النص المفهرس

صفحات 321-340

التحقيق، ومعنى (فقد رآني) ما رآه صار واسطةً بيني وبينه في تعريف الحَقِّ
إياه، وكذلك ذات الله تعالى مُنزَّهةٌ عن الشكل والصُّورة، ولكن تنتهي تعريفاته
إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نُور أو غيره من الصور الجميلة التي
تصلح أن تكون مثالاً للجمال الحقيقيِّ المَعْنويِّ الذي لا صُورةَ فيه، ولا لونَ،
ويكون ذلك المثال صادقاً وحَقّاً وواسطةً في التعريف، فيقول الرائي: رأيت
الله في المنام، لا بمعنی أني رأيت ذاته.
قال الشيخ أبو القاسم القُشيريُّ: من المعلوم [أنه] قد يراه صلوات الله
عليه بعضُ الناس كأنه على صورة شيخ، ويراه بعضُهم على صورة أَمْرَدَ،
وآخرُ كأنه مريض، وآخرُ كأنه ميت، وغير ذلك من الوجوه، ثم يكون معنى
الخبر: أن تلك الرؤيا جميعاً تحتمل وجوهاً من التأويل؛ لأنه سي كان موصوفاً
بتلك الصفات أجمعَ، فكذلك لو رأى أحدُهم ربَّه تعالى على وصف يتعالى
عنه، وهو يعلم أنه سبحانه مُنزَّهُ عن ذلك لا يَعْتَقِدُ في صفته تعالى ذلك؛
لا تضرُّه تلك الرؤیا، بل یکون لها وجهٌ من التأويل.
قال الوَاسِطيُّ: مَنْ رأى ربَّه تعالى على صورة شيخ؛ عاد تأويله إلى
الرائي، وهو إشارةٌ إلى وَقاره، وقَدْر محَلِّه في حُكمه، وكذلك لو رآه كأنه
شخصٌ ساكن يتولَّى أمرَه ويكفي شأنَهَ(١).
ووقع في بعض الروايات: ((مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ؛ فَقَدْ رَآنِي)) (٢) والشرط
والجزاء إذا اتحدا؛ دل على الكمال والغاية؛ أي: فقد رآني رُؤيا ليس
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٣٠٠٠).
(٢) رواه البخاري (١١٠)، ومسلم (٢٢٦٦ / ١٠)، من حديث أبي هريرة حظه.
٣٢١

بعدها؛ كقوله: ((مَنْ كَانَتِ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ)(١)، وهذا مُواِفُق
لقوله: ((فَقَدْ رَأَى الحَقَّ))(٢)؛ إذ لا كمالَ أكمل من الحَقِّ؛ كما لا نقصَ أنقصُ
من الباطل، وهو الكذب، ويؤيده حديثُ أبي هريرة: ((إنَّ رُؤْيا المُؤْمِنِ
جُزْءٌ مِنْ سِنَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ)(٣)، وما كان [من النبوة]؛ فإنه لا
یکذب.
(ق): المُدْرَكُ في المَنام أمثلةٌ للمَرْئيات، لا نفسُ المرئيات، غير أن
تلك الأمثلة تارة تكون مطابقة لحقيقة المرئيِّ، وقد لا تكون مطابقة، ثم
المطابقة قد تظهر في اليَقَظة على نحو ما أُدْرِكَت في النوم؛ كما صح أنه يَّة
قال لعائشة: ((أُرِيتُكِ فِي المَنَامِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَإِذَا هِيَ أَنْتِ))(٤)،
ومعناه: أنه رآها في نومه على نحو ما رآها في يقظته.
ووقع لي نحوُ هذا [في] امرأة كنت تزوجتها، وأيضاً لمّا قصدت
الحجَّ؛ رأيت في النوم كأني في مسجد النبي ◌َّز، فشرعت في السلام
عليه، فاستيقظت وأنا أُسلِّم عليه، ثم إن الله بكمال إحسانه وإنعامه أوصلني
بعد حَجِّ بيته إلى قبر نبيه وَّهِ ومسجده، فرأيته والله في اليقظة على النحو
الذي رأيته في المنام من غير زيادة ولا نقصان.
أما إذا لم يظهر في اليَقَظة كذلك: فيُعلم أن المقصود بتلك الصورة
(١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥)، من حديث عمر بن الخطاب ظـ
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) رواه البخاري (٦٩٨٨)، ومسلم (٢٢٦٣ / ٦ - م).
(٤) رواه البخاري (٦٦١٠)، ومسلم (٢٤٣٨)، من حديث عائشة رضي الله عنها .
٣٢٢

