النص المفهرس
صفحات 21-40
١٠٣٢ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﴾، عَنِ النَّبيِّ لَهِ، قالَ:
(مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأْ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ - ثُمَّ قالَ:
أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهِ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ؛ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَبِّها
شاءَ)، رواه مسلمٌ.
وزَادَ الترمذي: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الثَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ
المُتَطَهِّرِينَ)).
* قوله يخر: ((ما منكم من أحد)):
(ط): (من) الثانية زائدة، والأول بيانية، والجار والمجرور حال على
ضعف(١).
(مظ): القول بالشهادتين عَقِيبَ الوضوء إشارة [إلى] العمل لله؛ فإن
الوضوء لم يكن من فِعْل عبَدةِ الأوثان، ولم يتوضأ أحد لمعبود سوى الله،
فإذا توضأ المسلم؛ طهرت أعضاؤه من الحدث، وغُفرت ذنوبه كما ذكر
قبل هذا، وإذا قال كلمتي الشهادة طهر من الشرك والرياء، فحينئذٍ استحق
دخول الجنة من أي باب شاء(٢).
(ن): (يبلغ) (ويسبغ): بمعنى واحد، ويستحب أن يقول عقب وضوءه
كلمتي الشهادة، وهذا متفق عليه، ويضم إليه ما جاء في رواية الترمذي:
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣ / ٧٤٧).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٥٣).
٢١
((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِيْنَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِيْنَ)) (١)، ويضم إليه ما رواه
النسائي في كتابه «عمل اليوم والليلة)) مرفوعاً: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ،
أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ وَحْدَكَ لاَ شَرِئْكَ لَكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))(٢)، قال
أصحابنا: وتستحب هذه الأذكار للمغتسِل أيضاً(٣).
(ق): فيه: أنَّ أبواب الجنة ثمانية لا غير، وعلى أن داخل الجنة يُخيّر
من أي الأبواب شاء(٤).
(ط): الأظهر أنَّ (يدخل) استئنافية؛ لصحة قيام (ليدخل) موقِعَها (٥).
(١) رواه الترمذي (٥٥)، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(٢٢٤) .
(٢) رواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٨١) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٤٤٨٧).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٢١).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٩٥).
(٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣ / ٧٤٨).
٢٢
١٨٦ - ياس
فضلِ الأَذانِ
(باب التاسع بعد المئة)
(في فضل الأذان)
(نه): الإعلام بالشيء، يقال: آذن يُؤْذِن إيذاناً، وأَذَّنَ يُؤَذِّنُ تَأْذِيناً،
والمشدَّد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة(١).
(ك): أي: بالألفاظ التي عيّنها الشارع مثنَّاة.
قال القاضي عياض: الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان، مشتملة على
نوعيه من العقليات والنقليات، وإثبات الذات، وما يستحقه من الكمال أي:
الصفات الوجودية، ومن التنزيه أي: الصفات العدمية ولفظة (الله أكبر) مع
اختصارها دالة على ذلك، ثم صرح بإثبات الوحدانية، ونفي الشركة، وهو
عمدة الإيمان المقدَّمة على كل وظائف الدين، ثمَّ صرَّح بالشهادة بالرسالة
التي [هي] قاعدة جميع العبادات وموضعها بعد التوحيد؛ لأنها من باب
الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات، وبعد هذه
القواعد كملت العقائد العقلية فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه تعالى، ثم
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٤).
٢٣
دعاهم إلى الصلاة بعد إثبات النبوة؛ لأنَّ معرفة وجوبها من النبي ◌َّ، لا من
جهة العقل، ثم دعاهم إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه
إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء، وهو آخر تراجم عقائد الإسلام
بالشروع فيها، وهو متضمِّن لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في
العبادة بالقلب واللسان، وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره وبصيرة من
إيمانه، ويستشعر عظم ما دخل فيها، وعظمة حق مَن يعبده، وجزيل ثوابه،
وهذا من النفائس الجلیلة، فتفگّر فيها(١).
