النص المفهرس

صفحات 121-140

فتأمَّل كيف وقع المقدور مُكتَنَّفاً بأمرين: التوكُّل الذي هو مضمون
الاستخارة قبله، والرِّضا بما يقضي الله له بعده، وهما عُنوان السّعادة، وعُنوان
الشقاوة: أن يَكْتَنِفَه تركُ التوكُّل، والاستخارة قبله، والسُّخط بعده، والتوُّل
قبل القضاء، فإذا أَبْرِمَ القضاء وتمَّ؛ انتقلت العُبودية إلى الرِّضا بعده، انتهى(١).
* خاتمة :
[عن] الزُّبير بن بكَّار، حدثني سعد بن سعيد المَقْبُريُّ، عن أخيه
عبد الله، عن أبيه سعيد، عن أبي هريرة حظبه قال: قال رسولُ الله ◌َفيِ: ((إذا
اسْتَخَارَ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ وََّ؛ فَلْيَسْأَلَهُ الخِيَرَةَ فِي عَافِيَةٍ؛ فإنَّهَا رُبَّما خِيَّرَتُهُ فِي بَلاءِ» .
وعن عبدالله بن مسعود قال: يستخير أحدُكم، فيقول: اللهُمَّ؛ خِرْلي،
فيَخِيرُ الله تعالى له، فلا يرضى، ولكن ليقل: اللَّهُمَّ؛ خِرْ لي برحمتك وعافيتك،
ويقول: اللَّهُمَّ؛ اقض لي بالحُسنى، ومن القضاء بالحسنى قطعُ اليد والرِّجل،
وذهاب المال والولد، ولكن ليقل: اللَّهُمَّ؛ اقض لي بالحُسنى في يُسْرِ
منك وعافية(٢).
عن بكر بن عبدالله المُزنيٍّ: أن رجلاً كان يُكثِرُ الاستخارةَ، فابتلي،
فجَزع، ولم يصبر، فأوحى الله تعالى إلى نبيٍّ من أنبيائهم؛ أن قُل لعبدي
فلان: إذا لم تكن من أهل العزائم؛ هلاّ استخرتني في عافية!
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٢ / ٤٤٣ - ٤٤٤).
(٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٠٥).
١٢١

وعن عثمان بن سعيد قال: دخل ابن سليمان يوماً على الشافعيِّ، وهو
عَلِيلٌ، فدخل كما يدخل العُوَّاد، فقال: يا أبا عبدالله؛ خار الله لك، فقال:
يا ربيعُ؛ خِيَرَتي فيما أُحِبُّ، فقد تكون خِيَرَتي فيما أكره، فقال الربيع: وجعل
خِيَرَتك فيما تحبُّ، روى الأربعةَ الحافظ أبو موسى المَدِينيُّ.
١٢٢

٩٨- باب
استحبابِ الذهاب إلى العيد،
وعيادةِ المريضِ والحجِّ والغزو والجنازة ونحوها من طريقٍ،
والرجوعِ من طريقٍ آخرَ؛ لتكثيرِ مواضع العبادة
(الباب الثامن والتسعون)
٧١٩ - عن جابرٍ ◌ُ، قال: كَانَ النبيُّ ◌َ﴿ إِذا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ،
خَالَفَ الطَّرِيقَ، رواه البخاريُّ.
قوله: ((خَالَفَ الطَّرِيقَ)) يعني: ذَهَبَ فِي طَرِيقٍ، وَرَجَعَ في
طرِيقٍ آخَرَ .
* قوله: ((خالف الطريق)» :
(ط): قيل: السبب فيه يحتمل وجوهاً:
منها: أن تشمل الطريقين بركتُه، وبركةُ مَن معه من المؤمنين، ومنها:
أن يستفتَى منه أهل الطريقين.
ومنها: إشاعة ذكر الله؛ ومنها: التحرُّز عن كيد الكُفَّار.
ومنها : اعتیاد أخذه ذات الیمین حیث عرض له سبیلان.
ومنها: أخذ طريق أطول في الذهاب إلى العبادة؛ لتكثر خُطاه، فيزيد
ثوابُه، وأخذ طريق أقصر؛ ليسرع إلى مثواه، انتهى(١).
(ك): ولأن يدعوَ لأهل قبورهما، أو لأن يتصدَّقَ على فقرائهما، أو
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٢٩٤).
١٢٣

