النص المفهرس
صفحات 261-280
١٢٥ - با
ما يقول إذا لبس ثوباً جديداً، أو نعلاً، أو نحوه
٨١٣ - عن أَبي سَعيدِ الخُدْرِيِّ ◌َهِ، قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَجل
إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْباً، سَمَّاهُ باسْمِهِ - عِمَامَةً، أَوْ قَمِيصاً، أَوْ رِدَاءٌ - يَقُولُ:
(اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيِهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ».
رواه أبو داود، والترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ.
* قوله: «إذا استجد ثوباً)):
(مظ): أي: إذا لبس ثوباً جديداً؛ سمّاه باسمه، مثلاً يقول: رزقني
الله، أو كساني الله هذه العِمَامة، أو هذا القميص، ثم يدعو، ويحتمل أن
يُسمِّيَ ذلك الثوب عند قوله: ((كما كسوتني)) بأن يقول: اللَّهُمَّ؛ لك الحمد
كما كسوتني هذا الثوبَ، أو هذه العِمامة، وغيرهما(١).
(ط): الأول أوجه؛ لدلالة العطف بـ (ثم)، فيقول: عمَامة، أو
قميص، أو رداء؛ أي: هذه العمامة، اللهم؛ لك الحمد، أنت کسوتنیه،
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ١٧).
٢٦١
والضمير راجع إلى المُسمَّى، انتهى(١).
* قوله: ((أنت كسوتنيه))؛ أي: أنت المُنعمُ عليَّ بالحقيقة، وسائر
الأسباب وسائطُ، ((أسألك خيره وخير ما صنع له)) بأن يكون ساتراً
للعورات، دافعاً للحَرِّ والقَرِّ، وشر اللباس كونه مخيطاً على غير وَفْقِ
السُّنَّة؛ بأن يزيد طوله على الكعبين، وأکمامه على رؤوس أصابع الیدین،
و((شر ما صنع له)) لبسه على نية التفاخر والإعجاب بحُسنه ولِينه، والتكبُّر
به على عباد الله .
وفي رواية الترمذي: ((لك الحمد؛ كما كسوتنیه))(٢).
(ط): ((كما كسوتنيه)) مرفوع المحل مبتدأ، والخبر (أسألك)، وهو
المُشبَّه؛ أي: مثل ما كسوتني من غير حول مني ولا قوة؛ أوصل إليَّ
خيرَه، ووفقني على خير ما صنع له؛ من الشُّكر بالجوارح والقلب،
والحمد على مُولِيه باللسان، وأعوذ بك من الكفران(٣).
(حس): عن أنس بن مالك قال: كان النبيُّ ◌َ﴿ إذا اسْتَجَدَّ ثَوْباً؛
لَبِسَهُ يومَ الجُمُعةِ(٤).
وعن ابن عمر: أن النبيَّ وَِّ رأى على عمر قميصاً أبيضَ، فقال:
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٨٩٩).
(٢) رواه الترمذي بهذا اللفظ في ((الشمائل المحمدية)) (٦١).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٩٠٠).
(٤) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ٤٣).
٢٦٢
((أَجَدِيدٌ قَمِيصُكَ، أَمْ غَسِيلٌ؟)) قال: بل غَسِيل، فقال ◌َّهِ: ((الْبَسْ جَدِيداً،
وعِشْ حَمِيداً، ومُتْ شَهِيدًا)(١).
(١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠١٤٣)، وابن ماجه (٣٥٥٨). وهو حديث
حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٢٣٤).
٢٦٣
كَاس ◌َ جَابِ التَّوْمِ وَالأَصْطِيَامُ
(١٢٧)
13
(الباب الثالث بعد المئة)
(في آداب النوم والاضطجاع)
الأَوْاُ)
٨١٤ - عَن البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴾، قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ إِذا
أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، نَمَ عَلَى شِقِّهِ الأَئِمَنِ، ثُمَّ قالَ: ((اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ
نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ،
وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَاً وَلاَ مَنْجَى مِنْكَ
إِلَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)).
رواه البخاريُّ بهذا اللفظ في كتاب الأدب من «صحیحه)).
٨١٥ - وعنه، قَالَ: قَالَ لي رسول اللهِّهِ: ((إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ
فَتَوَضَّأ وُضُوءِكَ لِلْصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، وَقُلْ .. ))
وذَكَرَ نَحْوَهُ، وفيه: ((وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ))، متفقٌ عَلَيْهِ.
