النص المفهرس

صفحات 1-20

سَْخُ
◌ِنَّاضِ الصَّالِحِينَ
(٥)

حُقُوق الطَّبْعُ مَحَفُوظَة لِدَارِالنَّوَادِرِ
الطّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٥هـ-٢٠١٤م
طَبْعَةخَاصَّة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
دولة قطر
turathuna@islam .gov.qa
قامت بعمليات التصيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة
ـر
د
سوریا - دمشق
ص.ب:34306
هاتف : 00963112227001
فاكس : 00963112227011
لبنان - بيروت
ص.ب: 4462/14
هاتف : 009611652528
فاكس : 009611652529
E_ mail : info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com

أوقاف
AWOAF
سَرْحُ
رياض الصالحين
المُسَتَّى
الْفَوَائِدُ المُشْرِعَةُ الحَمُ
ــف
شَرحَ كَاِ الأراضى
تَأْلِيْفُ
اُلْعَلََّمَةِ ابنِ كِمَالِ بَاشَا
شَمْسٍ لِيْنِ أَحَمَدَ بنِ سُليمَانَ بنِكَمَالِ باشا الرُّومِيّالخَنِفِيّ
المَوْلُود في طُوَقَات سَنَة ٨٧٢ هـ، وَالمتوقّ فِي الْقُطَنِطِينِيّة سَنة ٩٤٠هـ
رَحَمَّهُ الله تعَالى
تَحْقِيْقَ وَدِرَاسَة
مختصَّةٍ مِنَ الحـ
محمـ
بِإِشِرَافٍ
نُ الدُّشُطَلُِّ
الَجَلَّدُ الخَامِسُ
من مطبوعات
وَزَارَةُ الأَوْقَافِ وَالشُّؤُوَرُالِْسْلاَمِيَّةُ
إِدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ
تمويل الإدارة العامة للأوقاف
دولةِقَطَرْ

13
13

تابع
كتاب الفِضَائِ
١٨٥- باب
فضل الوضوءِ
: قال الله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ
فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ
عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
(الباب الثامن بعد المئة)
(في فضل الوضوء)
(نه): (الوَضوء) بالفتح: الماء الذي يُتَوضَّأ به؛ كالفطور والسحور لما
يُفْطَر عليه، ويُتَسَخَّر به، وبالضم: الفعل نفسه يقال: توضأت توضُّواً
ووضوءاً، وقد أثبت سيبويه الوَضوء والطّهور والوقود [بالفتح] في
المصادر، فهي تقع على الاسم والمصدر، وأصل الكلمة من الوضاءة،
وهو الحُسْنِ (١)
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ١٩٤).
٥

* قوله تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ
وُجُوهَكُمْ ﴾ [المائدة: ٦] معناه: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم مُحْدِثون، وقيل: إذا
قمتم من النوم إلى الصلاة، وقيل: الآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة،
ولكن في حق المخدِث على سبيل الإيجاب، وفي المتطهر على سبيل
الاستحباب، وقيل: كان واجباً عند كل صلاة في ابتداء الإسلام، ثم نسخ،
ففي الصحيح: أنه ◌ّ كان يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح، توضأ
ومسح على خفیه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال عمر: يا رسول الله!
إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعل، فقال: ((إنِّي عَمْداً فَعَلَّتُهُ)(١).
وقيل: إن هذه الآية إعلام أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى
الصلاة دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام إذا
أحدث، كان يمتنع من الأعمال كلِّها حتى يتوضأ، روى ابن أبي حاتم عن
علقمة بن الفَغْوَاء قال: كان رسول الله نَّه إذا أراد(٢) البول؛ نكلمه ولا
يكلمنا، ونسلم عليه ولا يرد علينا حتى نزلت آية الرخصة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ﴾ الآية [المائدة: ٦](٣).
وفي ((سنن أبي داود)): عن ابن عباس أن رسول الله وٌَّ خرج من
الخلاء، فقُدِّم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: ((إِنَّمَا أُمِرْتُ
(١) رواه مسلم (٢٧٧) من حديث بريدة قُته
(٢) في هامش الأصل: ((أراق)).
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من (تفسير ابن أبي حاتم))، وقال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (١ / ٢٧٦): رواه الطبراني في «الكبير» وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف.
٦

