَإِنَّكُمْ لَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ؛
لَتَرَكْتُمْ سُنََّ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّهَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا
يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ
الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ))(١).
١٠٥٩ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴿ُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قالَ: ((أَلَا
أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟))، قَالُوا:
بَلى يا رَسُولَ الله، قالَ: (إِسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا
إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ؛ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ
الرِّباطُ))، رواه مسلمٌ.
* قوله ويتر: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا))، سبق في (الباب
الثالث).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٤٢)، والحديث رواه مسلم (٦٥٤) من
حديث ابن مسعود ◌ُته .
٦٧

١٠٦٠ - وعَنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾، عَنِ النبيِّوَإِ، قالَ:
(إِذَا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسَاجِدَ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ، قالَ الله عزَّ
وجلَّ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾
[التوبة: ١٨] الآية))، رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
* قوله قلي: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد)):
(ط): ((الكشاف)): العمارة تتناول رمَّ ما استرمَّ منها، وقمّها وتنظيفها،
وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمَها [و] اعتيادها للعبادة والذكر، ومن الذكر:
دَرْسُ العِلم، بل هو أجله وأعظمه، وصيانتها مما لم يبن له المسجد من
أحاديث الدنيا، فضلاً عن فضول الحديث(١).
وقوله: ((فاشهدوا له)) أي: اقطعوا له القول بالإيمان؛ فإنَّ الشهادة
قولٌ صدر عن مواطأة القلبِ اللسانَ على سبيل القطع(٢).
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٢ / ٢٤١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٤٣).
٦٨

١٩٠- باب
فضلِ انتظارِ الصلاة
١٠٦١ - عَنْ أَبي هُرِيرةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: ((لا يَزَالُ
أَحَدُكُمْ في صَلاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاةُ تَخْبِسُهُ، لا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلى
أَهْلِهِ إِلاَّ الصَّلاةُ)، متفقٌ عليه.
١٠٦٢ - وعنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قالَ: ((المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى
أَحَدِكُمْ مَا دَامَ في مُصَلَّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ:
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ»، رواه البخارُّ.
* قوله : ((ما دامت الصلاة تحبسه» :
(ط): إشارة إلى النفس اللوامة التي تشتهي استيفاء لذاتها، واشتغالها
بخلع الأعذار والصلاة تنهاها عن هواها، وتحبسها في بيت الله، فإذا لزم
مُصلاَه، وانتظر الصلاة الأخرى؛ اطمأنت، وقيل لها: ﴿يَأَيُّهَا النَّفْسُ
اُلْمُطْمَسِنَّهُ﴾ [الفجر: ٢٧]، فإذا طلبت الملائكة الغفران والرحمة لها؛ قيل:
﴿أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] الآية (١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٣٤ - ٩٣٥).
٦٩

(تو): ما لم يُحْدِثْ بتخفيف الدال، ومن شددها؛ فقد أخطأ.
(ك): (المغفرة): ستر الذنوب، و(الرحمة): إفاضة الإحسان عليه.
قال ابن بطال: الحدث(١) في المسجد خطيئة يُحْرَم بها المحْدِث
استغفار الملائكة ودعاءَهم المرجوّ بركتُه، ولما لم يكن للحدث فيه كفَّارٌ
ترفع أذاه كما يرفع الدفنُ أذى النخامة فيه؛ عوقب بحرمان الاستغفار من
الملائكة؛ لِمَا آذاهم به من الرائحة الخبيثة، قال: ومن أراد أن تُحَطَّ عنه
الذنوبُ بغير تعب؛ فليغتنم ملازمة مُصلاَه بعد الصلاة؛ ليستكثر من دعاء
الملائكة، واستغفارهم له، فهو مرجوٌّ إجابته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ
إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى ﴾ [الأنبياء: ٢٨]، ومن وافق تأمينُهُ تأمينَ الملائكة، غُفر له،
وتأمينهم إنما هو مرة واحدة عند تأمين الإمام، ودعاؤهم لمن قعد في
مصلاه إنما هو ما دام قاعداً فيه أحرى بالإجابة، وقد شبه وَّه انتظار الصلاة
بالرباط، وأكَّدَه بتكراره مرتين، فعلى كل مؤمن سَمِعَ هذه الفضائلَ الشريفة
أن يحرص على الأخذ بأوفر الحظ منها، ولا يمرّ عنه صفحاً (٢).
* ((ما لم يحدث)): فسّره أبو هريرة بالفساء والضراط، وهو منه تمسُّك
بالعرف الشرعي، وقد فسره غيره بأنه الحدث الذي يصرفه عن إحضار قصد
انتظار الصلاة، ويحمله على الإعراض عن ذلك سواء كان مسوغاً أو غير
مسوغ، وهو تمسك بأصل اللغة، وحمله بعضهم على إحداث مأثّم.
(١) في الأصل: ((الحديث)).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ١٠٤ - ١٠٥).
٧٠

