النص المفهرس

صفحات 521-540

القُرّاء: قدمت واحداً، قال: ((وواحداً، لكن إنَّما ذاكَ عند الصَّدْمَةِ الأُولَى))(١).
وخرجه عبدُ بن حُميد في «مسنده)) بطوله عن معاذ بن جبل، ولفظه:
((ما مِنْ مُسْلِمَينِ يَمُوتُ لهما ثلاثةٌ منَ الوَلَدِ؛ إلا أدخلَ اللهُ وَالِدَيْهِ الجَنَّةَ
بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُم))، قالوا: واثنين يا رسول الله؟ قال: ((واثْنَيْنٍ))، قالوا:
وواحداً يا رسول الله؟ قال: ((إنَّ السِّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّه بسَرَرِهِ إلى الجَنَّةِ))(٢)،
(السَّرَر)): ما تقطعه القابلة من سُرَّة المولود.
(ق): قد استشكل بعضُهم، وقال: إذا كان حكم الاثنين حكمَ الثلاثة؛
فما فائدة ذکر الثلاثة أولاً؟
وهذا إنما يصدر عمَّن يعتقد أن دلالة المفهوم نصٌّ كدلالة المَنطوق،
وليس الأمر كذلك، بل هي عند القائلين بها من أضعف جهات دلالات
الألفاظ، وهذا أيضاً إذا قلنا: إن أسماء الأعداد لها مفهومٌ، والقائلون به
ألحقوا هذا النوع باللَّقب الذي لا مفهوم له باتفاق المُحقُّقين، ثم إن رفع هذا
الإشكال أن يقال: لعله أوحى الله إليه بالاثنین، ویحتمل أن يقال: إن ذلك
بحسَب شِدَّة وَجْد الوالدة، وقُوَّة صَبْرِها، فقد تكون مصيبةُ مَن فقدت واحداً
أو اثنين أشدَّ ممَّن فقدت ثلاثة، أو مُساوية لها، فتُلحق بها في درجتها(٣).
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١/ ٤٢٩)، والترمذي (١٠٦١)، وابن ماجه
(١٦٠٦)، قال الترمذي: حديث غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من والده.
(٢) رواه عبد بن حميد في ((مسنده)) (١٢٣)، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع
الصغير)» (٧٠٦٤).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣٩).
٥٢١

١٦٥ - باس
البكاءِ وَالخُوفِ عندَ المرورِ بقبورِ الظالمينَ
ومصارعِهم وإظهارِ الافتقارِ إلى الله تعالى،
والتحذير من الغفلة عن ذلكَ
٩٥٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ قَالَ لأصْحَابِهِ
- يَعْني: لمَّا وَصَلُوا الحِجْرَ: دِيَارَ ثمُودَ -: ((لاَ تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ
المُعَذَّبِينَ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ، فَلا تَدْخُلُوا
عَلَيْهِمْ؛ لاَ يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ)) متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ قال: لمَّا مَّ رَسُولُ اللهِوَّهِ بِالحِجْرِ، قال:
(لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ،
إِلَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ))، ثُمَّ قَنَّعَ رَسُولُ اللهِهِ، رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ
حَتَّى أَجَازَ الوَادي.
* قوله ملف: ((أن يصيبكم)):
(ن): بفتح الهمزة؛ أي: خشيةَ أن يصيبكم، أو حذرَ أن يصيبكم،
کما صرح به في رواية(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١١١)، والرواية لمسلم (٣٩/٢٩٨٠).
٥٢٢

