النص المفهرس
صفحات 241-260
* قوله ◌َليفي: ((المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها)) لا
رَيّبَ؛ لأن المراد بالخيل المطلق هاهنا: هو الذي أُعِدَّ للجهاد عليه في سبيل
الله، وهو الذي إذا اقتناه صاحبه؛ يؤجر بسببه، كما في «صحيح البخاري)) عن
أبي هريرة مرفوعاً: (مَنِ احْتَبسَ فَرَساً فِي سَبِيلِ اللهِ إِيمَاناً بالله، وتَصْدِيقاً
بوَعْدِه؛ فَإِنَّ شَبَعَهُ، ورِيَّهُ، ورَوْتَهُ، وبَوْلَهُ في مِيزَانِهِ يومَ القِيَامَةِ))(١).
قال الحسن بن سفيان: ثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن عَيَّاش،
ثنا شُرَحْبِيلُ بن مسلم الخولانيُّ: أن رَوْحَ بن زِنْبَاعِ الجُذَاميَّ زار تميماً
الدَّارِيَّ ◌َهِ، فوجده يُنَقِّي شعير الفرس، وحوله أهلُه، فقال: أما كان في
هؤلاء مَن يكفيك؟ قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله وٍَّ يقول: ((مَنْ
نَقَّى لِفَرَسِه شَعِيراً، ثم عَلَّقَهُ؛ كُتِبَتْ لَهُ بِكُلِّ حَبَّةٍ حَسَنةٌ)) (٢)، وكان تميمٌ إذ
ذاك أميراً على بيت المقدس، مُرابطاً.
وفي ((صحيح البخاري)) عن أبي هريرة: أن رسول الله وَ ﴿ [قال]:
((الخَيْلُ لِثَلاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، ولرَجْلٍ سِتْرٌ، وعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ)) الحديثَ(٣).
فخَصَّ الأجر بخيل الجهاد، وأبى اقتناءه للسَّتر، وحرمه للفخر والرِّياء.
* قوله: ((فعجل، فأخذ شفرة» :
(نه): (الشفرة): السِّكِّين العريضة، انتهى(٤).
(١) رواه البخاري (٢٦٩٨).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٠٣)، والطبراني في ((المعجم الأوسط))
(١١٣٣). وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٢٢٦٩).
(٣) رواه البخاري (٢٧٠٥).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٨٤).
٢٤١
فيه: استحباب المبادرة إلى الخيرات؛ خوفاً من الفوات.
وفيه: إرشادٌ إلى سَدِّ الذريعة؛ فإن طول الجُمَّة، وإسبال الإزار رُبَّما
جرّا صاحبَهما إلى الكِبْر والعُجْب.
• قوله : ((إنكم قادمون على إخوانكم؛ فأصلحوا رحالكم،
وأصلحوا لباسکم»:
في هذا الحديث: أنه يستحب للمسافر إذا اقترب من بلده أن يتعمَّد
ثيابَه ورَحْلَه، ويُغيِر ما عليه من شَعَث السفر، ورثاثة الهيئة؛ ليقدَم بلده،
وعلیہ آثارُ نعم الله وفضله.
* قوله { لفي: ((حتى تكونوا كأنكم شامة)):
(نه): (الشأمة) مهموز العين: الخال في الجسد معروفة، أراد: كونوا
في أحسن زِيٍّ وهيئة، حتى تظهروا للناس، وينظروا إليكم كما تظهر الشامة،
ويُنظر إليها دون باقي الجسد، انتهى(١).
ولا يخفى ما في هذا من المُبالغة في تعاطي النظافة، وتحسين اللِّباس
الشرعي، دون التصنُّع كما تتصنَّع المرأة.
* قوله : ((فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)):
(ن): (الفاحش): ذو الفُحش في كلامه وفِعَاله، و(المتفحش): الذي
يتكلَّف ذلك ويتعمَّده، و(الفحش): كل ما يشتدُّ قبحُه من الذنوب والمعاصي،
انتھی(٢).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٣٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٧٨).