٢٦٧
سبق في (الباب السابع) بعضُ شرح هذا الحديث.
(ط): في هذا النظم غرائبُ وعجائبُ لا يعرفها إلا أهلُ البيان؛
فقوله: ((أسلمت نفسي إليك)) إشارةٌ إلى أن جوارحَه مُنقادة لله في أوامره
ونواهيه .
وقوله: ((وجهت وجهي)) إلى أن ذاته وحقيقته مُخْلَصَةٌ له، بريئة من
النفاق، وقوله: ((فوضت)) إلى أن أموره الخارجة والداخلة مُفوَّضة إليه،
لا مُدبِّر لها غیرُه.
وقوله: ((ألجأت ظهري)) بعد قوله: ((فوضت أمري إليك)» أنه بعد
تفويض أُموره التي هو مفتقر إليها، وبها مَعاشُه، وعليها مدار أمره،
مُلتَجئءٌ إليه ممَّا يضرُّه ويُؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة.
ثم قوله: ((رغبة ورهبة)) هما منصوبان على المفعول له، على طريقة
اللفِّ والنشر؛ أي: فوضت أموري إليك؛ رغبة، وألجأت ظهري من
المَكاره والشدائد إليك؛ رهبةً منك؛ لأنه لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك.
((ملجأ)): مهموز، و((منجأ)): مقصور، هُمِزَ؛ للازدواج.
قوله: «آمنت بكتابك» تخصیص بعد تعميم في قوله: (أسلمت نفسي
إليك، ووجهت وجهي إليك)، ثم قوله: ((ونبيك الذي أرسلت)) تخصيصٌ
من التخصيص(١).
(تو): ((الرغبة)): السَّعَةُ في الإرادة، و((الرهبة)): مخافة مع تحرز
واضطراب، وهما متعلقان بالإلجاء في معنی المفعول له، ومعنى (إليك)؛
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٧٤).
٢٦٨
أي: صرفت رغبتي فيما أريده إليك، قال الشاعر:
وإلَى الَّذِي يُعْطِي الرَّغَائِبَ فَارْغَبٍ
قيل: إنه أعمل في الحديث لفظة الرغبة وحدها، ولو أعمل كل واحد
منهما؛ لكان حقُّه أن يقول: رغبة إليك، ورهبة منك، والعرب تفعل
ذلك، قال الشاعر :
مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً
ورَأَيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى
وفي نظائره كثرة، ولو زعم زاعم احتمال أن يكون (إليك) متعلقاً
بمحذوف؛ مثل قوله: متوجهاً بهما إليك؛ لم نستبعده.
(ك): هذا الذِّكر مشتمل على الإيمان بكل ما يجب به الإيمان
إجمالاً؛ من الكتب، والرُّسل، من الإلهيات والنبوات، وعلى إسناد الكل
إلى الله من الذوات، ويدل الوجه عليه، ومن الصفات، وتدل الأمور عليه،
ومن الأفعال، ويدل إسناد الظهر عليه، مع ما فيه من التوكل على الله،
والرضا بقضائه، هذا بحسَب المَعاش، وعلى الاعتراف بالثواب والعقاب،
خيراً وشراً، وهذا بحسَب المعاد(١).
٨١٦ - وعن عائشةَ رضيَ الله عنها، قالتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ ه
يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَجِيءَ المُؤَذِّنُ،
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٠٩/٣).
٢٦٩
فَيُؤْذِنهُ. متفقٌ عليه.
* قوله: «ثم اضطجع على [شقه] الأيمن)):
(ن): قال القاضي: ورد الاضطجاع بعد صلاة الليل، وبعد سنة
الفجر، وفيه: رَدٌّ على الشافعي وأصحابه في [قولهم]: إن الاضطجاع بعد
ركعتي الفجر سُنّة، مرجوحة.
وقال: ذهب [مالك]، وجمهور العلماء، وجماعة من الصحابة إلى
أنه بدعة، وأشار إلى أن رواية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مرجوحة،
قال: فتقدم رواية الاضطجاع قبلها، قال: ولم يقل أحد في الاضطجاع
قبلهما: إنه سنة، فكذا بعدهما .