(ق): لأن أكثر المخاطبين والموجودين في ذلك الوقت كانوا ظالمين
لأنفسهم؛ إما بالكفر، وإما بالمعاصي، وإذا كان سببُ العقوبة موجوداً؛
تعيَّن الخوف من وجود العقوبة، فحَقُّ المارِّ بمواضع المعاقبين أن يحدد
النظر والاعتبار، ويكثر من الاستغفار، ويخاف من نِقْمَة العزيز القهَّار، وأن
لا يطيل المُكْثَ في تلك الديار، ومثله الإسراع في وادي مُحَسِّر، لأن
أصحاب الفيل هلكوا هنالك، فينبغي للمارِّ في مثل هذه المواضع المراقبةُ،
والخوف، والبكاء، والاعتبار بهم وبمَصارعهم(١).
(ك): فإن قلت: كيف يُصيب عذاب الظالمين غيرهم، ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؟!
قلت: لا نسلم امتناع الإصابة إلى غير الظالم، قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ
فِتْنَةٌ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥]، وأما الآية الأولى:
فمحمولة على عذاب يوم القيامة، ثم لا نسلم أن الذي يدخل في موضع،
ولا يتضرَّع ليس بظالم؛ لأن ترك التضرع [في موضع] يجب [فيه] التضرُّع
ظلمٌ، وسياق الحديث يدل على البكاء عند الدخول في كل جزء من
دیارهم.
قال الخطابي: إن الداخل في ديار الذين أُهلكوا بخسف أو عذاب،
إذا دخلها، فلم يَجْلِبْ عليه ما يرى من آثار ما نزل بهم بكاءً، ولم يبعث
عليه حزناً؛ إما شفقةً عليهم، وإما خوفاً من حُلول مثلها به = فهو قاسي
القلب، قليل الخشوع، غير مستشعر للخوف والوجَل، فلا يأمن إذا كان
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٥٤).
٥٢٣

هذا حاله أن يصيبه مثلُ ما أصابهم.
وفيه دلالة على أن ديار هؤلاء لا تُسكن بعدهم، ولا تُتَّخذ وطناً؛ لأن
المستوطن لا يمكنه أن یکون دهره باكياً أبداً.
قال ابن بطال: هذا إنما هو [من جهة] التشاؤم بالبقعة التي نزل بها
سَخَطُ الله، يدل عليه ﴿وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾
[إبراهيم: ٤٥] في مقام التوبيخ على السكون فيها، وقد تشاءم وَّله بالبقعة التي
نام فيها عن الصلاة، ورحل عنها، ثم صلى فكراهية الصلاة في موضع
الخَسْف أولى، إلا أن إباحته الدخول فيها على وجه البكاء والاعتبار
تدلُّ على أن مَن صلى هناك؛ لا تفسد صلاته؛ لأن الصلاة موضع بكاء
واعتبار.
وزعم الظاهرية أن مَن صلى في ديار ثمود، وهو غير باك؛ فعليه
سجود السهو إن كان ساهياً، وإن تعمَّد ذلك؛ بطلت صلاته، وهذا خُلْفٌ
من القول، وليس في الحديث ما يدل على ذلك.
يستفاد منه کراهُ دخول تلك المواضع والمعابر، وإن کان ولابد من
دخوله؛ فعلى الصفة التي أرشد إليها النبيُّ وَلفيه من الاعتبار، والخوف،
والإسراع، وقد قال ◌َله: ((لا تَدْخُلُوا أَرْضَ بَابِلَ؛ فَإِنَّهَا مَلْعُونٌ))(١).
وفي ((صحيح مسلم)) زيادة حسنة: قال: إن الناس نزلوا مع رسول الله وَل
على الحِجْر أَرْضِ ثمود، فاستقَوا من آبارها، وعجَنوا به العجينَ، فأمرهم
(١) رواه أبو داود (٤٩٠)، من حديث علي بن أبي طالب ﴿ه، وهو حديث ضعيف.
انظر: «ضعيف سنن أبي داود)» (٧٦).
٥٢٤

