النص المفهرس

صفحات 581-600

روى الدار قطني والبيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها أن
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((إذا قَضى أَحدُكم حَجَّه؛ فليُعَجِّلِ الرِّحْلَة إلى أَهْلِه؛
فَإِنَّهِ أَعْظَمُ لأَجْرِه))(١)، وظاهر هذا: أن استحباب عَوْد المسافر بعد قضاء
وَطَرِه يَعُمُّ جميعَ الأسفار، سواء سفرُ العبادة؛ كالحج، والجهاد، والرِّباط،
وطلب العلم، والسفر المُباحُ؛ كالتجارة، والتداوي، واستطابة الهواء،
ويحتمل أن يُخصَّ بمن له أهلٌ يتعلق قلبُهم بعَوْده إليهم؛ من أبوين يجب
عليه بِرُهما، والقيام بحقهما، وتفريغ بالهما عن الحَنِين إليه، والشوق إلى
لقائه، أو زوجة لا يقوم غيره مقامه في تحصینها، وصيانة دینها، أو ولد،
أو خادم هو مسؤولٌ عن تأديبهم، ووقايتهم من النار، فأما من كان خفيفَ
الحَاذِ لا أهلَ له: كيف يُؤمر بالرجوع إلى أهله؟!
(١) رواه الدارقطني في ((سننه)) (٢٨٩)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٥/ ٢٥٩) وهو
حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٣٢).
٥٨١

١٧٦- باب
استحبابِ القدومِ على أهلِه نهاراً
و کراهته فی اللیل لغیرِ حاجةٍ
٩٨٥ _ عن جابرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴾ِ قالَ: ((إِذَا أَطالَ
أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ، فَلَا يَطْرُقَنَّ أَهْلَهُ لَيْلاً)).
وفي روايةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ نَهَى أنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ
لَيْلاً. متفقٌ عليه.
* قول : ((فلا يطرقن أهله»:
(ن): (الطروق) بضم الطاء: هو الإتيان في الليل، وكلُّ آتٍ في
اللیل؛ فهو طارق(١).
(ق): ومنه سُمِّي النجمُ طارقاً(٢).
(نه): ((الطروق)) من الطَّرْق، وهو الدَّقُّ، وسمي الآتي بالليل طارقاً؛
لحاجته إلی دَقِّ الباب، انتھی(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٧١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٦٦).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٢١).
٥٨٢

في رواية لمسلم: ((إذا قَدِمَ أَحدُكُم لَيْلاً؛ فلا يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقاً حتَّى
تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ، وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ) (١).
وفي رواية له عن جابر: نهى رسولُ اللهِ وَّهِ أن يَطْرُق الرجلُ أهلَه ليلاً
يَتخَوَّنَهُم، أو يَطلُبُ عَثراتِهم(٢).
(ن): ((ليلاً) بفتح اللام وإسكان الياء، ومعنى ((يتخونهم)): ينظر
خيانتهم، ويَكْشِف أستارَهم، ويَكْشِفُ هل خانوا أم لا؟(٣)
(ق): وهذا ظنٌّ لا يَحِلُّ، وتخمين منهيٌّ عنه (٤).
(حس): روي عن ابن عباس ﴿﴾: أن النبيَّ وَّ نهاهم عن الظُّروق
ليلاً، فطرق رجلان بعدما نهى النبيُّ نَّهِ، فوجد كلُّ واحد منهما مع امرأته
رجلاً(٥).
(تو): أراد بالاستحداد: أن تعالج شعر عانتها بما منه المُعتاد من أمر
النساء، ولم يرد استعمال الحديد؛ فإن ذلك غيرُ مستحسن في أمرهن.
(ق): (المغيبة): التي غاب عنها زوجها، وهو من أغابت تُغيب؛ فهي
مُغِيبة، و(الشعثة): التي علاها الشَّعَثُ، وهو الغبار، والوسخ في الشعر؛
نعني بذلك: أن المرأة في حال غَيبة زوجها مُتبذِّلة، لا تمتشط، ولا تَدَّهن،
(١) رواه مسلم (٧١٥/ ١٨٢)، من حديث جابر ـ
(٢) رواه مسلم (٧١٥ / ١٨٤).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٧١).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٧٦٧).
(٥) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١١ / ١٨٩).
٥٨٣

