النص المفهرس
صفحات 561-580
الذُّنُوبَ غَيْرِي)) رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ،
وفي بعض النسخ: حسنٌ صحيحٌ. وهذا لفظُ أبي داودَ.
* قوله تلقى: ((يعجب من عبده)):
(نه): إطلاق التعجُّب على الله تعالى مجازٌ؛ لأنه لا يخفى عليه
أسبابُ الأشياء، والتعجُّب ممَّا خَفِي سببُه، ولم يُعلم، فتأويله: أن الآدَميَّ
إنما يتعجَّب من الشيء إذا عظم مَوْقعُه عنده، فأخبرهم ◌َّۇ بما يعرفون؛
ليعلموا مواقعَ هذه الأشياء عند الله، وقيل: معنى ((عجب ربك))؛ أي:
رضي، فأثاب، فسمَّاه عجباً مجازاً، وليس بعجَب في الحقيقة، والأول هو
الوجه(١) .
(ط): التعجُّب منه سبحانه عبارةٌ عن استعظام الشيء، و[من ضحك
من أمر](٢) إنما يضحك منه إذا استعظمه، وكأن أمير المؤمنين وافق
رسولَ اللهِ ﴿، وهو ◌َّهُ وافق الرَّبَّ تعالى فيه(٣).
(تو): الضحك من الله تعالى ومن رسوله بير وإن كانا متفقين في
اللفظ؛ فإنهما متباينان في المعنى؛ وذلك لأن الضحك من الله سبحانه يُحمل
على كمال الرِّضا عن العبد، وإرادة الخير بمن يشاء أن يرحمه من عباده (٤).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٨٤).
(٢) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي.
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٠١).
(٤) وقد تقدم التنبيه على أن الضحك والغضب والتعجب وغيرها من الصفات الواردة
في حق الباري سبحانه وتعالى يجب الإيمان بها كما جاءت والتسليم دون تأويلها =
٥٦١
(قض): وإنما ضحك رسول الله وَله؛ استعجاباً وسروراً بما رأى من
كمال رحمة الله تعالى ولُطفه على عبده المؤمن، وكمال الرِّضا عنه،
وضحك ابن مسعود؛ اقتداء بسُنَّة رسول الله وَليُ(١).
= أو تمثيلها أو تعطيلها، كما هو مذهب السلف رضوان الله عليهم أجمعين.
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٤١٧).
٥٦٢
١٧١- باب
تكبيرِ المسافرِ إذا صَعِدَ الثنايا وشِبْهِھا
وتسبيحِه إذا هبطَ الأوديةَ ونحوها،
والنهي عن المبالغةِ برفع الصوتِ بالتكبيرِ ونحوه
٩٧٧ - عن ابن عمرَ ﴾ قال: كانَ النَّبِيُّ نَّهِ إِذَا قَفَلَ مِنَ
الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ، كُلَّمَا أَوْنَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ، كَبَّرَ ثَلاثاً، ثُمَّ
قال: ((لا إِلَهَ إلَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ،
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قِدِيرٌ. آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدونَ سَاجِدُونَ،
لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ
وَحْدَهُ» متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلم: إذا قَفَلَ مِنَ الجُيُوشِ أَوِ السَّرَايَا، أَو
الحَجِّ أَو العُمْرَةِ.
قوْلهُ: ((أَوْفَى)) أي: ارتَفَعَ، وقولهُ: ((فَدْفَدٍ)) هو بفتح الفاءَين
بينهما دالٌ مهملةٌ ساكِنَةٌ، وآخِرُهُ دال أخرى وهو: الغليظُ المُرْتَفَعُ
مِنَ الأرْض.
* قوله: ((قفل» :
(ق): أي: رجع من سفره، و((القافلة)): الراجعون من السفر، ولا يقال
٥٦٣
لهم في مبدئهم: قافلة، قاله القُتَبِيُّ وغيره، لكن رُفقة(١).
(نه): قد يقال للسفر: قُفول في الذهاب والمَجيء، وأكثر ما يستعمل
في الرجوع(٢).
