النص المفهرس
صفحات 421-440
١٤٥-ياس
ما يدعى به للمريض
٩٠١ - عن عائشةَ رضي الله عنها: أَنَّ النبيَّ ◌َ﴿ كَانَ إذا اشْتَكَى
الإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قالَ النَّبِيُّ ◌َه
بِأُصْبُعِهِ هَكَذا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ بْنُ عُبِنَ الرَّاوِي سَبَّتَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ
رَفَعَهَا، وقالَ: ((بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنا، بِرِيقَةٍ بَعْضِنَا، يُشْفَى بِهِ
سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا)) متفقٌ عليه.
* قوله: «قال النبي ێ بإصبعه هكذا))(١).
* قوله ويضيف: «تربة أرضنا»:
(ن): قال جمهور العلماء: المراد بأرضنا هنا: جملة الأرض، وقيل:
أرض المدينة خاصة؛ لبركتها، ((والرِّيقَة)): أقل من الرِّيق، ومعنى هذا
الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، [ثم يضعها] على
التراب، فَيَعْلَق بها منه شيءٌ، فيمسح به على الموضع الجريح، أو العَلِيل،
ويقول هذا الكلام في حال المسح(٢).
(١) كذا في الأصل بلا شرح.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٨٤).
٤٢١
(ق): وضع السبابة بالأرض والرَّقْي بها يدل على استحباب ذلك عند
الرَّقْي، وزعم بعض علمائنا أن ذلك مُعلَّل بأن تراب الأرض لبُرودته ويَسِه
يُقوِّي الموضع الذي به ألمٌّ، ويمنع انصبابَ المواد إليه بيَيَسِه وتجفيفه، مع
منفعته في تجفيف الجراح وإدمالها، وقال في الرِّيق: إنه يختصُّ بالتحليل،
والإنضاج، والإدمال، وإبراء الجراحات والأورام، والثآليل، لا سيما من
الصائم والجائع.
قلت: هذا إنما يكون عند المعالجة والشروع فيها على قوانينها، من
مراعاة مقدار التراب والرِّيق، وملازمته ذلك في أوقاته.
وأما النفث ووضعه [السَّبَّابة] على الأرض: فلا يتعلق بالمَرْقيِّ شيءٌ له
بالٌ، ولا أَثَر، وإنما هذا من باب التبرُّك بأسماء الله تعالى، ويآثار رسول الله وَّةِ،
وأما الرِّيق ووضع الإصبع: فإما أن يكون ذلك لخاصِّيّة فیه، وما أشبه أن تكون
الحكمة لإخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة، والله أعلم(١).
(قض): قوله: ((بإصبعه)) في موضع [الحال من فاعل] ((قال))، و«تربة
أرضنا) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه، والباء(٢) متعلقة بمحذوف، وهو خبر
ثان جاء بعدها، أو حال عنها، والعامل فيها معنى الإشارة، واللام؛ لتعليل
فعل دلّ عليه الحالُ أو القول، وتقدير الكلام: قال النبي ◌َِّ مُشيراً بإصبعه:
باسم الله، هذه تربة أرضنا معجونة بريقة بعضنا، ضمَّدنا بها، وفعلنا ما فعلنا؛
ليُشفى سقيمنا.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٥٧٩).
(٢) أي: في قوله: ((بريقة)).
٤٢٢
وقد شهدت المباحثُ الطَّبِّيّة على أن الرِّيق له مدخلٌ في النُّضْج،
ولتراب الوطن تأثيرٌ في حفظ المِزاج الأصلي، ودفع نكاية المُغيِّرات؛ ولهذا
ذكر في تدبير المسافرين أن المسافر ينبغي أن يستصحب ترابَ أرضه إن عجز
عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد ماء غير الماء الذي تعوَّد شُربَه، ووافق
مِزاجَه؛ جعل شيئاً في سقايته، ويشرب الماء من رأسه؛ ليحفظه عن مَضرَّة
الماء الغريب، ويأمن تغيُّرَ مِزاجه بسبب استنشاق الهواء المغاير للهواء
المُعتاد؛ ثم إن الرُّقى والعزائم لها آثارٌ عجيبةٌ تتقاعد العقول عن الوصول إلى
كُنْهِها(١).
