النص المفهرس

صفحات 401-420

* قوله: «غطى وجهه)):
(تو): هذا نوع من الأدب بين يدي الجُلساء؛ وذلك أن العاطس
لا يأمن عند العطاس ما يكرهه الراؤون من فَضَلات الدِّماغ.
(نه): ((غض صوته))؛ أي: خفضه، ولم يرفعه بصَيْحة(١).
(ق): تغطية الوجه سَتْرٌ لما يُغيِّرِه العُطاسُ من الوجه والهيئة، و[لأن]
إعلاء الصوت عندها مُباعِدٌ للأدب والوَقار، انتهى(٢).
وفي ((كتاب ابن السُّنِّي)) عن عبدالله بن الزبير عَ ﴾ قال: قال رسول الله وَّه:
((إِنَّ اللهَْ يَكْرَهُ رفعَ الصَّوْتِ بِالتََّاؤُبِ والعُطَاسِ)»(٣).
وفيه عن أُمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسولَ الله وَ لا يقول:
((الَّثَاؤُبُ الرَّفِيعُ والعَطْسَةُ الشَّدِيدَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ))(٤).
٨٨٣ - وعَنْ أَبي موسى ﴿ه، قالَ: كانَ اليَهودُ يَتَعَاطَسُونَ
عِنْدَ رَسُولِ اللهِوَهِ، يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللهُ، فيقولُ:
(يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ)). رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ:
حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٣٧١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٢٥).
(٣) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٦٧). وهو حديث موضوع. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (٣١٣٧).
(٤) المرجع السابق (٢٦٤). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٣٤٢٣).
٤٠١

* قوله: ((يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله)):
(ط): لعل هؤلاء الذين عرفوه حقَّ معرفته، لكن منعهم عن الإسلام،
إما التقليدُ، وإما حُبُّ الرِّياسة، وعرفوا أن ذلك مذمومٌ، فتحرَّوْا أن يهديَهم
الله، ويُزيل عنهم ذلك ببركة دعائه ێے، انتهى(١).
هذا وجهٌ بعيد لا يناسب ظاهرَ لفظ الحديث، والوجه: أنهم كانوا
يريدون أن يُشمِّتهم النبيُّ وَّه بقوله: ((يرحمكم الله)) كما يُشمِّت المسلمين؛
كبراً منهم واعتلاء، فنزَّلهم وََّ منازلهم من الذُّل والهَوَانِ، ودعا لهم
بالهداية إلى صراط مستقيم، وإصلاح الحال.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٠٧٩).
٤٠٢

١٤٣- باب
استحبابِ المصافحةِ عندَ اللقاءِ، وبشاشة الوجهِ،
وتقبيلِ يدِ الرجلِ الصالحِ، وتقبيلٍ ولدِه شفقة،
ومعانقةِ القادمِ مِنْ سَفَرٍ، وكراهيةِ الانحناء
(باب في استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه، وتقبیل ید الرجل
الصالح، وتقبيل ولده شفقة، ومعانقة القادم من سفر، وكراهة الانحناء)
(نه): ((المصافحة)): مفاعلة؛ من إلصاق صَفْح الكَفِّ بالكَفِّ، وإقبال
الوجه على الوجه، ومنه الحديث: ((قَلْبُ المُؤْمِن مُصْفَحٌ عَلى الحَقِّ)؛
أي: مُمَالٌ عليه، كأنه جَعَل صَفْحَه - أي: جانبَه - عليه(١).
(ن): المُعانقة، وتقبيل الوجه لغير الطفل، ولغير القادم من سفر وغيره
مكروهان، نصَّ على كراهتهما أبو محمد البَغويُّ وغيره من أصحابنا، ويدل
على الكراهة حديثُ أنس المذكور في هذا الباب: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: ((لا)).
وأما الأمرد الحسن: فيحرم بكل حال تقبيلُه، سواء قدم من سفر أم لا،
والظاهر أن معانقته كتقبيله، ولا فرق في هذا بين أن يكون المُقَبِّل والمُقَبَّل
رجلين صالحين، أو فاسقين، أو أحدهما صالح، فالجميع سواء(٢).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٤).
(٢) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ٢٠٨).
٤٠٣