النبيُّنَّهِ أَن يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوا، ويَعْلِفوا الإبلَ العجينَ، وأمرهم أن يستَقُوا من
البئر التي كانت تَرِدُها الناقةُ(١).
فيه: النهي عن استعمال أَبْيَار الحِجْر إلا بئر الناقة، وفيه: لو عجن من
(مائها) عجيناً؛ لم يأكله، بل يعلفه الدابة، وفيه: أنه يجوز عَلْف الدابة طعاماً
مُنِعَ منه الآدميُّ، وفيه: مُجانبة آثار الظالمين، والتبرُّك بآثار الصالحين(٢).
(ق): أمره وَّهِ بإراقة الماء، وعَلْف ما عجن به الدوابَّ حكمٌ على
الماء بالنجاسة؛ إذ ذاك هو حكم ما خالطته نجاسة، أو كان نجساً، ولولا
نجاسته؛ لما أُتلف الطعام المحترم شرعاً من حيث إنه مال، وإنه غذاء
الأبدان وقِوَامها، وأمره لهم أن يستقوا من بئر الناقة دليلٌ على التبُّك بآثار
الأنبياء والصالحين، وإن تقادمت أعصارُهم، وخَفِيت آثارُهم؛ كما أن في
الأول دليلاً على بُغض أهل الفساد، وذَمِّ ديارهم وآثارهم.
هذا؛ وإن كان التحقيق أن الجمادات غيرُ مؤاخذات، لكن المقرون
بالمحبوب محبوبٌ، والمقرون بالمَكروه والمَبغوض مبغوضٌ؛ كما قال
كُثَيِّر:
أُحِبُّ لحُبِّها السُّوْدَانَ حتَّى
أُحِبُّ لحُبِّها سُودَ الكِلَبِ
وقال آخر :
أُقْبِّلُ ذَا الجِدَارَ وَذَا الجِدَارَا
أَمُرُّ على الدِّيَارِ دِيَارٍ لَيْلَى
ولَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكنَ الدِّیَارا
وما تِلْكَ الدِّيَارُ شَغَفْنَ قَلْبِي
(١) رواه مسلم (٢٩٨١ / ٤٠)، من حديث ابن عمر ﴿ھا.
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ٩٤).
٥٢٥

ففي أمره بعَلْف الإبل العجينَ دليلٌ على جواز حمل الرجل النجاسة إلى
كلابه؛ ليأكلوها، خلافاً لمن منع ذلك من أصحابنا، وقال: تُطلق الكلابُ
علیھا، ولا يحملها لهم(١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٥٥).
٥٢٦

كَائِدَابِ السَّف،

١٦٦- با
استحباب الخروج یوم الخمیسِ أول النهارِ
(الباب السادس بعد المئة)
( في آداب السفر)
٩٥٦ _ عن كَعْبٍ بنِ مالكِ هِ: أنَّ النبيَّ ◌َِ﴿ِ خَرَجَ فِي غَزْوَةٍ
تَبُوكَ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَكَانَ يُحِبُّ أنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخَمِيسِ. متفقٌ عليه.
وفي رواية في «الصحيحين)): لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ يَخْرُجُ
إلاَّ في يَوْمِ الخَمِيسِ .
· قوله: ((غزوة تبوك)) :
(نه): (البَوْك): تثوير الماء بعُود ونحوه؛ ليخرج من الأرض، وبه
سُمِّيت غزوة تبوك (١).
(قض): ((تبوك)): من أدنى أرض الشام إلى الحجاز، قيل: سُمِّيت
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٦٢).
٥٢٩

بذلك؛ لأن النبي ◌َّ﴿ وجدهم يَبُوكُونَ القدح في العين؛ أي: يحركونه ليُملأ
من الماء، فقال: ((ما زلتم تبوكونها؟))، فسُمِّيت بذلك، واشتقاقه من
البَوْك، وهو الجماع(١).
(تو): اختياره ◌ّي يوم الخميس للخروج محتمل لوجوه:
أحدها: أنه يوم مبارك ترفع فيه أعمال العباد إلى الله تعالى، وقد كانت
سفراته لله تعالى، وفي الله، وإلی الله، فأحبّ أن یرفع له فيه عملٌ صالح.
وثانيها: أنه أتمُّ أيام الأسبوع عدداً.
وثالثها: أنه كان يتفاءل بالخميس في خروجه، وكان من سُنَّته أن يتفاءل
بالاسم الحسن، و((الخميس)): الجيش؛ لأنهم خمس فِرَق: المقدمة،
والقلب، والميمنة، والميسرة، والسَّاقَة، فيرى في ذلك من الفأل الحسن
حفظَ الله له، وإحاطةَ جنوده حفظاً وحماية، ويمكن أنه مَّ اختار ذلك؛
لاختصاص ذلك اليوم بخَلْق الدوابُ؛ كما صح عنه بَِّ أنه تعالى بَثَّ في
الأرض الدوابَّ يوم الخميس، ويكون إشارة إلى ما مَنَّ الله تعالى على بني آدم
بنشرهم في البلاد على ظهور الدوابِّ، وتيمُّناً باليوم الذي بدأ الله خلقَها فيه
لمصالح العباد، والله تعالى أعلم بما احتوت عليه العلومُ النبوية من المعاني
والخواصِّ.
(قض): أو لتفاؤله بالخميس على أنه ظَفَرٌ على الخميس الذي هو
جیش العدو، ویتمگَّن علیھم(٢).
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٦).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
٥٣٠