(تو): أمثال هذا وإن [حجبت العقول] عن الوقوف على حقيقة
معانيها، وقَصُرت الأفهام عن تقرير التناسب بين ألفاظها ومبانيها؛ إلا أنها من
جملة الرُّقى والعزائم التي كرم الله تعالى بعلمها الأنبياء، ومن اختصَّ بهم من
الأولياء، دون عموم المؤمنين، ووردت ألفاظ مُنغلقة نافرة عن الأفهام؛ لأنها
لم توضع للعمل بها، والاستنباط منها، بل وضعت للتلفظ بها؛ تيمُّناً،
وتشفِّياً، وربما وقع شيءٌ من معانيها في القلوب السَّلِيمة، الواقفة لاستماع
كلام النبوة بمِرصاد الأدب والحرمة، فالذي يسبق إلى الفهم من صنيعه ذلك،
ومن قوله: (تربة أرضنا) إشارة إلى فطرة أول مفطور من البشر، و(ريقة
بعضنا) إشارة إلى النطفة التي خلق منها الإنسان، فكأنه يتضرع بلسان الحال،
ويُعرِّض بفَحْوى المقال أنك اخترعت الأصل الأول من طين، ثم أبدعت بنيه
من ماء مَهِين، فهَيِّنٌ عليك أن تشفيَ مَن كانت هذه نشأته، وتمُنَّ بالعافية على
من استوی في ملکك موته وحياته .
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٢٠).
٤٢٣
فإن قيل: قد صحت المناسبة بين التربة وفطرة الإنسان، فما وجه
المناسبة بين الريقة والنطفة؟
قلنا: هما من فضلات الإنسان، فعبر بأحدهما عن الآخر؛ لما في
الآخَر من القَذارة، وكان من هديه التنزُّه عن الإفصاح بأمثال ذلك، والتعبير
عنها بالكنايات ما أمكن، ونظير ذلك ما ورد أنه تمَّله بصق على كفه، ثم
وضع عليه إصبعه، ثم قال: ((يَقولُ اللهُ وَّ: يا بنَ آدَمَ؛ أَنَّى تُعْجِزُنِي، وَقَدْ
خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِه؟!)) وأراد بها النطفة(١)، فكذلك في هذا الحديث.
(ط): إضافة (تربة أرضنا)، و(ريقة بعضنا) يدل على الاختصاص،
وأن تلك التربة والرِّيقة كلُّ واحدة منهما مُختصَّة بمكان شريف مُتبرَّك، بل
بذي نفس شريفة قدسية طاهرة زكية من أَوْضَار الذنوب، وأوساخ الآثام،
ظاهرة جلية بما تواترت الأنوار(٢) عليها من مَطْلَعي الجلال والإكرام، فلما
تَبَّرك باسم الله الشافي، ونطق بها؛ ضمَّ إليه التربة ورِيقَه؛ وسيلة إلى
المطلوب من التشفِّ، فتكون اللام في (ليُشفى) متعلقة بالتبرك المقدر،
ويعضده أن رسول الله وَّه بزق في عين علي ظُه، فبرأ من الرَّمَد، وفي بئر
الحُدَيْبية، فامتلأت ماء، إلى غير ذلك، ونظير قوله: (بعضنا) ﴿بَعْضَهُمْ﴾
في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
(الكشاف): أراد بالبعض محمداً ◌ّ؛ لأنه هو المُفضَّل على سائر
(١) رواه ابن ماجه (٢٧٠٧)، من حديث بُسر بن جَخَّاش القُرَشيّ ◌َ﴾. وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٨١٤٤).
(٢) في الأصل: ((الأنعام))، والتصويب من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٣٦).
٤٢٤
الأنبياء، وفي هذا الإبهام من تفخيم أمره، وإعلاء قدره ما لا يخفى؛ لما
فيه من الشهادة على أنه العَلَمُ الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس،
ويقال للرجل: مَن فعل هذا؟ فيقول: بعضكم، يريد به الذي تُعُورِف بنحوه
من الأفعال، فيكون أفخمَ من التصريح به، وأَنْوَهَ بصاحبه(١).
٩٠٢ - وعنها: أَنَّ النبيَّ ◌َلِ كَانَ يَعُودُ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بِيَدِهِ
الْيُمْنى، ويقولُ: ((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِب البَأسَ، واشْفِ، أَنْتَ
الشَّافي، لا شِفَاءَ إِلاَّ شِفاؤُكَ، شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَماً)) متفقٌ عليه.
* قوله: (یمسح بيده الیمنی)) :
(ن): فيه: استحباب مسح المريض باليمين، والدعاء له، وقد جاءت
فيه دعوات كثيرة صحيحة، جمعتها في كتاب ((الأذكار))، وهذا المذكور هنا
من أحسنها، ومعنى ((لا يغادر سقماً)؛ أي: لا يترك، و((السقم)) بضم السين
وإسكان القاف ويفتحهما، لغتان(٢).
(ط): ((لا شفاء إلا شفاؤك)) خرج مَخْرجَ الحَصْر تأكيداً لقوله: ((أنت
الشافي))؛ لأن خبر المبتدأ إذا كان معرفاً باللام؛ أفاد الحصر؛ لأن تدبير
الطبيب، ونفع الدواء لا يَنْجَع في المريض إذا لم يُقدِّر الله الشِّفاء.
وقوله: (لا يغادر سقماً) تكميل لقوله: ((اشف))، والجملتان معترضتان
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ /١٣٣٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٨٠).
٤٢٥
بين الفعل والمفعول المطلق، والتنكير في (سقماً) للتقليل(١).