٨٨٥ - عن أبي الخَطَّابِ قَتَادَةَ، قالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ: أَكَانَتِ
المُصافَحَةُ في أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ ◌ّرِ؟ قالَ: نَعَمْ. رواه البخاريُّ.
قوله: ((قال: نعم)) :
(ن): اعلم أن المصافحة سُنَّة مُستحبَّةٌ مُجمع عليها عند كل لقاء، وما
اعتاده الناس بعد الصبح والعصر لا أصل له في الشرع على هذا الوجه،
ولكن لا بأس به؛ فإن أصل المُصافحة سُنَّة، وكونهم محافظين عليها في
بعض الأحوال، مُفرِّطين فيها في كثير من الأحوال لا تخرج ذلك البعضَ
عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها، وهي من البدع المُباحة.
وينبغي أن يحترز عن مُصافحة الأَمْرَد الحَسَنِ الوجهِ؛ فإن النظر إليه
حرام.
قال أصحابنا: كل مَن حرم النظر إليه حرم مسُّه، بل المَسُّ أشدُّ؛ فإنه
يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها، وفي حال البيع والشِّراء،
ونحو ذلك، ولا يجوز مسُّها في شيء من ذلك(١).
٨٨٧ - وعَنِ البَرَاءِ ◌َ﴿هِ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِصَحِ: ((ما مِنْ
مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ، إِلاَّ غُفِرَ لهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَ)) رواه أبو
داودَ.
(١) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ٢١٠).
٤٠٤

* قوله : ((فيتصافحان؛ إلا غفر لهما))، وفي رواية لأبي داود: ((إذا
التقى المُسلِمَانِ، فَتَصَافَحا، وحَمِدا اللهَ، واسْتَغْفَرَاهُ؛ غُفِرَ لَهُمَا)(١)، وفي
((كتاب ابن السُّنِّي)) عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله وَّه: ((إِنَّ المُسْلِمَيْنِ
إِذا الْتَقَيَا، فَتَصَافَحا، وتَكَاشَرا بوُدُّ ونَصِيحَةٍ؛ تَنَثَرَتْ خَطَايَاهُمَا بَيْنَهُمَا))(٢).
وفيه عن أنس ، عن النبيِّ وَ﴿ه قال: ((مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَينٍ في الله
يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَيُصَافِحُهُ، فَيُصَلِيَانِ على النبيِّ وَّهِ؛ إِلَّ لَمْ يَتَفَرَّقا
حتَّى يَغْفِرَ اللهُ لهُمَا ذُنوبَهُما، ما تَقَدَّمَ مِنْها وما تَأَخَّرَ))(٣).
وفيه عن أنس ظه أيضاً قال: ما أخذ رسولُ اللهِ وَلفه بيد رجل ففارقه
حتَّى قال: ((اللَّهُمَّ؛ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وفِي الآخِرَةِ حَسَنةً، وقِنَا عَذابَ
النَّارِ)(٤).
وفي ((موطأ الإمام مالك)) عن عطاء بن عبدالله الخُرَاسانيِّ قال: قال
رسول الله وَّه: (تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُوا، وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ)(٥).
(١) رواه أبو داود (٥٢١١). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٢٣٤٤).
(٢) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (١٩٥). وهو حديث ضعيف. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (٢٣٨٦).
(٣) المرجع السابق (١٩٤). وهو حديث منكر جدًّا بهذا اللفظ. انظر: ((السلسلة
الضعيفة» (٦٥٢).
(٤) المرجع السابق (٢٠٤).
(٥) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١٦١٧). وهذا مرسل ضعيف، لكن يشهد لجزئه
الثاني حديث أبي هريرة ه المرفوع بلفظ: ((تهادوا تحابوا» رواه البخاري =
٤٠٥

٨٨٨ - وعن أَنَسِ ﴾، قالَ: قَالَ رَجُلٌ: يا رسولَ الله! الرَّجُلُ
مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ، أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قال: ((لا))، قالَ: أَفَيَلْتَزِمُهُ
وَيُقَبِّلُهُ؟ قال: ((لا))، قال: فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قالَ: ((نَعَمْ)) رواه
الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
* قوله: «أینحني له؟)) :
(ن): حَنْيُ الظهر مكروه؛ للحديث الصحيح في النهي عنه، ولا يغتر
بكثرة مَن يفعله ممَّن ينسب إلى علم وصلاح؛ فإن الاقتداء إنما يكون
برسول الله بٌَّ، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ
فَأَنْتَهُواْ ﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ
فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِرٌ﴾ [النور: ٦٣] (١).
٨٨٩ - وعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﴿ه، قالَ: قالَ يَهُودُِّ
لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلى هَذَا النَّبِيِّ، فَأَنْيَا رَسُولَ اللهِ، فَسَأَلاَهُ
عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ؛ فَذَكَرَ الحَديثَ إلى قَوْلِهِ: فَقَبَّلا يَدَهُ وَرِجْلَهُ،
وقالا : نَشْهَدُ أنَّك نَبِيٌّ. رواه الترمذيُّ وغيرُه بأسانيدَ صحيحةٍ.
* قوله: ((فذكر الحديث)): وهو ما رُوي عن صفوانَ بن عَسَّال قال:
= في ((الأدب المفرد)) (٥٩٤)، وهو حديث حسن. انظر: ((إرواء الغليل)) (١٦٠١).
(١) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ٢١٠).
٤٠٦

قال بعضُ اليهود لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي (َّ﴿، فقال له صاحبُه:
لا تقل: إنه نبي، إنه لو سمعك كان له أربعةُ أَعْيُن، فأتيا رسول الله وَلِّ،
فسألاه عن تسع آيات بَيِّنات، فقال لهم: ((لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئاً، ولا
تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلا بالحَقِّ، ولا تَمْشُوا
بِبَرِيءٍ إلى ذِي سُلْطَانٍ؛ لِيَقْتُّلَهُ، ولا تَسْخَرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرَّبا، ولا تَقْذِفُوا
مُخْصَنةً، ولا تُوَلُّوا الأَدْبَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكُمْ خَاصَّةَ الْيَّهُودِ أَنْ لا تَعْتَدُوا في
السَّبْتِ»، فَقَبَّلا يدَه ورجلَه، وقالا: نشهد أنك نبيُّ الله، قال: ((ما يَمْنَعُكُمَا أن
ثَّبِعَانِي؟))، قالوا: إن داود دعا ربَّه أن لا يزال من ذريته نبيٌّ، وإنا نخاف إن
اتبعناك؛ أن تقتلنا اليهود(١).
٨٩٠ - وعَنِ ابنِ عمرَ ﴾ قِصَّةٌ قالَ فيها: فَدَنَوْنَاَ مِنَ النَّبِيِّ وَّهِ،
فَقَبَّلْنَا يَدَهُ. رواه أبو داود.
* قوله: ((قصة قال فيها)): وهي ما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى: أن عبدالله بن عمر حدثه: أنه كان في سَرِيَّة من سرايا رسول الله وَّ، قال:
فحاص الناسُ حَيْصَةً، فكنت فيمن حاص، فلما برزنا؛ قلنا: كيف نصنع، وقد
فررنا من الزَّحْف، ويُؤنا بالغضب؟! فقلنا: ندخل المدينة فنتبَّتُ فيها ونذهب،
ولا يرانا أحدٌ قال: فدخلنا، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله وَله، فإن
كانت لنا توبةُ؛ أقمنا، وإن كان غير ذلك؛ ذهبنا، قال: فجلسنا لرسول الله وَله
(١) رواه الترمذي (٢٧٣٣). وهو حديث ضعيف. انظر: ((تخريج أحاديث المشكاة))
(٥٨).
٤٠٧