ولا تتنظف، فلو بغَتها زوجُها من سفر، وهي على تلك الحالة؛ استقذرها،
ونفرت نفسُه منها، وربما يكون سببَ فراقها، فإذا قَدِم نهاراً؛ سمعت بخبر
قدومه، فأصلحت من شأنها، وتهيَّأت له، فحسنت الحال، وأَمِنت النُّفرة.
من الفقه: أن المرأة ينبغي لها أن تتحسن، وتتزيَّن، وتتطيّب، وتتصنَّع
للزوج بما أمكنها، وتجتهد في أن لا يرى زوجُها منها ما تَنْفِرُ نفسُه بسببه، من
الوسخ، والشَّعَث، وغير ذلك وجاء النھيُ عن الطُّروق أيضاً لمعنى آخر، وهو
طلب العَثَرات، فيكون مُعلَّلاً بعلتين، بالأولى والثانية(١).
(ن): معنى هذه الروايات كلها: أنه يكره لمَن طال سفرُه أن يَقْدَم
على امرأته ليلاً بَغْتةً، فأما من سفره قریب یُتوقع إتيانُه ليلاً: فلا بأس، كما
في بعض هذه الروايات: ((إذا أَطَالَ الرَّجُلُ الغَيْبةَ))(٢)، وكذا إذا كان في قَفَل
عظيم، أو عسكر ونحوهم، واشتهر قدومُهم ووصولُهم، وعلمت امرأتُه
وأهلُه أنه قادم: فلا بأس بقدومه متى شاء؛ لزوال المعنى الذي نُهي بسببه؛
فإن المراد التهيُّؤُ، وقد حصل ذلك(٣).
٩٨٦ - وعن أَنَسِ ﴿ُ، قالَ: كانَ رَسُولُ الله ◌ِ لا يَطْرُقُ
أَهْلَهُ لَيْلاً، وَكَانَ يَأْتِيهِمْ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً. متفقٌ عليه.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٧٦٧).
(٢) رواه مسلم (٧١٥/ ١٨٣)، من حديث جابر بن عبدالله
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٧١).
٥٨٤

(الطُّرُوقُ)): المَجِيءُ في اللَّيْلِ.
* قوله: ((وكان يأتيهم غدوة أو عشية»:
(ط): لم يرد بالعشية الليل؛ لقوله: ((لا يطرق أهله ليلاً))، وإنما
المراد بعد العصر؛ كقوله تعالى: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨](١).
(الكشاف): ﴿وَعَشِيًّا﴾: صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: صلاة
الظهر(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٨٣).
(٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٤٧٧).
٥٨٥

١٧٨- باب
استحبابِ ابتداءِ القادمِ بالمسجدِ
الذي في جواره وصلاته فيه ر کعتين
٩٨٨ - عَنْ كعبٍ بْنِ مالِكٍ ﴿: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ كَانَ إذا
قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بالمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. متفقٌ عليه.
* قوله: ((بدأ بالمسجد فرکی فیه رکعتین)):
(ق): إنما كان يفعل ذلك؛ ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته، وليقوم بشكر
نعمة الله عليه في سلامته، وليُسلِّمَ الناسُ عليه، وليَسُنَّ ذلك في شرعه(١) .
(ن): فيه: استحباب صلاة القادم من سفره ركعتين في مسجد
مَحَلَّته أوَّلَ قدومه قبل كل شيء، انتهى(٢).
قال شيخ الإسلام عمر السُّهْرَوَردُّ رحمه الله: إذا دخل الفقير بلداً؛
يبتدئ مسجداً من المساجد يصلي فيه ركعتين، وإن قصد الجامع؛ كان
أكملَ وأفضلَ.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٩٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٠٠).
٥٨٦