٢٤٢
وحَدُّ الفُحش أيضاً: التعبير عن الأمور المُستقبحة بالعبارات الصريحة،
قاله الغزالي رحمه الله، وسبق في (الباب الثالث والسبعين).
فيحتمل أن يراد بالفُحْش والتَّفَخُّش هاهنا: قبحُ الفعل، كأنه سمى ترك
إزالة الوسخ في الثوب والبدن فُحْشاً، وتعمُّدَ ذلك وتحرِّيه تَفَخُّشاً، ولمَّا حذر
عن الكِبْر وذمَّه؛ أمر بتعاطي النظافة، وحَثَّ عليها؛ فإنه سبحانه جميلٌ يُحِبُّ
الجمال، وقال ◌َّهِ: ((حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْيَكُمْ الطَّيبُ وَالنِّسَاءُ))(١).
وفي ((مسند أحمد))، و((النسائي))، و((أبي يعلى)) عن جابر بن عبدالله
قال: أتانا رسول الله وَلِ﴿ زائراً، فرأى رجلاً شَعِئاً، قد تفرّق شعره، فقال:
((أما كانَ يَجِدُ هذا ما يُسَكِّنُ به رَأْسَهُ؟!))، ورأى رجلاً عليه ثياب وَسِخةً،
فقال: ((أما كانَ يَجِدُ هذا ما يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ؟!))(٢).
وأما قوله وَّهِ: ((إن البَذَاذَةَ منَ الإِيمَانِ))(٣): فالمراد به: رَثائةُ الهيئة،
والتواضع في اللباس، وعدم التأتُّق فيه، وترك التبجُّح به، لا تركُ غسله،
ومُلازمة الوسخ، والدَّرَن في الثوب والبدن.
(١) رواه النسائي (٣٩٣٩)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٢٨٥)، والبيهقي في
((السنن الكبرى)) (٧ / ٧٨)، من حديث أنس بن مالك ﴿ه. وهو حديث صحيح.
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣١٢٤).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٣٥٧)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٩٣١٢)،
وأبو يعلى في ((مسنده) (٢٠٢٦). وإسناده جيد، كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة
الرسالة)).
(٣) رواه أبو داود (٤١٦١)، من حديث أبي أمامة ظُه. وهو حديث حسن. انظر:
((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٠٧٤).
٢٤٣
٧٩٩ - وعن أبي سَعيدِ الْخُذْرِيِّ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ:
(إِذْرَةُ المُسْلِمِ إِلى نِصْفِ السَّاقِ، وَلاَ حَرَجَ - أَوْ لا جُنَاحَ - فيما بَيْنَهُ
وَبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، فَما كانَ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَينِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، ومَنْ جَرَّ
إزارَهُ بَطَراً، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إلَيْهِ».
رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
* قوله : ((إزرة المؤمن إلى نصف الساق)):
(نه): ((الإزرة) بالكسر: الحالة، وهيئة الائتزار؛ مثل الرِّكْبة والجِلْسَة (١).
(ط): أي: الحالة والهيئة التي يرتضى منها في الائتزار: هي أن يكون
على هذه الصفة، يقال: انتزر إِزْرَة حسنة، والضمير في ((فيما بينه)) راجع إلى
ذلك الحَدِّ الذي تقع عليه الإِزْرَةُ(٢).
* قوله : ((ما أسفل من ذلك ففي النار))، سبق قريباً في هذا الباب.
٨٠٠ - وعن ابنٍ عُمَرَ عَ﴾، قالَ: مَرَرْتُ عَلى رَسُولِ اللهِ وَّه
وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ، فَقَالَ: ((يَا عَبْدَالله! ارْفَعْ إزارَكَ))، فَرَفَعْتُهُ،
ثُمَّ قَالَ: ((زِدْ)، فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا بَعْد. فَقَالَ بَعْضُ
القَوْمِ: إِلى أَيْنَ؟ فَقَالَ: إِلى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ))، رواهُ مسلمٌ.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٨٩٧).