معناها، لا عينُها، وكذلك الحكم إذا خالف ذلك المِثالُ صورةَ المَرئيِّ
نفسِه؛ إما بزيادة، أو نُقُصان، أو تغيير لون، أو حُدوث عَيْب، أو زيادة
عُضْو، أو غير ذلك؛ فالمقصود أيضاً بذلك التنبيهُ على معاني تلك الأُمور.
وإذا تقرر هذا: فيجوز أن يُرى النبيُّ ◌َّ في المنام على صفته التي
كان عليها في الوجود، ويكون من فوائده تسكينُ شوق الرائي؛ لكونه
مُسْتَهْتَراً بمَحبَّته، وهذا هو الذي أشار [إليه] بقوله: ((فسيراني في اليقظة))؛
أي: يصل إلى رؤية محبوبه، ويظفر بكُلِّ مطلوبه، ويجوز أن يكون مقصودُ
ذلك المنام معنى صورته وهو دينه وشريعته بحسَب ما رآه الرائي من زيادة
أو نقصان، أو إساءة أو إحسان، وكذلك الحكم إذا رآه على خلاف الصورة
التي كان عليها ممَّا يجوز عليه(١) .
* قوله رقيق: «فسيراني في اليقظة»:
(ن): [فيه] أقوال :
أحدها: أن المراد أهلُ عصره، ومعناه: أن مَن رآه في النوم، ولم
يكن هاجر إليه؛ يوفقه الله تعالى للهجرة، ورؤيته وَّر في اليقظة عياناً.
والثاني: معناه: أنه يرى تصديقَ تلك الرؤيا في اليقظة في الدار
الآخرة؛ لأنه يراه في الآخرة جميعُ أُمَّته، مَن رآه في الدنيا، ومَن لم يره.
والثالث: يراه في الآخرة رؤية خاصّة في القُرْب منه، وحصول
[شفاعته]، ونحو ذلك.
ويحتمل أن يكون معناه: فسيراني في الدنيا إذا كانت له حالة، فقد نقل
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٢٤).
٣٢٣

عن بعض الصالحين أنه رأى النبيَّ ◌َّه في حالة الشوق، [لكن](١) تلك الحالة
لا تكون إلا عند الغَيْة عن الحَوَاسِّ الظاهرة، وهذه الحالة لا تُسمَّى يَقَظةً(٢).
٨٤١ - وعَنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴿ه: أَنَّهُ سَمِعَ النبيَّ وَه
يقولُ: (إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ تَعالَى،
فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا - وفي روايةٍ: فَلا يُحَدِّثْ بِهَا إِلاَّ
مَنْ يُحِبُّ -، وَإِذا رَأَى غَيرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ
الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شرِّها، وَلاَ يَذْكُرْها لِأَحَدٍ؛ فَإِنَّها لا تَضُرُّهُ»
متفقٌ عليه.
* قوله : ((فليحمد الله تعالى، وليحدث بها))؛ إذ هي بُشرى من
الله ونعمة، فيجب تلقِيها بالحَمْد والشُّكر، والتحدّث بها؛ امتثالاً لقوله
تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
(ن): قوله ◌َّهِ: ((ولا يخبر بها إلا من يحب)) سببه: أنه إذا أخبر بها من
لا يحب؛ ربما حمله البُغْضُ والحسد على تفسيرها بمكروه، فقد يقع في تلك
الصفة، وإلا؛ فيحصل له في الحال حُزْنٌ ونَكَدٌ من سُوء تفسيرها.
وقوله ماهر في الرؤيا المكروهة: ((لا يحدث بها أحداً) سببه: أنه ربما
فسَّرها تفسيراً مكروهاً على ظاهر صورتها، وكان ذلك مُحتملاً، فوقعت
(١) بياض في الأصل.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٢٦).
٣٢٤