(شف): أو لأنه يُخَمِّس فيها الغنيمة، انتهى.
خرج الحافظ أبو الشيخ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان
رسول الله وَّ يسافر يومَ الاثنين والخميس(١).
٩٥٧ - وعَنْ صَخْرِ بْنِ وَدَاعَةَ الغامِدِيِّ الصَّحَابِيِّ ﴾: أَنَّ
رَسُولَ الله قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِها))، وَكَانَ إذا بَعَثَ
سَرِيَّةُ أَوْ جَيشاً، بَعَثَّهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ. وَكَانَ صَخْرٌ تَاجِراً، فَكَانَ
يَبَعَثُ نِجَارَتَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَأَثْرَى، وكَثُرَ مَالُهُ، رواه أبو داودَ،
والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
* قوله يلي: «اللهم بارك لأمتي في بكورها»:
(مظ): المسافرة سنة في أول النهار، وكان صَخْرٌ يراعي هذه السُّنَّة،
فكَثُر مالُه ببركة مُراعاة السنة، ولأن دعاءَهَ وَّهِ مقبولٌ لا محالةَ، انتهى(٢).
قال بعض العلماء: ((البركة)): النمو والزيادة، فمعناه: اللهم؛ أَكْثِر
خيرَ أمتي في بُكورها؛ أي: قيامها وقتَ الصبح، وهذا مثل قوله: ((الصُّبْحَةُ
تَمْنَعُ الرِّزْقَ))(٣)، وذلك أن نوم تلك الساعة يُكْسِل ويُبْلِدُ، والبُكرة شباب
(١) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي وآدابه)) (٤ / ٣٥).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٨٢).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٧٣)، من حديث عثمان بن عفان ، وهو
حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٥٣١).
٥٣١

النهار، ويكون الإنسان فيها وادعاً مستريحاً، يمكنه القيام بالعمل، والسعي
في الشغل، فإذا قام الإنسان فيها؛ لم يف نهارُه بشغله، روي عنه أَّ:
(بَاكِرُوا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ؛ فإنَّ الْغُدُوَّ بَرَكَةٌ ونَجَاحٌ))(١)، قال الشاعر:
بَكِّرا صَاحِبَيَّ قبلَ الهَچِیرِ
إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّْكِيرِ
قال ابن عباس : لا تطلبن حاجة إلى أعمى، ولا تطلبها ليلاً، وإذا
طلبت الحاجة؛ فاستقبل الرجل وجهَك؛ فإن الحياء في العينين، وباكر
حاجتك؛ فإن رسول الله وَ﴿ قال: ((اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِها».
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٧٢٥٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها،
وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٦٦٨).
٥٣٢

١٦٧- باب
استحبابٍ طَلَبِ الرفقةِ
وتأميرهم على أنفسهم واحداً يطيعونه
٩٥٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لَوْ أَنَّ
النَّاسَ يَعْلَمُونَ مِنَ الوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ»
رواه البخاريُّ.
* قوله قي: ((ما أعلم)):
[(مظ)]: في الوحدة في السفر مَضرَّة دينية؛ إذ ليس معه مَن يصلي معه
بالجماعة، فيحرم عن ثواب الجماعة، ومَضرّة دُنياوية؛ إذ ليس معه من يُعينه
في الحوائج(١).
(ط): كان من حق الظاهر أن يقال: ما سار أحد وحده، فقيده بالراكب
والليل؛ لأن الخطر بالليل أكثر، وأن انبثاث الشرِّ فيه أكثر، والتحرُّز منه
أصعبُ، ومنه قولهم: الليل أخفى للوَئِل، وقولهم: أَعْذَر الليلُ؛ لأنه إذا
أظلم؛ كثر فيه العُذْر، لاسيما إذا كان راكباً؛ فإن له خوف جَفْلَةِ المركوب،
ونفوره من أدنى شيء، والتهوِّي في الوَهْدَةِ، بخلاف الراجل، انتهى(٢).
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٧٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٧٨).
٥٣٣