(ق): تكبيره وي﴿ في هذه المواضع المرتفعة إشعارٌ بأن أكبرية كل كبير
إنما هي منه، وأنها مُحتقرةٌ بالنسبة إلى أكبريته تعالى، وعظمته، وتوحيدُه
الله تعالى هناك إشعارٌ بانفراده سبحانه وتعالى بإيجاد جميع الموجودات،
وبأنه المَألوه؛ أي: المعبود في كل الأماكن من الأرضين والسماوات؛ كما
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤](٣).
(تو): وجه التكبيرات على الأماكن العالية: هو استحباب الذكر عند
تجدُّد الأحوال والتقلب في التارات، وكان ◌َّيِ يراعي ذلك في الزمان
والمكان؛ وذلك لأن اختلاف أحوال العبد في الصباح والمساء، والصُّعود
والهُبوط، وما أشبه ذلك ممَّا ينبغي أن لا يُنسي العبدَ ربَّه عند ذلك؛ فإنه هو
المُتصرِّف في الأشياء بقُدرته، المُدبِّر لها بجميل صُنعه.
(ق): ((ساجدون)) جمع ساجد، وأصله: الخضوع والتذلُّل، ومنه
قول الشاعر :
تَرى الأُكْمَ فيها سُجَّداً للحَوَافِرِ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٥٥).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٩٣).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٤٥٦).
٥٦٤
أي: مُتذلِّلة خاضعة (١).
وقوله: «آییون تائبون لربنا حامدون) سبق في الباب قبله.
* قوله: «صدق الله وعده):
(ن): أي: في إظهار الدِّين، وكون العاقبة للمُثَّقين، وغير ذلك من
وعده سبحانه؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران: ٩](٢).
(ق): ((صدق))، و((نصر)) خبران عن وفاء الله تعالى بما وعد به على
جهة الثناء والشكر؛ حيث قال: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْالصَِّحَاتِ
لَيَسْتَظِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] الآيَةَ، وقال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن
يَنْصُرُهُمْ﴾ [الحج: ٤٠]؛ ويعني بقوله: ((عبده)) نفسَه(٣).
* قوله يقل: «وهزم الأحزاب وحده)):
(ن): أي: من غير قتال الآدميين، والمراد الأحزاب الذين اجتمعوا يوم
الخندق، فأرسل الله عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، وبهذا يرتبط قوله وخلفه:
((صدق الله وعده))؛ تكذيباً للمنافقين الذين في قلوبهم مرض، من قولهم:
﴿مَّا وَعَدَنَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِلَّا غُرُورًا ﴾ [الأحزاب: ١٢].
قال القاضي: قيل: ويحتمل أن المراد أحزاب الكُفَّار في جميع الأيام
والمواطن (٤).
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١١٣).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٤٥٧).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١١٣).
٥٦٥
(ق): ((وحده))؛ أي: [من] غير مجاولة من أحد، ولا شركة،
ويحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء، كأنه قال: اللهم؛ افعل ذلك
وحدك، فعلى هذا: يعني بهم: كلَّ من يتحزب من الكُفَّار عليه ويجتمع،
والأول أظهر(١).
(تو): ((الحزب)): جماعة فيها غِلَظُ، وإنما ذكر الأحزابَ مع علمه
بأن الله هو الذي لا يُهزَم جُندُه، وأنه القادر على إفناء الخلق في أدنى
اللَّحَظات فضلاً عن هزمهم وقتلهم؛ تذكراً لمِنَّة الله عليه في ذلك وعلى مَن
اتبعه من المؤمنين، وقد كانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من
الأحابش، وبني كنانة، وأهل غَطَفان، وقائدهم أبو سفيان، وغَطَفان في
ألف، ومن بايعهم من أهل نجد، وقائدهم عُيينة بن حِصْن، وعامر بن
الطفيل في هَوَازن، وانضمت إليهم يهودُ قُرَيظة، والنَّضِير، ومضى على
الفريقين قريبٌ من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنَّبْل والحجارة،
فأرسل الله عليهم ريح الصَّبا في ليلة شاتية، فَسَفَّت التراب في وجوههم،
وأطفأت النيران، وأكفأت القُدور، وقلعت الأوتاد، وبعث ألفاً من
الملائكة، فكبَّرت في أطراف عسكرهم فمَاجت الخيل بعضُها في بعض،
وقذف في قلوبهم الرُّعْب، فانهزموا.