٢٤٤
* قوله: ((إلى أنصاف الساقين)) :
(ط): إنما جمع الأنصاف؛ ليشعر بالتوسعة لا التضييق، وقوله:
((أتحراها))؛ أي: أتحرى الفِعْلةَ، وهي رفع الإزار شيئاً فشيئاً(١).
٨٠١ - وعنهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ
خيَلَاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الِيَامَةِ))، فقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ
تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ، قالَ: ((يُرْخِينَ شِبْراً). قالَتْ: إذاً تَنْكَشِفُ
أَقْدَامُهُنَّ. قال: ((فَيُرْخِينَهُ ذِراعاً، لاَ يَزِدْنَ)).
رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
* قوله: ((يرخين شبراً):
(ط): أي: من نصف الساقين، ولهذا قالت: ((تنكشف أقدامهن))،
والمراد بالذِّراع: الذُّراع الشرعيُّ، إذ هو أقصر من المتعارف(٢).
(مظ): لا يجوز للنساء إطالة أذيالهن؛ بحيث يصل قدرُ ذراع من
أذيالهن إلى الأرض؛ لتكون أقدامُهن مستورة (٣).
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه .
(٢) المرجع السابق (٩ / ٢٨٩٨).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ١٥).
٢٤٥
١٢٠- باب
استحبابِ تركِ الترفُّع في اللباسِ تواضعاً
قَدْ سَبَقَ في بابٍ: فَضْل الجُوعِ وَخُشُونَةِ العَيْشِ جُمَلٌ تَتَعلَّقُ بِهِذا
البَابِ.
(باب استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعاً)
٨٠٢ - وعَنْ مُعاذٍ بِنٍ أَنَسٍ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَه قالَ: ((مَنْ
تَرَكَ اللَّبَاسَ تَوَاضُعاً لله، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، دَعَاهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ
عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإِيمانِ شَاءَ
يَلْبَسُهَا)) رواهُ الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
قوله ويلفي: ((من ترك ثوب جمال))(١) هذا دليل يدل على استحباب
ترك لُبس اللباس الفاخر، بنية التقلَّل من الدنيا وزهرتها وبهجتها، وتواضُعاً
لله سبحانه .
لمَّا مات أبو الدرداء ◌ُه؛ وُجد في ثوبه أربعون رُقْعَةً، وكان عطاؤه
(١) كذا في الأصل، والصواب: ((من ترك اللباس تواضعاً لله ... )) كما هو في رواية
الترمذي .
٢٤٦
أربعة آلاف.
وعن أنس ﴿به قال: رأيتُ في قَمِيص عمر بن الخطاب ﴿ُه أربعَ رِقَاعِ
بین کتفیه .
وعن أبي عثمان ﴿ه: رأيت عمر حظه يرمي الجَمْرةَ، وعليه إزار
مَرْقوعٌ بقطعة چِراب.
وعن غيره: أن قَمِيصَ عمر ﴿به كان فيه أربعةَ عشر رُقعةً، إحداها من
أدیم.
وقد قيل :
فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلٌ
إذا المَرْءُ لَمْ يَدْنَسْ مِنَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ
وحُكي أن أصحاب سفيان الثوري كلَّموه فيما كانوا يرون من اجتهاده
ورثاثة حاله، فأنشد:
ماذا يُحَمَّلُ مِن بُؤْسٍ وِإِفْتَارِ
ما ضَرَّ مَنْ كَانَتِ الفِرْدَوْسُ مَنْزِلَهُ
إِلَى المَسَاجِدِ يَسْعَى بَيْنَ أَطْمَارِ
تَرَاهُ یَمْشِي کَئِيباً خَائِفاً وَجِلاً
قال شيخ الإسلام أبو حفص السُّهْرَوَرْدِيُّ رحمه الله: لبس الخَشِن من
الثياب هو الأحبُّ والأَوْلى، والأسلم للعبد، والأبعد من الآفات، وإذا
[كانت] النفس مَحَلّ الآفات؛ فالوقوف على دسائسها، وخفيٍّ شهواتها،
وكَامِن هواها عَسِرٌ جداً.