١٠٦٣ - وعن أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَخَّرَ لَيْلَةٌ صَلاةَ
العِشَاءِ إلى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صَلَّى، فقالَ:
(صَلَّى النَّاسُ، وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلاةٍ مُنْذُ انْتُظَرْتُمُوهَا)»،
رواه البخاريُّ.
* قوله: «أخر ليلةً صلاة العشاء)»:
(ق): أي: ليلةً من الليالي، وهذا يدل على أن غالب أحوالهم كان
تقديمَها؛ رفقاً بهم، ولئلا يشقَّ عليهم، وقال الخطابي: إنما أخَّرهم؛ ليقلَّ
حظ النوم، ويطول مدة الصلاة، فيكثُرَ أجرُهم؛ لأنهم في صلاة ما داموا
ينتظرون الصلاة، وقال بعض الحكماء: النوم المحمود في يوم وليلة مقدار
ثمان ساعات(١).
(ن): فيه أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، وجرى
منه ما يظن أنه يشق عليهم أن يعتذر إليهم، ويقول: لكم في هذا مصلحة
من جهة كذا وكذا، وكان لي عذر، ونحو ذلك(٢).
(ك): وفيه جواز الحديث بعد صلاة العشاء.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٦٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٣٩).
٧١

١٩١ - بال
فضلٍ صلاة الجماعةِ
(الباب الرابع عشر بعد المئة)
(في فضل صلاة الجماعة)
١٠٦٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قالَ: ((صَلاةُ
الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الفَذُّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً))، متفقٌ عليه.
* قوله وله: ((تفضل صلاة الفذّ»:
(نه): ((الفذُّ»: الواحد، وقد فَذَّ الرجل عن أصحابه: إذا شذّ عنهم،
وبقي فرداً(١).
* قوله: ((بسبع وعشرين درجة)):
(ن): في رواية: ((بِخَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ دَرَجَةً) وفي رواية: ((بِخَمْسٍ وَعِشْرِئْنَ
جُزْءًا))، والجمع بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: لا منافاة بينهما، فذِكْرُ القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد
باطل عند جمهور الأصوليين.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٢٢).
٧٢

والثاني: أن يكون أخبر أولاً بالقليل، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل،
فأخبر بها .
الثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين، فيكون لبعضهم خمساً
وعشرين، ولبعضهم سبعاً وعشرين بحسب كمال الصلاة، ومحافظته على
هيئتها وخشوعها، وكثرة جماعتها، وفضلهم، وشرف البقعة، ونحو ذلك،
[فهذه هي الأجوبة المعتمدة، وقد قيل: إن الدرجة غير الجزء، وهذا غفلة
من قائله؛ فإن في ((الصحيحين))]: سبعاً وعشرين درجة، وخمساً وعشرين
درجة، فاختلف القَدْرُ مع اتحاد لفظ الدرجة(١).
(ق): وقيل: الدرجة أصغر من الجزء، وكأن الخمسَ والعشرين
جزءاً إذا جُزِّئتْ درجات، كانت سبعاً وعشرين.
وقيل: إنه راجع إلى أعيان الصلوات، فيكون على بعضها سبعاً
وعشرين، وعلى بعض خمساً وعشرين(٢).
(ن): فيه دليل على أن الجماعة ليست من شرط الصلاة، خلافاً
لداود، ولا فرضاً على الأعيان خلافاً لجماعة من العلماء، والمختار: أنها
فرض كفاية، وقيل: سنة، وبسطتُ دلائل كلِّ هذا في ((شرح المهذب))(٣).
(ق): وجه الرد على داود: أنه وَِّ قال: ((صَلاَةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ
صَلاَةِ الفَذِّ)) فشرك بينهما في الفضيلة، وذلك لا يكون إلا بعد الحكم بصحة
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٥١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٧٤).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٥١).
٧٣