(ك): في اختيار القول دون شيء آخر كالنار والناقوس حكمة عظيمة،
وهي أن القول كيفية تعرض للنفس الضروري، فالإعلام به أسهل لذلك،
ولعدم الاحتياج إلى آلة وأداة، وأنه متيسِّر لكل أحد غنياً وفقيراً في كل زمان
ومكان؛ سهلاً وجبلاً، براً وبحراً ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
(خط): الحكمة في مشروعية الأذان إظهار شعار الإسلام، وكلمة
التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة، ومكانها، والدعاء إلى الجماعة(٢).
وللأذان فضائل: إحداها: أنه من شعار الدين يحقن الدماء، كان اليه
إذا سمع أذاناً أمسك وإلا أغار.
ومنها: أنه يطرد الشيطان، ويؤمِّن الجِنَّان، فمن فزع، فليؤذن.
ومنها: أنه يجاب بحضرته الدعاء؛ لأنه يفتح له أبواب السماء.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥/ ٢ و٤).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٢٦٨).
٢٤
١٠٣٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ
النَّاسُ ما في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا
عَلَيْهِ، لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما في التَّهْجِيرِ، لاسْتَقُوا إِلَيْهِ،
وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما في العَتَمَةِ والصُّبْحِ، لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً)، متفقٌ
عليه .
((الاسْتهامُ)): الاقتراعُ، (والتَّهْجِيرُ)): التَّبْكيرُ إلى الصَّلاةِ.
* قوله سي: ((لو يعلم الناس ما في النداء)):
(ن): (النداء): هو الأذان، والاستهام: الاقتراع(١).
(قض): قيل: سُمِّي بها؛ لأنه سهام يكتب عليها الأسماء، فمن وقع
له منها سهم، فاز بالحظ المقسوم.
(ن): معناه أنه لو علموا فضيلة الأذان وقَدْرَها، وعِظَمَ جزائِها، ثم لم
يجدوا طريقاً يحصِّلونه به (٢)؛ لضيق الوقت، أو لكونه لا يؤذِّن للمسجد إلا
واحد؛ لاقترعوا في تحصيله، وفيه إثبات القرعة في الحقوق التي يُزْدَحَم
عليها، ويُتَنَازَع فيها (٣).
(ق): يمكن التَّشَاخُ في أذان المغرب إذا قلنا: يضيق وقتها، وقال
الداودي: إن هذا الاستهام في أذان الجمعة، والضمير في (عليه) قيل: يعود إلى
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٧ - ١٥٨).
(٢) في الأصل: ((يخلصه)).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٨).
٢٥
الصف الأول؛ لأنه أقرب مذكور كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾
[الفرقان: ٦٨] ومن يفعل المذكور، وهذا أولى من الأول(١)، انتهى .
قال البخاري في ((صحيحه)): يُذكر أن قوماً اختلفوا في الأذان، فأقرع
بینهم سعد(٢).
(ك): قال أهل التاريخ: افتتحت القادِسيّة (٣) صدر النهار، واتبع الناس
العدو، فرجعوا وقد حانت صلاة الظهر، وأُصيبَ المؤذن، فتشاحَّ الناس في
الأذان حتى كادوا يجتلدون بالسيوف، فأَفْرَعَ بينهم سعدُ بنُ أبي وقاصٍ ◌َُه،
فخرج بينهم رجل فأذن(٤).
(ط): المعنى لو علموا ما في النداء، والصف الأول من الفضيلة، ثم
حاولوا الاستباق إليه، لوجب ذلك عليهم، فوضع المضارع، وهو يعلم
موضع ما يستدعيه (لو) من الماضي؛ ليفيد استمرار العلم، وأنه مما ينبغي
أن يكون على بال منه، وأتى بـ (ثمَّ) المُؤْذِنة بتراخي رتبة الاستباق عن
العلم، وقدم ذكر النداء؛ دلالةً على تهيُّؤُ المقدمة الموصلة إلى المقصود
الذي هو المثول بين يدي رب العزة، فيكون من المقربين، وأطلق مفعول
(علم))؛ يعني: ((ما))، ولم يبين أن الفضيلة ما هي؛ ليفيد ضرباً من
المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الحصر والوصف، وكذا تصوير حالة
الاستباق بالاستهام فيها من المبالغة البالغة حدَّها؛ لأنَّه لا يقع إلا في أمر
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦٥).