فالأولى والأجدر: الأخذ بالأَحْوَط، وترك ما يَرِيب إلى ما لا يَرِيب،
ولا يجوز للعبد الدخول في السَّعَة إلا بعد إتقان علم السَّعَة، وكمال تزكية
٢٤٧
النفس، وذاك إذا غابت النفس بغيبة هواها المُتَّبَع، وتخلَّصت النية، وتسدَّد
التصرُّف بعلم صريح واضح، وللعزيمة أقوام يركبونها، ويراعونها، لا يرون
النزول إلى الرُّخَص؛ خوفاً من فوت فضيلة الزهد في الدنيا، واللِباسُ الناعم
من الدنيا، وقيل: مَن رقَّ ثوبُه؛ رَقَّ دِینُه.
وقد يُرخَّص في ذلك لمن لا يلتزم بالزهد، ويقف على رخصة
الشرع، كما رواه عبدالله بن مسعود أنه وٍَّ قال: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كانَ
فِي قَلْبِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرِ)) فقال رجل: إن الرجل يُحِبُّ أن يكون ثوبُه
حَسَناً، ونعلُه حَسَناً، فقال ◌َّهِ: ((إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ))(١).
وتكون هذه الرخصة في حق مَن يلبسه [لا] بهوی نفسه في ذلك،
غيرَ مُفتَخِر به، ولا مُختال؛ إذ اللُّبس للتفاخر بالدنيا، والتكاثر بها؛ ورد فيه
الوعید، انتھی.
* قوله ◌َله: ((حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها)): فيه
بِشَارةٌ؛ بأن ترك الترفُّع في اللباس، والاقتصار فيه على قدر الضرورة مُورِّثٌ
لكمال الإيمان، فإن التخيير في الآخرة في لبس ثوب، أو حلة من أيِّ (٢)
حُلَل الإيمان شاء؛ لا يكون إلا بعد كمال العبد [في] الإيمان في دار الدنيا.
(١) رواه مسلم (٩١ / ١٤٧).
(٢) في الأصل: ((ثواب أي حلة أثر حلل)).
٢٤٨
١٢١- باب
التوسطِ في اللباسِ، ولا يقتصرُ على ما يُزري به
لغيرِ حاجةٍ ولا مقصودٍ شرعيّ
٨٠٣ - عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ جَدِّهِ ﴾، قالَ:
قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ)
رواهُ الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
* قوله راي: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)) :
(مظ): يعني: إذا آتى الله عبداً من عباده نعمة من نعم الدنيا؛
فليظهرها من نفسه؛ بلبس لباس يليق بحاله، ولتكن نيتُه في ذلك إظهارَ
نعمة الله عليه؛ ليقصدَه المحتاجون لطلب الزكاة والصدقات، وكذلك
العلماء؛ فليُظهروا علمَهم؛ ليعرفهم الناس، فيستفيدوا من علمهم(١).
(حس): هذا في تحسين اللباس بالتنظيف والتجديد عند الإمكان،
من غير أن يبالغ في النُّعومة والرِّقَّة، ومُظاهرة المَلْبَس على المَلْبَس على
ما هو عادة العجم، وقد روي: أن النبي ◌َّ كان ينهى عن كثير من الإرفاه،
يدل عليه ما رواه أبو الأَحْوَص عن أبيه قال: أبصر عليَّ رسول الله وَّ ه ثياباً
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ /١٩).