كذلك بتقدير الله تعالى؛ فإن الرُّؤيا على رِجْل طائر، ومعناه: أنه إذا كانت
مُحتملةً وجهين، ففسِّرت بأحدهما؛ وقعت على قُرْب تلك الصفة، قالوا:
وقد يكون ظاهر الرؤيا مكروهاً، ويفسَّر بمَحبوب، وعكسه، وهذا معروفٌ
لأهله(١).
(ق): ((ولا يخبر بها أحداً)؛ أي: لا يُعلِّق نفسَه بتأويلها؛ إذ لا تأويل
لها؛ فإنها من أُلْقِيَاتِ الشيطان التي يقصد بها التشويش على المؤمن، وفعلُ ما
ورد من النَّفْث، والتعوُّذ، والصلاة كافٍ في دفع ذلك، ومانعٌ من عَوْد
الشيطان إلى مثله، وهذا الذي فهمه أبو سلمة حيث قال: إِنْ كنتُ لأرى الرُّؤيا
أَثْقَلَ عليَّ من الجبل، فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث؛ فما أُباليها .
وفي ((صحيح مسلم): كنت أرى [الرؤيا] أُعْرَى لها، غير أني لا أُزَّلُ،
وفي رواية: إن كنتُ لأرى الرؤيا فتمرضني(٢)؛ يعني: بسبب ما أُمر به من
النَّفْث، والتعوّذ، وغيره يزول عنه ذلك ببركة الصدقة والتصديق والامتثال،
وفائدة هذا: أن لا يَشْغَلِ الرَّائي نفسَه بما يكره في نومه، وأن يُعرِضَ عنه، ولا
يلتفت إليه؛ فإنه لا أصل له(٣).
(قض): ورد في الحديث: ((الزُّؤْيا على رِجْلٍ طَائِرٍ ما لَمْ تُعَبَّر، فَإِذَا
عُبِّرَتْ؛ وَقَعَتْ - وأَحْسِبُه قال: ولا تَقُضَّها إِلاَّ على وَادٌّ أَوْ ذِي رَأيٍ)) (٤)،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٨).
(٢) رواه مسلم (٢٢٦١ / ٤)، من حديث أبي قتادة عظُه.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٢٠).
(٤) رواه أبو داود (٥٠٢٠)، من حديث أبي رزين ﴾. وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٣٥٣٥).
٣٢٥

وفي رواية: ((لا تُحَدِّثْ إلاَّ حَبِيباً، أو لَبِيبًا)(١).
معنى الحديث: أنها كالشيء المُعلَّق برِجْل طائر، لا استقرار لها
ما لم يتكلم بها أو بتعبيرها، ولعله أراد المنعَ عن التحدُّث بما يكره، أو
التوهُّم لنزوله؛ إذ الغالب أنه من أَضْغَاتِ الأحلام، أو حثَّ المُعبِّرِ على أن
يُعبِّرَها تعبيراً حسناً؛ فإن الوهم يفعل ما لا تفعل الرؤيا، ولذلك قال:
ولا تَقُصَّها إلا على حبيب لا يقع في قلبه لك إلا خيرٌ، أو عاقل لبيب،
لا يقول إلا بفكر بليغ، ونظر صحيح، ولا يواجهك إلا بخير(٢).
(نه): أن امرأة أتت النبي ◌ّ﴿ فقالت: إني رأيت أن جائز بيتي قد
انكسر، فقال: ((يَرُدُّ اللهُ عَلَيْكِ غَائِبَكِ))، فرجع زوجها، ثم غاب، فرأت
مثلَ ذلك، فأتت النبيَّ ◌َّ فلم تجده، ووجدت أبا بكر ظُه، فأخبرته،
فقال: يموتُ زوجُك، فذكرت ذلك لرسول الله وَّه، فقال: ((هَلْ قَصَصْتِهَا
على أَحَدٍ؟))، قالت: نعم، قال: ((هُوَ كَما قِيلَ لَكِ))(٣).
(الجائز) بالجيم والزاي المعجمة: الخشبة التي توضع عليها أطرافُ
العوارض في سقف البيت، والجمع: أَجْوِزَةٍ(٤).
(تو): كيف [له] التخيير فيمَن يعبر على ما ورد في الحديث:
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٢)، من حديث أبي رزين ظ ◌ُه. وهو حديث
حسن كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٠٠).
(٣) أورده أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (٣/ ١١٧ - ١١٨).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣١٤).
٣٢٦