لأن يزداد غَيْظُ المنافقين، أو لأن تكثر الرحمة، قال ابن بَطَّال: كان ذلك
لِيُرِيَ المشركين كثرةَ المسلمين، ويُرهِبَهم ذلك(١).
(ن): هذه المُخالفة في طريقه داخلاً وخارجاً؛ تفاؤلاً بتغيُّر الحال
إلى أكملَ منه، وليشهد له الطريقان(٢) .
(ق): وقيل: ليرى السَّعَةَ في ذلك(٣).
يعني: لئلا يكون على الأُمَّة حرجٌ في الذهاب من موضع والرُّجوع
من آخر، فلو تحرَّى الذهابَ والرُّجوع من طريق واحد؛ تعين الأخذُ به،
وكان فيه نوعُ مَشقّة.
٧٢٠ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ ﴿﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ
طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ المُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ،
دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلى، متفقٌ عليه.
* قوله: ((كان يخرج من طريق الشجرة)) :
(ق): يعني - والله أعلم -: الشجرةَ التي بذي الحُلَيْفَة التي أحرم منها،
ولعلها هي الشجرة التي ولدت تحتها أسماءُ بنت عُمَيس، و((المعرس)):
موضع معروف على ستة أميال من المدينة، والتعريس: النزول في آخر الليل،
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٦ / ٨٦ - ٨٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩/ ٣).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٣٧٢).
١٢٤

و((الثنيّة): هي الهَضْبة، وهي الكُومُ الصغير، وهذه الثنية هي التي بأعلى مكة،
وتُسمَّى كَداءَ، وبأسفل مكة ثنية أخرى تُسمَّى كُدىّ، وقد اختلف في ضبط
هاتين الكلمتين، فالأكثر منهم على أن التي بأعلى مكة: بفتح الكاف وبالمدِ(١)،
والسُّفلى: بضم الكاف والقصر، وقيل: عكس ذلك(٢).
(ن): مذهبنا: أنه يُستحبُّ دخول مكة من الثنيّة العُليا، والخروج
منها من الثنيّة السُّفلى؛ لهذا الحديث، ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية
على طريقه؛ كالمَدَنيُّ، والشاميِّ، أو لا تكون؛ كاليمنيٍّ، فيُستحبُّ لليمَنيِّ
وغيره أن يستدير، ويدخل مكة من الثنية العُليا.
قال بعض العلماء: إنما فعلها النبيُّ ◌َّ؛ لأنها كانت على طريقه،
ولا يُستحبُّ لمَن ليست على طريقه؛ كاليمنيِّ، وهذا ضعيفٌ، والصواب
الأولُ، وهكذا يُستحبُّ أن يخرج من بلده من طريق، ويرجع من أُخرى؛
لهذا الحديث(٣).
(١) في الأصل: ((بالمدينة)).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ٣ - ٤).
١٢٥

٩٩ - باب
استحبابِ تقديم اليمينِ في كلِّ ما هو من بابِ التكريمِ؛
كالوضوء، وَالغُسْلِ والتَّيَمُمِ، ولُبْسِ الثَّوْبِ والنَّغْلِ والخُفِّ
والسَّرَاوِيلِ، ودخولِ المسجدِ، والسِّوَاكِ، والاكتحَالِ، وتقليم الأظْفَارِ،
وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الإنْطِ وحَلْقِ الرَّأْسِ، والسلامِ منِ الصلاةِ، والأكلِ
والشربِ، وَالمُصَافَحَةِ، واسْتِلامِ الحَجَرِ الأسودِ، والخروجِ مِن الخَلاء،
والأخذِ والعَطَاءِ، وغير ذلك مما هو في معناه، ويُستحبُ تقديم اليسار
في ضدّ ذلكَ؛ كالامْتِخَاطِ والبُصَاقِ عن اليسارِ، ودُخولِ الخَلاءِ،
والخروجِ مِن المسجدِ، وَخَلْعِ الخُّفِ والنَّعْلِ والسراويل والثوب،
والاسْتِثْجاءِ، وفِعِلِ المسْتَقْذَراتِ، وأشباه ذلك
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَا مَنْ أُوتِ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ كِتَنِيَهْ﴾
الآيات [الحاقة: ١٩].
* وقال تعالى: ﴿فَأَصْحَبُّ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ن وَأَصْحَبُ الْشْمَةِ مَآَ
أَصْحَبُ الَْشْتَمَةِ﴾ [الواقعة: ٨ -٩].
(الباب التاسع والتسعون)
* قوله: ﴿فَأَمَا مَنْ أُوِى كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُ وَأْكِتَبِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]،
يخبر تعالى عن سعادة مَن أُوتي كتابه بيمينه، وأنه من شِدّة فرحه يقول لكل
مَن لَقِيَه: ﴿هَآؤُمُ أَقْرَءُواْ كِنَبِيَهْ﴾؛ أي: ها اقرؤوا، و((ؤم)) زائدة، والظاهر: أنه
بمعنى هاكم.
١٢٦