٢٤٩
خُلْقَاناً، فقال: ((أَلَكَ مَالٌ؟))، قلت: نعم، قال: ((أَنْعِمْ على نَفْسِكَ؛ كَمَا
أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ))(١).
وفي رواية: رآني النبيُّ ◌َّهِ، وعليَّ أَطْمَارٌ، فقال: ((هَلْ لكَ مِنْ مَالٍ؟))،
قلت: نعم، قال: ((مِنْ أَيِّ المَالِ؟)) قلت: مِن كلِّ قد آتاني الله من الشَّاء
والإبل، قال: ((فَلْتُرَ نِعْمَةُ الله تعالى وكَرَامِتُهُ عَلَيْكَ»(٢).
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ٥٠). والحديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير» (١٣٤٧).
(٢) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٣/ ٤٧٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (١ / ٧٦)،
والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠ / ١٠). وإسناده صحيح كما ذكر محققو («المسند»
(طبعة مؤسسة الرسالة).
٢٥٠
3
١٢٢- باب
تحريم لباس الحرير على الرجال،
وتحريمٍ جلوسِهم عليه، واستنادِهم إليه،
وجوازٍ لبسِه للنساءٍ
٨٠٤ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّه:
((لاَ تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإِنَّ مَنْ لَبِسَهُ في الدُّنْيًا، لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ»
متفقٌ عليه.
* قوله رقيق: «لم يلبسه في الآخرة»:
(مظ): قال: اعتقد تحليله؛ فهو كافر لم يدخل الجنة، فلم يلبس من
حريرها، وإن اعتقد تحريمه؛ فهو لا يدخل الجنة حتى يطهر من الذنب؛
إما بالتوبة، أو بأن يعفو الله عنه بفضله، أو يُعذّب بقَدْر ذنبه، ثم يدخل
الجنة، فیحرمه من حریرها، انتهى(١).
ويحتمل أن يقال: إنه يدخل الجنة، ويحرم عليه لُبسُه، فإنه من فاخر
لباس أهل الجنة، فيُحْرَمُه هذا العاصي بلبسه في الدنيا.
وقيل: إنه ينسى شهوةَ لُبسه؛ لأن الجنة فيها كلُّ ما تشتهيه الأنفس.
وقيل: لا يشتهيه وإن ذكره، فيكون هذا نقصاً عظيماً بحرمانه أشرفَ
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ /١٠).
٢٥١
نعيم أهل الجنة؛ ليكون تمييزاً بينه وبين تارك لُبسه لله سبحانه.
وذكر الإمام النواويُّ نحو هذا [في]: ((مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنيا؛ لَمْ
يَشْرَئِهُ في الآخِرَةِ))(١).
وفي ((المعجم الكبير)) للطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَّه:
((لا يَسْتَمْتِعُ بالحَرِيرِ مَنْ كَانَ يَرْجُو أَيَّامَ اللهِ»(٢).
*
٨٠٥ - وعنه، قال: سمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلِهِ يقولُ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ
الحَرِيرَ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ)) متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ للبُخاري: ((مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ في الآخِرَةِ».
قولُه: ((مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ))؛ أَيْ: لاَ نَصِيبَ لَهُ.
* قوله: «من [لا] خلاق له)):
(غب): (الخلاق): ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخُلقِه(٣).
(ق): يعني بذلك: أنه لباس المشركين في الدنيا، وهم الذين لا خلاقَ
لهم في الآخرة(٤).
(١) رواه البخاري (٥٢٥٣)، ومسلم (٢٠٠٣ / ٧٣)، من حديث ابن عمر محليًا.
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧٥١١). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)» (١٢٥٢).
(٣) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ١٥٨).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣٨٦/٥).
٢٥٢
(ط): فيه وجهان :
أحدهما: أنه لا نصيبَ له في الآخرة، ولا قِسْطَ له في النعيم .