(ق): ((البأس)): الضرر، وفيه دليل على جواز السجع في الدعاء
والرُّقى، إذا لم يكن مقصوداً ولا مُتكلَّفاً، والألف واللام في (الشافي)
بمعنى (الذي)، وليس باسم علم الله؛ إذ لم يكثر ذلك، و((السقم)):
المرض، ومسحه وَّهِ بيمينه عند الرَّقْي دليلٌ على جواز ذلك، وحِكمته
التبرُّك باليمين، وأن ذلك غاية تمكُّن الراقي، فكأنه مدَّ يده لأخذ المرض
وإزالته، ومن حكمته إظهار عجز الراقي عن الشِّفاء، وصحة تفويضه ذلك
إلى الله تعالى؛ ولذلك قال: (لا شفاء إلا شفاؤك)(٢).
(ش): في هذه الرُّقية توسُّلٌ إلى الله تعالى بكمال رُبوبيته، وكمال
رحمته بالشفاء، وأنه وحده الشافي، وأنه لا شفاء إلا شفاؤه، فتضمَّن
التوسُّلَ إليه بتوحيده، وإحسانه، ورُبوبيته(٣).
٩٠٣ - وعَنْ أَنَسِ ﴿ه: أَنَّهُ قالَ لثابتٍ - رحمه الله -: أَلَا
أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللهِ بَّهِ؟ قالَ: بَلَى، قالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ،
مُذْهِبَ الْبَأْسِ، اشْفِ أَنَتَ الشَّافي، لا شافيَ إِلاَّ أَنْتَ، شِفِاءً
لا يُغادِرِ سَقماً. رواه البخاري.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٣٥).
(٢) انظر: ((الفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٧٧).
(٣) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ١٨٨).
٤٢٦
* قوله: ((ألا أرقيك برقية رسول ﴿)):
(خط): الرقية التي أمر بها رسول ويطي: هو ما يكون بقوارع القرآن،
وبما فيه ذكر الله على أَلْسُن الأبرار من الخلق الطاهرة النفوس، وهو الطُّبُّ
الرُّوحاني، وعليه كان معظم الأمر في الزمان المُتقدِّم، الصَّالِحِ أهلْه، فلما
عَزَّ وجود هذا الصِّنف من أبرار الخليقة؛ مال الناس إلى الطُّبِّ الجِسْماني
حين لم يجدوا للطّبِّ الرُّوحاني نُجوعاً في الأسقام؛ لعدم المعاني التي كان
يجمعها الرُّقاة المُقدَّسة من البركات، وما نهي عنه هو رقية العَزَّامين ومُدَّعي
تسخير الجِنِّ، وإليه ينحو أكثرُ مَن يرقي [من] الحَيَّة، ويستخرج السُّمَّ من
بدن الملسوع، ويقال: ذلك بأن الحية لِما بينها وبين الإنسان من العداوة
تُؤالف الشيطان الذي هو عدوٌّ أيضاً للآدمي، فإذا عزم على الحية بأسماء
الشيطان؛ أجابت، وخرجت من مكانها، وكذلك اللَّديغ إذا رُقي بتلك
الأسماء؛ سالت سمومُها، وجرت من مواقعها من بدن الإنسان(١).
٩٠٥ - وعَنْ أَبي عبدِ اللهِ عثمانَ بْنِ أَبي العاصِ ﴾: أَنَّهُ شَكا
إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَجَعاً يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ، فقالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌ِِّ:
(ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: باسم الله - ثَلاثاً -،
وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ)»
رواه مسلمٌ .
(١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٣/ ١١٢٠).
٤٢٧
* قوله: ((ضع يدك على الذي يألم من جسدك)):
(ق): هذا [الأمر على] جهة التعليم والإرشاد(١) إلى ما ينفع من
وضعه يد الراقي على المريض، ومسحه به، وأن ذلك لم يكن مخصوصاً
بالنبي ◌َّ، بل ينبغي أن يفعل ذلك كلُّ راق، فلا ينبغي للراقي أن يعدل عنه
بالمسح بحديد ولا بغيره؛ فإن [فعله] تمويةٌ لا أصل له، ومما ينبغي للراقي
أن يفعله النَّفْثُ والتَّفل؛ لما ثبت في الحديث، وكذلك التسمية ثلاثاً،
وتكرار العَوْذ سبعاً؛ لهذا الحديث، فينبغي للراقي أن يحافظ عليه، فكل
ذلك فيه أسرار يدفع الله بها الأضرار، وأما ما يفعله المُعَزِّمون من الآلات
والصَّلاصل: فتمويه، وتطرُّقٌ لأكل المال بالباطل.
واختلف العلماء في النُّشْرَة، وهي: أن يكتب شيئاً من أسماء الله تعالى
أو من القرآن، ثم يغسله بالماء، ثم يمسح به المريض، أو يسقيه إياه، فأجازها
سعيد بن المُسيَّب، قيل له: الرجل يُؤَخَّذُ عن امرأته، أَيَحَلُّ عنه ويُنَشَّر؟ قال:
لا بأس به، وما ينفع لم يُنْه عنه.