١٧٩ -يا
تحريمٍ سَفَرِ المرأةِ وَحْدَها
٩٨٩ - عن أَبِي هُرَيْرَةَ﴿ه، قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ وَلَّى:
(لاَ يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةً يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلاَّ
مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْها)) متفقٌ عليه.
* قوله : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة
يوم وليلة [إلا مع ذي محرم منها]))، وفي رواية: (عليها)(١):
(ن): وفي رواية: ((ثلاثاً)(٢)، وفي رواية: ((فوق ثلاث))(٣)، وفي
رواية: ((يومين))(٤)، وفي رواية: ((ليلة))(٥)، وفي رواية: ((يوم)) (٦)، وفي رواية
لأبي داود: ((تسافر بريداً)(٧)، و((البريد)»: مسيرة نصف يوم.
(١) رواه مسلم (١٣٣٩ / ٤٢١)، من حديث أبي هريرة .
(٢) رواه مسلم (١٣٣٩ / ٤٢٢)، من حديث أبي هريرة ـ
(٣) رواه مسلم (٨٢٧ / ٤١٨)، من حديث أبي سعيد الخدري
(٤) رواه مسلم (٨٢٧ / ٤١٦)، من حديث أبي سعيد الخدري
(٥) رواه مسلم (١٣٣٩ / ٤١٩)، من حديث أبي هريرة ظ.
(٦) رواه مسلم (١٣٣٩ / ٤٢٠)، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٧) رواه أبو داود (١٧٢٥)، من حديث أبي هريرة ﴿ه، وهو حديث صحيح. انظر : =
٥٨٧

قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ؛ لاختلاف السائلين، واختلاف
المواطن، وليس في النهي عن الثلاث تصريحٌ بإباحة اليوم والليلة،
والبريد، ولم يُرِدِ النبيُّ وَّهِ تحديدَ أقلِّ ما يُسمَّى سفراً، فالحاصل: أن كل
ما يُسمَّى سفراً منهيٍّ عنه المرأةُ بغير زوج أو محرم؛ لرواية ابن عباس
المُطلقة، وهي آخر روايات مسلم: ((لا تُسَافِرُ المَرْأَةُ إلَّ معَ ذِي مَحْرَمِ))(١)،
وهذا يتناول جميعَ ما يُسمَّى سفراً.
وأجمعت الأُمَّة على أن المرأة يلزمها حَجَّةُ الإسلام؛ لعموم قوله
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله ◌َّ: ((يُنِيَ
الإِسْلامُ على خَمْسٍ)) الحديثَ(٢)، واستطاعتها كاستطاعة الرجل، لكن
اختلفوا في اشتراط المَخْرم لها، فأبو حنيفة يشترط، إلا أن يكون بينها وبين
مكة دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعةٌ من أصحاب الحديث، وأصحاب
الرأي، وقال مالك، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ في المشهور عنه: لا يشترط
المَحْرِمُ، بل يُشترط الأمن على نفسها، قال أصحابنا: يحصل الأمن
بمَحْرم، أو نسوة ثقات، ولو وجدت امرأة واحدة ثِقةً؛ لم يلزمها الحجّ،
لکن لا يجوز لها الحجُّ معها.
واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع
ذي مَحْرم، إلا الهجرةَ من دار الحرب، فاتفقوا على أن لها أن تهاجر إن لم
= ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٣٠٢).
(١) رواه مسلم (١٣٤١ / ٤٢٤).
(٢) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦/ ٢٠)، من حديث ابن عمر ظلها.
٥٨٨