لصلاة الفجر، فلمَّا خرج؛ قمنا إليه، فقلنا: نحن الفَرَّارون، فأقبل إلينا، فقال:
((لاَ، بَلْ أَنْتُمُ العَكَّارُونَ))، قال: فدنونا، فقبلنا يدَه فقال: ((أنا فِئَةُ المُسْلِمِينَ))(١).
(خط): ((خاص)): إذا حاد عن طريقه، وانصرف عن وجهه إلى جهة
أخرى، وقوله: ((بل أنتم العَكَّارون)) يريد أنتم العائدون إلى القتال، والعاطفون
إليه، يقال: عَكَرْتُ على الشيء: إذا عطفتَ عليه، قال الأصمعيُّ: رأيت أعرابياً
يَفْلِي ثيابه، فيقتل البراغيث، ويترك القَمْلَ، فقلت: لم تصنع هذا؟ فقال: أقتل
الفُرسان، ثم أَعْكِرُ على الرَّجَّالة(٢).
* وقوله ﴿: ((أنا فئة المسلمين)) يمهّد بذلك عُذْرَهم، وهذا تأويل
قوله سبحانه: ﴿أَوْ مُتَحَيًِّا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦].
٨٩١ - وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها، قالَتْ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ
المَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللهِلَّهِ فِي بَيْتِي، فَأَتَاهُ فَقَرَعَ البَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ
النبيُّ ◌َ﴿ يَجُرُّ ثوْبَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ. رواه الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ
حسنٌ.
* قوله: «فاعتنقه وقبله» :
(حس): قد جاء عن النبي ◌َّ أنه نهى عن المُعانقة والتقبيل، وجاء
أنه عانق جعفر بن أبي طالب، وقبّله عند قدومه من أرض الحبشة، وأمكن
(١) رواه أبو داود (٢٦٤٧). وهو حديث ضعيف. انظر: ((إرواء الغليل)) (١٢٠٣).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٢٧٣).
٤٠٨

من يده حتى قُبِّلت، وفعل ذلك أصحابُ النبيِ وَّ، وليس بمُختلف،
ولكلٍّ عندنا وجهٌ، أما المكروه من المعانقة والتقبيل: ما كان على وجه
المَلَق والتعظيم وفي الحَضَر، وأما المأذون فيه: فعند التوديع، وعند
القدوم من السفر، وطول العَهْد بالصاحب، وشِدَّة الحُبِّ في الله .
ومن قبَّل؛ فلا يُقبِّل الفمَ، ولكن اليدَ، والرأسَ، والجَبْهَ، وإنما
كره ذلك في الحضر فيما نرى؛ لأنه يكثر، ولا يَسْتوجِبُه كلُّ أحد، فإن فعله
الرجل ببعض الناس دون البعض؛ تأذى الذين تركهم، وظنوا أنه قصَّر
بحقوقهم(١).
(ط): يفهم من هذا الفرحُ منه ◌ََّ، واستبشارُه بقدُومه، وتعجيلُه
للقائه من حيث لم يتمكن من تمام التردِّي بالرِّداء حتى جرّه، وكثيراً ما يقع
مثلُ هذا(٢).
٨٩٢ - وعَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َ﴿ه، قالَ: قالَ لِي رَسُولُ الله ◌ِلَّى:
(لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ المعْرُوفِ شَيْئاً، ولَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ))
رواه مسلم.
* قوله ◌َّاج: ((لا تحقرن من المعروف شيئاً)، سبق شرحه في
(الباب الثالث عشر).
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ٢٩٢).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٠٦٠).
٤٠٩

٨٩٣ - وعَنْ أَبِي هُريرةَ﴿﴾، قالَ: قَبَّلَ النبيُّ وَ﴿ِ الحَسَنَ بْنَ
عَلِيٍّ ﴾، فقالَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: إِنَّ لي عَشْرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا
قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً، فقالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ لا يَرْحَمْ، لا يُرْحَمْ))
متفقٌ عليه.
* قوله قال: ((من لا يرحم لا يرحم))، سبق في (الباب السابع والعشرين)
في (تعظيم حرمات المسلمين).
٤١٠