وقال المَازَريُّ: هي من السحر، وقد روى أبو داود عن جابر ظـ
قال: سُئل رسول الله وَّه عن النُّشْرة، فقال: ((هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان))(٢).
قال بعض علماءنا: هذا محمول على أنها خارجة عمَّا في كتاب الله
تعالى، وسُنَّة رسوله وَّةِ، وعن المُداواة المعروفة، والنُّشْرة: هي من جنس
(١) في الأصل: ((تعليم إلى جهة الإرشاد))، والتصويب من ((المفهم)) (٥٨٩/٥).
(٢) رواه أبو داود (٣٨٦٨). وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة))
(٦ / ٦١١).
٤٢٨
الطُّبِّ، ويتأيد هذا بقوله {وَه: ((لا بَأْسَ بالرُّقَى ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرٌْ، مَنِ
اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ ينفعَ أَخَاهُ؛ فَلْيَفْعَلْ))(١).
: قوله: ((ما أجد وأحاذر)):
(ط): تعوَّذ من وجع ومكروه هو فيه، ومما يُتوقَّع حصوله في
المستقبل من الخوف والحُزن، فإن الحذر هو الاحتراز عن المَخُوف(٢).
(ش): في هذا العلاج من ذكر اسم الله، والتفويض إليه، والاستعاذة
بِعِزَّته وقُدرته من شرِّ الألم ما يَذْهبُ به، وتكراره؛ ليكون أبلغَ وأنجعَ؛ کتكرار
الدواء لإخراج المادة، وفي السبع خاصِّية لا توجد في غيرها، انتهى(٣).
الاستعاذة بعِزَّته تعالى وقُدرته من بين سائر أسماء الله الحسنى،
والصِّفات العُلى إشارةٌ إلى أن ما يجده المُستعيذ من الألم والسُّقْم الذي ضَعُفَ
الأطباء عن معرفته وتشخيصه، وعجزوا عن دوائه هَيِّنٌ شفاؤه على العزيز
الغالب، الذي لا يغلبه شيء، ولا يُعْجِزه، ولا يتعاظمه، وعلى القادر الذي
يقدر على الإيجاد من العدم، ويخترع كل موجود اختراعاً، ويستغني فيه عن
مُعاونة غيره، أُنْشِدَ:
بِجَمِيلٍ لُطْفِكَ وَاشْفِنِي يا شَافي
يا رَبِّ قَدْ عَجَزَ الطَّبِيبُ فَدَاوِنِي
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٥٨٩)، والحديث رواه مسلم (٢٢٠٠)، من حديث
عوف بن مالك الأشجعي معه، دون قوله: ((من استطاع منكم ... فليفعل))، فهو
من حديث آخر رواه مسلم أيضاً (٢١٩٩)، من حديث جابر بن عبدالله ضدها.
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤/ ١٣٣٧).
(٣) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ١٨٨).
٤٢٩
٩٠٦ - وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﴾، عن النبيِّ وَِّ، قالَ: ((مَنْ عَادَ
مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْهُ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ
رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّ عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ)).
رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ، وقالَ الحاکِمُ:
حديثٌ صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ.
* [قوله]: ((لم يحضر أجله)): قيّد حُصولَ الشفاء ونفعَ الدعاء والدواء
بعدم حضور الأجل؛ فإن القضاء إذا أُبرم، ونَقَد الرزق، وتمَّ عدد الأنفاس؛
لم يبق للدعاء بالعافية إلا إظهارُ العبودية، وعَرْضُ الفاقة والحاجة إلى الله،
وأما حصول العافية: فلا، أنشدني شيخنا الإمام ناصر الدين أبو بكر عبدالله
الدِّمشقيُّ رحمه الله لنفسه :
وبدَفْعِه دَاعِ دَعا لا يُسْمَعُ
إِنّ القَضَاءَ إِذا تحكّمَ أَمْرُهُ
وَإِذَا قَضَى أَمْراً فمَنْ ذَا يَدْفَعُ
اللهُ يَحْكُمُ ما يَشَاءُ بِحُكْمِه
وأنشد غيره:
لا يَسْتَطِيعُ دِفَاعَ مَكْرُوهٍ أَتَى
إِنَّ الطَّبِيِبَ بطِبِّهِ ودَوَائهِ
٠٠٠
٩٠٧ - وعنه: أَنَّ النبيَّ ◌َهِ دَخَلَ عَلى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، وكانَ
إذا دَخَلَ عَلَى مَنْ يَعُودُهُ، قال: ((لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شاءَ الله)) رواه
البخاريُّ.
٤٣٠
* قوله: «دخل على أعرابي يعوده)):
(ك): فيه: أنه لا نقص على العالم في عيادة الجاهل(١).