بِالوُضُوءِ إذا قُمْتُ إلى الصَّلاَةِ))(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] أي: مع المرافق،
كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَهُمْ إِلَ أَمْوَلِكُمْ ﴾ [النساء: ٢] أي: مع أموالكم.
والباء في رؤوسكم للإلصاق أو للتبعيض.
و(أرجلَكم) قُرئ بالنصب عطفاً على وجوهكم، وبالخفض على
المجاورة، كقوله: جُحْرُ ضبِّ خَرِبٍ، وكقوله تعالى: ﴿ِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ
وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١] وهذا شائع ذائع، وقال الشافعي: هي محمول على
مسح القدمين إذا كان عليهما الخُفَّان، ومنهم من قال: المسح: الغسل
الخفيف كما وردت به السنة، وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين
فرضاً؛ للآية، والأحاديث الصحيحة الصريحة .
قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ﴾ [المائدة: ٦]؛
فلهذا سهَّلَ عليكم، وأباح التيمم عند المرض، وعند فقد الماء؛ توسعةً
عليكم ورحمة؛ لعلكم تشكرون هذه النعمة.
(م): قال داود: يجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة محتجّاً بظاهر
هذه الآية(٢).
(١) رواه أبو داود (٣٧٦٠)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٢٣٣٧).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١١ / ١١٩).
٧

١٠٢٤ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ﴿ يَقُولُ:
(إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثارِ الوُضُوءِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ
مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ))، متفقٌ عليه.
* قوله وَلهى: ((إن أمتي يُدعون يوم القيامة غراً مُحَجَّلين)):
(ن): (الغرة): بياض في جبهة الفرس، و((التحجيل)): بياض في يدها
ورجليها، سُمِّي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرةً
وتحجيلاً؛ تشبيهاً بغرة الفرس(١).
(شف): التحجيل مأخوذ من الحجل، وهو القيد كأنها مقيدة
بالبياض، وأصل هذا في الخيل، ومعناه: أنهم إذا دُعوا على رؤوس
الأشهاد، أو إلى الجنة كانوا على هذه الشبه، وانتصابهما على الحال،
ويُحْتَمَل أن يكون (غرا) مفعولاً ثانياً (ليدعون)، كما يقال: فلان يدعى
ليثاً، فالمعنى: أنهم يُسمَّون بهذا الاسم؛ لما يرى عليهم من آثار الوضوء،
والمعنى هو الأول، يدل عليه قوله وَله: ((يأتون يوم القيامة غراً مُحجَّلين»؛
لأنهما الفارقة بين هذه الأمة وبين سائر الأمم.
(ط): لا يبعد التسمية باعتبار الوصف الظاهر، كما يُسمَّى به رجل به
حمرة بأحمر؛ للمناسبة بين الاسم والمسمى، وهو الأظهر؛ لأن القصد هو
الشهرة والتمييز في الأصل المستعار منه، وقد ضرب بهما في المعاني قال:
تشابَهَ يوماہ علیه فأَشْكَلاَ
فما نحن ندري أيّ يومَيْه أفضلُ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٥).
٨

فما منهما إلا أغرُّ محجل(١)
أيومُ نداه الغَمْر أم یومُ بأسه
(ق): قد استعمل الغرة في الجمال والشهرة وطيب الذكر، قال:
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طهارى نِقِيَّةٌ
وأَوْجُهُهُمْ عِنْدَ المشاهد غُرَّانُ(٢)
(ن): قال أصحابنا: تطويل الغرة: هو غسل شيء من مقدّم الرأس،
وما يجاوز الوجه زائداً على الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيعاب كمال الوجه،
وأما تطويل التحجيل؛ فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا مستحب
بلا خلاف بين أصحابنا، واختلفوا في القدر المستحب على أوجه:
أحدها: يُستحبُّ الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيف.
والثاني: يُستحبُّ إلى نصف العضد والساق.
والثالث: يستحب إلى المنكبين والركبتين، وأحاديث الباب تقتضي
هذا كلّه.
وأما دعوى الإمام أبي الحسن بن بطال المالكي، والقاضي عياض
اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب؛ فباطلة،
وكيف يصح دعواهما، وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله وَّ وأبي هريرة؟!
وهو مذهبنا ولو خالف من خالف، كان محجوجاً بهذه السنن الصحيحة
الصريحة، وأما احتجاجهما بقوله وَّ: ((مَنْ زَادَ على هذا أو نَقَصَ، فقد
أَسَاء وَظَلَمَ))(٣)، فلا يصح؛ لأن المراد ((من زاد)) في عدد المرات.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٧٤٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٩٩).
(٣) رواه أبو داود (١٣٥)، من حديث عبدالله بن عمرو حدثًا، وهو حديث صحيح عدا =
٩