ثانيهما: أنه لا حَظَّ له في الاعتقاد بأمر الآخرة، ويحتمل أن يراد
بقوله: ((من لا خلاق له)) النصيبُ من لبس الحرير، فيكون كناية عن عدم
دخوله الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]، أما في
حق الكافر: فظاهر، وأما في حق المؤمن: فعلى سبيل التغليظ(١).
٨٠٧ - وعن عَلِيٍّ ◌َ﴿ه، قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَ أَخَذَ
حَرِيراً، فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ، وذَهَباً، فَجَعَلَهُ في شِمَالِهِ، ثمَّ قَالَ: ((إِنَّ
هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورٍ أُمَّتي)).
رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ.
* قوله ويقي: ((إن هذين حرام على ذكور أمتي)):
(خط): ((هذين)) إشارة إلى جنسهما، لا إلى عينهما فقط، وسبق
الكلام على تحريم الحرير على الرجال في (آداب الشرب)(٢).
(ش): إذا اتّخذ من الحرير ملبوسٌ؛ كان معتدل الحرارة في مزاجه،
مُسَخِّناً للبدن، ورُبَّما برد بتسمينه إياه، ويُربِّيِ اللحم، وكلُّ لباس خَشِن؛
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٨٩٣).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٩٢).
٢٥٣
فإنه يُهْزِلُ ويُصَلِّب البشرة.
فإن قيل: فإذا كان لباس الحرير أعدلَ اللباس، وأوفقَه للبدن؛ فلم
حرمته الشريعة الكاملة الفاضلة التي أباحت الطيِّبات، وحرمت الخبيثات؟
قيل: هذا السؤال يجيب عنه كلُّ طائفة من طوائف المسلمين
بجواب، فمُنكرو الحِكَم والتعليل لمَّا رُفعت قاعدة التعليل من أصلها؛ لم
يحتاجوا إلى جواب.
ومُثتبو التعليل والحِكَم وهم الأكثرون؛ فمنهم من يجيب: بأن الشريعة
حرمته؛ لتصبر النفوس عنه، وتتركَه لله تعالى، فتثابَ على ذلك، لاسيَّما ولها
عِوَضَ بغيره.
ومنهم مَن يجيب: بأنه خُلِقٍ في الأصل للنساء؛ كالحِلْية بالذهب،
فحرم على الرجال؛ لما فيه من تشبُّه الرجال بالنساء.
ومنهم من قال: حُرِّم؛ لما تورث ملامسته للبدن من الأُنوثة،
والتخُّث، وضدِ الشَّهامة والرُّجولية؛ فإن لُبُسَه يُكسِبُ القلب صفة من
صفات الإناث؛ ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر، إلا وعلى شمائله
من التخنيث، والتأنيث، والرَّخاوة ما لا يخفى، حتى لو كان من أشهم
الناس، وأكثرهم فُحولةَ ورُجولية، فلا بُدَّ أن يَنْقُصَه [لبس] الحرير، وأن
يُذهبَها، ومن غَلُظت طباعُه وكَثُفت عن فهم هذا؛ فليُسلِّم للشارع الحكيم.
ولهذا كان أصَّ القولين: أن يحرم [على] الوَلْيِّ أن يُلْبِسَه الصبيَّ؛
لما ينشأ عليه من صفات أهل التأنيث(١).
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ٧٨).
٢٥٤
(ق): التحريم مختص بالحرير الخالص المُصْمَت، فأما الذي سَدَاهُ
حریر، ولُحمَتُه غيره: فكرهه مالك، وإليه ذهب ابن عمر، وأجازه ابن عباس.
وأما الخَزُّ فجلُّ [المذهب](١) فيه على الكراهة، وقيل: حرام، وقيل: مباح.
وحكي الإباحة عن خمسة وعشرين من الصحابة؛ منهم: عثمان بن
عفان، وسعيد بن زيد، [و]ابن عباس، وخمسة عشر تابعياً.
واختلف في الخَزِّ ما هو؟
فقيل: هو ما سَدَاه حرير، ولُحْمَتُه قطن.