(غب): ((الطهور)) قد يكون مصدراً فيما حكى سيبويه من قولهم:
تطهرت طَهوراً، وتوضأت وَضوءاً، فهذا مصدر على فَعول، وقد يكون
اسماً غير مصدر؛ كالفَطور في [كونه] اسماً لما يُفْطِر به، ونحوه الوَجُور
والسَّعوط والذَّرُور، ويكون صفة كالرسول، ونحو ذلك من الصفات،
وعلى هذا ﴿وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ﴿ وَأَنَزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ
طَهُورًا ﴾ [الفرقان: ٤٨].
قال أصحابُ الشافعيِّ رحمهم الله: الطَّهور بمعنى المُطهِّر، وذلك
لا يصح من حيث اللفظ؛ لأن فَعولاً لا يُبنى من أفعل وفَعَّل، وإنما يُبنى من
فَعُل.
وقيل: إن ذلك اقتضى التطهُّر من حيث المعنى؛ وذلك أن الطاهر
ضربان: ضرب لا يتعداه الطهارة؛ كطهارة الثوب، وضرب يتعداه، فيجعل
غيره طاهراً به، فوُصف الماء بأنه طهور؛ تنبيهاً على هذا المعنى.
والطهارة ضربان: طهارة جسم، وطهارة نفس، قد حمل عليهما
عامة الآيات، والأول: كقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦]؛ أي
استعملوا الماء وما يقوم مقامه .
والثاني: كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّالْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛
أي التاركين للذنب، والعاملين للصلاح، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾؛
(١) انظر: ((الكواكب الداراي)) للكرماني (٢٠ / ١٨٧).
٤٣١
يعني: تطهير النفس، وقوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [آل عمران:
٥٥]؛ أي: مخرجك من جملتهم، ومُنزِّهك أن تفعل فعلهم، وقوله: ﴿ذَالِكُتْ
أَزْكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
[الأحزاب: ٥٣]، انتھی(١).
فالطهور هنا بالمعنى الثاني؛ أي: هذا المرض سبب لحَطِّ ذنوبك،
وتطهير قلبك من القسوة والغفلة، وفي الحديث: ((حُمَّى يَوْمٍ كَفَّارَةُ سَنَةٍ))(٢).
بقية الحديث: قال: قلت: طهور، كلا بل هي حُمَّى تَفُور أو تَثُور على
شيخ كبير، تُزِيرُهُ القبور، فقال النبي ◌َّهِ: ((فَنَعَمْ إِذاً).
(نه): ((تفور))؛ أي: تظهر حَرَّها ووَهْجَها، وغليانها (٣).
(ط): الفاء مترتبة على محذوف، ((ونعم)) تقرير لما قال؛ يعني:
أرشدتك بقولي: ((لا بأس عليك)) إلى أن الحُمَّى تطهرك، وتنقي ذنوبك،
فاصبر واشكر الله، فأبيت إلا اليأسَ والكُفران، فكان كما زعمت، وما اكتفيت
بذلك بل رددت نعمة الله، وأنت مُسَجِّعٌ به، وقاله غضباً علیه، انتهى(٤).
يحتمل أن الأعرابي لم يفهم قصدَه وَّر من قوله: ((طهور))، وظن أنه
يَعْرِض عليه صحَّةَ الجسم، والكونَ في دار الدنيا، ويطيِّب نفسه، قال ◌َّ:
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣٠٨).
(٢) رواه تمام الرازي في ((الفوائد)) (١٣١٥)، من حديث أبي هريرة څ. وهو حديث
موضوع. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦١٤٣).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣ / ٤٧٨).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٣٤).
٤٣٢
((إذا دَخَلْتُمْ على مَرِيضٍ؛ فَنَفْسُوا لَهُ في أَجَلِهِ؛ فإِنَّ ذلك لا يَرُدُّ شَيْئاً، ويُطَيِّبُ
نَفْسَهُ))، خرجه الترمذيُّ، وابن ماجَة من حديث أبي سعيد(١)، وكان الأعرابي
قد شاخ وغلب عليه الكبر وسئم تكاليف الحياة، فلم يرغب في النهوض من
هذا المرض الهَرِم، واختار الموت المُوصِل إلى ما عند الله من النعيم المُقیم،
فتركه وَ* وما اختاره، وعذره بجهله وقُصور فهمه، وقال له: إن زعمت أن
هذا مرضُ موتك؛ فتموت، وهذا من معجزاته بَّه.
روي أن الأعرابي مات في مرضه ذلك؛ ولهذا ذكره البخاري في
(علامات النبوة)(٢).
٩٠٨ - وعَنْ أَبِي سعيدِ الخُدْرِيِّ ﴿هَ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ لَه
فقالَ: يَا مُحَمَّدًا اشْتَكَيْتَ؟ قالَ: ((نَعَمْ))، قالَ: ((بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ،
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، الله يَشْفِيكَ،
بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ)) رواه مسلمٌ.