قال: وقد ذكر مسلم عن عائشة: فإن كنت مستيقظةً؛ حدَّثني، وإلا؛
اضطجع، فهذا يدل على أنه ليس بسُنَّة، وأنه تارة كان يضطجع قبلُ، وتارة
بعد، وتارة لا يضطجع، هذا كلام القاضي.
والصحيح، أو الصواب: أن الاضطجاع بعد سُنَّة الفجر سنة؛
لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: ((إذا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَّي
الفَجْرِ؛ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِه)) رواه أبو داود والترمذيُّ بإسناد صحيح على
شرط البخاري ومسلم، قال الترمذي: هو حديث صحيح(١).
فهذا حديث صحيح صريح في الأمر بالاضطجاع، وأما حديث
عائشة في الاضطجاع بعدها وقبلها، وحديث ابن عباس في الاضطجاع
قبلها: فلا يخالف هذا؛ فإنه لا يلزم من الاضطجاع [قبلها أن لا يضطجع
(١) رواه أبو داود (١٢٦١)، والترمذي (٤٢٠).
٢٧٠
بعدها، ولعله ◌َ﴿ ترك الاضطجاع](١) بعدها في بعض الأوقات، وإذا صح
الحديث في الأمر باضطجاع بعدها مع روايات الفعل الموافقة للأمر به؛
تَعيَّن المصیرُ إلیه.
وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث؛ لم يجز رَدُّ بعضها، وقد أمكن
بطريقين أشرنا إليهما :
أحدهما: أنه اضطجع قبلُ وبعدُ.
والثاني: أنه تركه بعدُ(٢) في بعض الأوقات؛ لبيان الجواز(٣).
(ش): أوجب ابن حزم الظاهري وأصحابه هذه الضَّجْعةَ، وأبطلوا
صلاة من [لم] يضطجعها؛ لظاهر الأمر، وهذا مما انفرد به عن الأُمّة،
ورأيت مجلداً لبعض أصحابه قد نصر فيه هذا المذهب.
وقد ذكر عبد الرزاق في ((المصنف)) عن مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن
سيرين: أن أبا موسى، ورافعَ بن خَدِيج، وأنس بن مالك، كانوا يضطجعون
بعد ركعتي الفجر، ويأمرون بذلك(٤).
وذكر عن مَعْمَر، عن أيوب، عن نافع: أن ابن عمر كان لا يفعله،
ویقول: کفی بالتسليم(٥).
وذكر ابن جريج: أخبرني من أُصدِّق: أن عائشة رضي الله عنها كانت
(١) من ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٩ - ٢٠).
(٢) في الأصل: ((لا)).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٩).
(٤) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٤٧١٩).
(٥) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٤٧٢٠).
٢٧١
تقول: إن النبيَّ نَّ﴿ لم يكن يضطجع لسِنَةٍ، ولكن كان يَدْأَبُ ليلَه،
فليستريح(١).
قال: كان ابن عمر يَخْصِبهم إذا رآهم يضطجعون على أيمانهم.
وقال أبو مِجْلَز: سألت ابن عمر عنها، فقال: يلعب بكم الشيطان.
وقد غلا في هذه الضَّجْعة طائفتان، وتوسطت فيها ثالثة، فأوجبها
جماعةٌ من أهل الظاهر، وأبطلوا الصلاة بتركها، وكرهها جماعة من الفقهاء،
وسَمَّوها بدعة، وتوسّط قوم، فلم يروا بها بأساً لمَن فعلها؛ راحةً، وكرهوها
لمن فعلها؛ استناناً واستحباباً، واستحبتها طائفة على الإطلاق، سواء استراح
بها أو لا (٢).
* قوله: ((على شقه الأيمن)):
(ن): حكمته: أنه لا يستغرق في النوم؛ لأن القلب في جهة اليسار،
فيُعلَّقُ حينئذٍ، فلا يستغرق، وإذا نام على جهة اليسار؛ كان في دَعَة واستراحة،
فیستغرق(٣).
(ش): سبب عدم الاستغراق: قلق القلب، وطلبُه مُستقرّه، وميله إليه؛
ولهذا يستحب الأطباء النوم على الجانب الأيسر؛ لكمال الراحة، وطيب
المنام.