كتاب عيادة المريض
وَتَشْيِيعِ المَيِّتِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَحُضُورِدَفْتِهِ
وَالمَكْثِ عِنْدَ قَبْرِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ

كتاب عيادة المريض
وَتَشْبِيعِ المَيِّتِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَحُضُورِدَفْتِهِ
وَالمَكْثِ عِنْدَ قَبْرِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ
(الباب الخامس بعد المائة)
(في عيادة المريض، وتشييع الميت، والصلاة عليه، وحضور دفنه،
والمكث عند قبره بعد دفنه)
٨٩٤ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عازِبٍ ﴾، قالَ: أَمَرَناَ رَسُولُ اللهِ وَاهـ
بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِنْرَارِ المُقْسِمِ،
وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِنْشَاءِ السَّلامِ. متفقٌ عليه.
٨٩٥ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قالَ: ((حَقُّ
المُسْلِمٍ عَلى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، واتِبَاعُ
الجَنَائِزِ، وإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ)) متفقٌ عليه.
(الأَوْلُ وَالثَّانِى)
سبقا في (الباب السابع والعشرين).
٤١٣

٨٩٦ - وعنهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: ((إِنَّ الله وَكَ يَقُولُ
يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا بْنَ آدَمَ! مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْني، قالَ: يَا رَبِّ! كَيْفَ
أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالمين؟! قالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنْ عَبْدِي فُلاناً
مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ، لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا بْنَ
آدَمَ! اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ! كَيْفَ أُطِعِمُكَ وَأَنْتَ
رَبُّ العَالمِينَ؟! قالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فَلانٌ فَلَمْ
تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا بْنَ
آدَمَ! اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِ، قَالَ: يَا رَبِّ! كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ
رَبُّ العَالمِينَ؟! قالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ! أَمَا عَلِمْتَ
أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ، لَوَجَدْتَ ذلكَ عِنْدِي؟)) رواه مسلم.
* قوله: ((وأنت رب العالمين؟!):
(ط): حال مقررة لجهة الإشكال التي يتضمنه معنى ((كيف))، ومعنى
((الرب)): المالك والمُربِّي، فمعنى الأول: [أن العيادة] إنما تكون
للمريض العاجز، ويستحيل ذلك في حق المالك الحقيقي؛ أي: كيف
أعودك، وأنت القاهر القادر، القوي المتين؟ وعلى الثاني والثالث: أن
الإطعام والإسقاء إنما يحتاج إليه الضعيفُ الذي يتقوَّى به، فيَقُوم صُلبُه به،
وأنت مُربِّي العالمين، والغنيُّ على الإطلاق.
وخص الأول بقرينة: ((وجدتني عنده))، وفي الإطعام والسَّقْي:
(لوجدت ذلك عندي))؛ لأن العجز والانكسار أَلْصَقُ وأَلْزَمُ هناك، والله
٤١٤

تعالى أقربُ إلى المُنْكَسِرِ المِسْكين.
فإن قلت: الظاهر أن يقال: كيف تمرض؟ مكان (أعودك وأنت رب
العالمين).
قلت: عدل مُعتذراً إلى ما عُوتب عليه، وهو مستلزم لنفي المرض(١).
(شف): قال في العِيَادة: (وجدتني عنده) بخلاف الإطعام والسَّقْي؛
إرشاداً إلى أن الزِّيارة والعِيادة أكثرُ ثواباً منهما.
(ن): أضاف المرض إلى الله تعالى، والمُراد العبدُ؛ تشريفاً للعبد،
وتقریباً له، قالوا: ومعنى (وجدتني عنده): وجدت ثوابي وكرامتي(٢).
(ق): هذا تنزُّلُ في الخطاب، ولُطْفٌ في العقاب، ومقتضاه التعريف
بعظيم فضل ذي الجَلال، وبمقادير ثواب هذه الأعمال، ويُستفاد منه: أن
الإحسان على العَبِيد إحسانٌ إلى السَّادة، فينبغي لهم أن يعرفوا ذلك، وأن
يقوموا بحَقِّه(٣) .
٨٩٧ - وعَنْ أَبي موسى ◌َظُه، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّن:
((عُودُوا المَرِيضَ، وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَفُكُّوا العَاني)) رواه البخاريُّ.
((العَاني)): الأَسِيرُ.
(١) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٤ / ١٣٣٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٢٦).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٥١).
٤١٥