عن أبي عثمان قال: المؤمن يُعطی کتابه في سَتْر من الله، فيقرأ سيئاته،
فكُلَّما قرأ سيئة؛ تغيَّر لونُهُ، حتى يمرَّ بحسناته، فيقرؤها، فيرجع إليه لونُهُ،
ثم ينظر؛ فإذا سيئاتُه قد بُدِّلت حسناتٍ، قال: فعند ذلك يقول: ﴿أَقْرَءُواْ
کنِية﴾.
(م): (ها): صوتٌ، فيفهم منه معنى: خُذ، والميم فيه كالميم في
(أنتما، وأنتم)، يقال: هاؤما [و]هاؤم، و﴿كَنَبِيَهْ﴾ منصوب بـ ﴿هَآؤُمُ﴾ عند
الكوفيين، وعند البصريين بـ ﴿أَقْرَءُوا﴾؛ لأنها أقرب العاملين، ونظيرة
﴿ قَالَ ءَاتُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦](١).
* قوله تعالى: ﴿وَكُنُ أَزْوَجًا ثَلَاثَةٌ ﴾ [الواقعة: ٧]؛ أي: ينقسم الناس
يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا
من شِقِّ آدم الأيمن، ويؤتون كُتُبَهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين،
وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين خرجوا من
شِقُّ آدم الأيسر، ويؤخذ بهم ذات الشِّمال، ويؤتون كُتُبَهم بشمائلهم، وهم
عامَّة أهل النار، عياذاً بالله، وطائفة سابقة بين يدي العرش، وهم أخصُّ،
وأحظى، وأقربُ من أصحاب اليمين سادتِهم، فيهم الرُّسُل، والأنبياء،
والصِّدِّيقون، والشهداء، وهم أقلُّ عدداً من أصحاب اليمين، وهكذا
قِسْمَتُهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر هذه السورة وقتَ احتضارهم.
(الثعلبي): قال الحسن والربيع: أصحاب الميمنة: هم الذين كانوا
مَيَامينَ مُباركين على أنفسهم، وكانت أعمارُهم في طاعة الله.
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣٠ / ٩٧ - ٩٨).
١٢٧

(م): تسمية أصحاب الجنة بأصحاب الميمنة؛ إما لكون كتبهم
بأيمانهم، وإما لكون يمينهم مُنِيراً بنور الله؛ كما قال تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيِّنَ
أَيْدِيِهِمْ وَبِأَيْفَنِعِ﴾ [الحديد: ١٢](١).
واعلم أن الله سبحانه أودع الجانب الأيمن من الإنسان قوَّةً ليست في
الجانب الأيسر، ويقال لمَن كانت [له] مكانة: هو من أصحاب الیمین،
والمَيْمَنة (مَفْعَلةٌ)، كأنه الموضع الذي فيه اليمين.
٧٢١ - عن عائشةَ رضي الله عنها، قالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه
يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي شَأْنِهِ كُلِّه: في طُهُورِهِ، وَتَرَجُلِهِ، وتَتَغُّلِهِ، متفقٌ
علیه .
· قوله: «في ترجله)):
(نه): (الترجُل والترجيل): تسريح الشعر، وتنظيفه، وتحسينه(٢).
(ن): وقع في رواية: ((يُحِبُّ التيمُّنَ ما اسْتَطاعَ في شَأْنِهِ كُلِّهِ)(٣)، ففي
قوله: ((ما استطاع)) إشارةٌ إلى شِدَّة المُحافظة على التيمُّن؛ وذلك لكرامة
اليمين وشرفها (٤).
(١) المرجع السابق (٢٩/ ١٢٥).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٢٠٣).
(٣) رواه البخاري (٤١٦)، ومسلم (٢٦٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٦١).
١٢٨