(٢) انظر: ((صحيح البخاري)) (١ / ٢٢٢).
(٣) في الأصل: ((الفارسية)).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥/ ١٤).
٢٦
يتنافس فيه المتنافسون، ويرغب فيه الراغبون، ولاسيَّما إخراجُه مُخْرَجَ
الاستثناء والحصر، وليت شعري بماذا يتشبث ويتمسك من طَرَقَ سمعَه
هذا البيانُ، ثم يتقاعد من الجماعة خصوصاً عن الاستباق إلى الصف
الأول، وقد يعتذر بأنه خارج من زمرة من سمع وأطاع.
ولما فرغ من الترغيب في الاستباق إلى الصف الأول؛ عقَّبه بالترغيب
في إدراك أول الوقت، ولذلك وجب أن يفسر التهجير بالتبكير، كما ذهب
إليه الكثيرون(١).
(نه): (التهجير): التبكير إلى كل شيء، والمبادرة إليه يقال: هجّر
يهجِّر تهجيراً، فهو مهجِّر، وهي لغة حجازية أراد المبادرة إلى وقت الصلاة،
ومنه حديث الجمعة: ((فالمهجِّر إليها كالمُهْدِي بَدَنةً) (٢)؛ أي: المبكّر إليها (٣).
(ن): خصّه الخليل بالجمعة، والصواب المشهور الأول(٤).
(تو): التهجير: السير في الهاجرة إلى صلاة الظهر للجماعة.
(قض): لا يقال: الأمر بالإبراد ينافي الأمر بالتهجير، والسعي إلى
الجماعة بالظهيرة؛ لأنا نمنع ذلك؛ فإن كثيراً من أصحابنا حملوا الأمر به على
الرخصة، فعلى هذا يكون الإبراد رخصةً، والتهجيرُ سنَّةً، ومن حمل ذلك
على الندب، فله أن يقول: الإبراد تأخير الظهرِ أدنى تأخير بحيث يقع الظل،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٩٦ - ٨٩٧).
(٢) رواه النسائي (١٣٨٥)، وابن ماجه (١٠٩٢)، من حديث أبي هريرة رُه وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٧٥).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٢٤٥).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٨).
٢٧
ولا يخرج بذلك عن حد التهجير؛ فإنَّ الهاجرة تطلق إلى الوقت إلى أن يقرب
العصر(١).
· قوله{﴾: «لأتوهما ولو حبواً) ..
(ن): فيه الحث العظيم على حضور هاتين الصلاتين، والفضل الكثير
في ذلك؛ لما فيها من المشقة على النفس من تنقيص أول نومة وآخرها، ولهذا
كانت أثقلَ صلاة على المنافقين، وفي هذا تسمية العشاء عَتَمَةً، وقد ثبت
النھي عنه، وجوابه من وجهين :
أحدهما: أن هذه التسمية بيان للجواز، وأن ذلك النهي ليس للتحريم.
والثاني، وهو الأظهر: أن استعمال العتمة هنا لمصلحة راجحة على
مفسدة تسميتها بها؛ لأن العرب كانت تستعمل لفظ العشاء في المغرب، ولو
قيل: العشاء، لحملوها على المغرب، ففسد المعنى، وفات المطلوب،
فاستعمل العتمة التي يعرفونها، ولا يشكُّون فيها، وقواعد الشرع متظاهرة على
احتمال أخفِّ المفسدتين؛ لدفع أعظمِهما(٢).
و(الحبو): بإسكان الباء، وإنما ضبطته؛ لأني رأيت من الكبار من
صحّفه.
(نه): الحبو: أن يمشي على يديه وركبتيه أو استه، وحبا البعير: إذا
برك، ثم زحف من الإعياء، وحبا الصبي إذا زحف على استه(٣).
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٢٤٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٥٨).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٣٦).
٢٨
١٠٣٤ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﴿ه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ:
(المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقاً يَوْمَ القِيامَةِ)، رواه مسلمٌ.