٩٧٨ - وعن أَبِي هُرِيرةَ ﴿هُ: أَنَّ رَجلاً قالَ: يا رَسُولَ الله!
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٤٥٧).
٥٦٦
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسافِرَ، فَأَوْصِني، قالَ: ((عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّكْبِيرِ
عَلَى كُلِّ شَرَفٍ))، فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، قالَ: ((اللَّهُمَّ اطْوٍ لَهُ الْبُعْدَ،
وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ » رواه الترمِذِيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
(نه): ((اطو لنا الأرض))؛ أي: قَرِّبها لنا، وسَهِّل السير فيها، حتى
لا تطولَ علينا، فكأنها قد طويت(١).
٩٧٩ - وعن أبي موسى الأَشْعَرِيِّ ﴾، قالَ: كُنَّا مَعَ النبيِّ وَّل
فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ، هَلَّنَا، وَكَبَّرْنَاَ، وَارْتَفَعَتْ
أَصْوَاتُنا، فقالَ النبيُّ نَّهِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛
فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ، وَلا غائِباً. إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ))
متفقٌ عليه.
(ارْبَعُوا)) بفتح الباءِ الموحدةِ: أَي: ارْفُقوا بِأَنْفُسِكم.
(ن): ((اربعوا)) بهمزة وصل، وبفتح الباء الموحدة، معناه: ارفُقوا
بأنفسكم، واخفضوا أصواتكم؛ فإن رفع الصوت إنما يفعله الإنسان لبُعد مَن
یخاطبه؛ ليسمعه، وأنتم تدعون الله تعالی، ولیس هو بأصمّ، ولا غائب، بل
هو سميع، وهو معكم بالعلم والإحاطة، ففيه: النَّدْبُ إلى خفض الصوت
بالذِّكر إذا لم تدع حاجة إلى رفعه؛ فإنه إذا خفضه؛ كان أبلغَ في توقيره، فإن
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٤٦).
٥٦٧
دعت الحاجة إلى الرفع؛ رفع، كما جاءت به الأحاديث(١).
(ق): ((وهو معكم)) هذه المَعِيَّة مَعِيَّةُ قرب بالاطلاع والمشاهدة،
لا بالمكان والزمان(٢).
(ط): قيل: معنى (اربعوا): أمسكوا عن الجهر، وقِفُوا عنه؛ من أربع
الرجل بالمكان: إذا وقف عن السير وأقام(٣) .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٢٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٥).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦/ ١٨٢٣).
٥٦٨
١٧٢- باب
استحبابِ الدعاءِ في السفرِ
٩٨٠ - عن أَبِي هُرَيْرَةََ﴿ه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((ثَلاثُ
دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لا شَكَّ فِيهنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، ودَعْوَةُ المُسَافِرِ،
وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ) رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ
حسنٌّ. وليس في رواية أبي داودَ: ((على وَلَدِهِ)).
* قوله {﴾﴾: «لا شك فیھن»:
(تو): كلُّ ما أخبر النبي ◌َّ به؛ فإنه بريء عن الشك، مبنيٌّ على اليقين،
وإنما قال ذلك على وجه التأكيد؛ ليفيد معنى قوله: لا تشگُّوا فيهن،
واختصاص هؤلاء الثلاثة بإجابة الدعوة؛ لانقطاعهم إلى الله تعالى بصدق
الطلب، ورِقَّة القلب، وانكسار البال، وراثة الحال.
أما المسافر: فإنه منتقل عن الوطن المألوف، مفارق عمَّن کان یستأنس
به، مُسْتَشْعِرٌ في سفرته من طوارق الحَدَثان، فلا يخلو ساعتئذ عن الرِّقَّة
والرجوع إلى الله تعالى بالباطن.
وأما المظلوم: فإنه منقلبٌ إلى ربه على صفة الاضطرار.
وأما الوالد: فإنه يدعو لولده على نعت الحُنُوِّ والرِّقَّة، وإيثار الولد على
٥٦٩
نفسه بما يستطيع، فيُخْلِص في دعائه مبلغَ جَهْدِه.