يكن معها مَخْرٌ، والفرق بينهما: أن إقامتها في دار الكفر حرامٌ إذا لم تستطع
إظهارَ الدِّين، ويُخاف على دينها ونفسها، وليس كذلك التأخّر عن الحَجِّ.
قال القاضي عياض: قال البَاجِيُّ: هذا عندي في الشابّة، أما الكبيرة
غير المُشتهاة: فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم،
وهذا الذي قاله البَاجيُّ لا يُوافَق عليه؛ لأن المرأة مَظِنَّة الطَّمَع، ولو كانت
كبيرة، وقد قالوا: لكُلِّ سَاقِطَةٍ لاقِطَةٌ، ويجتمع في الأسفار من سُفهاء
الناس وسَقَطِهِم مَن لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها؛ لقلة دينه
ومروءته وحياته، وكره مالك سفرَها مع ابن زوجها؛ لفساد الناس بعد
العصر الأول؛ فإن كثيراً منهم لا يَنْفِرون زوجة الأب نَفْرَتَهم من محارم
النسب، وعموم هذا الحديث يردُّ على مالك.
واعلم أن حقيقة المَحْرم من النساء: كلُّ من حرُم نكاحُها على التأبيد
بسبب مُباح لحُرمتها، فقولنا: (على التأبيد) احترازٌ من أخت المرأة، وعمتها،
وخالتها، ونحوهن، وقولنا: (بسبب مباح) احترازٌ من أُمّ الموطوءة بشبهة،
وبنتها؛ فإنهما يَحْرُمان على التأبيد، وليسا مَحْرمين؛ لأن وطء الشبهة
لا يوصف بالإباحة؛ لأنه ليس بفعل مُكلَّف، وقولنا: (لحرمتها) احترازٌ من
المُلاعنة؛ فإن تحريمَها على التأبيد؛ عقوبةً وتغليظاً (١).
٩٩٠ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴾: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ نَّهِ يقولُ:
(لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلا تُسَافِرُ المَرْأَةُ إِلاَّ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٠٤).
٥٨٩

مَعَ ذِي مَحْرَمٍ))، فقالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ امْرَأَتَي خَرَجَتْ
حَاجَّةً، وَإِنِّيَ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةٍ كَذَا وَكَذَا؟ قال: (انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ
امْرَأَتِكَ)) متفقٌ عليه.
* قوله ريتله: ((لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم)):
(ن): هذا استثناء منقطع؛ لأنه إذا كان معها مَحْرمٌ؛ لم يبق خلوةٌ،
فتقدير الحديث: لا يقعدن رجل مع امرأة إلا ومعها مَحْرٌ، ويحتمل أن
يريد مَحْرماً له، أو مَحْرماً لها، وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على
قواعد الفقهاء، فيحرم الخلوة بالأجنبية باتفاق العلماء، وكذا إذا كان معها
مَن لا يُستحيا منه؛ لصغره؛ كابن سنتين، أو ثلاث، أو نحو ذلك؛ فإن
ذلك وجودُه كالعدم، وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية؛ فهو حرامٌ
بخلاف ما لو اجتمع بنسوة أجانب؛ فإن الصحيح جوازُه، والمختار: أن
الخلوة بالأمرد الأجنبيِّ الحَسَنِ كالمرأة (١).
(ق): قد اتقى بعضُ السلف الخلوة بالبهيمة، وقال: الشيطان مُغْوٍ،
والأنثى حاضرة(٢).
* قوله: «اكتتبت»:
(نه): أي: كتب اسمي في جملة الغزاة(٣).
(تو): هو من قولهم: اكتتب الرجل: إذا كتب نفسه في ديوان
(١) المرجع السابق (٩ / ١٠٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٥٢).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٤٨).
٥٩٠

السلطان، وقيل: ((اكتتبت))؛ أي: أمر أن يُكتبَ له؛ كقولهم: اصطنع خاتماً؛
أي: أمر بأن يصنع له، وهذا أمثل الوجهين؛ لأنه وَّ لم يكن يكتب شيئاً.
* قوله تقرير: ((فحج مع امرأتك)»: فيه: تقديم الأهمِّ من الأمور
المتعارضة؛ لأنه لما تعارض سفرُه بالغزو، وفي الحج معها؛ رجَّح النبيُّ ◌َِله
الحجّ معها؛ لأن الغزو یقوم فيه غيره مقامه، بخلاف الحجِّ معها، وليس لها
مَحْرٌ غیرُه.
(ق): فيه: تأكيد أمر صيانة النساء في الأسفار، على أن الزوج أحق
بالسفر مع زوجته من ذي رحمها، ألا ترى أنه لم يسأل هل لها محرم أم لا؟
ولأن الزوج يطّلع من الزوجة ما لا يطلع عليه ذو المَحْرم، فكان أَوْلى،
فإذاً؛ قوله وَّهُ: ((إلا ومعها ذو محرم)) خرج خطاباً لمَن لا زوج لها (١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٥٣).
٥٩١