(ولا تَقُضَّها إلاَّ على وَادٍّ أو ذِي رَأْيٍ))(١)، والأقضية لا تُردُّ بالتوقِّي عن
الأسباب، ولا تختلف أحكامُها باختلاف الدواعي؟
قلنا: هو مثل السعادة، والشَّقَاوة، والسلامة، والآفة المَقْضيِّ بكل
واحدة منها لصاحبها، ومع ذلك؛ فقد أُمِرِ العبدُ بالتعرُّض للمحمود منها،
والحذر عن المكروه منها .
٨٤٢ - وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ﴿هِ، قالَ: قالَ النبيُّنَّهِ: ((الرُّؤْيَا
الصَّالِحَةُ - وفي روايةٍ: الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ - مِنَ اللهِ، والحُلُمُ مِنَ
الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئاً يَكْرَهُهُ، فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلاثاً،
ولْيَتَعَوَّذ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّها لا تَضُرُّهُ)) متفقٌ عليه.
(النَّفْثُ)): نَفَخٌّ لِطِيفٌ لا رِيقَ مَعَهُ.
٨٤٣ - وعن جابر﴿ه، عن رسول الله وَ﴿، قَالَ: ((إِذَا رَأى
أحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثَاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ
الشَّيْطَانِ ثَلاَثً، وَلْيَتَحَوَّل عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ»، رواه مسلم .
* قوله رقيق: ((والحلم من الشيطان)):
(نه): ((الحلم)): عبارة عمَّا يراه النائم في نومه من الأشياء، لكن غلبت
(١) سلف قريباً.
٣٢٧

الرؤيا على ما يراه من الخير، والشيء الحسن، وغلب الخُلُم على ما يراه من
السيِّئ والقبيح، ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَثُ أَحْلَمْ ﴾ [يوسف: ٤٤]، ويستعمل
كل واحد منهما موضع الآخر، وتضم لام الحُلُم، وتسگَّن(١).
[(ن)]: الفعل منه بفتح اللام، أضاف الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافةً
تشريف، بخلاف المكروهة، وإن كانتا جميعاً من خلق الله وتدبيره، وبإرادته،
ولا فعل للشيطان فيهما، لكنه يحضر المكروهة، ويرتضیھا ویُسُ بها(٢).
(ق): ((الحلم)) جمع أحلام في القِلَّة، وفي الكثرة حُلُوم، وإنما جمع
وإن كان مصدراً؛ لاختلاف أنواعه، وهي في الأصل: عبارة عمَّا يراه الرائي
في منامه، حسناً كان [أو] مكروهاً، والمراد في هذا الحديث: ما يُكره،
وما لا ينتظم(٣).
(قض): الرؤيا الصالحة إعلامٌ وتنبيه من الله تعالى بتوسط الملَك؛
ولذلك عَدَّها في الحديث من أجزاء النبوة، وتحقيقه: أن النفوس البشرية
خُلقت بحيثُ لها بالذات تعلُّقٌ، واتصال بالمَلَك المُوكّل على عالمنا هذا،
المَوكُول إليه تدبيرُ أمره، وهو المُسمَّى في هذا الباب بمَلَك الرؤيا، لكنها
ما دامت مستغرقة في أمر البدن، وتدبير معاشها، وتدبر أحوالها كانت
مَعُوقةً عن ذلك، فإذا نام وحصل لها أدنى فراغ؛ اتصلت بطباعها، فيَنطبعُ
فيها من المعاني والعلوم الحاصلة له من مُطالعة اللوح المحفوظ،
والإلهامات الفائضة عليه من جَناب القدس ما هو أَلْيَقُ بها من أحوالها،
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٣٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٧).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦).
٣٢٨

وأحوال ما يقرب إليها من الأهل، والمال، والولد، والبلد، وغير ذلك،
فحاكته [القوة] المُتخيِّلةُ بصورة جزئية مناسبة إلى الحِسِّ المشترك، فتنطبعُ
فيه، فتصير محسوسة مشاهدة، ثم إن كانت تلك المناسبة ظاهرة جلية؛
كانت الرؤيا غنية عن التعبير، وإلا؛ كانت مُفتقرة إليه، وهو تحليل تلك
المُناسبة بالرجوع قَهْتَرى إلى المعنى المُتلقَّى من المَلَك.
وأما الرؤيا الكاذبة: فسببه الأكثريُّ: تخيلٌ فاسد تُركِّبه [القوة]
المُتخيِّلةُ بسبب أفكار فاسدة، اتفقت لها حالَ اليقظة، أو سوء مزاج، أو
امتلاء، ونحو ذلك، فتلقيه إلى الحِسِّ المشترك، وقد يكون بسبب
[استعراض] الحِسِّ والتفاته إلى بعض المخزونات الخيالية المُرتسمة في
الخيال من مُشاهدة المحسوسات حالة اليقظة.
ولمَّا كان للشيطان مَدخلٌ في هذه الأقسام؛ لأنها تتولد من الاستغراق
في أمر البدن، والانهماك في الشهوات، والإعراض الكُلِّيِّ عن عالم
المَلَكُوت، والاعتناء بأمره؛ أضاف الحُلُم إلى الشيطان(١).
(تو): ((الحلم)) عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا، ويدل عليه قول
القائل :
وَكُنْتُ لِلِأَحْلامِ عَبَّاراً
رَأَيْتُ رُؤْيَا ثُمَّ عَبَّرَتُها
التفريق بين الأمرين بهذين اللفظين من الاصطلاحات الشرعية التي
لم يقتضيها بليغ، ولم يهتد إليها حكيم، بل سَنَّها صاحب الشريعة؛ للفرق
بين الحق والباطل، كأنه كره أن يُسمِّي [ما كان من الله و] ما كان من
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ١٩٣).
٣٢٩