* قوله: ((رقاه جبريل)):
(ن): في الحديث الآخر في الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «همُ
الذين لا يَرْقُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ))(٣)، فقد يُظَنُّ مخالفاً لهذه الأحاديث،
(١) رواه الترمذي (٢٠٨٧)، وابن ماجه (١٤٣٨). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (١٨٤).
(٢) رواه البخاري (٣٤٢٠)، من حديث ابن عباس حظوة
ا.
(٣) رواه مسلم (٢٢٠/ ٣٧٤) من حديث ابن عباس
٤٣٣
ولا مخالفة، بل المدح في ترك الرُّقى المراد بها الرُّقى التي هي من كلام
الكُفَّار، والرُّقى المجهولة التي هي بغير العربية، وما لا يعرف معناه، فهذه
مذمومة؛ لاحتمال أن معناه كفر، أو قريب منه، أو مكروه، وأما الرُّقی بآيات
القرآن وبالأذكار المعروفة: فلا نهي فيه، بل هي سُنَّة.
ومنهم من قال: إن المدح في ترك الرُّقى للأفضلية، وبيان التوكل،
وفعل الرُّقى والإذن فيها لبيان الجواز، مع أن تركها أفضل، وبهذا قال ابن
عبد البَرِّ، وحكاه عمَّن حكاه، والمختار الأول، وقد نقلوا الإجماع على
جواز الرُّقى بالآيات وأذكار الله تعالى.
قال المَازَريُّ: وجميع الرُّقى جائزة إذا كانت بكتاب الله أو بذكره،
وينهى عنها إذا كانت باللغة العجمية، أو بما لا يُدرى معناه؛ لجواز أن
یکون فيه کفر .
قال: واختلفوا في رُقية أهل الكتاب، فجوزها أبو بكر الصديق
وكرهها مالك؛ خوفاً أن يكون مما بدلوه، ومَن جوزها؛ قال: الظاهر أنهم
لم يُبِّدلوا الرُّقى؛ فإنهم لا غرض لهم في ذلك، بخلاف غيرها مما بدَّلوه،
وقد ذكر مسلم أن النبيَّ ◌َّهِ قال: ((اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لا بَأْسَ بالرُّقَى ما
لَمْ يَكُنْ فِيهَا شِرْكٌ»(١).
وأما قوله في الرواية الأخرى: (يا رسول الله بَّهُ؛ إنك نهيتَ عن
الرُّقى)(٢): فأجاب العلماء عنه بأجوبة :
(١) رواه مسلم (٢٢٠٠ / ٦٤)، من حديث عوف بن مالك الأشجعي ـ
(٢) رواه مسلم (٢١٩٩ / ٦٢)، من حديث جابر ظـ
٤٣٤
أحدها: أنه كان نهى أولاً، ثم نُسخ ذلك، وأَذِن فيها، وفعلها، واستقرَّ
الشرع على الإذن.
والثاني: أن النهي عن الرقى المجهولة كما سبق.
الثالث: أن النهيَ لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها، كما
كانت الجاهلية تَزْعُمه في أشياء كثيرة.
وأما قوله ◌َّهِ: ((لا رُقْيَةَ إِلَّ مِنْ عَيْنِ أَوْ حُمَةٍ)) (١): قال العلماء: لم يرد
حصر الرقية الجائزة ومنفعتها فيها، وإنما المراد: لا رُقيةَ أحقُّ وأولى من
رُقية العين والحُمَةِ؛ لِشِدَّة الضرر فيها.
قال القاضي: وجاء في الحديث في غير ((مسلم)): سئل عن النُّشْرَة،
فأضافها إلى الشيطان، قال: والنُّشْرة معروفة مشهورة عند أهل التعزيم،
وسُمِّت بذلك؛ لأنها تُنَشِّر عن صاحبها؛ أي: تَحُلُّ عنه، قال الحسن: هي
من السحر.
قال القاضي: وهذا محمول على أنها أشياء خارجة من كتاب الله تعالى
وأذكاره، وعن المُداواة التي هي من جنس المُباح، وقد حكى البخاري في
((صحيحه)) عن سعيد بن المُسيَّب: أنه سُئل عن رجل به طِبٌّ، أو ضرب من
الجنون، أو يُؤْخَّذ عن امرأته أَيُحَلُّ عنه ويُنَشَّر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون
به الصلاح، فلم يُنْهَ عما ينفع (٢)، وممن أجاز النُّشْرة الطبريُّ، وهو الصحيح،
(١) رواه البخاري (٥٣٧٨)، من حديث عمران بن حصين له، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤)،
من حديث ابن عباس ټپھا.
(٢) رواه البخاري (٢١٧٥/٥) في (باب: هل يستخرج السحر) تعليقاً.
٤٣٥
قال كثيرون أو الأكثرون: يجوز الاسترقاء للصحیح؛ لما يخاف أن يغشاه من
المكروهات والهَوَامِ، ودليله أحاديث عائشة رضي الله عنها [منها حديث]: إذا
أوى إلى فراشه؛ تفل في كفِّه، الحديثَ(١).