(ق): كان ذلك منه ◌َ ﴿ تبرُّكاً باسم اليمين، لإضافة الخير إليها، قال
تعالى: ﴿مِن جَانِبِ الْطُورِ لْأَيَّمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، ولما فيه من اليُمْن والبركة، وهو
من باب التفاؤل(١).
(ط): ((في طهوره، وترجله، وتنعله)) بدل من قوله: ((في شأنه)) بإعادة
العامل، وإنما بدأ فيها بذكر الطهور؛ لأنه فَتْحُ أبواب الطاعات كلِّها، فبذكره
يُستغنى عنها، وثَنَّى بذكر الترجُّل، وهو يتعلق بالرأس، وثلَّث بالتنعُّل، وهو
مختصٌّ بالرِّجل؛ ليشمل جميع الأعضاء والجوارح، فيكون كبدل الكُلِّ من
الكُلِّ(٢).
(ن): أجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين
والرجلين في الوضوء سُنَّةٌ، لو خالفها؛ فاته الفَضْلُ، ثم اعلم أن من أعضاء
الوضوء ما لا يُستحبُّ فيه التيامن، وهو الأُذنان، والكَفَّان، والخَدَّان، بل
يُطهّران دفعةً واحدةً، فإن تعذّر ذلك؛ كما في حق الأقطع وغيره؛ قُدِّم
الیمین، انتھی(٣).
قال الترمذيُّ الحكيم: اليمين مَحبوبُ الله ومُختاره من الأشياء،
فكان ◌َ﴾ يتوخَّى في كل فعل [من مثل هذا] اليمينَ؛ تَوخّياً بمُختار الله،
فكان إذا شرب؛ أعطى الأيمن فالأيمن، وكان إذا انتعل؛ فهو مُرْفِق للقدم
فقدَّم اليُمنى، وإذا نزع؛ قدّم اليسرى؛ ليكون ذلك الرِّفق باقياً على اليمين
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥١١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٧٩٧).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٦٠).
١٢٩

وإن قَلَّت المُدَّةُ، ومن أجل ذلك أيضاً فيما نرى؛ كان رسول الله وَّه إذا
صلى ثم أراد التنفُّلَ بعد ذلك؛ تياسر، وإذا صلى إلى خشبة؛ تياسر عنها،
فهذا داخل في الباب، حدثنا بذلك عبدُ الوارث بن عبد الصَّمَد بن عبد
الوارث العَنْبَرِيُّ، ثنا أبي، ثنا بكر بن كليب، حدثني جعفر بن كثير من آل
أبي طالب، وهو يومئذٍ ابن ثمانين سنة، قال: حدثني أبي أن رسول الله وَلافي
کان إذا صلى الفريضة؛ تیاسر، فصلی ما بدا له، ویأمر أصحابه أن یتیاسروا،
ولا یتیامنوا.
وعن المِقْدَامِ بن مَعْدي كَرِبَ: أن رسول الله ◌َّ كان إذا صلى إلى
عمود، أو خشبة، أو شبه ذلك؛ لم يجعله نصْبَ عينيه، ولكن يجعله على
حاجبه الأيسر.
كأنه يدلُّ بهذين الفعلين من هذين الحديثين على أنه يتوخَّی
اليمينَ؛ فإن العبد إذا قام؛ فإنما هو قُبالة الله تعالى، بذلك جرت
الأخبار، ووجه الآخر: أنه كان يتياسر لصلاة التطوع عن موضعه الذي
أدّى فيه الفريضةَ [كأنه لا يحب أن يقدم على العريضة] (١) شيئاً في شأن
المقام؛ لأن الانصراف إلى اليمين موضعٌ أفضلُ من اليسار، ومما يحقّق
ذلك ما حدثنا به سهلُ بن [أبي] العباس، ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل
بن سُمَيع، عن أبي صالح الحنفيِّ قال: كان عليٍّ ◌َ﴾ه يسلم تسليمتي
الصلاة إحدهما أخفضُ من الأخرى، قلت لأبي صالح: أيهما أخفض؟
قال: اليُسرى.
(١) من ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي.
١٣٠

فإنما توخَّى بهذا عندنا؛ ليُؤدِّيَ حقَّ كاتب الحسنات بتلك التسليمة
برفع الصوت، وكذلك حقَّ مَن عن يمينه، ويخفض عن اليُسرى؛ ليبينَ
فضل اليُمنى على اليُسرى(١).
٧٢٣ - وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضيَ الله عنها: أَنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قَالَ لَهُنَّ
فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ زَيْتَبَ رضي الله عنها: ((ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضعٍ
الوُضُوءِ مِنْهَا))، متفقٌ عليه.
* قوله : ((ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)):
(ن): فيه: استحباب وضوء الميت، وهو مذهبنا، ومذهب مالك،
والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يُستحبُّ(٢).
٧٢٤ - وعن أبي هريرة : أنَّ رسول اللهِوَ﴿ قَالَ: ((إِذَا
انتعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ. لِتَكُنْ
اليُمْنَى أوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرُهُمَا تُنْزَعُ»، متفقٌ عَلَيْهِ.
* قوله ◌َّ : ((لتكن اليمين أولهما تنعل)):
(١) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (١ / ٧٧، ٨١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٥).
١٣١