كل واحد منهما، وقد نص على هذا في رواية أخرى لمسلم: ((صَلاَّةُ الرَّجُلِ
فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلى صَلاَتِهِ وَحْدَهُ سَبْعاً وَعِشْرِيْنَ دَرَجَةً)(١)، ولا تتحقق
الزيادة إلا بعد ثبوت المزيد عليه، وقد أفادت هذه الزيادة أن المصلي في
جماعة يكون له ثمانية وعشرون جزءاً باعتبار الأصل الذي زيد عليه سبع
وعشرون لا يقال: إن لفظة أفعل قد تراد لإثبات صفة في إحدى الجهتين،
ونفيها عن الأخرى، و(أفضل) المضافةُ إلى صلاة الفذّ كذلك؛ لأنا نقول:
لا يصح ذلك في أفعل مطلقاً غيرَ مقرون بمِنْ؛ لقوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ
اُلْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤](٢).
(ق): الحديث دلّ على أن الجماعة ليست شرطاً للصلاة، وإلا لم تكن
صلاة الفذّ ذاتَ درجة تفضل عليها صلاة الجماعة بدرجات، والدليل [فيه]
على عدم وجوبها ضعيف؛ إذ لا يلزم من عدم اشتراطها عدمُ وجوبها، ولا من
جعلها سبباً لإحراز الفضل [الوجوب] فإن [غير] الواجب أيضاً يوجب
الفضل(٣) .
(ك): لم يقل تساوي صلاته منفرداً خمساً وعشرين حتی یکون له درجة
منها، بل قال: تزيد، فليس للمنفرد من الخمسة والعشرين شيء.
(ط): ما يقنع بالدرجة الواحدة عن الدرجات الكثيرة إلا أحد
رجلين؛ إما غير مصدِّق بتلك النعمة الخطيرة، أو سفيه لا يهتدي لطريق
(١) رواه مسلم (٦٥٠ / ٢٥٠)، من حديث ابن عمر ظـ
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي)) (٢ / ٢٧٤ _ ٢٧٥).
(٣) لم نقف عليه في ((المفهم))، وعزاه المناوي في ((فيض القدير)) (٤ / ٢١٧) للقاضي،
وما بین معکوفتین مستفاد منه.
٧٤

الرشد، والتجارة المربحة (١).
(تو): وجه قصر الفضيلة على خمس وعشرين تارة وعلى سبع وعشرين
أخرى أن المرجع في حقيقة ذلك إلى علم النبوة التي قصر الألِبَّاء عن درك
جملتها وتفاصيلها، ولعل الفائدة فيما كوشف به حضرة النبوة هي اجتماع
المسلمين مصطفِّين كصفوف الملائكة المقربين والاقتداء بالإمام، وإظهار
شعار الإسلام، وغير ذلك، وبعد هذا فللفهم في هذه العرضة مضطرب
واسع، لكن الأولى بنا أن نقف حيث أوقفنا الله، ونسلم الأمر فيه إلى مَن
كاشفه الله بحقائقه ولي مبلِّغ ما خصّه به من المعاني.
(ك): يحتمل أن يقال: وجه المناسبة من التخصيص بعدد الخمس
وعشرين أن عدد الصلوات المفروضة في الليل والنهار خمسة، فأُريدَ التكثيرُ
عليها بتضعيفها بعدد نفسها؛ مبالغةً فيها، فكأنه قال: كل صلاة من الخمس
بالجماعة يزيد ثوابها على ثواب تلك الصلاة بعدد جميع الصلوات التي في
يومه وليلته بعد تضعيفها خمسَ مرات التي هي عدد جنسها المفروضة إذا
كانت بدون الجماعة، أو لأن الأربعة هي كمال نصاب العدد الذي يمكن أن
تؤلف منه العشرة لأن فيها واحداً واثنين وثلاثة وأربعة وهذا المجموع عشرة،
ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فهي أصل جميع مراتب الأعداد،
فِزِيدَ فوق الأصل واحد آخر؛ إشارةً إلى المبالغة في الكثرة.
فإن قلت: فما المناسبة في رواية سبعة وعشرين؟
قلت: الله أعلم بذلك، ويحتمل أن ذلك لمناسبة أعداد ركعات اليوم
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٢٦).
٧٥