واستدل جماعة من أهل العلم على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة
زادها الله شرفاً؛ إذ في بعض روايات مسلم: ((لَكُمْ سِيْما ليسَتْ لِأَحَدٍ من
الأُمَم: تَرِدون عليَّ غُرّاً مُحََّلِينَ؛ من أَثَرِ الوُضُوءِ)(١)، وقال الآخرون: ليس
الوضوء مختصّاً، وإنما اختصّ بهذه الأمّةِ الغرة والتحجيل، واحتجوا
بالحديث الآخر: ((هَذا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأنبياءِ قَبْلِي))(٢)، وأجاب الأولون
بجوابین :
أحدهما: أنه حديث ضعيف معروف الضعف.
والثاني: لو صحَّ، احتُمل أن يكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون
أممهم إلا هذه الأمة(٣)، انتهى.
قال ابن حبان في ((صحيحه)): وذكر البيان بالتحجيل في القيامة إنما هو
لهذه الأمة فقط، وإن كانت الأمة قبلها يتوضأ لصلواتها، واستدل بقوله:
(تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّاً مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ سِيْمَا أُمَّتِي لَيْس لِأَحَدٍ غَيرِهَا))(٤).
(ك): فإن قلت: لم اقتصر على ذكر الغرة في ((فمن استطاع أن يطيل
غرته))، ولم يذكر التحجيل؟ قلت: إما لأنه اكتفى به عنه؛ لدلالته عليه، فهو
= قوله: ((أو نقص)). انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٠١٥)، و((ضعيف الجامع
الصغير)) (٦٠٨٨).
(١) رواه مسلم (٢٤٧ / ٣٦)، من حديث أبي هريرة ◌ُ.
(٢) رواه ابن ماجه (٤٢٠)، من حديث أبي بن كعب رَظُه، وهو حديث ضعيف. انظر:
((إرواء الغليل)) (٩٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٤ - ١٣٦).
(٤) انظر: ((صحيح ابن حبان)) (٣/ ٣٢٤).
١٠

من باب ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١] وإِما لعدم الفرق بينهما؛ لأن
تطويل الغرة يطلق في اليد أيضاً، نقله الرافعي عن أكثرهم.
قال ابن بطال: يطيل غرته بمعنى يديمها، فالطول والدوام بمعنى
متقارب؛ أي: من استطاع أن يواظب على الوضوء لكل صلاة، فإنه يطول
غرته؛ أي: يقوى نورُه، ويتضاعف بهاؤه، فكنى بالغرة عن نور الوجه، ونقل
عن أبي الزناد أنه قال: كنى بالغرة عن الجملة؛ لأن أبا هريرة ﴿ه كان يتوضأ
إلى نصف ساقيه، والوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله؛ إذ استيعاب الوجه
بالغسل واجب(١) .
أقول: هذا التوجيه الرابع نقلاً عن أبي الزناد قلبٌ: لما هو المفهوم
منه بحسب اللغة، ومردود عليه أيضاً بأن الإطالة ممكنة في الوجه أيضاً بأن
يغسل إلى صفحة العنق مثلاً(٢).
١٠٢٥ - وعنهُ، قالَ: سَمِعْتُ خَلِيلِي وَهِ يَقُولُ: ((تَبْلُغُ الحِلْيَّةُ
مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ»، رواه مسلمٌ.
* قوله ◌َّير: ((تبلغ الحلية من المؤمن)»:
(ط): ضمَّن (تبلغ) معنى: تتمكن، وعدَّى بمِن أي: تتمكن من المؤمن
الحلية مَبْلَغاً يتمكنه الوضوء منه(٣).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ١٧٣).
(٢) انظر: ((صحيح ابن حبان)) (٣/ ٣٢٤).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣ / ٧٤٩).
١١