* قوله ويقى: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً):
(ن): هو بفتح الهمزة جمع عنق. قيل: معناه أكثر الناس شوقاً إلى
رحمة الله تعالى؛ لأن من يشتاق إلى شيء (١) يطيل عنقه لما يطَّلعُ إليه،
فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب، وقال النضر بن شميل: إذا ألجم الناسَ
العَرَقُ يوم القيامة؛ طالت أعناقهم؛ لئلا ينالَهم ألمُ ذلك الكرب والعرق،
وقيل: معناه أنهم سادة، والعرب تصف السادة بطول العنق، وقيل: معناه
أكثر أتباعاً، وقال ابن الأعرابي: معناه أكثر الناس أعمالاً .
ورواه بعضهم (إعناقاً) بكسر الهمزة أي: إسراعاً إلى الجنة، وهو من
سَيْرِ العَنَق(٢).
(تو): قول الكسر غير معيد به رواية، ومعنى طول الأعناق: عبارة
عن علو الدرجة، وحسن السابقة، والتقدم في المنزلة؛ فإن العرب تصف
السادة والرؤساء بطول الأعناق، قال:
يُشَبِّهونَ سُيُوفاً في صَرائِهم
وطُولٍ أَنْضيةِ الأعناقِ واللِّمَمِ
وتصف من التزمه الهوان والذلة بخضوع الأعناق، قال تعالى: ﴿فَظَلَّتْ
أَعْنَفُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ ﴾ [الشعراء: ٤]، وهذا وجه حسن، وكذلك قول من قال: لما
(١) في ((شرح مسلم)) للنووي: (( .. أكثر الناس تشوفاً .. لأن المتشوِّف إلى شيء .. )).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٩١ - ٩٢).
٢٩
يمتد إليه أعناقهم من ثواب الله؛ لما فيهما من مراعاة حق العبادة، والمراعاة
بين المؤذنين، وما وُصفوا به، وذلك أنهم يمدُّون أعناقهم إذا رفعوا أصواتهم
بالأذان، فيجازَون يوم القيامة بما يناسب حالهم في العبادة.
(ط): يجوز أن يقال: إن طول العنق عبارة [عن] عدم التشوير
والخجل؛ فإن الخجِل متنكِّسُ الرأس، متقلِّص العنق، قال تعالى: ﴿وَلَوْتَرَىّ
إِذِالْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْرُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢](١) انتهى.
رواه الحافظ حميد بن زنجويه بزيادة ولفظه: ((المُؤَذِّنون أَطْوَلُ النَّاسِ
أَعْنَاقاً، وَلاَ يُدَوِّدُونَ فِي قُبُورِهِمْ(٢)).
وفي ((المعجم الكبير للطبراني)) عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله وَله :
((المُؤَذِّنُ المُحْتَسِبُ كَالشَّهِيْدِ المُتَشَخِّطِ فِي دَمِهِ، وَإِذَا مَاتَ لَمْ يُدَوِّدْ فِي قَبْرِهِ)(٣)
قال المنذري: فيه إبراهيم بن رستم وقد وُثِّقْ(٤).
١٠٣٥ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ: أَنَّ أَا
سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ◌َ﴾ قَالَ لَهُ: (إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَثَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذا
كُنْتَ فِي غَنَمِكَ - أَوْ بَادِيَتِكَ -، فَأَقَّنْتَ الصَّلاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩١٠).
(٢) ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٨٦٠) عن مجاهد قوله.
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٣٥٥٤) وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)) (٥٩٠٠).
(٤) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (١ / ١١٢).
٣٠
بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَُّ لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٍّ، وَلا إِنْسٌ،
وَلَا شَيْءٌ، إِلَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). قال أبو سعيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَّهُ. رواه البخاريُّ
* قوله {قال: ((لا يسمع مدی صوت المؤذن»:
(تو): ((مدى صوت المؤذن)): غاية صوته، وإنما ورد البيان على الغاية
مع حصول الكفاية بقول: لا يسمع صوت المؤذن؛ تنبيهاً على أن آخر من
ینتهي إليه صوت المؤذن یشهد له، کما یشهد له الأولون، وفيه حث على
استفراغ الجهد في رفع الصوت بالأذن، والمراد من شهادة الشاهدین له۔ و کفی
بالله شهيداً - اشتهارُه يوم القيامة فيما بينهم بالفضل، وعلو الدرجة، ثم إن الله
سبحانه کما یهین قوماً بشهادة الشاهدین علیھم؛ تکمیلاً لفضوحهم على رؤوس
الأشهاد، وتسويداً لوجوههم، فكذلك يكرم قوماً؛ تكميلاً لسرورهم، وتطبيباً
لقلوبهم، وبكثرة الشهود تزداد قرة عيونهم، فأخبر أن المؤذنين كلما كانت
أصواتهم أجھر، کانت شهودهم أکثر.