كِتَابُ الفِضَائِ

كِتَابُ الفَضَّاتِ
١٨٠- بال
فضلٍ قراءةِ القرآنِ
(الباب السابع بعد المئة)
في
(كتاب الفضائل)
(ط): ((الفضائل)): جمع فضيلة، وهي: ما يزيد به الرجل على غيره،
وأكثر ما تستعمل في الخصائل المحمودة؛ كما أن الفُضول أكثر استعماله في
المذموم، وفیه أبوابُ(١).
٩٩١ - عن أَبِي أُمَامَةَ عَه، قالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:
(قْرَؤُوا القُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعاً لِأَصحَابِهِ) رواه مسلمٌ.
* قوله : ((شفيعاً لأصحابه)) بقية الحديث: ((اقرؤوا الزَّهرَاوَيْن
البَقَرةَ وسُورةَ آلٍ عِمْرانَ؛ فإنَّهما يَأْتِيَانِ يومَ القِيامَةِ كأنَّهما غَمَامَتَانٍ، أو
كأنَّهُمَا غَيَايَتان، أو كأنَّهما فِرْقَانِ من طَيْرِ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عن أَصْحَابِهِما،
اقْرَؤُوا سُورةَ البَقَرةِ؛ فإنَّ أَخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا يَسْتَطِيعُها
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٤١).
٥٩٥

البَطَلَةُ))، رواه مسلم(١).
(ق): ((شفيعاً لأصحابه)) على جهة التوسُّع في الإفهام، وتحقيقه: أنه
يشفع له بسببه، إما الملائكةُ الذين كانوا يشاهدون تلاوته، أو مَن شاء الله ممَّن
يُشفُّعُهم فيه بسببه، وهذه الشفاعة على تقدير أن يكون القارئ صاحبَ كبيرة
في تخليصه من النار، وإن لم یکن عليه ذنوبٌ؛ شُفع له في ترفيع درجاته في
الجنة، أو في المُسابقة إليها، أو في جميعها، أو فيما شاء الله؛ إذ كل ذلك
بكرمه تعالى، وبفضله، وفي تسمية (البقرة) و(آل عمران) بالزَّهْرَاوَیْن وجهان:
أحدهما: أنهما النيِّران، مأخوذان من الزُّهْرة.
ثانيهما: أنهما لهدايتهما قارئهما بما يُزهِرُ له من أنوارهما، وإما لما
يترتَّب عليهما من النور التامِّ يوم القيامة، قلت: ويقع لي: أنهما سُمِّيتا بذلك؛
لأنهما اشتركتا فيما تضمَّن اسمَ الله الأعظم؛ كما في ((سنن أبي داود)): أنه في
هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَ هُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]،
و﴿ الَّمَ ا اللَّهُلَ إِلَهَ إِلَّ هُوَالْحَىُّ الْقَيُّومُ ﴾ [آل عمران: ١ - ٢](٢).
(تو): فيه: تنبيهٌ على أن مكان السورتين مما عداهما من سُوَر القرآن
فيما يلوح عنهما لأولي الأبصار من أنوار كلمات الله التامَّات = مكانُ القمرين
من سائر النجوم فيما يتشعَّبُ منهما لأُولي الأبصار من النُّور والضِّاء.
(١) رواه مسلم (٨٠٤ / ٢٥٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٣٠)، والحديث رواه أبو داود (١٤٩٦)، من
حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح سنن
أبي داود)» (١٣٤٣).
٥٩٦