الشيطان باسم واحد، فجعل الرؤيا عبارة عن القسم الصالح؛ لما في صيغة
لفظها من الدلالة على مشاهدة الشيء بالبصر أو البصيرة، وجعل الحُلُم
عبارة عمَّا كان من الشيطان؛ لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلا فيما يُخيَّل
إلى الحالم في منامه من قضاء الشهوة، وذلك ممَّا لا حقيقة له.
* قوله ويلقي: ((عن شماله ثلاثاً):
(ن): وفي رواية: ((فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ حِينَ يَهُبُّ مِن نَوْمِهِ ثَلاثَ
مَرَّاتٍ))(١)، وفي رواية: ((فَلْيْفُلْ عَنْ يسَارِهِ ثَلاثاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
ثَلَاثاً، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبهِ الذِي كَانَ عَلَيْهِ))(٢)، حاصله: أنه جاء: (فلينفث)،
(فليبصق)، (فليتفل)، وأكثر الروايات: (فلينفث)، وأصل المراد بالجميع:
النفث، وهو نفخ لطيف، ويكون التفل والبصق محمولين عليه مجازاً،
و «اليسار» بفتح الياء وکسرها.
وأما قوله ◌َله: ((فإنها لا تضره)): معناه أن الله تعالى جعل هذا سبباً
من سلامته من مكروه، ويترتب عليه؛ كما جعل الصدقة وقاية للمال،
وسبباً لدفع البلاء، فينبغي أن يجمع بين هذه الروايات، ويعمل بها كلِّها،
فإذا رأى ما يكرهه؛ نفث عن يساره ثلاثاً، قائلاً: أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم، ومن شَرِّها، وليتحول إلى جنبه الآخر، وليصلِّ ركعتين، فيكون
قد عمل بجميع الروايات، [وإن اقتصر] على بعضها أجزأه في دفع ضَرِّها
بإذن الله تعالی؛ کما صرحت به الأحاديث.
قال القاضي: الأمر بالنفث ثلاثاً طرداً للشيطان الذي حضر رؤياه
(١) رواه مسلم (٢٢٦١ / ١ - م).
(٢) رواه مسلم (٢٢٦١/ ٥)، من حديث جابر ضـ
٣٣٠

المكروهة، وتحقيراً له واستقذاراً، وخصت به اليسار؛ لأنها محل الأقذار،
والمكروهات، ونحوها، واليمنى ضِدُّها(١).
(ق): رواية مسلم: (فَلْيَقُمْ ولِيُصَلِّ))(٢) ليس مخالفاً [لقوله]: (فلينفث)،
(وليتعوذ)، (وليتحول)، وإنما الأمر بالصلاة زيادة ينبغي أن تزاد على ما في
هذه الرواية، فيفعل الجميع، [ويحتمل] أن يقال: إنما اقتصر في هذا الموضع
على ذكر الصلاة وحدها؛ لأنه إذا صلى؛ تضمَّن فعلُه للصلاة جميعَ تلك
الأمور؛ لأنه إذا قام إلى الصلاة؛ تحوَّل عن جنبه، وإذا تمضمض؛ نفَث،
وبصَق، وإذا قام إلى الصلاة؛ تعوَّذ ودعا، ويفزع إلى الله تعالى في ذلك في
حال هي أقربُ الأحوال إجابة.
وفائدة الأمر بالتحوُّل عن جنبه الذي كان عليه؛ ليتكامل استيقاظه،
وينقطع عن ذلك المنام المكروه، وفائدة الأمر بالصلاة: أن تكمُّلَ الرَّغبةُ،
وتصح الطَّلِبةُ؛ فإن أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد(٣).
٨٤٤ - وعَنْ أَبِي الأَسْقَعِ وَاثْلَةَ بْنِ الأَسْتَعِ ﴾، قالَ: قالَ
رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((إِنَّ مِنْ أَعْظَّمِ الفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ
أَبِيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ مَا لَمْ
يَقُلْ)) رواه البخاريُّ.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٨).
(٢) رواه مسلم (٢٢٦٣ / ٦)، من حديث أبي هريرة ضـ
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ١٩).
٣٣١