هذا إذا لم تدع حاجة وضرورة إلى أن يسافر الرجل وحده، فإن عَنَّ
له مصلحة في الانفراد؛ فلا بأس به، قاله البخاري في ((صحیحه))، واستدل
عليه بحديث نَدْب النبيِّ نَّهِ الزبيرَهُ، ورواحه إلى الكُفَّار وحدَه(١)،
ولهذا نظائر.
٩٥٩ - وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جَدّه هـ
،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((الرَّاكِبُ شَيطَانٌ، والرَّاكِبَانِ شَيطَانَانٍ،
وَالثَّلاثَةُ رَكبٌ)).
رواه أبو داود، والترمذيُّ، والنسائيُّ بأسانيدَ صحيحةٍ، وقال
الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ.
* قوله : ((الراكب شيطان»:
(مظ): يعني: مشي الواحد منفرداً منهيٍّ عنه، وكذلك مشي الاثنین،
فإذا فعل الرجل منهياً؛ فقد أطاع الشيطان في فعل المَنْهيٍّ، ومن أطاع
الشيطان؛ فكأنه هو، فلهذا أطلق ◌َ ل# اسمه عليه(٢).
(حس): معنى الحديث عندي: ما روي عن سعيد بن المُسيَّب مرسلاً:
((الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بالوَاحِدِ وبالاثنين، فإذا كانوا ثلاثةً؛ لم يَهُمَّ بهم)) .
(١) رواه البخاري (٦٨٣٣)، من حديث جابر .
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٨٣).
٥٣٤

وروي عن عمر ه أنه قال في رجل سافر وحده: أرأيتم إن مات؛ من
أسأل عنه؟(١)
(خط): المنفرد في السفر إن مات؛ لم يكن بحضرته مَن يقوم بغسله،
ودفنه، وتجهيزه، ولا عنده مَن يوصي إليه في ماله، ويحمل تركتَه إلى أهله،
ويورد خبرَه عليهم، ولا معه في السفر مَن يُعينه على الحُمولة، فإذا كانوا
ثلاثة؛ تعاونوا وتناوبوا المِهْنة، والحِراسة، وصلوا الجماعة، وأحرزوا الحظّ
منها(٢).
(قض): ((الركب)) [جمع راكب]؛ كصاحب وصَخْب، وقيل: اسم
عشرة من أصحاب الإبل فما فوقها، والجمع (أَرْكُب)، والذي في الحديث
لا يصح حمله عليه، إلا أن يجعل اسمَ كلِّ جمع منهم(٣).
(نه): ((الركب)) من أسماء الجمع؛ كنفر ورَهْط، ولهذا صُغِّر على لفظه،
وقيل: هو جمع راكب، ولو كان كذلك؛ لقيل في تصغيره رُوَيْكبون(٤).
٩٦٠ - وعن أبي سَعيدٍ، وأَبِي هُريرةَ عَ﴾، قَالاَ: قَالَ رَسُولُ
الله: ((إذا خَرَجَ ثلاثَةٌ في سَفَرٍ، فَلَيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ)) حديثٌ حسنٌ،
رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ.
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١١ / ٢٢).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٢٦٠).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ١٠).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٢٥٦).
٥٣٥

