النص المفهرس
صفحات 161-180
٧٤٥ - وعن عبدِ الله بْنِ بُسْرٍ ﴿ه، قالَ: كَانَ النَّبِيِّ وَ﴿ قَصْعَةٌ يُقَالُ لها: الغَرَّاءُ، يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجالٍ، فَلَمَّا أَضْحَوْا، وَسَجَدُوا الضُّحَى، أُنِيَ بِتِلْكَ القَصْعَةِ، يعني: وقد تُرِدَ فيها، فَالتَّقُوا عَلَيْها، فَلَمَّا كَثُرُوا، جَثَا رَسُولُ الله ◌ِ، فقالَ أَعْرابِيُّ: مَا هَذِهِ الجِلْسَةُ؟! قالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((إنَّ اللهَ جَعَلَنِي عَبْداً كَرِيماً، وَلَمْ يَجْعَلْني جَبَّاراً عَنِيداً)، ثمّ قالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا، وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِیها»، رواه أبو داود بإسنادٍ جیدٍ. ((ذِرْوَتَهَا)): أَعْلاها، بكسر الذال وضمها. * قوله: ((يقال لها: الغرّاء)»، فيه: استحباب صلاة الضحى، وأن فعلها كان مُستفيضاً بين الصحابة، خلافاً لمَن ذهب إلى عدم استحبابها؛ كما سيأتي في (الباب الثاني والعشرين بعد المئة). * قوله ((ما هذه الجلسة؟!)): (ط): ((ما هذه)) نحو ما في قوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٦٤]، فكأنه استحقرها، ورفع منزلته عن مثلها، فأجاب ◌َله: أن هذه جلْسَةُ تواضُع، لا حقارة؛ فلذلك وصف ((عبداً) بقوله: ((كريماً) (١). (مظ): يعني: هذه الجِلْسَة أقربُ إلى التواضُع، والتواضُعِ أَلْيَقُ بالعَبيد، وأنا عبدٌ، فيليقني هذه الجِلْسَةُ(٢). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٨٧١). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٥٢٨). ١٦١ ١٠٨-باب كراهيةِ الأكلِ مُتَّكئاً ٧٤٦ - عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبٍ بْنِ عبدِ الله ◌َهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لا آكُلُ مُتَّكِئاً))، رواه البخاريُّ. قال الخَطَّبيُّ: المُتَّكِىءُ هُنَا: هو الجالِسُ مُعْتَمِداً على وِطَاءٍ تَحْتَهِ، قالَ: وَأَرَادَ: أَنَّهُ لا يَقْعُدُ عَلى الوِطَاءِ وَالوَسَائِدِ كَفِعْلٍ مَنْ يُرِيدُ الإِكْثَارَ مِنَ الطَّعَامِ، بَلْ يَقْعُدُ مُسْتَوْفِزاً، لا مُسْتَوْطِئاً، وَيَأْكُلُ بُلْغَةً. هذا كلامُ الخَطَّابِي، وَأَشَارَ غَيْرُهُ إلى أَنَّ المُتَّكِىءَ هو المائلُ عَلى جَنبِهِ، والله أعلم. * قوله ◌َله: ((لا آكل متكئاً): (خط): يَحسِبُ أكثر العامة أن المُتَّكى هو المائل على أحد شِقِیه، لا يعرفون غيره، وكان بعضهم يتأوَّل هذا الكلام على مذهب الطُّبِّ، ودفع الضرر عن البدن؛ لأنه إذا كان الآكل مائلاً على أحد شِقَيه؛ لا يكاد يسلم من ألم يناله في مجرى طعامه، فلا يُسیغُه، ولا يَسهُل نزوله إلى معدته، ولیس معنى الحديث ما ذهبوا إليه، وإنما المُتَّكى هاهنا هو المُعتمِدُ على الوطاء ١٦٢ الذي تحته، فكلُّ مَن استوى قاعداً على وِطَاء؛ فهو مُتَكيءٌ، والاتكاء مأخوذ من الوِكَاء، وهو افتعال منه، فالمُتَّكئ هو الذي أوكأ مَفْعَدتَه، وشدَّها على الوطاء الذي تحته، أراد أنه إذا أكل؛ لم يقعد على الأوطئة والوسائد فعلَ من يريد أن يستكثر من الأطعمة، ويتوسّع في الألوان، ولكني آكل عُلْقَةً، وآكل من الطعام بُلْغَةً، فيكون قعودي مُسْتَوْفِزاً، لا مُسْتَوْطِئاً(١). (ش): فُسِّر الاتكاء بالتربُّع، وبالاتكاء على الشيء، وهو الاعتماد عليه، وبالاتكاء على الجَنْب، والثلاثة مكروهة؛ فإن نوعاً منها يضرُّ بالأكل، وهو الاتكاء على الجَنْب؛ فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته، ويعوقه عن سرعة نُفُوذه إلى المعدة، والنوعان الآخران من جلوس الجبابرة المُنافي للعبودية؛ ولهذا قال: ((آكلُ كمَا يَأْكُلُ العَبْدُ))(٢)، وكان يأكل، وهو مُفْع، ويذكر عنه أنه وَّيِ كان يجلس للأكل مُتورِّكاً على ركبتيه، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى؛ تواضعاً لربِّه ◌َ، وأدباً بين يديه، واحتراماً للطعام والمُؤاكل، فهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل، وأفضلُها؛ لأن الأعضاء كلَّها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله سبحانه عليه، مع ما فيها من الهيئة الأدبية(٣). (١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٢٤٢ - ٢٤٣). (٢) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٩٥٥٤). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)» (٧). (٣) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ٢٢١). ١٦٣ ٧٤٧ - وعَنْ أَنَسِ، قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللهِوَلِهِ جَالِساً مُقْعِياً يَأْكُلُ تَمْراً، رواه مسلم. (المُقْعِي)): هو الذي يُلْصِقُ أَلْيَيْهِ بِالأَرْضِ، ويَنْصِبُ سَاقَيْهِ. * قوله: ((جالساً مقعياً): (ق): إنما كان يأكل كذلك؛ لعدم نُهْمَته، وقِلَّة مبالاته بأكله؛ إذ لم تكن هِمَّتُه فيما يجعل في بطنه، وإنما كان يأكل القليل من الطعام على قَدْر الحاجة، وعلى جهة التواضُع؛ ولذلك قال ◌َِّ: ((أَمَّا أنا: فلا آكُلُ مُتَكِئاً، ولكِنْ آَكُلُ كمَا يَأْكُلُ العَبْدُ)) (١). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٣١٥)، والحديث رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٤٩٢٠) عن عائشة رضي الله عنها. وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة» (٢ / ٧٢) و(٥/ ٦٣٤). ١٦٤ ١٠٩ -با استحبابِ الأكلِ بثلاثِ أصابعَ، واستحبابٍ لعق الأصابعِ، وكراهةٍ مسحها قبلَ لعقها، واستحبابِ لعقِ القصعةِ وأخذِ اللقمة التي تسقطُ منه وأكلِها، وجوازٍ مسحِها بعدَ اللعقِ بالساعدِ والقدمِ وغيرِ هما ٧٤٨ - عنِ ابنِ عباسٍ ﴿﴾، قال: قالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَاماً، فَلاَ يَمْسَحْ أَصَابِعَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَها))، متفقٌ عليه. * قوله: ((حتى يَلعَقَهَا أو يُلْعِقَها)»: (ن): معناه - والله أعلم -: لا يمسح يده حتى يَلْعَقَها، فإن لم يفعل؛ فحتى يُلْعِقَها غيرَه ممَّن لا يتقذَّر؛ كزوجة، وجارية، وولد، وخادم يُحِبُّونه، ويتلذَّذون بذلك، ولا يتقدَّرونه، وكذا من كان في معناهم؛ كتلميذ يعتقد بركته، ويودُّ التبرُّك بلَعْقِها، وكذا لو ألعقها شاةً ونحوها(١). (ق): الأول ثُلاثيٌّ؛ أي: يَلْعَقُها بنفسه، والثاني [رُباعيٌّ]؛ أي: يجعل غيرَه يلعقها، وهذا كلُّه يدلُّ على استحباب لعق الأصابع إذا تعلق بها شيء من الطعام، ولكنه في آخر الطعام؛ كما نصَّ عليه، لا في أثنائه؛ لأنه يمسُّ بأصابعه بزاقه [في] فمه، إذا لَعِقِ أصابعَه، ثم يُعيدها؛ فيصير كأنه يَبصُق في (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٠٦). ١٦٥ الطعام، وذلك مُستقذَرٌ مُستقبَحٌ(١). وقوله: «فلا یمسحها حتی یلعقها» هذا يدل على جواز مسح اليد من الطعام بالمنديل قبل الغَسل، لكن بعد لعقها، وهو محمول على ما إذا لم يكن في الطعام غَمَرٌ، أما إذا كان فيه غَمَرٌ: فينبغي أن يغسلها بالماء. جاء في ((الترمذي)) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((مَنْ نامَ وفي يَدِهِ غَمَرٌ، فَأصابَهُ شَيْءٌ؛ فلا يَلُومَنَّ إلَّ نَفْسَهُ»(٢). ٧٤٩ - وعن كعب بن مالكٍ ﴿ه قال: رأيتُ رسولَ اللهِوَهِ يأْكُلُ بثلاثٍ أَصَابِعٍ، فإذا فرغَ لَعقَها. رواه مسلم. ٧٥٠ - وعن جابر عه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وقال: ((إنَّكُمْ لا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ» رواه مسلم. * قوله ويقي: ((فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة))، والحكمة في الأكل بثلاث أصابع سبق في (الباب السادس عشر)، و(الباب الحادي والسبعين). وقد نقل الغزاليُّ عن الشافعيِّ أنه قال: الأكل على أربعة أنحاء: بإصبع من المَقْت، وبإصبعين من الكِبْرِ، وبثلاث أصابعَ من السُّنَّة، وبأربع (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٣٠٠ -٣٠١). (٢) رواه الترمذي (١٨٥٩). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢١٦٦) . ١٦٦ وخمس من الشَّرَه(١). ٠ ٠٠ ٧٥٢ - وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلْ قالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِندَ طَعَامِهِ؛ فَإِذا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَأْخُذْها، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِها مِنْ أَذَى، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا ولا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ، فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعامِهِ البَرَكَةُ))، رواه مسلم. * قوله وخليفى: ((إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه)): (ن): فيه: التحذير منه، والتنبيه على مُلازمته للإنسان في تصرفاته، فينبغي أن يتأهَّبَ ويحترز منه، ولا يغتر بما يزينه له(٢). (ق): فائدته: أن يحضر الإنسانَ هذا المعنى عند إرادته فعلاً من الأفعال كائناً ما كان، فيتعوَّذَ بالله من الشيطان، ويُسمِّيَ الله تعالى؛ فإنه يُكفى مَضَرَّتَهُ(٣). ٧٥٣ - وعَنْ أَنَسِ ﴿ه، قال: كانَ رَسُولُ اللهِوَ﴿ إِذَا أَكَلَ (١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٢٠). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٠٥ - ٢٠٦). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣٠١/٥). ١٦٧ طَعَاماً، لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلاثَ، وقالَ: ((إذا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَأْخُذْهَا، ولْيُمِطْ عَنْها الأَذَى، ولْيَأْكُلْهَا، ولا يَدَعْها لِلشَّيْطَانِ))، وَأَمَرَنَاَ أَنْ نَسْلُتَ القَصْعَةُ، وقالَ: (إِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ البَرَکُ)، رواه مسلم. حديث أنس سبق في (الباب الحادي والسبعين). * ٧٥٤ _ وعَنْ سَعيدِ بْنِ الحارِثِ: أَنَّهُ سَأَلَ جابراً ظُ عنِ الوُضوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فقال: لا، قَدْ كُنَّا زَمَنَ النبيِّ وَّوَ لا نَجِدُ مِثلَ ذَلِكَ الطعام إِلَّ قَليلاً، فَإِذا نَحْنُ، وَجَدْنَهُ، لَم يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إِلاَّ أَكْفَّنَا وسَوَاعِدَنَاَ وأَقْدَامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّي وَلا نَتَوَضَّأُ، رواه البخاريُّ. * قوله: «لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا، وسواعدنا، وبطون أقدامنا»: هذا يدلُّ على أنهم كانوا مستغرقي الهَمِّ في تطهير القلوب، وكانت عنايتُهم كلُّها بنظافة الباطن، حتى إنهم عَدُّوا الأُشْنَان من البدع المُحدَثة؛ كما أفاده الغزاليُّ، وأيضاً؛ إنهم كانوا لا يجدون من الطعام الدَّسم واللُّحوم إلا نادراً؛ كما نصَّ في هذا الحديث، وأطراف الإنسان إذا بَعُدَ عهدُه بالدُّهن؛ تشرب ما يصل إليها، فلا يبقى حينئذ في الأطراف شيء من الغَمَر. (ن): اختلف العلماء في استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده، والأظهر: استحبابُه أولاً، إلا أن يتيقَّن نظافة اليد من النجاسة والوسخ، واستحبابه بعد الفراغ، إلا أن لا يبقى على اليد أثر الطعام؛ بأن كان يابساً، ١٦٨ أو لم يمسَّه بها، وقال مالك: لا يُستحبُّ غسل اليد للطعام، إلا أن يكون على اليد قذَرٌ، ويبقى عليها بعد الفراغ رائحةٌ (١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٤٦). ١٦٩ ١٠٠- بل تكثير الأيدي على الطعام ٧٥٥ _ عن أَبي هُريرةَ رضي الله تعالى عنه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ))، متفقٌ عليه. ٧٥٦ - وعن جابر﴿، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله وَّهِ، يقول: (طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيَّنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ((، رواه مسلم. • قوله وي: ((طعام الواحد يكفي الاثنين))، سبق في (الباب الثاني والستين). ١٧٠ ١١١- باس أدبِ الشربِ واستحبابِ التنفسِ ثلاثاً خارجَ الإناء، و کراهیة التنفس في الإناء، واستحباب إدارة الإناءِ على الأيمنِ فالأيمنِ بعدَ المبتدئ (الباب الحادي بعد المئة) (في آداب الشرب) ٧٥٧ - عن أَنَسِ هِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ كَانَ يَتَنَفَّسُ في الشَّرَابِ ثَلاثاً، متفقٌ عليه. يعني: يَتَنَفَّسُ خَارِجَ الإناءِ. * قوله: ((يتنفس في الشراب ثلاثاً)) زاد مسلم: ((ويقول: إنه أَرْوَى، وأَبْرَأُ، وأمْرَأُ))، قال أنس: وأنا أتنفس في الشراب ثلاثاً(١). (حس): المراد من هذا الحديث: أن يشرب ثلاثاً، كلُّ ذلك يُبين الإناء عن فيه، فيتنفس، ثم يعود، والخبر المرويُّ أنه نهى عن التنفّس في الإناء: هو أن يتنفس من غير أن يُبينَه عن فيه(٢). (قض): الشُّربُ بثلاث دفَعَات أقمعُ للعطش، وأقوى على الهَضْم، (١) رواه مسلم (٢٠٢٨ / ١٢٣). (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١١ / ٣٧٤). ١٧١ وأقلُّ أثراً في بَرْد المَعِدة، وضعف الأعصاب(١). (ن): ((أروى)) من الرِّيِّ؛ أي: أكثر رِيّاً، ((وأبرأ وامرأ)) مهموزان، ومعنى (أبرأ)؛ أي: أبرأ من ألم العطش، وقيل: (أبرأ)؛ أي: أسلم من مرض، أو أذىّ يحصل بسبب الشرب في نفس واحد، ومعنى (أمرأ)؛ أي: أسهل انسياغاً(٢). (ق): قد حمل بعضهم هذا الحديثَ على ظاهره، وهو أن يتنفَّسَ في الماء ثلاثاً، وقال: فعل ذلك؛ ليُبيِّن به جوازَ ذلك، ومنهم مَن علَّل جواز ذلك في حَقِّه عليه الصلاة والسلام؛ بأنه لم يُتقدَّر منه شيء، بل الذي يُتقذَّر من غيره يُستطابُ منه؛ فإنهم كانوا إذا بزق، أو تنخَّع؛ تدلَّكوا بذلك، وإذا توضأ؛ اقتتلوا على فَضْل وَضُوئه إلى غير ذلك ممَّا في هذا المعنى. قلت: وحَمْلُ هذا الحدیث علی ھذا المعنی لیس بصحیح؛ بدلیل بقية الحديث؛ فإنه قال: ((أروى، وأبرأ، وأمرأ))، وهذه الثلاثة الأُمور إنما تَحصُل بأن يشرب في ثلاثة أنفاس خارجَ القَدَح، فأما إذا تنفس في الماء، وهو يشرب: فلا يأمن الشَّرَق، ويحصل تقذُّر الماء، وقد لا يَرْوَى إذا سقط فيه من بُزاقه شيءٌ، أو خالطه