* قوله لي: ((إن من أعظم الفرى)):
(نه): في رواية للبخاري: ((إنَّ [من] أَفْرَى الفِرَى))(١)، [و ((الفرى))]
جمع فرية: الكذبة، و((أفری)): أفعل منه للتفضيل؛ أي: أكذب الكذبات:
أن يقول: رأيت في نومي كذا، ولم يكن رأى شيئاً؛ لأنه كذب على الله؛
فإنه هو الذي يرسل ملَك الرؤيا؛ ليُريَه في المنام.
فإن قيل: كذب الكاذب في منامه لا يزيد على كَذِبه في يقظته، فلِمَ
زادت عقوبته ووعیده؟
قيل: قد صرح الخبر أن الرؤيا الصادقة جزء من النبوة، والنبوة لا تكون
إلا وحياً، والكاذب في رؤياه يدَّعي أن الله تعالى أراه ما لم يره، وأعطاه جزءاً
من النبوة لم يُعْطِه إياه، والكاذب على الله أعظمُ فِرْيةً ممَّن كذب على الخلق،
أو علی نفسه(٢).
(ط): المراد بإراءة الرجل عينيه: وصفُهما بما ليس فيهما، ونسبته
الكذبات إلى الكذب؛ للمبالغة؛ نحو لَيْل أَلْيَلُ، وجَدَّ جِدُّه، انتهى(٣).
وفي ((صحيح البخاري) عن ابن عباس: أن النبيَّ وَّ قال: ((مَنْ تَحَلَّمَ
بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ؛ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بينَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ))(٤).
(١) رواه البخاري (٧٠٤٣)، من حديث ابن عمر ظ﴾
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٤٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٣٠١٦).
(٤) رواه البخاري (٧٠٤٢).
٣٣٢

٨
ـى
و

١٣١- باب
فضلِ السلامِ والأمرِ بإفشائِهِ
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ
بُيُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَاً﴾ [النور: ٢٧].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةٌ مِّنْ
عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةٌ﴾ [النور: ٦١].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيِتُم بِشَحِيَّةٍ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾
[النساء: ٨٦].
وقال تعالى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ الْمُّكْرَمِينَ إِذَ
دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ سَلَمٌ﴾ [الذاريات: ٢٥
(الباب الرابع بعد المائة)
(في السلام)
((السلام)) قيل: هو اسم الله تعالى، فقوله: السلام عليك؛ أي: اسم
٣٣٥

السلام عليك؛ أي: أنت في حفظه؛ كما يقال: الله معك، وقيل: السلام
بمعنى السلامة؛ أي: السلامة ملازمة لك.
(ق): ((السلام)) في الأصل: بمعنى السلامة، فقول المُسلِّم: سلام
عليك، أي: سلامة لك مني وأمان؛ كما في الحديث: ((السَّلامُ أَمَانٌ
لِمَّتِنا، وتَحِيَّةٌ لِمِلَّتِنَ))(١)، والسلام أيضاً من أسماء الله تعالى، وعلى هذا:
فمعنى: سلام عليك؛ أي: الله مُطَّلِعٍ عليك، وناظر إليك، فكأنه يذكِّره
اطلاع الله تعالى ويخوِّفه به؛ ليأمن منه، ويسلم من شرِّه، وإذا أدخلت
الألف واللام على المعنى الأول؛ كان معناه: السلامة كلُّها لك منِّي، وإذا
أدخلت على اسم الله؛ كان تفخيماً وتعظيماً؛ أي: الله العظيم السليم من
النقائص والآفات، المُسَلِّم مَن استجار به من جميع المخلوقات(٢).
* قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيّرَ بُوتِكُمْ خَّ
تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَ أَهْلِهَاً﴾ [النور: ٢٧]؛ أي تستأنسوا قبل الدخول، وتسلموا
بعده، وينبغي أن يستأذن ثلاثاً، فإن أُذِن له، وإلا؛ انصرف؛ كما ثبت في
الصحيح (٣)، وينبغي للمُستأذن ألا يقف تِلْقَاءَ الباب بوجهه، ولكن ليكن
الباب عن يمينه أو يساره؛ لما رواه أبو داود عن عبدالله بن بُشْر قال: كان
رسول الله ◌َ﴿ إذا أتى بابَ قوم؛ لم يستقبل البابَ مِن تِلْقَاء وجهه، ولكن من
(١) رواه الشهاب القضاعي في ((مسنده)) (٢٦٢)، من حديث أنس بن مالك حظه. وهو
حديث موضوع. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٣٦٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٨٥).
(٣) رواه مسلم (٢١٥٤ / ٣٧)، من حديث أبي موسى الأشعري
٣٣٦