* قوله ◌َير: ((فليؤمروا أحدهم)»:
(حس): إنما أمر بذلك؛ لأنهم إذا صدروا عن رأي واحد؛ يكون
ذلك أبعدَ من وقوع الاختلاف بينهم(١).
(ط): فيه دليل على أن الرجلين إذا حَكَّما رجلاً بينهما في قضية،
فقضی بالحق؛ نفَّذ حکمُه، انتهى(٢) .
قال الإمام الغزالي: إنما يُحتاج لأمير؛ لأن الآراء تختلف في تعيين
المنازل والطرق، ومصالح السفر، ولا نظام إلا في الوَحْدة، ولا فساد إلا
في الكَثْرة، وإنما انتظم أمرُ العالم؛ لأن مُدبِّرِ الكل واحد، و﴿لَوْكَانَ فِيهِمَاً
ءَإِهَةُّ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ومهما كان المُدبِّرِ واحداً؛ انتظم
التدبير، وإذا كثر المُدبِّرون؛ فسدت الأمور في الحضر والسفر، إلا أن
مواضع الإقامة لا تخلو عن أمير عامٌّ؛ كأمير البلد، أو أمير خاصٌّ؛ کرَبٌّ
الدار، وأما السفر: فلا يتعيَّن له أميرٌ إلا بالتأمير؛ فلهذا وجب التأمير؛
ليجتمع أشتاتُ الآراء.
وينبغي أن يؤمِّروا أحسنَهم أخلاقاً، وأرفقَهم بالأصحاب، وأسرعَهم
إلى الإيثار وطلب المُوافقة، ثم على الأمير أن ينظر لمصلحة القوم، وأن
يجعل نفسَه وقايةً لهم، كما نقل عن عبدالله المَرْوَزيِّ رحمه الله: أنه صَحِبه
أبو علي الرِّباطيُّ، فقال: على أن تكون أنت الأميرَ، أم أنا؟ فقال: بل
أنت، فلم يزل يحمل الزَّادَ لنفسه ولأبي علي على ظهره، فأمطرت السماء
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١١ / ٢٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٦٨٥).
٥٣٦

ذات ليلة، فقام عبدالله طول الليل على رأس رفيقه، وفي يده كساء يمنع
عنه المطرَ، كلما قال له: الله اللهَ، لا تفعل؛ يقول: ألم تقل: إن الإمارة
مُسلَّمَةٌ لك، فلا تتحكَّم عليَّ، ولا ترجع عن قولك، حتى قال أبو علي:
وَدِدتُ أني مُثُّ، ولم أقل له: أنت الأمير(١).
٩٦١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿﴾ عن النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((خَيرُ الصَّحَابَةِ
أَرْبَعَةٌ، وَخَيرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمَاتَةٍ، وَخَيرُ الجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ، وَلَن
يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلَفاً عَنْ قِلَّةٍ».
رواه أبو داودَ، والترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ.
• قوله : ((خير الصحابة أربعة))، قال الإمام الغزاليُّ: تخصيص
الأربعة من بين سائر الأعداد، لابد وأن تكون له فائدةٌ، والذي ينقدح فيه:
أن المسافر لا يخلو عن رجل يحتاج إلى حفظه، وعن حاجة يحتاج إلى
التردُّد فيها، ولو [كانوا ثلاثة]؛ لكان المُتردِّد في الحاجة واحداً، فيتردد في
السفر بلا رفيق، فلا يخلو عن خطر، وعن [ضيق] الصدر؛ لفقد أُنْس
الرفيق، ولو تردد في الحاجة اثنان؛ كان الحافظ للرَّحْل واحداً، فلا يخلو
عن خطر، وعن ضيق القلب.
فإذاً؛ ما دون الأربعة لا يفي بالمقصود، وما فوق الأربعة يزيد، فلا
يجمعهم رابطة واحدة، فلا ينعقد بينهم الترافق؛ لأن الخامس زيادة بعد
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٢٥٢).
٥٣٧