(مظ): (الغياية) بياءين المنقوطة من تحتها بنقطتين: هي ظِلُّ
السحاب(١).
(نه): هي كل شيء أظلَّ الإنسانَ فوق رأسه(٢).
(قض): الزهراء تأنيث الأزهر، وهو المُضيء، ويقال للنَّيِّرين:
الأزهران، مثَّل حراسةَ السورة إياه، وخَلاصَهُ ببركتهما من حَرِّ الموقف
وكُرَب القيامة بإظلال أحد هذه الأشياء الثلاثة، ولعلها تمثّل له حتى
يُشاهدها كأنه ظُلَّة أظَلَّته من غَمامة، أو سحابة، أو غيابة، وهي كلُّ مُظلِّل،
ولعله يريد ما يكون له صفاء وضَوْءٌ؛ إذ الغَياية: ضوء شُعاع الشمس(٣).
((أو فرق من طير)) قطيع منه، ((صواف)): باسطاتٍ أجنحتها متصلاً
بعضُها ببعض، جمع صافة، ولفظة (أو) فيه للتقسيم والتنويع، لا لشَكُّ
الراوي وتردُّده؛ إذ الروايات كلُّها مُتَسِقة على هذا المنهاج، ولعل الأول:
لمَن يقرأهما، ولا يعرف معناهما، والثاني: لمَن وُفِّق للجمع بين تلاوة
اللفظ، ودراية المعنى، والثالث: لمَن ضَمَّ إليهما تعليمَ المُستعدِّين وإرشادَ
الطالبين، وبيانَ حقائقهما لهم، وكشف ما فيها من الرُّموز واللَّطائف
عليهم، وأحيا قُلوبَهم الجامدة، وهَيَّج نُفُوسَهم الخامدة، حتى طاروا من
حَضِيض الجَهالة، والبطالة إلى أوج العرفان واليقين، لا جَرَمَ يُمثَّل له
مساعيه طيوراً صَوَافَّ يحرسونه، ويُحاجُّون عنه بالدَّلالة على سعيه في
الدِّين، ورسوخه في اليقين.
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٧١).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٠٣).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٥٢٣).
٥٩٧

(تو): إنما بنى الأمر في بيان المراد على الأنواع الثلاثة؛ ترتيباً لطبقات
أهل الإيمان؛ كما وقع عليه التنصيصُ في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ،
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ ﴾ [فاطر: ٣٢]، وهم المفتونون الذين
خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، والأبرار المُقرَّبون، ويُفهم من هذا التقسيم أن
الثانيَ أرفعُ وأنفعُ من الأول، والثالث أفضل وأكمل من الثاني؛ وذلك لأن
قوله: ((فرقان من طير)) يدلُّ على أن صاحبَهما قد بلغ من تلاوتهما، والعمل
بهما، والفهم منهما منزلةً لم يبلُغْها غيرُه، فصار كلُّ كلمة، بل كل حرف منها
مُستقِلَّةً بنفسها؛ كما أن كل طائر من الفِرْقين مُستَقِلٌّ بنفسه.
ثم إن هذه الرتبة؛ أعني: تظليل الطير إياه، وتصفيفَها إياه من عجائب
الأُمور على ما شاهدناه وسمعناه؛ إذ قد علمنا أن تظليل الغَمام كان لكثير من
عباد الله، فضلاً عن الأنبياء، بل شهد التنزيلُ به لعُموم بني إسرائيل في قوله
سبحانه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وأما تظليل الطير، وتصفيف
أجنحتها: فإنه مما أكرم نبيّه الذي آتاه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده.
(ط): في هذا التشبيه من الغرابة: أنه شبَّهها أولاً بالنيِّرِين في الإشراق
وسُطوع النور، وثانياً بالغَمامة، والغَياية، فَآذَن بهما أن تَيْنِكِ المِظلَّتين على
غير ما عليه المِظلَّةُ المتعارفة في الدنيا؛ فإنها وإن كانت لدفع کَرْب الحَرِّ عن
صاحبها، ولتكرمته، ولكن لم تخلُ عن نوع كُدورة وشائبة نَصَب، وتلك -
رزقنا الله منها - مُبرَّأَةٌ عن ذلك؛ لكونهما كالنَّيِّرين في النور والإشراق،
مسلوبتي الحرارة والگَرْب.
وآذن بالتشبيه الثالث: أنهما مع كونهما مشرقتين مشبهتين بمِظلَّةِ نبيِّ
٥٩٨