(تو): قال أبو عبيد: (الحلية) هنا: التحجيل من أثر الوضوء، وقد
اعترض بعض الحفاظ في ذلك على أبي عبيد وقال: لو حمله على ما في القرآن
من قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣]؛
لكان أولى، وهذا تأويل غير مستقيم، ولا أدري الرابطة بين الحلية والحلي.
(ط): يمكن أن يجاب عنه بأنه مجاز عن ذلك(١).
(نه): يقال: حلَّيْتُه أُحَلِّيه تَحليةً: إذا ألبستُه الحلية، وجمعها حِلّى
كلحية ولِحّى، ويطلق على الصفة أيضاً(٢).
١٠٢٦ - وعَنْ عُثْمانَ بْنِ عَقَّنَ ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّ :
(مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، خَرَجَتِ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى
تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفارِهِ»، رواه مسلمٌ.
قوله : «من تحت أظفاره)) :
(ن): في الظفر لغات أجودها: ظُفُر، ويقال: بكسرهما، وجمعه أظفار
بضمتين، ويجوز إسكان الفاء، ويقال: بكسر الظاء، وإسكان الفاء، وجمع
الجمع: أظافير، ويقال في الواحد أيضاً أُظفور(٣)، والمراد بالخطايا:
الصغائر، وبخروجها مع الماء المجاز والاستعارة في غفرانها؛ لأنّها ليست
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٣٥).
(٣) في الأصل: ((أظفر))، والتصويب من ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٣٢).
١٢

بأجسام، فتخرجَ حقيقة(١).
*
٠٠
١٠٢٧ - وعنهُ، قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي
هَذَا، ثمّ قالَ: ((مَنْ تَوَضَّأْ هَكَذا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ
صَلاَتُهُ وَمَشْيُهُ إلى المَسْجِد نَافِلَةً))، رواه مسلمٌ.
قوله: ((صلواته ومشيه إلى المسجد نافلة)»:
(ق): يعني: أن الوضوء لم يُبْقِ عليه ذنباً، فلما صلى؛ كان ثوابها
زيادة له على المغفرة المتقدمة، والنفل: الزيادة، ومنه نفل الغنيمة، وهذا
يقتضي أن الوضوء بانفراده يستعمل بالتكفير، وكذلك حديث أبي هريرة:
(إِذَا تَوضَّأَ العَبدُ المُسْلِمُ، فَغَسَلَ وجْهَه، خرج من وجهِهِ كُلُّ خَطِيْئَةٍ نَظَرَ
إِلَيْها بِعَيْنِه)) إلى أن قال: ((حتَّى يَخْرُجَ نَقَيّاً مِنَ الذُّنُوبِ))(٢)، وهذا بخلاف
حديث عثمان؛ إذ مضمونه أن التكفير يحصل بالوضوء إذا صلى به صلاة
مكتوبة يتم ركوعها وخشوعها، والتلفيق من وجهين :
أحدهما: أن يُرَدَّ مطلق هذه الأحاديث إلى مقيَّدِها.
والثاني: أن نقول: إن ذلك مختلف باختلاف أحوال الأشخاص، فلا
بُعْدَ في أن يحصل لبعض في الوضوء من الحضور، ومراعاة الآداب المكمِّلة
[ما] يستقل بسببها وضوؤه بالتكفير، ورب متوضئ لا يحصل مثل ذلك؛ فيكفّر
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٢ - ١٣٣).
(٢) رواه مسلم (٢٤٤ / ٣٢).
١٣

عنه بمجموع الوضوء والصلاة، ولا يعترض على هذا بقوله وَله: ((مَنْ أَتَمَّ
الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ؛ فالصَّلَواتُ المَكْتُوباتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ))؛ لأَنَّا نقول:
إن من اقتصر على واجبات الوضوء، فقد توضأ كما أمره الله، كما قال ◌َله:
(تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَك الله))، وأحاله على آية الوضوء، ونحن إنما أردنا المحافظة
على الآداب المكملة التي لا يراعيها إلا من نوَّر الله باطنه بالعلم والمراقبة(١).
(ن): في رواية لمسلم: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُمُّ الظُّهُورَ الَّذي
كَتَبَ اللهُ عليه، فيُصَلِّي هذه الصَّلَواتِ الخَمْس إلاَّ كانت كفَّارةً لما بَيْنَهَنَّ))(٢)
هذه الرواية فيها فائدة نفيسة، فإنه دلّ على أنَّ من اقتصر في وضوء على
طهارة الأعضاء الواجبة، وترك السنن والمستحبات، كانت هذه الفضيلةُ
حاصلةً له، وإن كان من أتى بالسنن أكملَ وأشَدَّ تكفيراً(٣).
١٠٢٨ - وعَنْ أَبي هريرةَ ﴿ُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قالَ: ((إذا
تَوَضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمِ - أَوِ المُؤْمِنُ -، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجِهِهِ
كُلُّ خَطِيئَةَ نَظَرَ إِلَيْها بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذا
غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَ مِنْ يَدَيهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْها يَدَاهُ مَعَ المَاءِ،
أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذا غَسَلَ رِجَلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٩٠ - ٤٩١).
(٢) رواه مسلم (٢٣١).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١١٥ - ١١٦).
١٤