(ك): قال ابن بَطَّال: هل يُسأل الساحر عن حَلِّ السحر عن المسحور؟
فقال الحسن البصري: لا يجوز إتيان الساحر مطلقاً، وقال ابن المُسيَّب
وغيره: ذلك فيما إذا أتاه وسأل منه أن يضُرَّ من لا يَحِلُّ ضررُه، أما الإتيان
للحَلِّ: فهو نفع له، وقد أذن الله لذوي العِلل المعالجة، سواء كان المُعالج
ساحراً أم لا .
قال: وفي كتب وَهْب بن مُنَبِّه: أن الحَلَّ، ويُسمَّى النُّشْرةَ: أن يأخذ
سبع ورقات من سِدْر أخضرَ، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه
آية الكرسي، وذوات قُل، ثم يحسو منه ثلاث حُسْوات، ويغتسل به؛ فإنه
يذهب عنه كلُّ ما به إن شاء الله، وهو جيِّد للرجل إذا حُبس عن أهله(٢).
(ق): الرقية بأسماء الله لا تنافي التوكل؛ لأن الله سبحانه لم يزل
يُرَقِّي نبيَّهِ وَّي في المقامات الشريفة، والدرجات الرفيعة إلى أن قبضه الله
تعالی علی أرفع مقام وأعلی حال، وقد رُقي في أمراضه، حتى في مرض
موته، وهو مُقِرٌّ بذلك غير منكر لشيء مما هنالك(٣).
* قوله: ((ومن شر كل نفس أو عين حاسد)) :
(ن): قيل: إن المراد بالنفس نفس الآدمي، وقيل: يحتمل أن يراد بها
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٦٨).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢١/ ٣٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٦٣).
٤٣٦
العین؛ فإن النفس تطلق على العین، یقال رجل نفُوس: إذا کان یصیب بعينه،
كما قال في الرواية الأخرى: ((ومِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي عَيْن))(١)، ويكون قوله: ((أو
عين حاسد)) من باب التوكيد بلفظ مختلف، أو شكاً من الراوي.
قال المَازَرِيُّ: أنكر طوائفُ من المبتدعة العينَ، والدليل على فساد
قولهم: أن كل معنىً ليس مخالفاً في نفسه، ولا يُؤدِّي إلى قلب حقيقة،
ولا إفساد دليل؛ فإنه من مُجوَّزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه؛
وجب اعتقاده.
قال: وقد زعم بعض الطبائعيين والمُثبتين للعين أن العائن ينبعث من
عينه قوة سُمِّية تتصل بالمَعين، فيُهلك أو يفسد، قالوا: ولا يمتنع هذا، كما
لا يمتنع انبعاثُ قوة سُمِّية من الأفعى والعقرب تتصل باللديغ، فَيْهِلك،
وإن كان غير محسوس لنا فكذا العين، قال: وهذا غير مُسلَّم؛ لأنا بينا في
كتب الكلام أنْ لا فاعل إلا الله، وبينا فساد القول بالطبائع، وبينا أن
المُحدَث لا يفعل في غيره شيئاً، ونقول أيضاً: هذا المنبعث من العين: إما
جوهر، وإما عرض، فباطل أن يكون عرضاً؛ لأنه لا يقبل الانتقال، وباطل
أن يكون جوهراً؛ [لأن الجواهر] مُتجانسة، فليس بعضُها بأن يكون مفسداً
لبعضها أَوْلى من عكسه، فيبطل ما قالوه.
قال: وأقرب الطرق: ما قاله بعض مَن ينتحل الإسلام منهم: أنه
لا يبعد أن ينبعث جواهر لطيفة غير مرئية من العائن، فتتصل بالمَعين،
وتتخلل مسامَّ جسمه، فيخلق الله سبحانه الهلاك عندها، كما يخلق الهلاك
(١) رواه مسلم (٢١٨٥/ ٣٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
٤٣٧
عند شرب السُّمِّ عادة أجراها الله سبحانه، وليست ضرورة، ولا طبيعة ألجأ
العقل إليها .
ومذهب أهل السنة: أن المَعين إنما يفسد ويهلك عند نظر العائن
بفعل الله تعالى، أجرى الله سبحانه وتعالى العادةَ أن يخلق الضرر عند
مقابلة هذا الشخص بشخص آخر، وهل ثم جواهر خفيّة أم لا؟ هذا من
مُجوَّزات العقول، ولا يُقطع بواحد من الأمرين.
هذا ما يتعلق بعلم الأصول، أما ما يتعلق بعلم الفقه: فإن الشرع ورد
بالوضوء لهذا الأمر في حديث سهل بن حُنَيَف لمَّا أُصيب بالعين عند
اغتساله، فأمر النبي ◌َّ عائنه بأن يتوضأ، رواه مالك في ((الموطأ))(١).