(ط): رواية أبي داود: ((دعوة الوالد)) مطلقٌ يحتمل للولد أو عليه؛
لیسعی في مراضیه حتى يدعو له، ويجتنب عمَّا يُسْخِطه؛ لئلا يدعو عليه،
وإنما لم يذكر الوالدة على أن حقوقها أكثر، فيكون دعاؤها أقربَ إلى
الإجابة؛ لما عُلم ذلك بطريق الأولوية، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا
اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ
وَلَوْ لِدَيَّكَ ﴾ [لقمان: ١٤]؛ حيث أوقع ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فِ عَامَيْنِ﴾
اعتراضاً بين المُفسَّر؛ أعني: قوله: ﴿أَنِ آَشْكُرْ لِ﴾، والمُفسِّر له، أعني:
﴿وَوَصَّيْنَا﴾، وفائدة الاعتراض التوكيد بالتوصية في حقهما، خصوصاً في
حق الوالدة؛ لما تكابد من مشاقِّ الحَمْلِ والرَّضَاعِ(١).
(مظ): رواية الترمذي ((على ولده)) يعني: دعاء الشر، وإنما يكون
هذا الدعاء إذا صدر عن الولد عُقوقٌ؛ أي: مخالفة أمر الوالد فيما يجب
على الولد طاعته، فإذا خالفه الولد؛ يكون مظلوماً، فيستجاب دعاؤه،
ويقاس على الوالد الوالدة، وقيل: بل دعاء الوالد أسرع إجابة من دعاء
الوالدة، لأن الوالدة؛ لها رحمة وشفقة بالولد، لا تريد قَبولَ دعائها، وأما
المسافر: فالغالب من حاله الاحتياجُ والاضطرار، وانكسار القلب، فيُقبل
دعاؤه لمن فرَّج عنه، وعلى مَن آذاه(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧١٧).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٣٢).
٥٧٠
١٧٣- باب
ما يدعو به إذا خاف ناساً أو غيرهم
٩٨١ - عن أبي موسى الأَشْعَرِيِّ هِ: أَنَّ رَسُولَ الله كانَ إِذا
خَافَ قَوْماً، قال: ((اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحورِهِمْ، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ
شُرُورِهِمْ)) رواه أبو داودَ، والنسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ.
قوله ژ: «في نحورهم»:
(تو): يقال: جعلت فلاناً في نخر العدو؛ أي: قُبالته وحذاءه، وتخصيص
النَّحْرِ بالذِّكر؛ لأن العدو يستقبل بنحره عند المُناهضة للقتال، والمعنى:
نسألك أن تتولانا في الجهة التي يريدون أن يأتونا منها، ونتوقی بك عمَّا
يتوجهوننا به، فأنت الذي يدفع في صدورهم، وتكفينا أُمورهم، ولعله اختار
هذا اللفظ؛ تفاؤلاً بنَحْر العدو؛ أعني: قتلهم، [مع] ما أراد من المعنى الذي
ذکر.
٥٧١
١٧٤- باب
ما يقولُ إذا نزلَ منزلاً
٩٨٢ - عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ رَضِيَ الله عنها، قالَتْ: سَمِعْتُ
رَسُولَ الله ◌ِ﴿ يقولُ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً، ثُمَّ قالَ: أَعُوذُ بِكَلِماتِ اللهِ
النَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنِزِلِهِ
ذلك» رواه مسلمٌ.
* قوله وخلفي: ((أعوذ بكلمات الله التامات))، وفي ((صحيح مسلم)): جاء
رجل إلى النبي ◌َّ فقال: يا رسول الله؛ ما لَقِيتُ من عقرب لدغتني البارحة؟!
فقال: ((أما إِنَّكَ لو قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بكَلِمَاتِ الله من شَرِّ ما خلقَ؛ لَمْ
يَضُرُّكَ)(١).
(نه): ((كلمات الله)): كلامه، وإنما وصف كلامه بالتمام؛ لأنه لا يجوز
أن يكون في كلامه نقصٌ أو عَيْبٌ، كما يكون في كلام الناس، وقيل: معنى
التمام هنا: أنها تنفع المُتعوِّذ بها، وتمنعه من الآفات وتكفيه(٢).
(١) رواه مسلم (٢٧٠٩ / ٥٥)، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٩٧).
٥٧٢
(ن): وقيل: معناه: الباقية الشافية، وقيل: المراد بالكلمات القرآن (١).