(قض): غاية الصوت تكون أخفى لا محالة، فإذا شهد له مَن بَعُدَ عنه،
ووصل إلیه هَمْسُ صوته فبأن یشهد له من دنا منه وسمع مبادئ صوته کان
أولى(١).
* قوله: ((ولا شيء)):
(ك): قيل: إنه مخصوص بمَن منه الشهادة كالملائكة، وقيل: عامٌ
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٢٤٨).
٣١
.
حتى في الجمادات أيضاً، والله تعالى يخلق لها إدراكاً للأذان وعقلاً، فهو
تعمیم بعد تخصیص(١)، انتهى.
يؤيد القول الثاني ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله وَ له: «المُؤَذِّنُ
يُغْفَرُ لَهُ مَدَی صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لە کلُّ رَطْبٍ وَیَابِسٍ)) خرّجه أحمد وأبو داود
والنسائي وابن ماجه(٢)، [و] فيه أنه يُستحبُّ للمنفرد الأذانُ، وأن يؤذن على
مكان مرتفع؛ ليكون أبعد لذهاب الصوت، وكان بلال يؤذن على بيت
امرأة من بني النجار، وبيتها أطول بيت حول المسجد، وفيه العزلة عن
الناس، وأنَّ اتخاذ الغنم، والمقام بالبادية من فعل السلف، وفيه فضيلة
الإعلان بالسنن؛ لكثرة الشهداء عليه يوم القيامة.
١٠٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إذا
نُودِيَ بِالصَّلاةِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ،
فَإِذا قُضِيَ النِّدَاءُ، أَقْبَلَ، حَتَّى إذا تُوُّبَ الصَّلاةِ، أَدْبَرَ، حَتَّى إذا
قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ
كَذَا، وَاذْكُرْ كَذا ــ لمَا لَمْ يَذْكُرْ مِنْ قَبْلُ - حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي
كَمْ صَلَّى)»، متفقٌ عليه.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٩/٥).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٤١١)، وأبو داود (٥١٥)، والنسائي
(٦٤٥)، وابن ماجه (٧٢٤) وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(١٩٢٩).
٣٢
((التَّغْوِيبُ)): الإِقَامَةُ.
* قوله: «أدبر الشيطان وله ضراط»:
(قض): شبه شغل الشيطانِ نفسَه، وإغفالها عن سماع التأذين بالصوت
الذي يملأ السمع، ويمنعه عن سماع غيره، ثم سمَّاه ضراطاً؛ تقبيحاً له(١).
(ق): هذا يصح حمله على ظاهره؛ إذ هو جسم يصح منه خروج
الريح، وقيل: إنه عبارة عن شدة الغيظ، والنِّهار، وذلك لِما يسمع من
ظهور الإسلام، ودخولهم فيه، وامتثالهم أوامره، كما يعتريه يوم عرفة؛ لما
يرى من اجتماع الناس على البر والتقوى، ولما يتنزل عليهم الرحمة (٢).
(ن): إنما يُدْبِرِ الشيطان عند الأذان؛ لئلا يسمعه، فيضطر إلى أن
يشهد بذلك يوم القيامة؛ لما في الحديث: ((لا يسمع مدى صوت المؤذن
جن ولا إنس إلا شهد له)).