* قوله : ((عودوا المريض)) :
(ك): قال ابن بَطَّال: يحتمل أن تكون العِيادة من فروض الكفايات؛
كإطعام الجائع، وأن يكون معناه الندبَ والحَضَّ على المؤاخاة والأُلفة،
ويدخل في عمومه جميعُ الأمراض، وفيه رَدٌّ على مَن قال: لا يُعاد الرَّمِد،
قال: لأن العائد يرى في بيته ما لا يراه، وحالة الإغماء أشدُّ من الرَّمَد؛ لأن
المُغمى عليه يزيد عليه بفقد عقله، وقد عاد رسول الله وَ ل# جابراً فيه.
وفيه: أن عائد المریض إن كان حضورُه عنده وتفقّدُه له من حيث إنه
مُوجِبٌ لثوران نشاطه، وانتعاش قوته؛ يصير سبباً لزيادة صحَّة المريض؛
ولهذا وَسَّطه بين الإطعام والفَكِّ اللذين هما بحسَب الظاهر سببٌ
لبقائهما، وأن الكل في الحقيقة بقدرة الله تعالى؛ إذ لا مُؤثِّر في الوجود
إلا الله(١).
(نه): ((العاني)): الأسير، وكلُّ مَن ذَلَّ واستكان وخضع؛ فقد عنا
يعنو، فهو عانٍ، والمرأة عانية، وجمعها عَوَانٍ(٢).
(ك): ((الفك)): التخليص بنحو الفِداء(٣).
(ط): المتضررون الذين وجب حقُّهم على غيرهم من المسلمين
مُنحصرون في هذه الأقسام صريحاً وكناية عند إمعان النظر، انتهى(٤).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠ / ١٨١).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣١٤).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠ / ١٨١).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٣١).
٤١٦

وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: (باب وجوب عيادة المريض)(١).
٨٩٨ - وعَنْ ثَوْبَانَعَ﴾، عن النبيِّوَ﴿ِ، قالَ: ((إِنَّ المُسْلِمَ
إِذَا عَادَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ)، قِيلَ :
يا رَسُولَ اللهِ! وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قالَ: ((جَنَاها)) رواه مسلم.
* قوله: ((خرفة الجنة» :
(نه): (الخرفة) بالضم: اسم ما يُخترف من النخيل حين يُدْرِك، وفي
حديث آخر: ((عَائِدُ المَرِيضِ على مَخَارِفِ الجَنَّةُ حتَّى يَرْجِعَ))(٢)،
(المخارف): جمع مَخْرَف بالفتح، وهو الحائط من النخل(٣).
* قوله: «جناها»:
(ن): أي: يؤول به ذلك إلى الجنة، واجتناء ثمارها، واتفق العلماء
على فضل عيادة المريض (٤).
(ق): (الجناء): ما يُجتنى من الفواكه؛ يعني: أن عائد المريض بما
يناله من أجر العيادة وثوابها المُوصِل إلى الجنة؛ كأنه يجتني ثمرة الجنة،
وعيادة المريض من الطاعات الكثيرة الثوابِ، العظيمة الأجر، وهي من
(١) انظر: ((صحيح البخاري)) (٥/ ٢١٣٩).
(٢) رواه مسلم (٢٥٦٨)، من حديث ثوبان څ.
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢٤).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٢٤).
٤١٧