وقيل: إنه يشبه الحرير، وليس به، ويكره لشبهه بالحرير،
وللسَّرف(٢)، [و]سبق في آخر (الباب السابع والعشرين).
٨٠٩ - وعَنْ حُذَيْفَةَ ﴾، قالَ: نَهَانَ النَّبِيَُّ﴿ أَنْ نَشْرَبَ في
آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيَاجِ،
وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. رواهُ البخاريُّ.
· قوله: ((نهانا النبي ﴿﴿ أن نشرب في آنية الذهب والفضة)) سبق في
(الباب الحادي بعد المائة في آداب الشرب).
(١) في الأصل: ((وأما الحرير فحل)).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣٨٦/٥).
٢٥٥
١٣٣- باب
جوازٍ لبس الحريرِ لمن به حِكَّةٌ
٨١٠ - عن أَنَسٍ ﴿ه، قالَ: رَخَّصَ رَسُولُ الله ◌َِّ للزُّبَيْرِ،
وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﴾ في لُبْسِ الحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِمَا. متفقٌ عليه.
* قوله: ((رخص للزبير وعبد الرحمن بن عوف في الحرير لحكة
بهما» :
(ن): هذا الحديث صريح في الدلالة لمذهب الشافعيِّ وموافقيه: أنه
یجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حِكَّة؛ لِما فيه من البرودة، وكذلك
القَمْل، وما في معنى ذلك في السفر، وكذا في الحضر في الأصح.
وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث حُجَّة علیه، وفيه: جواز لبس
الحرير للضرورة؛ كمَن فاجأه حربٌ، ولم يجد غيره(١).
(ق): الحديث واضح الحُجَّة على مذهب مالك، إلا أن يدَّعيَ
الخصوصية بهما، ولا يصح، أو لعل الحديث لم يبلغه(٢).
(ش): تحريم الحرير إنما كان سَدّاً للذريعة؛ ولهذا أُبيح للنساء،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٥٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٣٩٨).
٢٥٦
وللحاجة، وللمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة ما حَرُم بسد الذرائع، ولما
كان لبس ثياب الحرير لا يُسخِّن كالقطن، بل هو مُعتدل؛ رُخِّص للزبير،
وعبد الرحمن ﴿4 في لبسه؛ لمداواة الحِكَّة؛ إذ الحِكَّة لا تكون إلا عن
حرارة، ويَبَس، وخُشونة، وثوب الحرير أملسُ صقيل، وأقلُّ إسخاناً
للبدن، وأقلُّ عَوْناً في تَحلُّل ما يتحلَّلُ منه، وأبعد عن قَبول تولُّد القَمْل
فيها؛ إذ كان مِزاجُه مخالفاً لمِزاج ما يتولد منه القَمْلُ (١).
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ٧٩).
٢٥٧
١٣٤- باب
النهي عنِ افتراشِ جلودِ النمورِ، والركوبِ عليها
٨١١ - عن مُعَاوِيَةَ ﴿ه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تَرْكَبُوا
الخَزَّ وَلاَ النِّمَارَ)).
حديثٌ حسنٌ، رواه أبو داودَ وغیرُه بإسنادٍ حسنٍ.