قال القاضي عياض: وقيل: إنما يشهد له المؤمنون، وأما الكافر، فلا
شهادة له، ولا يُقبل هذا من قائله؛ لما جاء في الآثار من خلافه، قال: وقيل:
هذا فيمن يصح منه الشهادة ممن يسمع، وقيل: بل هو عامٌّ، والله تعالى يخلق
في الحيوان إدراكاً للأذان، وعقلاً ومعرفةً، وقيل: إنما يدبر الشيطان؛ لعظم
أمر الأذان؛ لِمَا اشتمل عليه من قواعد التوحيد، وإظهار شعائر الإسلام،
وإعلانه، وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد(٣).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥/ ٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٩٢).
٣٣
* قوله: ((حتى إذا ثُوِّب)):
(ن): (التثويب): الإقامة، وأصله من ثاب: إذا رجع، ومقيم الصلاة
راجع إلى الدعاء إليها؛ فإن الأذان دعاءٌ إلى الصلاة، والإقامة دعاء إليها (١).
(خط): التثويب هنا الإقامة، والعامة لا تعرف التثويب إلا قولَ المؤذن
في صلاة الفجر: الصلاةُ خير من النوم [و] حسب، ومعنى التثويب: الإعلام
بالشيء، والإنذار بوقوعه، والأصل أن يلوِّحَ الرجل بثوبه، فيديره عند الأمر
یرهقه من خوف أو عدو، ثم کثر استعماله في کل إعلام يجهر به صوت، وإنما
سُمِّيت الإقامة تثويباً؛ لأنه إعلام بوقت إقامة الصلاة، والأذان إعلام بوقتها (٢).
(ن): (يخطِر): هو بضم الطاء وكسرها، حكاه القاضي، قال: وبالكسر
معناه: يوسوس، ومنه قولهم: خَطَر الفرس بذنبه: إذا حركه، فضرب به
فخذيه، وأما بالضم، فمن السلوك والمرور؛ أي: يدنو منه، فيمر بينه وبين
قلبه، فیشغله عما هو فيه(٣).
(ق): ((يظل)): بالظاء؛ أي: يصير، وحكى الداودي: (يضلّ) بمعنى
ينسى، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثَهُمَا ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٤).
(ن): في رواية لمسلم: ((إن يَدْرِي كَمْ صَلَّى))(٥) وهي بكسر الهمزة
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه .
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ١٥٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٩٢).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٧).
(٥) رواه مسلم (٣٨٩)، ورواه أيضاً بهذا اللفظ البخاري (١١٧٤).
٣٤
بمعنى (ما)، وروي بفتحها أيضاً، والصحيح الكسر(١).
(ك): فإن قلت: كيف يُتصوَّر خطورُه بين المرء ونفسه، وهما عبارتان
عن شيء واحد؟ قلت: إما أن يراد بالنفس الروح أو القلب، فهو كقوله
تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اْلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وإما أن يكون تمثيلاً
لغایة القرب منه.
فإن قلت: لم يهرب الشيطان عند الأذان، ولا يهرب عند الصلاة،
وفيها قراءة القرآن؟ قلت: لما يرى من اتفاق الكل على الإعلان بشهادة
التوحيد، وإقامة شعار الشريعة، ومن نزول الرحمة العامة عليهم، وقيل:
لئلا يُضطرّ إلى الشهادة لابن آدم بشهادة اعترافه بالوحدانية يوم القيامة كما
سبق(٢) .
(ط): كرر لفظة (حتى) خمس مرات؛ الأولى والرابعة والخامسة بمعنّى،
والثانية والثالثة دخلتا على الجملتين الشرطيتين، وليستا للتعليل(٣)، انتهى.
وفي ((صحيح مسلم)): عن جابر بن عبدالله قال: سمعت النبي وَلّ
يقول: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ نِدَاءً بالصلاة؛ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ»
قال سليمان: فسألته عن الروحاء؟ قال: هي من المدينة ستة وثلاثون ميلاً(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٩٢ - ٩٣).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩١٠).
(٤) رواه مسلم (٣٨٨).
٣٥
١٠٣٧ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاص ﴾: أَنَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ اللهِوَ﴿ يَقُولُ: ((إذا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ
صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةَ، صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً،
ثُمَّ سَلُوا اللهَ ليَ الوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلاَّ لعَبْدٍ
مِنْ عِبَادِ الله، وأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ ليَ الوَسِيلَةَ،
حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ))، رواه مسلمٌ.