(ق): فإن الله تعالى قد أخبر عنه أنه هُدى وشفاء، وهذا الأمر على
جهة الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى، ولمَّا كان ذلك استعاذة بصفات الله
تعالى، والتجاءَ إليه؛ كان ذلك من باب المندوبات إليه، المُرغَّب فيه، .
وعلى هذا: فحق المُتعوِّذ بالله وبأسمائه وصفاته أن يصدق في التجائه،
ويُخْضِرَ ذلك في قلبه.
وقوله: ((فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه)) هذا خبر صحيح،
وقول صادق علمنا صدقَه دليلاً وتجربة؛ فإني منذ سمعت هذا الخبر،
وداومت عليه؛ لم يضرني شيء إلى إن تركته، ولقد لدغتني عقربٌ
بالمَهدية ليلاً، فتفكّرت في نفسي، فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك
الكلمات، فقلت لنفسي مُوبِّخاً لها ما قاله مَّه للرجل الملدوغ: ((أَمَا إِنَّك
لو قُلتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بكَلِماتِ الله التامَّاتِ من شَرِّ ما خلقَ؛ لم
يضُرَكَ)) انتهى(٢).
قال الترمذي الحكيم في ((نوادر الأصول)»: كلمته التامة هي قوله:
﴿َكُنْ﴾، وإنما قيل: تامة؛ لأن أقل الكلام عند أهل اللغة على ثلاثة أحرف،
فما كان على حرفين؛ نحو يد ودم؛ فهو منقوصٌ، وكذلك ﴿گُن﴾
عندهم؛ لأنها ملفوظة بالأدوات، ومن ربنا تبارك وتعالى كلمة تامة؛ لأنها
بغير الأدوات، ومنفيٌّ عنه شَبَهُ المخلوقين، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣١)، وفيه: ((النافعة)) مكان: ((الباقية)).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٦).
٥٧٣
صِدَّقًاوَعَدْلًا ﴾ [الأنعام: ١١٥]، وإنما قال: كلمات الله؛ لتفرق هذه الكلمة في
الأمور كلها، فإذا قال لكل أمر: ﴿كُن﴾؛ فهي كلمات.
وفي حديث أبي ذر مرفوعاً فيما يُحكى عن الله تعالى: ((إنَّما عَطائي
كَلامٌ، وعَذَابِي كَلامٌ)) (١)، فإذا استعاذ العبد بتلك الكلمة؛ صارت له معاذاً،
ووُقي شرَّ ما استعاذ بها منه؛ لأن العبد المؤمن لمَّا عرف أن لا يكون شيء
إلا ما جرى به القضاء والقدر، وإنما يمضي القضاء بقوله: ﴿كُن﴾؛
عَظُمت هذه الكلمة عنده، وصارت مُتعلَّق قلبه، فإنما تأخذه الرغبة في
الأشياء، والرَّهْبةُ من الأشياء، وقلبه نازع إلى مشيئته، وفؤاده مُراقِبٌ
لإرادته، وأُذُنه مُصخِيةٌ إلى كلمة ؤَكُنْ﴾ .
وإذا قال: ((أَعُوذُ بكَلِمَاتِ الله التامَّاتِ من شَرِّ ما خَلقَ))؛ وقي شرَّ ما
خلق، وصار في حِصْنه، وارتفع في عِياذه آمناً مطمئناً، وهذا لمن قال بيقظة
وعقل ما يقول، وهذا القول منه تحقيق الإيمان، وهذا لأهل اليقين الذين إذا
قال أحدهم هذا القول؛ استقرَّ قلبُه بعد القول على مَقالته، واطمأنت نفسُه،
فأما أهل الغَفْلة: فإنهم يُعاذون على أقدارهم؛ لحرمة هذه الكلمة.
(ش): الأدعية والتعوذات بمنزلة السِّلاح، والسِّلاح بضاربه، لا بحَدِّه
فقط، فمتى كان السلاح سلاحاً تامًاً لا آفةً به، والسَّاعِد ساعِدٌ قويٌّ، والمانع
مفقود؛ حصلت به النِّكايةُ في العدو، ومتى تخلَّف واحدٌ من هذه الثلاثة؛
تخلَّف التأثير، فإذا كان الدعاء في نفسه غيرَ صالح، أو الداعي لم يجمع بين
(١) رواه الترمذي (٢٤٩٥)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٦٤٣٧).