ركنه الأيمن أو الأيسر، فيقول: ((السَّلامُ عَلَیُمْ))؛ وذلك أن النُّور يومئذ لم
یکن عليها سُتور(١).
وعن أبي أيوب قال: قلت: يا رسولَ الله؛ هذا السلام، فما الاستئناس؟
قال: ((يَتَكلَّمُ الرَّجُلُ بَتَسْبِيحَة وَتَكْبِيرَة وتَحْمِيدَة، ويتَنَحْنَحُ، فَيُؤْذِنُ أَهْلَ
البَيْتِ))، رواه ابن [أبي] حاتم، وهذا حديث غريب(٢).
وقال قتادة: ﴿حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ﴾ قال: هو الاستئذان ثلاثاً، من لم يُؤذَن
له منهم؛ فليرجع، أما الأولى: فليسمع الحيَّ، وأما الثانية: فليأخذوا حِذْرَهُم،
وأما الثالثة: فإن شاءوا؛ أذنوا، وإن شاؤوا؛ رَدُّوا، ولا تقفن على باب قوم
رَدُّوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجاتٍ واشتغالاً، والله أَوْلَى بالعُذْرِ.
وقال مُقاتل بن حيَّان: كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبَه؛ لا يسلم
عليه، ويقول: حُيِيِّت صباحاً، وحُيِّت مساءً، وكان ذلك تحيةَ القوم بينهم،
وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه، فلا يستأذن حتى يقتحم، ويقول: قد
دخلت، فيشق ذلك على الرجل، ولعله یکون مع أهله، فغيّر الله ذلك كله في
سَتْر وعِقَّة، وجعله نِقِيًّ نَزِهاً من الدَّنَس، والقَذَر، والدَّرَن، فقال: ﴿لَاتَدْخُلُواْ
بُيُوتًا﴾ الآيةَ.
وعن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أُمَّهَاتِكم
وأخواتكم(٣).
(١) رواه أبو داود (٥١٨٦). وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٣٠٠٣).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (١٤٣٤٨)، ورواه أيضاً ابن ماجه (٣٧٠٧)، وهو
حديث ضعيف. انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (١١ / ٨).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٧٦٠٦).
٣٣٧

وقال ابن جريج: قلت: لعطاء أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا،
وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا؛ فالأَوْلى: أن يُعلِمَها بدخوله؛
لاحتمال أن تكون على هيئة لا يحب أن يراها عليها.
وعن زينب امرأة ابن مسعود قالت: كان عبدُالله إذا جاء من حاجته،
فانتهى إلى الباب؛ تنحنح وبزق؛ كراهة أن يَهْجُمَ منا على أمر یکرهُه، رواه
ابن جریر، وإسناده صحيح.
وقال مجاهد: ﴿حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ﴾: تنحنحوا، أو تَنخَّموا.
وعن الإمام أحمد بن حنبل: أنه قال: إذا دخل الرجل بيته؛ استُحِبَّ
أن يتنحنح، أو يحرك نعلیه.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَّرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: الاستئذان خير للطرفين،
للمُستأذن، ولأهل البيت.
(الکشاف): والاستئناس فیه وجهان :
أحدهما: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو خلاف الاستيحاش؛
لأن الذي يطرق بابَ غيره لا يدري أيُؤْذَن له، أم لا؟ فهو كالمُستوحش من
خفاء الحال، فإذا أُذِنَ له؛ استأنس .
والثاني: أن يكون [من الاستئناس الذي هو الاستعلام والاستكشاف](١)،
استفعال؛ من أنس الشيء: إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً، والمعنى: حتى تستعلموا
وتستكشفوا الحال، هل يراد دخولكم أم لا؟
ويجوز أن يكون من الإِنْس، وهو أن يتعرف هل ثَمَّ إنسان؟
(١) ما بين معكوفتين من ((الكشاف)) للزمخشري.
٣٣٨