* قوله يفر: ((فقولوا مثل ما يقول)):
(ن): هذا عامٌّ مخصوص بحديث عمرَ أنه يقول في الحَيْعَلَتين:
((لا حول ولا قوة إلا بالله))(١).
(ق): حكى الطحاوي أنه اختلف في حكمه، فقيل: واجب، وقيل:
مندوب، وعليه الجمهور، ثم هل يقوله عند سماع کل مؤذن، أو أول مؤذن
فقط؟ واختلف في الحدّ الذي يحكي فيه المؤذنَ هل إلى التشهدين أم إلى آخر
الأذان؟ نُقُل القولان عن مالك، لكنه في القول الآخر إذا حيعل المؤذِّن؛
يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، واختلف في المصلِّي هل يحكي المؤذن وهو
في الصلاة؟ فقيل: يحكيه في الفريضة والنافلة، وقيل: لا يحكيه فيهما، وإليه
ذهب أصحاب أبي حنيفة، وقيل: يحكي في النافلة خاصة، والثلاثة الأقوال
في مذهبنا(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٨٧)، وحديث عمر څه رواه مسلم (٣٨٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١١ - ١٢).
٣٦
(ن): فيه استحباب الصلاة على رسول الله وَهر بعد فراغه عن متابعة
المؤذن، واستحباب طلب الوسيلة له، ويستحب أن يقول السامع كلَّ كلمةٍ
بعد فراغ المؤذن منها، ولا ينتظر فراغه من كل الأذان، وفيه: أنه يستحب
لمن رغَّب غيره في خير أن يذكر له شيئاً من دلائله؛ لينشطه، واعلم أنه
يستحب إجابة المؤذن بالقول مثلَ قوله لكلِّ مَن سمعه [من] متطهر ومُحْدِثٍ
وجُنُبٍ وحائض وغيرِهم؛ ممن لا مانع له [من] الإجابة.
ومن أسباب المنع: أن يكون في الخلاء، أو جماع أهله، ومنها: أن
يكون في الصلاة؛ فمن كان في صلاة فريضة أو نافلة، فسمع المؤذن لم يوافقه،
فإذا سلَّمَ؛ أتى بمثله، فلو فعله في الصلاة؛ فهل يكره؟ فيه قولان للشافعي،
أظهرهما(١): أنه يكره؛ لأنه إعراض عن الصلاة، لكن لا تبطل صلاته؛ لأنها
أذكار، فإن قال: حي على الصلاة، أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته إن
كان عالماً بتحريمه؛ لأنه كلامُ آدميٍّ.
ولو سمع الأذان وهو في قراءة أو تسبيح أو غيرهما؛ قطع ما هو فيه،
وأتى بمتابعة المؤذن، ويتابعه في الإقامة كالأذان إلا أنه يقول في لفظة
الإقامة: أقامها اللهُ وأدامها(٢).
(نه): (الوسيلة): في الأصل: ما يُتَوصَّل به إلى الشيء، ويُتَقرَّب به،
وجمعها وسائل، والمراد في الحديث: القرب من الله تعالى، وقيل: هي
الشفاعة يوم القيامة، وقيل: منزل من منازل الجنة (٣).
(١) في الأصل: ((أحدهما)).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٨٧ - ٨٨).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ١٨٤).
٣٧
(قض): الوسیلة من وَسَلَ إلی کذا؛ أي: تقرَّبَ إلیه، قال لبید:
أَلاَ كلُّ ذي لبِّ إِلَى الله واسِلُ
أَرى الناسَ ما يَدْرون ما قَدْرُ أَمْرِهم
المراد هاهنا: منزلة في الجنة، وسُمِّيت وسيلة؛ لكون الواصل إليها
قريباً من الله تعالى، فائزاً بلقائه، فيكون كالوصلة التي يتوسل بالوصول
إليها، والحصول فيها إلى الزلفى من الله، أو لأنها منزلة سَنِيَّةٌ، ومرتبة عَلِيّة
يتوسل الناس بمن اختصّ بها، ونزل فيها إلى الله تعالى شفيعاً مشفعاً
يخلصهم من أليم عقابه(١) .