وصفة وضوء العائن عند العلماء: أن يؤتى بقدح ماء، ولا يوضع
القدح على الأرض، فيأخذ منه غَرْفة، فيتمضمض بها، ثم يمجُّها في
القدح، ثم يأخذ منه ما يغسل به وجهه، ثم يأخذ بشماله ما يغسل به كفَّه
اليُمنى، ثم بيمينه ما يغسل به كفَّه اليُسرى، ثم بشماله ما يغسل به مِرفقه
الأيمن، ثم بيمينه ما يغسل به مِرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين
والکفین، ثم يغسل قدمه الیمنی، ثم الیسری، ثم يغسل ركبته اليمنى، ثم
اليسرى على الصفة المتقدمة، وكل ذلك في القدح، ثم أدخله إزاره، وهو
الطرف المُتدلِّي الذي يلي حَقْوه الأيمن، وقد ظن بعضهم أن داخلة الإزار
كناية عن الفرج، وجمهور العلماء على ما قدمناه، فإذا استكمل هذا؛ صبَّه
(١) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (٢/ ٩٣٨). وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة
الصحيحة)) (٦ / ١٤٨).
٤٣٨
من خلفه على رأسه، وهذا المعنى لا يمكن تعليلُه ومعرفة وجهه، ولیس
في قوة العقل الاطلاعُ على أسرار جميع المعلومات، فلا يُدفع هذا بأن
لا يُعقل معناه.
اختلف العلماء في العائن: هل يُجبر على الوضوء للمَعين أم لا؟
واحتجَّ من أوجبه بقوله ◌َّهِ: ((وإذا استُغْسِلْتُم؛ فَاغْسِلُوا))، رواه مسلم(١)،
ورواية ((الموطأ)) كما قدمنا، والأمر للوجوب.
قال المَازَرِيُّ: والصحيح عندي الوجوب، ويبعد الخلاف فيه، فإذا
خُشي على المَعين الهلاك، وكان وضوء العائن مما جرت العادة بالبُرء به؛
فإنه يصير من باب من تعيَّن عليه إحياء نفس مُشرفة على الهلاك، وقد تقرر
أنه يُجبر على بذل الطعام للمضطر، فهذا أولى، وبهذا التقرير يرتفع
الخلاف فيه .
وزاد القاضي: ثم يقوم الذي في يده القدح، فيصبُّه على رأس المَعين
من ورائه على جميع جسده، ثم يكفأ القدح من ورائه على ظهر الأرض.
وقيل: يستغفله بذلك عند صبِّه عليه، وقد جاء في حديث سهل بن
حُنيف من رواية مالك في صِفته: قال للعائن: اغتسل له، فغسل وجهه،
ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره، وفي رواية مالك
في صفته: فغسل وجهه، وظاهر كَفَّيه، ومرفقيه، وغسل صدره، وداخلة
إزاره، وركبتيه، وأطراف قدميه، ظاهرهما في الإناء، قال: وحسبته قال وأُمر
فحسا منه حُسْوات.
(١) رواه مسلم (٢١٨٨/ ٤٢)، من حديث ابن عباس
٤٣٩
قال بعض العلماء: ينبغي إذا عُرف أحدٌ بالإصابة بالعين أن يُجتنب
ويُحترز منه، وينبغي للإمام منعُه من مداخلة الناس، ويأمره بلزوم بيته، فإن
كان فقيراً؛ رزقه ما يكفيه، ويَكُفُّ أذاه عن الناس، فضرره أشدُّ من ضرر
آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي ◌َّ دخول المسجد؛ لئلا يؤذي
المسلمين، ومن المجذوم الذي منعه عمر عه والعلماء بعده الاختلاط
بالناس، ومن ضرر المؤذيات [من المواشي] التي يؤمر بتغريبها إلى حيث
لا يتأذى به أحدٌ، وهذا الذي قاله هذا القائل صحيحٌ مُتعيِّن، ولا يعرف
عن غيره تصريح بخلافه(١).
(ق): لو انتهى إصابة عين العائن إلى أن يعرف بذلك؛ فما أتلفه
بعينه؛ غَرِمه، وإن قتل أحداً بعينه عامداً لقتله؛ قتل به؛ كالساحر القاتل
بسحره عند من لا يقتله كفراً، وأما عندنا: فيقتل على كل حال، قتل أو لا؛
لأنه کالزِّندیق(٢).
٩٠٩ - وعَنْ أَبي سعيدِ الخُذْرِيِّ، وأَبِي هُريرةَ ظُ﴾: أَنَّهُمَا
شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ: أَنَّهُ قالَ: ((مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، واللهُ
أَكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ، فقالَ: لا إِلَهَ إِلَّ أَنَا، وَأَنَا أَكْبَرُ. وإذا قال: لا إِلَهَ
إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، قالَ: يقولُ: لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا وَحْدِي
لا شَرِيكَ لي. وإذا قال: لا إِلَه إِلَّ اللهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٧١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٦٨).
٤٤٠