مَشَتها رِجْلاه مَعَ الماءِ، أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الماءِ، حَتى يَخْرُجَ نَقِيّاً
مِنَ الذُّنُوبِ)، رواه مسلمٌ.
* قوله : ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن))، سبق في (الباب
الثالث عشر).
١٠٢٩ - وعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَتَى المقبُرَةَ، فَقَالَ:
((السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ،
وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوانَنَا))، قالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ الله؟
قَالَ: ((أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْواتُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ»، قَالُوا: كَيْفَ
تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَ
لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرِّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ،
أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟))، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ
غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وَأَنَ فَرَطُهُمْ عَلى الحَوْضِ))، رواه
مسلمٌ .
* قوله: «أتى المقبرة)» :
(ن): (المقبرة): بضم الباء وفتحها وكسرها ثلاث لغات، الكسر
قليلة(١) .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٦٩).
١٥

* قوله: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين))، سبق في (الباب السادس
والستين).
* قوله ريقال: ((وددت أنا قد رأينا إخواننا)):
(ق): هذه الأخوَّة هي أخوَّة الإيمان اليقيني، والحُبِّ الصحيح
لرسول الله وَّ، وفي بعض طرق هذا الحديث: ((إِخْوَانِي الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بي،
ولَمْ يَرَوْنِي، وَيُصَدِّقُون رِسَالَتِي، ولا يَلْقَوْنِ، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ
وَمَالِهِ))(١) .
(ن): فيه جواز التمني لاسيما في الخير، ولقاء الفضلاء، وأهل الصلاح؛
أي: وددت أنا قد رأيناهم في الحياة، وقيل: تمنَّى لقاءَهم بعد الموت، قال
الإمام الباجي: قوله: ((بل أنتم أصحابي)) ليس نفياً لأخوَّتهم، ولكنْ ذكر مَزِيَّتهم
الزائدةَ بالصحبة، فهؤلاء إخوةٌ صحبة، والذين لم يأتوا إخوة فقط، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠](٢).
(ط): [فإن قلت: ] فأي اتصال لهذه الودادة بذكر أصحاب القبور؟
قلت: عند تصور السابقين يُتَصَوَّر اللاحقون، أو كوشف له ◌َّ عالم
الأرواح، فشاهد المجندة السابقين منهم واللاحقين(٣).
[(ن)] قال القاضي عياض: ذهب أبو عمر بن عبد البر في هذا الحديث
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥٠١)، والطريق المذكور رواه مسلم (٢٨٣٢)
لكن بلفظ، ((من أشد أمتي لي حبًّا ناسٌ يكونون بعدي، يود أحدهم ... )).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١ / ٧٥٤).
١٦

وغيره في فضل من يأتي في آخر الزمان إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد
الصحابة [مَن هو أفضل] ممن كان في جملة الصحابة، وأنَّ حدیث ((خير
الناس)) أي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؛ فهم الأفضل وهم
المرادون، وأما من خلط في زمنه بَ لّ ـ وإن رآه وصحبه، ولم يكن له سابقة
ولا أثر في الدين - فقد يأتي بعد القرن الأول من يفضلهم على ما دلت عليه
الآثار! قال القاضي: وقد ذهب إلى هذا غيره من المتكلمين على المعاني.
قال: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صحب النبي وَّ، ورآه
مرة من عمره، وحصلت له مزية الصحبة أفضل من كل [مَن] يأتي بعدُ، وأن
فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واحتجُّوا
بقوله ◌َّهُ: (لَوْ أَنفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيْقَهُ»(١).
(ق): هذا هو الحق الذي لا ينبغي أن يُصَار لغيره؛ لأمور:
أحدها: مزية الصحبة ومشاهدة رسول الله القول .
ثانيها: فضيلة السبق إلى الإسلام.
ثالثها: خصوصية الذبِّ عن حضرة رسول الله وَ له .
رابعها: فضيلة الهجرة والنصرة .
خامسها: ضبطهم أحكام الشريعة، وحفظهم عنه ولا .
سابعها: السبق بالنفقة في أول الإسلام.
ثامنها: أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٨ - ١٣٩)، والحديث أخرجه البخاري
(٣٤٧٠)، ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري تظـ
١٧