* قوله : ((أن يكون أنا هو)):
(ط): قيل: قوله: ((هو)) خبر كان وضع بدل إياه، ويحتمل ألا يكون
((أنا)) للتأكيد، بل يكون مبتدأ، و(هو) خبره، والجملة خبر ((أكون))، ويمكن
أن يقال: إن هذا الضميرَ وُضع موضعَ اسمِ الإشارة أي: أكون أنا ذلك العبدَ،
كما في قول رؤبة :
فِيْهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ
كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيْعُ البَهَقْ
قيل له: إن أردت الخطوط؛ فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبلق؛
فقل: كأنهما، فقال: أردت كلَّ ذاك(٢).
(ق): ((أرجو أن أكون أنا هو)) قال أول﴿ هذا قبل أن يبان له أنه صاحبها؛
إذ قد أُخْبِرِ أنه يقوم مقاماً لا يقومه أحد غيرُه، ويحمَد اللهَ بمحامدَ لم يُلهَمْها
أحد غيرُه، ولكن مع ذلك، فلا بدّ من الدعاء فيها؛ فإن الله يزيده بكثرة دعاء
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩١٢).
٣٨
أمته رفعة، کما زاده بصلاتهم، ثم إنه يرجع ذلك علیھم بنیل الأجور، ووجوب
شفاعته(١).
(ن): حلَّت: أي: وجبتْ، وقيل: نالته(٢).
(نه): في حديث عيسى: ((فَلاَ يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِئِحَ نَفَسِهِ إلاَّ مَاتَ))(٣)؛
أي: هو حق واجب كقوله تعالى: ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا
يَرَجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] أي: حق واجب عليها، ومنه الحديث: ((حَلَّتْ لَهُ
شَفَاعَتِي))، وقيل: هو بمعنى غشيته، ونزلت به(٤).
(ك): حلَّت: استُحِقَّت؛ لأن من كان الشيء حلالاً له، كان مستحقّاً
لذلك وبالعكس، وفيه إثبات شفاعته للأمة صالحاً وطالحاً؛ لزيادة الثواب،
وإسقاط العقاب؛ لأن لفظة (مَن) عامة، فهو حجة على المعتزلة حيث
خصُّوها بالمطيع؛ لزيادة درجاته فقط(٥).
١٠٣٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ◌َُهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَ قَالَ: ((مَنْ قَالَ
حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ
القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ، والفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٨٦ - ٨٧).
(٣) رواه مسلم (٢٩٣٧) من حديث النواس بن سمعان
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٣٢).
(٥) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ١٤).
٣٩
الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعتي يَوْمَ القِيَامَةِ))، رواه البخاريُّ.
* قوله: ((الدعوة التامة)) :
(تو): إنما وصف الدعوة بالتمام؛ لأنها ذكر الله عز وجل يُدعى بها
إلى عبادته، وهذه الأشياء، وما والاها هي التي تستحق صفة الكمال والتمام،
وما سوى ذلك من أمور الدنيا بعرض النقص والفساد، ويحتمل أنها وصفت
بالتمام؛ لكونها [محميَّة](١) عن النسخ والإبدال، باقية إلى يوم القيامة.
(والصلاة القائمة)؛ أي: الدائمة التي لا تغيرها ملة، ولا تنسخها
شريعة .
(قض): ((هذه)): الإشارة إلى الأذان، وإنما أُنِّث التأنيث خبره؛ لأنه
هو في المعنى، كما فعل ذلك في قولهم: مَنْ كانت أمَّك.
والتامة: صفة مقيِّدةٌ للخَبَر أي: هذه الدعوة تامة في إلزام الحجة،
وإيجاب الإجابة، والمسارعة إلى المدعو إليه.
والصلاة: عطف على الخبر، ومعناها: الدعاء.
والقائمة: الدائمة، من أقام الشيء، وأقام عليه: إذا حافظ وداوم عليه؛
أي: لا يغيرها شارع، ولا يبطلها غاشم(٢).
(ك): وصفت بالتمام؛ لأنها كلمة جامعة للعقائد الإيمانية؛ من
العقليات والنقليات علميةً وعمليةً.
(١) من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢/ ٩١٣).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٢٤٩).
٤٠