فروض الكفايات إذا منع المريض من التصرُّف؛ لأن المريض لو لم يُعَد؛
لضاع وهلك، لا سيما إن كان غريباً أو ضعيفاً، وأما مَن كان له أهل:
فيجب تمريضُه على مَن تجب عليه نفقتُه(١).
٨٩٩ - وعن عَلِيٍّ ◌َ﴿ه، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يقولُ:
(مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِماً غُدْوَةً، إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ
حَتَّى يُمْسِي، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً، إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ
حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الجَنَّةِ) رواه الترمذيُّ، وقالَ:
حديثٌ حسنٌ.
((الخَرِيفُ)): الثَّمَرُ المَخْرُوفُ؛ أَي: المُجْتَنَى.
* قوله: ((وإن عاد عشية»:
(ط): ((إن)) نافية؛ بدلالة ((إلا))، ولمُقابلتها ((ما))، انتهى (٢).
٩٠٠ - وعَنْ أَنَسِ هِ، قالَ: كَانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ لَه
فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ نَّهِ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فقالَ لَهُ: ((أَسْلِمْ))،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٥٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٤٤).
٤١٨

فَظَرَ إِلى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فقالَ: أَطِعْ أَبَّ القَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ
النَّبِيُّ ◌َهِ، وَهُوَ يقولُ: ((الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ)) رواه البخاريُّ.
* قوله : («الحمد الذي أنقذه من النار)):
فيه: خدمة الأكابر والصالحين، واغتنام مُصاحبتهم ومجالستهم،
ولقد أحسن القائل :
ومُجَالِسُ السُّفَهَاءِ غَيْرُ مُشَرَّفٍ
مَنْ جَالسَ الشُّرَفَاءَ شُرِّفَ قَدْرُهُ
بالثَّغْرِ لمَّا صَارَ جِلْدَ المُصْحَفِ
فَانْظُرْ إِلَى الجِلْدِ الحَقِيرِ مُقَبَّلاً
وفيه: استحباب عيادة المريض الذي هو من ذوي الأقدار والمناصب،
وأن لا يستنكف الإمامُ والعالمُ من ذلك.
قال أصحاب الشافعي: إذا كان المريض ذِمِّياً له قرابة، أو جوار،
ونحوهما؛ استُحِبَّت العيادة، وإلا؛ جازت، وترجم البخاري لهذا الحديث
بقوله: (باب عيادة المشرك).
وفيه: استحباب قعود العائد عند رأس المريض؛ ليُؤْنِسَه، ويسأل عن
حاله، ولا يكلفه رفعَ الصوت إذا جلس بعيداً عنه.
وفيه: استحباب وضع العائد يَده على رأس المريض؛ فإنه أكمل في
الاستئناس.
وفيه: اهتمام الكبير والشيخ بحال مُلازميه إذا وقعوا في وَرْطة، أو
حدثت بھم حادثة .
٤١٩

وفيه: أن العائد إذا رأى بالمريض أمارةَ الموت؛ أن ينصحه بما ينفعه
في آخرته؛ من التوبة، وردِّ المظالم والودائع، والصدقة، وإعداد زاد
المَعاد، والإقبال على مُهِمَّات سفره الذي هو مُشرف عليه، وإن رأى أمارة
البُرء وخِفَّة مرضه؛ اقتصر على الدعاء، وتطييب نفس المريض.
وفيه: رعاية الأدب مع الوالدين، وإن كانا مشركين، فقيل: ما وصل
مَن وصل إلا بالأدب، ففي هذا الأمر الذي كان يجب عليه مخالفتُهما لو
أمراه بالاستمرار على كُفره لمَّا راعى الأدبَ، ونظر إلى والده مستشيراً
له (١)؛ رزقه الله ببركة الأدب سعادة الأبد.
وفيه: استحباب الحمد عند حدوث نعمة.
(١) في الأصل: ((متشيراً منه)).
٤٢٠