من رائحة نفَسِه إن كانت هناك رائحةٌ كريهة، وعلى هذا المعنى حمل الحديثَ الجمهورُ، وهو الصواب؛ نظراً إلى المعنى، ولبقية الحديث، ولقوله ◌َّ للرجل الذي كان لا يَرْوَى من نَفَسٍ (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ١٢٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٩). ١٧٢ واحد: ((أَبِنِ القَدَحَ عَنْ فِيكَ، ثمَّ تَنفَّسْ))(١). (ش): ((يتنفس في الشراب))؛ أي: في مُدَّة شُربه، وهو كما في الحديث الصحيح: أن إبراهيم [بن رسول الله وَ﴿] مات في الَّدِي؛ أي: في مُدَّةِ الرَّضَاعِ(٢). وقوله: ((أبرأ)) هو أفعل من البُرء، وهو الشِّفاء؛ أي: يُبرِئُ من شِدَّة العطش ودائه؛ لتردُّده على المَعِدة المُلتهبة دفَعَات، فتسكن الدَّفْعةُ الثانية ما عجَزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت الثانية عنه. وأيضاً؛ فأنه أَسْلَمُ لحرارة المَعِدة، وأبقى عليها من أن يَهجُم عليها الباردُ وَهْلةً واحدة، ونَهْلةً واحدة. وأيضاً؛ فإنه لا يَرْوَى؛ لمصادفته لحرارة العطش لحظة، ثم يقلع عنها، ولمَّا يَكسِرُ سَوْرتَها وحِدَّتَها، وإن انكسرت؛ لم تبطل بالگُلِّية، بخلاف كسرها على التمهُّل والتدريج؛ فإنه أَسلمُ عاقبةً، وآمَنُ غائلةً، ومَن تناول جميع ما يُرْوِي دفعة واحدة؛ يُخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشِدَّة برده، أو يضعفها، فيؤدي ذلك إلى فساد مِزاج المعدة، وإلى أمراض رديئة؛ خصوصاً في سُكَّان البلاد الحارة؛ كالحجاز، واليمن، ونحوها، أو في الأزمنة الحارة؛ كشِدَّة الصيف؛ فإن الشُّربَ وَهْلةً واحدة مَخُوفٌ عليهم جداً؛ فإن الحرارة (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٢٨٩)، والحديث رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٥٣٢٧) عن أبي سعيد الخدري ظ. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٦). (٢) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ /٢٣٥، ٢٣٦). ١٧٣ الغريزية ضعيفة في بواطن أهلها، وفي تلك الأزمنة الحارة. وقوله: ((أمرأ): هو أفعل؛ من مَرِئ الطعامُ والشرابُ في بدنه: إذا دخله وخالطه بسهولة ولَذَّة ونفع، منه: ﴿هَنِ كَافَرِّنًا﴾ [النساء: ٤]؛ أي: هنيئاً في عاقبته، مريئاً في مذاقه، وقيل: معناه: أسرع انحداراً عن المَرِئ؛ لسهولة وخِفَّته عليه. ومن آفات الشرب نَهْلةً واحدة: أنه يُخاف منه الشَّرَق؛ بأن ينسدَّ مجرى الشراب؛ لكثرة الوارد عليه، فيَغَصُّ به، فإذا تنفس رُويداً، ثم شرب؛ أَمِن ذلك. ومن فوائده: أن الشارب إذا شرب أوَّلَ مرة؛ تصاعد البُخار الذُّخانيُّ الحارُّ الذي كان على القلب والكبد؛ لورود الماء البارد عليه، فأخرجته الطبيعة عنها، فإذا شرب دُفعة واحدة؛ اتفق نزول الماء، وصعود البُخار، فيتدافعان، ويتعالجان، ومن ذلك يحدث الشَّرَق والغَصَّة، ولا يهنأ الشارب بالماء، ولا يُمرِتُه، وقد روى عبدالله بن المبارك [والبيهقي] وغيرهما عن النبي ◌َّهِ: ((إذا شَرِبَ أَحدُكُم؛ فليَمَضَّ المَاءَ مَصّاً، ولا يَعُبُّ عَبّاً؛ فإنَّ مِنْهُ الكُبَاد))(١)، بضم الكاف وتخفيف الباء: وجع في الكبد، وقد عُلم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها، ويُضعِف حرارتها؛ للمُضادّة التي بين حرارتها، وبين ما ورد عليه من كيفية المُبرِّد وكمَّيته، ولو ورد بالتدريج شيئاً فشيئاً؛ لم يضُرَّ، وهذا مثاله صَبُّ الماء (١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧/ ٢٨٤). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٦١). ١٧٤ البارد على القِدْر وهي تفور، ولا يضرها صبُّه قليلاً قليلاً، انتهى(١). ٧٥٨ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ٍِّ : (لا تَشْرَبُوا وَاحِداً كَشُرْبِ الْبَعِيرِ، وَلكِنِ اشْرَبُوا مَثْتَى وَثُلاثَ، وَسَقُّوا إِذا أَنِّّمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ))، رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ. · قوله ◌َّ *: ((لا تشربوا واحداً كشرب البعير)» لمَّا كان الأكل والشرب من الأخلاق البهيمية التي جُبل الإنسان عليها، ولم يكن له بُدُّ منها لقيام البدن؛ نهى النبي ◌َّه عن التشبُّه بالبهائم عند الأكل والشرب، فنهى عن الشرب بنَفَس واحد كالبعير، وأمر بالشرب بثلاثة أنفاس، يفتتح كل نفس بالتسمية، ويختمه بالحمد؛ لئلا تظهر عليه الأخلاق الذَّميمة البهيمية، وتتنوَّر أفعاله برعاية الآداب والسنن، وسبق آداب الأكل، فيكون أكله وشربه؛ ليستعين بهما على العلم والعمل، ويتقوَّى بهما على التقوى. (ش): للتسمية في أول الطعام والشراب، وحمد الله في آخره تأثيرٌ عجيب في نفعه، واستمرائه، ودفع مضرّته(٢). (١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ٢٣٠، ٢٣٦). (٢) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ٢٣٢). ١٧٥ (ق): إذا لم يتنفس في الإناء؛ فليشرب في نفس واحد ما شاء، قاله عمر بن عبد العزيز، وأجازه جماعة؛ منهم: ابن المُسيَّب، وعطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس، وكره ذلك قوم؛ منهم: ابن عباس، وطاوس، وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان، والقول الأول أظهرُ؛ لقوله ﴿ للذي قال: إنه لا يَرْوَى من نفس واحد: ((أَبِنِ القَدَحَ عَنْ فِيكَ، ثمَّ تَنفَّسْ))، وظاهره: أنه أباح له الشرب من نَفَس واحد إذا كان يَرْوی(١). (ط): قوله: ((لا تشربوا واحداً كشرب البعير)) موقعه التأخير؛ أي: اشربوا مَثْنى وَثُلاثَ، ولا تشربوا واحداً كشرب البعير، فقدَّم الأمر على النهي؛ اهتماماً؛ كقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانِيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِقَائِهِ، وَجَعَلْنَهُ هُدَّى لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ﴾ [السجدة: ٢٣]، قدم: ﴿فَلَاَ تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ﴾؛ اهتماماً بشأنه؛ لأن الشرب مراراً لإبانة القَدَح؛ حذراً من التنفّس في الإناء مسنونٌ، لا كشرب البعير؛ فإنه يتنفس عند الكَرْع فیه(٢) . (قض): ((إذا أنتم رفعتم))؛ أي: رفعتم الإناء عن الفم. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٨٨)، والحديث رواه ابن حبان في ((صحیحه)) (٥٣٢٧) عن أبي سعيد الخدري ﴿ه، وقد سلف قريباً. (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٨٨١). ١٧٦ ٧٥٩ - وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ : أَنَّ النبيَّ ◌َّهُ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ في الإناءِ. متفقٌ عليه. يعني: يَتَنَفَّسُ في نَفْسِ الإناءِ. * قوله: ((نهى أن يتنفس في الإناء)): (حس): النهي عن التنفس فيه؛ من أجل ما يُخاف أن يَبرُزَ من ریقه، فيقع في الماء، وقد تكون النَّكْهَةُ من بعض مَن يشرب مُتَغيِّةً، فتعلق الرائحة بالماء؛ لرقَّته ولُطفه، ثم إنه من فعل الدواب إذا كَرِعت في الأواني؛ جَرِعت، ثم تنفست فيها، ثم عادت فشربت، فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه (١). ٧٦٠ - وعن أَنَسِ هِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ أُنِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءِ، وعَنْ يَمِينِ أَعْرَابِيٌّ، وعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكرٍ ◌َُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الأَعْرَابِيَّ، وقال: ((الأيمَنَ فالأيمَنَ)) متفقٌ عليه. قوله: ((شِیبَ)): أي: خُلِط. * قوله: «بلبن قد شیب بماء» : (ن): فيه: جواز ذلك، وإنما ينهى عن شَوْبه إذا أراد بيعَه؛ لأنه غِشٌّ، (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١١/ ٣٧٣). ١٧٧ والحكمة في شَوْبه: أن يَبرُدَ، أو يكثر، أو للمجموع(١). (ق): إنما بدأ ◌َّهِ بالأعرابيّ؛ لأنه كان عن يمينه، فبيَّن أن ذلك سببه. وقيل: لأنه قصد استثلافه؛ فإنه كان من گُبراء قومه؛ ولذلك جلس عن يمينه، والأول أظهر، ولا يَبعُد قصدُ المعنى الثاني(٢). (ن): ((الأيمن فالأيمن)) ضبط بالنصب والرفع، وهما صحيحان، النصب على تقدير: أعطوا الأيمن، والرفع على تقدير: الأيمن أَحقُّ (٣). (قض): أو (الأيمن) خبر مبتدأ محذوف. (ق): هل تجري هذه السنة في غير الشراب؛ كالمأكول، والملبوس، وغيرهما من جميع الأشياء؟ قال المُهلَّبُ وغيره: نعم، وقال مالك: إن ذلك في الشراب خاصة. قال القاضي عياضٌ: ويُشبه أن يكون معنى قول مالك: أنه جاء في الشراب النصُّ بتقديم الأيمن فالأيمن، وغيرُه إنما هو من [باب] الاجتهاد والقياس. قال أبو عمر: لا يصح هذا عن مالك(٤). * قوله: ((وعن يمينه غلام)) سبق هذا الحديث في ([الباب] الثالث والستين). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٠١). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٩٠). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٠٣). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٢٩١). ١٧٨ (ن): وإنما استأذن الغلام دون الأعرابي؛ ثقةً بطيب نفسه بأصل الاستئذان، وأما الأعرابي: فلم يستأذنه؛ مخافةً من إيحاشه في استئذانه في الصرف إلى أصحابه] وَ ﴿، وربما سبق إلى قلب الأعرابي شيءٌ يَهلك [به]؛ لقُرب عهده بالجاهلية وأنَفَتِها، وعدم تمكنه في معرفة خُلُق رسول الله وَل﴾(١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٠١). ١٧٩ ١١٣- باب كراهةِ الشربِ من فمِ القِرْبَةِ ونحوها وبیانِ أَنَّه کراهةُ تنزیہ لا تحریم (باب في كراهة الشرب من القِرْبة) ٧٦٢ - عن أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ﴿هِ، قالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَهُ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ، يَعْني: أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُها، وَيُشْرَبَ مِنْها. متفقٌ عليه. (ن): (الاختناٹ) بخاء معجمة، ثم تاء فوق، ثم نون، ثم ألف، ثم مثلثة، وقد فسره في الحديث، وأصل هذه الكلمة: التكسُّر والانطواء، ومنه سُمِّي الرجل المتشبِّه بالنساء في طبعه، وكلامه، وحركاته مُختًَّ(١). (ق): قال ابن دُرَيد: ((اختناث الأسقية)): كسر أفواهها إلى خارج؛ ليشرب منها، فأما كسرها إلى داخل: فهو القبع. انتهى، وهو بالقاف والباء الموحدة (٢) . (ن): اتفقوا على أن هذا النهي نهي تنزيه، لا تحريم، ثم قيل: سببه أنه لا يؤمن أن يكون في السقاء ما يؤذيه، فيدخل في جوفه، ولا يدري. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٤). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٨٧). ١٨٠