والليلة؛ إذ الفرائض سبعة عشر، والرواتب المؤكدة المداوم عليها عشرة.
فإن قلت: لم لا يعتبر الوتر؟
قلت: لعل الوتر شرع بعد ذلك(١).
١٠٦٥ - وعَنْ أَبِي هُريرةَ ﴿ه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّت:
((صَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفي سُوقِهِ
خَمْساً وَعِشْرِينَ ضِعْفاً، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ
خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، لا يُخْرِجُه إِلَّ الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ
رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطِّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ
المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ في مُصَلَّهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ
صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. وَلا يَزَالُ فِي صَلاةٍ مَا انْتُظَرَ الصَّلاةَ»،
متفقٌ عليه. وهذا لفظُ البخاريِّ.
* قوله يقر: «صلاة الرجل في جماعة تضعف [على صلاته] في بيته
وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً) :
(ن): المراد صلاته في بيته وسوقه منفرداً، هذا هو الصواب، وقيل
فيه غيرُ هذا، وهو قول باطل نبهت عليه؛ لئلا يُغترَّ به(٢) .
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ١٣٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)» للنووي (٥ / ١٦٥).
٧٦

(ط): ((صلاة الرجل)): مبتدأ، والمضاف محذوف أي: ثواب صلاته،
والضمير في (تضعف) راجع إليه، وفي تخصيص ذكر السوق والبيت إشعار
بأن مضاعفة الثواب على غيرهما من الأماكن التي لم يلزمه لزومهما لا يكون
أكثرَ مضاعفةً منهما .
وقوله: ((وذلك)): الجملة الحالية كالتعليل للحكم، كأنه لما أضاف
الصلاة إلى الرجل - والتعريف فيه للجنس - أفاد أن صلاة الرجل الكامل
الذي لا يلهيه أمر دنيوي عن ذكر الله في بيت الله تُضعَّف أضعافاً؛ لأن مثل
هذا الرجل لا يقصِّر في شرائطها وأركانها وآدابها، فإذا توضأ أحسن
الوضوء، وإذا خرج إلى الصلاة لا يشوبه بما يكدره، وإذا صلى لم يتعجل
للخروج، ومَنْ شأنُهُ هذا، فجدير بأن يُضَعَّف ثواب صلاته.
وقوله: ((لا يخرجه)): إما مفعول مطلق، أو حال مؤكّدة.
وقوله: ((اللهم صل عليه)): جملة مبيِّنة لقوله: ((تصلي عليه))، وهو
أفخم من أن لو قيل ابتداءً: لا تزال الملائكة تقول: ((اللهم صل عليه))؛ للإبهام
والتبيين.
* وقوله: ((اللهم ارحمه)): طلبت لهم الرحمة من الله تعالى بعد
طلب الغفران؛ لأن صلاة الملائكة على العباد استغفار لهم، وقوله في
رواية مسلم: ((مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ) (١) أي: أحداً من المسلمين بلسانه ويده، فإنه
كالحدث المعنوي، ومن ثَمَّ أتبعه بالحدث الظاهري(٢).
(١) رواه مسلم (٦٤٩ / ٢٧٢)، من حديث أبي هريرة ظُه.
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٣٤ - ٩٣٥).
٧٧

(ك): عبر عن الانفراد بكونه في البيت والسوق؛ إذ الغالب أن صلاة
الرجل فيهما تكون بالانفراد(١).
* وقوله: ((لا يخرجه إلا الصلاة»: لو أراد الصلاة والاعتكاف معاً؛
يدخل تحت هذا الحكم؛ لأن المراد من الحصر أنه لا يريد إلا العبادة،
ولما كان الغالب منها الصلاة فيه؛ ذكر لفظ الصلاة .
* وقوله: ((اللهم)): تقديره: قائلين: (اللهم)؛ إذ لا يصح المعنى إلا
به، وقيل: إنه بيان للصلاة.
(ق): الرواية في خطوة ضم الخاء، وهي واحدة الخُطى، وهي
ما بين القدمين، وأما الخَطوة بفتح الخاء؛ فهي المصدر واحدة الخَطْوِ .
وهذا الحديث يُفهم منه أن فضل الجماعة لم يكن لأجل الجماعة فقط،
بل لِمَا يلازمها من الأحوال كقصد المساجد، وإكثار الخطا، وكتب
الحسنات، ومحو السيئات بكل خطوة، وانتظار الصلاة، ودعاء الملائكة،
ومراعاة آداب دخول المسجد إلى غير ذلك، والصحيح أن المضاف للجماعة
لأجل الجماعة فقط؛ لأن الجماعة هو الوصف الذي عُلَّق عليه الحكم في
قوله: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ)، ثم إذا قلنا: لأجل الجماعة، فهل
تفضل جماعةٌ جماعةً بالكثرة؟ المشهور عن مالك: لا تفضل، وقال ابن
حبيب: تفضل بالكثرة، وفضيلة الإمام على المشهور، [و] من صلى في
جماعة لا يعيد في أكثرَ منها، وعليه عامة العلماء إلا ما روي عن مالك في
إعادتها في المساجد الثلاث في جماعة(٢)، انتهى.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ١٣٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٧٥ و٢٨٩ - ٢٩٠).
٧٨