وصاحب الشرع يَسْتَحِبُّ على الجانب الأيمن؛ لئلا يَثْقُلَ في نومه،
فينام عن قيام الليل، فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب، وعلى الأيسر
(١) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٤٧٢٢)، وفيه: ((فيستريح)) مكان: ((فليستريح)).
(٢) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ٣١٩).
(٣) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (٦ / ٢٠).
٢٧٢
أنفع للبدن (١).
٨١٧ - وعَنْ حُذَيْفَةَ ﴾، قالَ: كَانَ النبيُّ نَّهِ إِذَا أَخَذَ
مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ، وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ
بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا))، وَإِذا اسْتَيْقَظَ، قَالَ: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي
أَحْيَانَاَ بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)) رواه البخاريُّ.
قوله: ((إذا أخذ مضجعه من الليل)) :
٠
(ط): ((من الليل)) صلة لـ ((أخذ)) على طريق الاستعارة؛ فإن لكل
أحد حظّاً منه، وهو السكون والنوم فيه، فكأنه يأخذ منه حظه ونصيبه، قال
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ﴾ [يونس: ٦٧]، والمَضْجَعُ
على هذا يكون مصدراً(٢).
* قوله {ێ: «باسمك أموت وأحيا»:
(ن): قيل: معناه: بذكر اسمك أحيا ما حَيِيتُ، وعليه أموت، وقيل:
معناه: بك أحيا؛ أي: أنت تميتني، وأنت تحييني، والاسم هاهنا: المُسمَّى(٣).
(ق): كقوله تعالى: ﴿َسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]؛ أي: سبح ربَّك،
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ٣٢١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٧٢).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣٥).
٢٧٣
هذا قول الشارحین(١).
قلت: وقد استفدت فيه من بعض مشايخنا معنىً آخرَ، وهو: أنه
يحتمل أنه يعني: باسمك المُحيي والمُمِيت، من أسمائه تعالی.
ومعنى ذلك: أن الله تعالى إنما سمَّى نفسَه بأسمائه الحُسنى؛ لأن
معانيَها ثابتة في حَقِّه، وواجبة له، فكلُّ ما ظهر في الوجود من الآثار؛ إنما
هي صادرة عن تلك المقتضيات، فكل إحياء في الدنيا والآخرة إنما هو
صادر عن قدرته على الإحياء.
وكذلك القول في الإماتة، وفي الرحمة والمُلك، وغير ذلك من
المعاني التي تدل عليها أسماؤه؛ فكأنه قال: باسمك المُخبي أحيا، وباسمك
المُمِيت أموت، وكذلك القول في سائر الأسماء الدالة على المعاني، وبسطُ
هذا يستدعي تطويلاً، وفيما ذكرنا تنبيه یکتفي به النبيه.
قوله: ((بعدما أماتنا» سُمِّي النوم موتاً؛ لأنه يزول معه العقلُ والحرکة،
تمثيلاً وتشبيهاً، لا تحقيقاً، وقيل: الموت في كلام العرب يطلق على
السُّكون، يقال: ماتت الريح: إذا سكنت، والموت يقع على أنواع بحسَب
أنواع الحياة؛ فمنها ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات؛
لقوله تعالى: ﴿يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهاً ﴾ [الروم: ٥٠].
ومنها: زوال القوة الحسية كقوله [تعالى]: ﴿يَلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾
[مريم: ٢٣].
ومنها: [زوال] القوة العاقلة، وهي الجهالة؛ كقوله [تعالى]:
﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا ◌ُتْمِعُ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٦٤).
٢٧٤
اُلْمَوْقَى﴾ [النمل: ٨٠].
ومنها: الحزن والخوف المُكدِّران للحياة كقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن
كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِحَيِّتٍ ﴾ [إبراهيم: ١٧].
ومنها: المنام؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً﴾ [الزمر: ٤٢].
وقيل: المنام: الموت الخفيف، والموت: النوم الثقيل، وقد يستعار
الموت للأحوال الشاقة؛ كالفقر، والذُّل، والسؤال، والهرَم، والمعصية،
وغير ذلك.
(ط): لا ارتياب أن انتفاع الإنسان بالحياة إنما هو بتحرِّي رضا الله،
وتوخِّي طاعته، والاجتناب عن سَخَطه وعقابه، فمَن نام؛ زال عنه هذا
الانتفاع، ولم يأخذ نصيب حياته، فكان كالميت، وكان قوله: ((الحمد لله))
شكراً لنيل هذه النعمة، وزوال ذلك المانع.