٥٧٤
قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثَمَّ مانعٌ من الإجابة؛ لم يحصل الأثر(١).
٩٨٣ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿﴾، قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَإِ إذا
سَافَرَ، فَأَقبَلَ اللَّيْلُ، قالَ: ((يَا أَرْضُ! رَبِّي وَرَبُّكِ اللهُ، أَعُوذُ مِنْ
شَرِّكِ، وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَشَرِّ مَا يَدِتُ عَلَيْكِ.
أَعُوذُ باللهِ مِنْ شَرِّ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ، وَمِنَ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِ
البَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» رواه أبو داودَ.
((وَالأَسْوَدُ»: الشَّخص.
قال الخَطَّبيُّ: (وسَاكِنِ البَلدِ)»: هُمُ الچِنُّ الَّذِينَ هُمْ سُكَّان
الأرْضِ.
قال: وَالبَلدُ مِنَ الأرْضِ: ما كان مَأْوَى الحَيوانِ، وَإِنْ لَمْ
يَكُنْ فِيهِ بِنَاءٌ وَمَنَازلُ.
قال: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ المرَادَ ((بِالوَالِدِ)): إبليسُ، ((وَمَا وَلدَ»:
الشَّيَاطِینُ.
* قوله ميلآخر: ((يا أرض)):
(قض): خاطب الأرض وناداها على الاتساع، وإرادةِ الاختصاص.
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ١١٢).
٥٧٥
وشرُّ الأرض: الخَسْفُ، والسُّقوط عن الطريق، والتحيُّر في المَهَامِهِ والفيافي،
وما فيها من أحناش الأرض وفئرانها، وما يعيش في الثُّقَب وأجوافها (١).
(ط): ((من شرك))؛ أي: من شر حصل من ذاتك، و((من شرِّ ما فيك))؛
أي: ما استقر فيك من الأوصاف، والأحوال الخاصة بطباعك، ((ومن شر ما
خلق فيك)) من الحيوانات وغيرها، ((ومن شر ما يَدِبُّ علیك» من الحيوانات
وغيرها، هذا الأسلوب من باب عطف الكلم بعضها على بعض إلى قوله:
((من أسد وأسود))، من باب الترقي في البيان، وفيه دليلٌ لمَن يذهب إلى
التخصیص بالعطف، انتھی(٢).
(دب)) بفتح الياء وكسر الدال، يقال دَبَّ دبيباً: إذا مشى مشياً رُويداً.
(قض): ((أعوذ بك)) تلوين للخطاب، وانتقال من الغَيْبة إلى خطاب
الحضور؛ للمبالغة ومزيد الاعتناء، وتصريح إلى العَوْذ به مما یَعُدُّه بعده؛
ولذلك خصَّها بالذكر، وهي مندرجة في خلق الأرض وفيما يَدِبُّ عليها (٣).
(تو): وإنما اختار تلك الصيغة في الأول؛ لما بعدها من الكلام، فلم
يستقم (أعوذ بكَ من شركِ) على وتيرة واحدة، فيتشابه الخطابان، وكان مطلع
الخطاب للأرض، فلما تمّ الكلام الذي خاطبها به؛ رجع إلى الحضور.
(تو) (وقض): ((الأسود)): نوع من الحية أسودُ اللون، يقال: إنها
أخبثها وأجرؤها؛ فإنها تعارض الراكب وتتبع الصوت؛ ولذلك أفردها
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٩٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٠٢).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ /١٠٠).
٥٧٦
بالذِّكر، وجعلها جنساً آخر برأسها، ثم عطف عليها الحية (١).
(تو): (أسود) هاهنا منصرف؛ لأنه اسم وليس بصفة؛ فلذا يُجمع على
أساود.
(ط): وعن بعضهم: أن الوجه أن لا ينصرف؛ لأن وصفيته أصلية،
وإن غلب في الاسمية(٢).
(قض): ((سكان البلد)): هم الإنس، سماهم بذلك لأنهم يسكنون
البلاد غالباً، أو لأنهم بنوا البلدان واستوطنوها، وقيل: الجِنُّ، والمراد
بالبلد: الأرض، يقال: هذه بلدتنا؛ أي: أرضنا(٣).