وسبق بيان فضيلة الخطا، وقوله: ((ما لم يحدث فيه)) في الباب قبله.
١٠٦٦ - وعنهُ، قالَ: أَتَى النبيَّ ◌َّهِ رَجُلٌ أَعْمَى، فقالَ:
يا رَسُولَ الله! لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلى المَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِوَيه
أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ؛ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى، دَعَاهُ فقالَ
لهُ: ((هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟»، قال: نَعَمْ، قال: ((فَأَجِبْ))، رواه
مسلمٌ.
١٠٦٧ - وعن عبدِالله - وَقِيلَ: عَمْرِو - بْنِ قَيْسِ المَعْرُوفِ بِابْنِ
أُمّ مَكْتُومِ المُؤَذِّنِ هِ: أَنَّهُ قالَ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ المَدِينَ كَثِيرةُ
الهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ. فقالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: («تَسْمَعُ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ،
حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ؛ فَحَيَّهَلاً)».
رواه أبو داودَ بإسنادٍ حسنٍ. ومعنى ((حَيَّهَلاً)): تَعالَ.
* قوله: ((أتى النبي ◌َّ﴾ رجل أعمى)):
(ن): هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم، جاء مفسَّراً في رواية أبي داود
وغيره، وفيه دلالة لمن قال: الجماعة فرض عين، وأجاب الجمهور عنه: بأنه
سأل هل له رخصة أن يصلي في بيته، ويحصل له فضيلة الجماعة؛ بسبب
عذره؟ فقيل: لا، يؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع
المسلمين، وأما ترخيص النبي وّر له، ثم رده بقول: ((أجب)) فيحتمل أنه كان
٧٩

بوحي نزل في الحال، أو أنه تغير اجتهاده، ويحتمل أنه رخص له أولاً؛ إما
للعذر، وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين، ثم إنه
ندبه للأفضل أي: أعظمُ لأجرك أن تجيب وتحضر(١).
(ق): سبب الترخيص أنه لم يكن له قائد يقوده، ثم إنه تبيَّنَ من حاله
أنه يتمكن من ذلك، كما يتَّفِقُ لبعض العميان، قال: لا أجد لك رخصة
كما رواه أبو داود، ويحتمل أن يقال: قوله: ((أجب)) كان سدّاً لباب الذريعة
إلى إسقاطها؛ لأجل المنافقين(٢).
(تو): وجه ذلك أن النبي ◌َّيه نبأ ابن أم مكتوم بالرخصة في أول
الأمر، ثم دعاه إلى العزيمة؛ نظراً له واختياراً للأصلح، فقد كان هو من
فضلاء المهاجرين والسابقين الأولين، وكان لا يرغب يومئذٍ عن إدراك
فضيلة الصلاة مع رسول الله وَّ إلا مغموصٌ عليه بالنفاق أو جاهل بما له
في ذلك أو عاجز عن الحضور.
وقد أشار مسلم في ((کتابه)) إلی تعلیل هذا الحدیث بإيراد حديث ابن
مسعود بعده: (لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلاَةِ إِلَّ مُنَافِقٌ)) الحديث(٣)، وهو
رحمه الله حسن السياق للأحاديث، مبيِّنٌ لعللها، فلهذا لم يقصر النبي ◌َّ في
جوابه على الرخصة، وأشار إليه بالعزيمة؛ لما عرف فيه من الجلادة، وتفرَّس
فيه من النجابة، والصرامة والنجدة، وقد ظهر منه آثارها بعد حين، فخرج في
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٥٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ /٢٧٩ - ٢٨٠).
(٣) رواه مسلم (٦٥٤ / ٢٥٦).
٨٠