إلى يوم القيامة، فحظّهم منه أكمل حظ، وثوابهم فيه أفضل ثواب؛ لأنهم
سَنُّوا سنن الخير وافتتحوا أبوابه، ومن سَنَّ سنة حسنة؛ كان له أجرها،
وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة .
ولو عُدِّدت مكارمُهم، لَمَلَأَتْ أسفاراً، ولظلَّت الأعين بمطالعتها
حیاری.
وعن هذه الجملة قال عليه السلام فيما خرّجه البزار عن جابر بن
عبد الله ما مرفوعاً: ((إِنَّ اللهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي على العالَمِينَ سِوَى النَّبِيِّينَ
والمرسلين، وَاخْتَارَ مِنْ أَصْحَابِي أَرْبَعَةً)) - يعني: أبا بكر وعمر وعثمانَ
وعلياً - ((فَجَعَلَهُمْ أَصْحَابِيٍ)) وقال: ((في أَصْحَابِي كُلِّهِمْ خَيْرٌ)(١)، وكفى
من ذلك كله ثناءُ الله عليهم جملةً وتفصيلاً، وتعييناً وإبهاماً.
وأما استدلال المخالف بقوله بَّهِ: ((إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَاماً الصَّبْرُ فيهنَّ مِثْلُ
القَبْضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيْهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ))(٢)، فلا حجَّة فيه؛ لأنَّ
ذلك إِنْ صحَّ؛ إنما هو في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأن في آخر
هذا الحديث: ((لأَنَّكُمْ تَجِدُونَ عَلَى الخَيْرِ أَعْوَاناً، وَلاَ يَجِدُونَ))(٣) ولا بُعْدَ أن
يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه، ولا يلزم منه
(١) رواه البزار (٢٧٦٣ - كشف الأستار)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٦١٢٣).
(٢) رواه الترمذي (٣٠٥٨)، من حديث أبي ثعلبة الخشني ته، وهو حديث صحيح.
انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)» (٣١٧٢).
(٣) لم نقف على هذه الزيادة مسندة.
١٨

الفضيلة المطلقة (١).
(ن): ((بين ظهراني)): معناه بينها، وهو بفتح الظاء، وإسكان الهاء(٢).
(نه): قد تكررت هذه اللفظة، والمراد بها أنهم أقاموا بينهم على سبيل
الاستظهار والاستناد إليهم، وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة؛ تأكيداً، ومعناه أنَّ
ظهراً منهم قُدَّامه، وظهراً وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ومن جوانبه إذا
قيل: بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقاً(٣).
((الدهم)): جمع أدهم، وهو الأسود، وأما البُهْم؛ فقيل: السود أيضاً،
وقيل: البهيم الذي لا يخالط لونُهُ لوناً سواه، سواء كان أبيض أو أسود أو
أحمر، بل يكون لوناً خالصاً.
(ط): ((رجلاً)): اسم أن على تأويل رجلاً ما من الرجال، وما بعده خبر
له، وجواب لو(٤): قوله: ((ألا يعرف))، [و] همزة التقرير مقحمة مؤكِّدة للتي
سبقت؛ لأن معنى (أرأيت) أخبرني.
* قوله ◌َلفر: ((وأنا فرطهم)) :
(ن): معناه أنا أتقدَّمهم إلى الحوض، يقال: فَرَطتَ القومَ: إذا تقدَّمْتَهم
لترتاد لهم الماء وتهيِّئَ لهم الدلاء والرشاء، وفيه بشارة لهذه الأمة زادها الله
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥٠٢ - ٥٠٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣٩/٣).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لان الأثير (٣/ ١٦٦).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٧٥٥).
١٩

شرفاً، فهنيئاً لمن كان رسول الله وَّهِ فَرَطَه(١).
*
٠٠
١٠٣٠ - وعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قالَ: ((أَلَاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى
ما يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟))، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ
الله، قالَ: ((إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إلى
المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعَدَ الصَّلاةِ؛ فَذَلِكُمْ الرِّيَاطُ؛ فَذَلِكُمُ
الرِّبَاطُ))، رواه مسلمٌ.
* قوله ريّ: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا؟))، سبق في
(الباب الثالث عشر).
١٠٣١ - وعَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ ◌َظُه، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ))، رواه مسلمٌ.
وقد سبقَ بِطُولِهِ في بابٍ : الصَّبِ.
وفي البابِ حديثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﴿لَ السَّابِقُ في آخِرِ (بَابِ
الرَّجاءِ)، وَهُوَ حَدِيثٌ عظيمٌ مُشْتَمِلٌ عَلى جُمَلٍ من الخيراتِ.
* قوله : ((الطهور شطر الإيمان))، سبق في (الباب الثالث).
*
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٩).
٢٠