الله، ثم بولغ فيه، وزيد (تحاجان))؛ لينبه به على أن ذينك الفِرْقين من الطير
على غير ما عليه طيرُ نبيِّ الله من كونهما حاميتين صاحبَهما عمَّا يسوءه،
شبَّههما أولاً بالنيِّرِين؛ لينبه على أن مكانهما مما عداهما مكانُ القمرين من
سائر النجوم فيما يتشعب منهما لذوي الأبصار، ثم أوقع له قوله: ((البقرة
وآل عمران)» بدلاً منهما؛ مبالغة في الكشف والبيان، كما تقول: هل أدلك
على الأكرم الأفضل فلان، وهو أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك:
هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل.
ثم إن هذا البيان أخرج الزَّهراوين من الاستعارة إلى التشبيه؛ كقوله
تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]،
وهو مع كونه تشبيهاً أبلغَ من الاستعارة؛ لادِّعاء أنه مُفسِّر مُبيِّن للمُبهم.
وقوله: ((اقرؤوا سورة البقرة)) تخصيصٌ بعد تخصيص، عمَّ أولاً
بقوله: ((اقرؤوا القرآن))، وعلق به الشفاعة، وخصَّ ثانياً منه الزهراوين،
ونيط بهما معنى التخليص من كَرْب حَرِّ القيامة، والمُحاجَّةُ عن أصحابهما،
وأفرد ثالثاً (البقرة)، وضم إليها المعانيَ الثلاثة؛ دلالة على أن لكل منهما
خاصيةً لا يقف عليها إلا صاحبُ الشرع(١).
(تو): المراد بالأخذ من قوله: ((فإن أخذها بركة)) المواظبة على
تلاوتها، والعمل بها، والمُصابرة على ما يُستدعى إليه من مُساورة النفوس،
ومخالفة الهوى.
(قض): عبر عن السحرة بـ ((البطلة))؛ لأن ما يأتونه باطل، سمَّاهم
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٤١).
٥٩٩

باسم فعلهم، وإنما لم يقدروا على حفظهما، ولم يستطيعوا قراءتهما؛
لزيغهم عن الحق، واتباعهم للوساوس، وانهماكهم في الباطل(١).
(ط): ويحتمل أن يراد بـ (البطلة) المُوحِّدون من سَحَرة البيان؛
حيث تحدَّى فيها بقوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، فأُفْحِموا
وعجَزوا، وهو من قوله وَّهِ: ((إنَّ منَ البَيَانِ لِسِخْراً) (٢)، أو قيل: أراد
بـ (البطلة) أصحابَ البطالة؛ أي: لا يستطيع قراءة ألفاظها، وتدبُّر معانيها،
والعمل بأوامرها ونواهيها أصحابُ البطالة والكَسالة(٣).
٠
٩٩٢ - وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﴾، قالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ ﴿ يَقُولُ: ((يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِالقُرْآنِ وَأَهْلِهِ الَّذِين كانُوا
يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الدُّنيَا تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ، وَآلٍ عِمرَانَ، تُحَاجَّانِ
عَنْ صاحِبِهِما)) رواه مسلمٌ.
* قوله في: ((يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به)):
(مظ): هذا إعلامٌ بأن مَن قرأ القرآن، ولم يعمل به - يعني: لا يُحرِّم
حرامه، ولا يُحِلُّ حلالَه، ولا يعتمد عظمته وحُرمته - لم يكن القرآن شفيعاً
له يوم القيامة، وليس له حظُّ من تلاوة القرآن (٤).
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٥٢٤).
(٢) رواه البخاري (٤٨٥١)، من حديث ابن عمر ﴿ه.
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٤٢).
(٤) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣ / ٧٣).
٦٠٠