قوله: ((وإليه النشور))؛ أي: إليه المرجع في نيل الثواب مما نكتسبه
في حياتنا هذه(١).
(ن): المراد بـ «أماتنا»: النوم، و[أما] ((النشور)): فهو الإحياء؛ للبَعْث
يوم القيامة، فنبّه وَّر بإعادة اليقظة بعد النوم الذي هو موت على إثبات البَعْث.
قال العلماء: وحكمة الدعاء عند إرادة النوم: أن تكون خاتمة أعماله كما
سبق، وحكمته إذا انتبه: أن يكون أوَّلُ عمله بذكر التوحيد والكَلِمِ الطيِّب(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٧٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٣٥).
٢٧٥
٨١٨ ــ وعَنْ يَعِيشَ بْنِ طِخْفَةَ الغِفَارِيِّ ◌َهِ، قالَ: قالَ أَبي:
بَيْنَمَا أَنَاَ مُضْطَجِعٌ فِي المَسْجِدِ عَلى بَطْني، إِذا رَجُلٌ يُحَرِّكُني
بِرِجْلِهِ، فقال: ((إِنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ يُبْغِضُهَا الله))، قال: فَنَظَرْتُ، فإذا
رَسُولُ اللهِ وَّهِ. رواه أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ.
* قوله : ((إن هذه ضجعة يبغضها الله)):
(نه): (الضجعة) بالكسر؛ من الاضطجاع، وهو النوم؛ كالجِلْسة من
الجلوس، وبفتحها: المَرَّة الواحدة (١).
(مظ): وجه النهي عن الاضطجاع على البطن: أنه مُضِرٍّ في الطب،
ووضع الصدر والوجه اللذان هما أشرف الأعضاء على الأرض إذلال في
غير [السجود]، انتهى(٢).
وتحريكُهُ وَّي إياه برجله الكريمة(٣) دون يده تأديبٌ بليغ، وزَجْر أكید
له عن النوم على هذه الهيئة، وإرشاد إلى رعاية الأدب في جميع الأحوال.
٨١٩ - وعَنْ أَبي هُريرةَ ﴿ه، عن رَسُولِ اللهِ وَّهِ، قالَ: ((مَنْ
قَعَدَ مَفْعَدَاً لَمْ يَذْكُرِ اللهَ تَعالَى فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الله تَعَالَى تِرَةٌ،
وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعاً لا يَذْكُرُ اللهَ تَعالَى فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٧٣).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ /١٤٤).
(٣) في الأصل: ((الكريم)).
٢٧٦
تِرَةُ» رواه أبو داود بإسنادٍ حَسَنٍ.
((الثِّرَةُ)) بكسر التاءِ المثناة من فوق، وهي: النَّقْصُ،
وَقِيلَ: التَّبِعَةُ.
• قوله : ((ترة)) :
(نه): أي: نقصاً، والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة، قيل: أراد
بالتّرَة هاهنا: التَّبِعَة(١).
(تو): أي: حَسْرة، و((المَوتور)): الذي قتل له قتيل، فلم يُدْرِك بدمه
تقول: وَتِرَه بَيِرُهُ وَتْراً وتِرَةَ، وكذلك وتره حَقَّه؛ أي: نقصه، وكلا الأمرين
مُعْقِبٌ للحَسْرة، فعبَّر عنه بالحديث للحَسْرة.
(ط): (كانت عليه من الله ترة)): في الموضعين رويت على التأنيث
في ((أبي داود))، وفي رواية الترمذي: ((ما جلسَ قَوْمٌ مَجْلِساً لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ
فِيهِ، ولَمْ يُصَلُّوا على نَبِيِّهِمْ؛ إلاَّ كانَ عَلَيْهِم ◌ِرَةً)(٢) بتذكير (كان).
فعلى رواية التأنيث في (كانت) ورفع (ترة) ينبغي أن يُؤْوَّل مرجع
الضمير في (كانت) مؤنثاً؛ أي: القعدة والاضِّجاعة، ويكون (ترة) مبتدأ،
والجار والمجرور متعلق بـ (ترة).