الحاجة، ومن يُستغنى عنه؛ لا تنصرف الهِمَّة إليه، فلا تتم المُرافقة معه،
نعم في كثرة الرِّفاق فائدةُ الأمن من المخاوف، ولكن الأربعة خيرٌ للرَّفاقة
الخاصَّة، لا للرَّفاقة العامَّة، وكم من رفيق في الطريق عند كثرة الرِّفاق
لا يُكلَّم ولا يُخالط إلى آخر الطريق؛ للاستغناء عنه(١).
(مظ): يعني: الرُّفقاء إذا كانوا أربعة خيرٌ من أن يكونوا ثلاثةً؛ لأنهم
إذا كانوا ثلاثة ومرض أحدهم، وأراد أن يجعل أحدَ رفيقيه وَصِيَّ نفسه؛ لم
يكن هناك مَن يشهد بإمضائه إلا واحدٌ، فلا يكفي، ولو كانوا أربعة؛ كفى
شهادة اثنين، ولأن الجمع إذا كان أكثرَ؛ كان مُعاونةُ بعضهم بعضاً أتمّ،
وفضل صلاة الجماعة أيضاً أكثر، فخمسة خيرٌ من أربعة، وكذا كل جماعة
خيرٌ ممَّن أقلُّ منهم [ولم يكونوا خيراً ممَّن فوقهم(٢).
(ط): جميع قرائن الحديث؛ يعني: ((أربع))، و(أربعمائة))، و((أربعة
آلاف)) دائرةٌ على الأربع، و((اثنا عشر)) ضعف أربع، ولعل الإشارة بذلك إلى
الشِّدَّة والقوة، واشتداد ظَهْرَانِهم؛ تشبيهاً بأركان البناء، ولذلك قال لوط عليه
السلام: ﴿أَوْ ءَاوِيّ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، فهو أبلغ من قوله تعالى:
﴿كَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَرْصُوصٌ ﴾ [الصف: ٤]؛ لأن البنيان إنما يشتدُّ بالأركان(٣).
وفي ((أساس البلاغة)): ولقوة الحبل، قيل: حَبْل مربوعٌ: مفتول على
أربع قوى، ورجل رَبّعةٌ، ومَرْبوعٌ، ومُرْتَبع: وسيط القامة، ومرَّ بقوم يَرْبَعُون
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٢٥٢).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٨٤).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٦٨٥).
٥٣٨

حجراً، وهذه ربيعة الأشِدَّاء، وهي الحجر المُرتبع، ورابعني فلان: حاملني،
وهو أن يتآخذا بأيديهما حتى يرفعا الحِمْل على ظهر الجمل، وتربَّع في
جُلوسه(١).
* قوله: ((من قلة)) :
(ط): أي: لو صاروا مغلوبين؛ لم يكن للقِلَّة، بل لأمر آخر سواها،
وإنما لم يكونوا قليلين، والأعداد ممَّا لا تُعَدُّ ولا تُحصى؛ لأن كل واحد
من هذه الأثلاث جيشٌ قُوبل بالمَيْمَنة، أو المَيْسَرة، أو القلب، فيكفيها،
ولأن الجيش الكثير المُقاتل منهم بعضُهم، وهؤلاء كلهم مقاتلون، ومن
ذلك قول بعض الصحابة يوم حُنين، وكانوا اثني عشر ألفاً: لن نغلبَ اليوم
من قِلَّة، وإنما غُلبوا عن إعجاب منهم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ
أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥](٢).
(١) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٢١٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢٦٨٦/٨).
٥٣٩

١٦٨- باب
آدابِ السيرِ والنزولِ والمبيتِ والنومِ في السفرِ
واستحبابِ السُّرى والرفق بالدوابِ ومراعاةٍ مصلحتهَا،
وأمرِ مَن قصَّر في حقّها بالقيامِ بحقّهَا،
وجوازِ الإردافِ على الدائّةِ إذا كانت تطيقُ ذلكَ
٩٦٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((إِذَا سَافَرْتُمْ
في الخِصْبِ، فَأَعْطُوا الإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ في
الجَذْبِ، فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ،
فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإنّهَا طُرُقُ الدَّوَابٌّ، وَمَأْوَى الهَوَامُّ بِاللَّيْلِ)) رواه
مسلمٌ.
معنى: ((أَعْطُوا الإبلَ حَظها مِنَ الأرْضِ)): أَيْ: ارْفَقُوا بِهَا في السَّيِ
لِتَرْعَى فِي حَالِ سَیرِهَا.
وقوله: ((نِقْيَها)): هو بكسر النون، وإسكان القاف، وبالياء المثناة
من تحتُ، وهو: المُثُّ، معناه: أَسْرِعُوا بِهَا حَتَّى تَصِلُوا المَقصِدَ قَبْلَ
أَنْ يَذْهَبَ مُثُها مِنْ ضَنْكِ السَّيْرِ. و(«التَّعْرِيسُ)»: النُزُولُ في اللَّيْلِ.
* قوله: ((حظها من الأرض»:
(قض): أي: من نباتها؛ يعني: دعوها ساعة فساعة ترعى(١).
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٧).
٥٤٠