(ط): قال تعالى: ﴿وَأَلْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف:
٥٨](٤).
(خط): ((والد)): إبليس، ((وما ولد)) نسله وذُرِّيته(٥).
(قض): قيل: آدم وبنيه، ويحتمل أن يكون المراد جميعَ ما يوجد
بالتوالد من الحيوان أُصولِها وفروعها، وفيه إيماء بأن العِياذ إنما يَحِقُّ ويفيد
إذا كان بمَن لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد(٦).
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٠٣).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ١٠٠).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٩٠٣).
(٥) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٢٥٩).
(٦) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ /١٠٠).
٥٧٧
(تو): حمله على العموم أشملُ؛ لشموله على أصناف ما ولد ووُلد،
ولما يتولد منهما تخصيصاً للعياذ والالتجاء بمَن لم يلد ولم يولد، وله
الخلق والأمر، واعترافاً بأنْ لا استحقاق لغيره في ذلك، تبارك الله رب
العالمین.
٥٧٨
١٧٥- باس
استحبابِ تعجيلِ المسافر
الرجوعَ إلى أهلِه إذا قضى حاجَتَهُ
٩٨٤ - عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: ((السَّفَرُ
قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ، وَشرَابَهُ، وَنَوْمَهُ، فَإِذا
قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِه)) متفقٌ عليه.
(نَهْمَتْهُ)): مَقْصُودَهُ.
* قوله يتيفي: ((السفر قطعة من العذاب)):
(ن): لما فيه من المَشِقَّة والتعب، والحَرِّ والبرد، والسُّرى والخوف،
ومفارقة الأهل والأصحاب، وخُشونة العيش، وقوله: ((يمنع أحدكم
نومه، وطعامه، وشرابه)) معناه: يمنعه كمالَها ولذيذَها، انتهى(١).
قيل: العذاب هو الإيجاع الشديد، تقول: عذبته تعذيباً، وقيل: هو
تفعيل للسَّلْب، عذبته؛ أي: سلبته العُذوبة، كما تقول: قَدَّيته ومَرَّضته،
وقيل: هو من عَذَبة السَّوْط؛ أي: ضربته بها، ثم استعمل في المعاقبة [به]،
وقيل: هو من قولهم: بات الفرس عَذُوباً؛ أي: لم يأكل ولم يشرب،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٧٠).
٥٧٩
وعَذَّبته؛ أي: جعلته كذلك.
وليس في الحديث النهيُ عن السفر، بل فيه الإخبار عمَّا فيه من
المَشاقٌ، منها إصحار ما تملكه يدُه على غير ثقة، قيل: إن المسافر ومالَه لعلى
قَلَتٍ، إلا ما وَقى الله، و((القَلَتُ)): الهلاك، ولعَمري؛ إنه كذلك، لكن
الحرص غالبٌ على بني آدم يتقاضاه الجمع والمنع، ووضع المال حتى يتركه
جميعاً إلى غير حامد، وربما يسعد بما يشقى له، ويستريح بما تعب له، فيبقى
الوِزْرُ فِي عُنُقُه، والوَبال عليه، والمَهْنأ لغيره، ولشِدَّة أحوال السفر ما خَفَّف
الله عن المسافر في الصلاة والصيام بالقَصْر والإفطار.
(ن): ((نهمته)) بفتح النون وإسكان الهاء، هي الحاجة(١).
(تو): هي بلوغ الهِمَّة في الشيء، وقد نُهِمَ بكذا، فهو منهوم؛ أي:
مُولَع به.
(ط): ((من وجهه)) [متعلق] بـ ((قضى))؛ أي: حصل مقصودُه من جهته
وجانبه الذي توجَّه إليه(٢).
(خط): فيه: الترغيب في الإقامة؛ لئلا تفوته الجمعة، والجماعة،
والحقوق الواجبة للأهل والقرابات، وهذا في الأسفار الغير الواجبة، ألا تراه
يقول: ((فإذا قضى نهمته؛ فليعجل إلى أهله)) أشار إلى السفر الذي له نَهْمَةٌ،
وأَرَبٌّ من تجارة، أو تقلُّب دون السفر الواجب؛ كالحَجِّ والغَزْو، انتهى(٣).
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٨٢).
(٣) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٢ / ٤٥٩).
٥٨٠