وذكر المكانين هنا؛ لاستيعاب الأمكنة، كذكر الزمانين: بكرة وعشياً؛
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ١٤٨).
(٢) رواه الترمذي (٣٣٨٠)، من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٥٦٠٧).
٢٧٧
لاستيعاب الأزمنة؛ يعني: مَن فتر ساعة من الأزمنة في مكان من الأمكنة؛
كان عليه حسرة وندامة؛ لأنه ضيَّع رأسَ ماله، وفوَّت ربحه، وأيُّ حسرة
أعظم من هذا؟ !! (١)
(مظ): حقيقة هذا: أن شكر الله على نِعَمِه واجبٌ، والمجلس من نعم
الله، مَنَّ الله على عباده بقوله: ﴿أَلَمْ تَجْعَلِ اَلْأَرْضَ مِهَدًا﴾ [النبأ: ٦]، وقوله: ﴿هُوَ
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ﴾ [الملك: ١٥]؛ أي: لَيِّنَةً؛ بحيث يمكنكم
الاستقرار، والتردُّد، والزراعة فيها، فمَن استوفى حَظَّه من مكان بالاضطجاع
فيه، والجلوس؛ يجب عليه قضاء شكره(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٧٣٥).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٤٤).
٢٧٨
١٣٨- باب
جوازِ الاستلقاء على القفا،
ووضعٍ إحدى الرجلينِ على الأُخرى
إذا لم يخفِ انكشاف العورةِ، وجوازِ القعودِ متربِّعاً ومحتبياً
٨٢٠ - عن عبدِالله بنِ زيدٍ ﴾: أَنَّهُ رأى رَسُولَ اللهِ وَه
مُسْتَلْقِياً في المَسْجِدِ، وَاضِعاً إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرَى. متفقٌ
عليه .
* قوله: ((مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى)):
(ن): في رواية لمسلم: أنه ◌ّ نهى أن يرفع الرَّجُل إحدى رجليه
[على] الأُخرى، وهو مُستلقٍ على ظهره(١).
وجه الجمع بين الحديثين: أن النهيَ محمولٌ على حالة تظهر فيها
العَوْرةُ، أو شيءٌ منها.
وأما فعله: پڼ فكان على وجه لا يظهر منها شيء، وهذا لا بأس به،
ولا کراھة فیه، ویحتمل أنه ێ فعله؛ لبيان الجواز.
وفيه: جواز الاتكاء في المسجد، والاستلقاء فيه.
(١) رواه مسلم (٢٠٩٩ / ٧٢)، من حديث جابر ـ
٢٧٩
قال القاضي: لعله ◌َ ﴿ فعل هذا؛ لضرورة، أو حاجة؛ من تعب، أو
طلب راحة، ونحو ذلك، وإلا؛ فقد عُلم أن جلوسه وَّر في المجامع على
خلاف هذا، بل كان يجلس مُتربِّعاً ومُحْتَبياً، وهو كان أكثرُ جلوسه، أو
الْقُرْفُصَاء، أو مُقْعِياً، أو شبهها من جِلْسات الوَقار والتواضع(١).
(ق): قد قال بكراهة هذه الحالة مطلقاً بعضُ فقهاء أهل الشام، وكأنهم
لم يبلغهم الحديث، أو تأوَّلوها، والأولى: الجمع بين الحديثين(٢).
(مظ): وجه الجمع: أن وضع [إحدى] الرجلين على الأخرى قد
یکون علی نوعين :
أن تكون رجلاه ممدودتین، إحداهما فوق الأخرى، ولا بأس بهذا؛
فإنه لا ينكشف [شيء] من العورة.
وأن يكون منتصباً ركبة إحدى الرجلين، ويضع الرجل الأخرى على
الرُّكبة المنصوبة.
وعلى هذا: فإن أمن انكشاف العورة؛ بأن يكون عليه سراويل، أو
يكون إزاره وذيله طويلين؛ جاز، وإلا؛ فلا(٣).
(تو): لا سبيل إلى القول بالنسخ؛ لأن الأعلام من أصحاب
رسول الله ◌َي﴿ قد فعلوا ذلك بعده، ولم يُنْكَر عليهم.
ووجه التوفيق: أن النهي يختصُّ بلابسي الإزار؛ كيلا تبدوَ سَوْءاتُهم،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٧٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤١٧).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ١٤١).
٢٨٠