وكم باب من أبواب الدِّين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة، قد تركوا
العمل به، وباب الاستئذان من ذلك، بينا أنت في بيتك؛ إذ رعَفَ [عليك]
البابُ بواحد من غير استئذان، ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو
ممَّن سمع الآية، ولكن أين الأذن الواعية؟!(١)
(قض): ﴿غَرَ بُوتِكُمْ﴾ التي تسكنونها؛ فإن المُعِير والآجر(٢) أيضاً
لا يدخلان إلا بالإذن، ﴿َلِكُمْ﴾؛ أي: الاستئذان، أو التسليم ﴿خَيْرٌ﴾ من
[أن] تدخلوا بغتة، أو من تحية الجاهلية: حُيِّيّتم صباحاً أو مساءً(٣).
* قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُوَّنًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛
يعني: ليُسلِّم بعضُكم على بعض، قاله الحسن، وقتادة، والزهري.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجبٌ إذا خرجت ثم دخلت؛ أن
أسلم عليهم؟ قال: [لا، ولا] أُثِرَ وجوبُه عن أحد، ولكن هو أَحبُّ إليَّ،
وما أدعه إلا ناسياً.
وروي عن مجاهد قال: إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحدٌ؛ فقل: باسم الله،
والحمد لله، السلام علينا مِن ربنا، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين.
قال قتادة: إذا دخلت على أهلك؛ فسَلِّم عليهم، وإذا دخلت بيتاً
ليس فيه أحدٌ؛ فقل: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنه كان
يؤمر بذلك، وحُدِّثنا أن الملائكة تردُّ عليهم.
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٢٣٠).
(٢) في الأصل: ((والأجير)).
(٣) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ١٨١).
٣٣٩

وعن أنس به قال: أوصاني النبيُّ وَ ﴿ بخمس خِصَال، قال: ((يَا أَنَسَرُ!
أَسْبغ الوُضُوءَ [يُزَدْ] في عُمُرِكَ، وسَلُّمْ عَلَى مَنْ لَقِيَّكَ مِن أُمَّتِي تَكْثُرْ
حَسَنَتُكَ، وَإِذَا دَخَلْتَ - يعني بَيْتَك - فسَلِّمْ على أَهْلِ بَيْتِكَ يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْئِكَ،
وصَلِّ صَلاةَ الضُّحَى فَإِنَّهَا صَلاةُ الأَوَّابِينَ قَبْلَكَ، يا أَنَسُ! ارْحَمِ الصَّغِيرَ،
ووَقِّرِ الكَبِيرَ؛ تَكُنْ مِنْ رُفَقَائِي يَوْمَ القِيَامَةِ»(١).
(الكشاف): ﴿َحِيَّةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾؛ أي: ثابتة بأمره، مشروعة من
لدنه، أو لأن التسليم والتحية طلبُ سلامة وحياة للمُسلَّم عليه، والمُحيًّا
من عند الله، ووصفها بالبركة والطّيب؛ لأنها دعوة مؤمن لمؤمن، يُرجی
بها من عند الله زيادةُ الخير، وطلب الرِّزق(٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِِّتُمْ بِتَحَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء:
٨٦]؛ أي: إذا سلم عليكم المُسلم؛ فرُدُّوا عليه أفضلَ ممَّا سَلَّم، أو رُدُّوا
عليه بمثل ما سلم به، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.
ذكر ابن جرير عن سلمان الفارسيٍّ ◌ُه قال: جاء رجل إلى النبي ◌َِّ،
فقال: السلامُ عليكم يا رسولَ الله، فقال: ((وعَلَيْكَ السَّلامُ، ورَحْمَةُ الله))، ثم
أتى آخرُ، فقال: السلامُ عليك يا رسولَ الله، فقال له رسولُ اللهَوَله: ((وَعَلَيْكَ
السَّلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُه))، ثم جاء آخرُ، فقال: السلام عليك ورحمة الله
وبركاته، فقال له: ((وعَلَيْكَ))، فقال له الرجل: يا نبيَّ الله، بأبي أنت وأمي؛
أتاك فلان وفلان، فسلما عليك، فرددت عليهما أكثرَ ممَّا رددت عليَّ، فقال:
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٣٠٧)، والحديث رواه أبو يعلى في («مسنده)) (٤١٨٣).
وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٥٨٤٦).
(٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٢٣٠).
٣٤٠