* قوله {ل: ((لا تركبوا الخز ولا النمار)):
(نه): الخَزُّ المعروف أولاً: ثيابٌ تنسج من صوف وإِبْرِيسَم، وهي
مُباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها؛ لأجل التشُّه
بالعجم، وزِيِّ المُتْرَفين، وإن أريد بالخَزِّ النوعُ الآخر، وهو المعروف
الآن؛ فهو حرام؛ لأن جميعه معمولٌ من الإِبْرِيسَم، وعليه يحمل قوله ◌َّين :
(سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي قوم يَسْتَحِلُّونَ الخَزَّ والحَرِيرَ))(١).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢٨)، والحديث رواه أبو داود
(٤٠٣٩)، من حديث أبي مالك الأشعري څ، ورواه البخاري (٥٢٦٨)، وفيه:
((الحِرَ)) بالحاء والراء المهملتين، وهو الفَرْج كما ذكر الحافظ ابن حجر في ((فتح
الباري)) (١٠ / ٥٥)، وقال: وكذا هو في معظم الروايات من ((صحيح البخاري))،
ولم يذكر عياض ومن تبعه غيره، وأغرب ابن التين فقال: إنه عند البخاري
بالمعجمتين، وقال ابن العربي: هو بالمعجمتين تصحيف، ووقع في رواية أبي =
٢٥٨
وأما النهي عن ركوب النِّمَار، وفي رواية: ((النُّمور))(١)، وهي السِّباع
المعروفة، واحدها: نَمِر: إنما نهى عن استعمالها؛ لما فيها من الزينة
والخُيَلاء؛ لأنه زِيُّ العجم، أو لأن شعره لا يقبل الدِّباغ عند أحد الأئمة إذا
كان غيرَ ذِكِيٍّ، ولعل أكثرَ ما كانوا يأخذون جلودَ النُّمور إذا ماتت؛ لأن
اصطيادها عَسِرٌ.
وروي عن [أبي] أيوب: أنه أتي بدابة سَرْجُها نمور، فنزع الصُّفَّة؛
يعني: المِيثرة، فقيل: الجَدَيَاتُ: نمورٌ؛ يعني: البِدَادَ، فقال: إنما نُهِيَّ
عن الصُّفَّة.
(تو): يعني بـ ((النمار)): جلودَ النمور، والصواب فيه: النُّمور، وقد روي
كذلك.
(قض): وقيل: هي نَمِرَةٌ، وهي الكِساء المُخطَّط، ولو صَحَّ أنه المراد
منه؛ فلعله كره ذلك لما فيه من الزينة (٢) .
(ط): ولعل النِّمار جاء في جمع (نمر)، كما في الحديث، انتهى (٣).
قال الصَّغَانِيُّ في ((العباب)): جمع النمر: أنمار، ونِمَارٌ، ونِمَارَةٌ،
ونُمور، وقد جاء نُمُر في الشعر بوزن مُنُق.
= داود بمعجمتين والتشديد، والراجح بالمهملتين ... )) وينظر في كلامه ثمة.
(١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٩٨١٦)، من حديث معاوية حظه. وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٩٥٧).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ١٤٧).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٩٠٥).
٢٥٩
٨١٢ - وعن أَبِي المَلِيح عن أبيهِ﴿هِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهُ نَھَى
عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ.
رواه أبو داود، والترمذيُّ، والنسائيُّ بأسَانيدَ صحاحٍ .
وفي رواية الترمذيٍّ: نهَى عَنْ جُلُودِ السَِّاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ.
* قوله: ((نهى عن جلود السباع)»:
(خط): يَحتجُّ به مَن يرى أن الدِّباغ لا يعمل إلا في جلد ما يؤكل
لحمُه، وهو قول الأوزاعي.
وتأويل الحديث عند غيره: أن المنهيَّ هو أن يُستعمل قبل الدِّباغ،
وتأوَّله أصحاب الشافعي في أن الدِّباغ يطهر جلود السِّباع، ولا يطهر
شُعورَها، على أنه إنما نهى من استعمالها؛ من أجل شعرها؛ لأن جلود
النمر إنما تستعمل مع بقاء الشعر عليها، وشعر المَيْتة نجسٌ عندهم.
وقد يكون النهي أيضاً؛ من أجل أنها مراكب أهل الشرف والخُيَلاء،
وقد جاء النهي عن ركوب جلد النمر أيضاً، فأما إذا دُبغ الجلد، ونتف
شعره؛ فإنه ظاهر، ولا يُنكر تخصيص العموم بدليل يوجبه(١).
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٢٠٢).
٢٦٠