(ق): هذا على ما تقدَّم من احترام اليمين؛ فإنه إذا انتعل فيها أولاً؛
فقد قدَّمها في الصِّيانة على اليسرى، كذلك إذا خلعها أخيراً؛ فقد أبقى
عليها كرامتَها وصيانتها(١).
٧٢٦ - وعن أَبِي هُرِيرة ◌ُه: أنَّ رسول الله وَّهِ قَالَ: ((إِذَا
لَبِسْتُمْ، وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ، فَابْدَأُوا بأيَامِنِكُمْ))، حديث صحيح، رواه
أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
* قوله: ((إذا لبستم، وإذا توضأتم)):
(ط): خُصَّا بالذِّكر، وكرر أداة الشرط؛ ليؤذن باستقلالهما، وأنهما
يستتبعان جميع ما يدخل في الباب، أما التوضُّؤْ: فقد سبق ذكره آنفاً، وأما
اللِّباس: فإنه من النِّعَم المُمْتَنِّ بها في قوله تعالى: ﴿ يَبَفِىّءَادَمَ قَدْ أَلْنَا عَلَيْكُ لِيَاسًا
يُؤَرِى سَوْءَ تِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ إشعاراً بأن التستُّر باب عظيم من التقوى؛
ولذلك حين عصى آدمُ؛ عاقبه ربُّه بإبداء السَّوْءَة، ونزّع لِباس التقوى عنه(٢).
(تو): هكذا هو في النسخ ((بأیامنكم))، ووجد في بعضها: ((بمیامنکم»،
ولا فرق بين اللفظين من طريق العربية؛ فإن الأيمن والمَيْمَنة خلافُ الأيسر
والمَيْسَرة.
٧٢٧ - وعن أنس ◌َه: أنَّ رسول الله وَ ﴿ أتى مِنِىٌّ، فَأَتَى الْجَمْرَةَ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٤١٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧٩٨/٣).
١٣٢

فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنَىّ ونحر، ثُمَّ قَالَ لِلحَلَّقِ: ((خُذْ)) وأَشَارَ
إِلَى جَانِبِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: لما رمَى الجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ، نَاوَلَ
الحَلَّقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأنْصَارِيَّ رضي الله
عنه، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ، فَقَالَ: ((احْلِقْ))، فَحَلَقَهُ
فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: ((اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ)).
* قوله: ((أتى منىٌ، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله)) :
(ن): في هذا الحديث فوائدُ :
منها: بيان السُّنَّة في أعمال الحج يوم النحر بعد الدَّفْع من مُزدلفة،
وهي أربعة أعمال: رميُ جمرة العقبة، ثم نحر الهَدْي، أو ذبحه، ثم
الحلق، ثم دخول مكة؛ لطواف الإفاضة، فإن خالف هذا الترتيب؛ جاز.
ومنها: أنه يُستحبُّ إذا قدم منىً؛ أن لا يُعرِّج على شيء قبل الرمي،
بل يأتي الجمرة راكباً كما هو فيرميها، ثم يذهب فينزل حيث شاء من منىً.
ومنها : استحباب نحر الهدي، وأنه یکون بمنى، ويجوز حيث شاء
من بقاع الحرم.
ومنها: أن الحلق نُسُك وأنه [أفصل] من التقصير، وأنه يُستحبُّ فيه
البُداءة بالجانب الأيمن من رأس المُحلُوق، هذا مذهبنا، ومذهب
الجمهور، وقال أبو حنيفة: يبدأ بجانبه الأيسر .
ومنها: طهارة شعر الآدمي، وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال
١٣٣

جماهير العلماء.
ومنها: التبرُّك بشعره بَله، وجواز اقتنائه للتبرُّك.
ومنها: مُواساة الإمام والكبير بين أصحابه وأتباعه فيما يُفرِّقه عليهم
من عطاء، وهدِيَّة، ونحوها(١).
* قوله: (ونحر نسکه»:
(تو): ((نسك)) جمع نسيكة، وقيل: مصدر، والمصادر تقام مُقَامَ
الأسماء المشتقة منها؛ فتطلق على الواحد والجمع، وفي الحديث يجوز أن
يُحمل على الواحد؛ لأنه كان ينحر الواحد بعد الواحد، ويجوز أن يُحمل على
الجمع؛ لأنه نحر يومئذ بيده ثلاثاً وستين بَدَنَّةً، وكان راعى بهذه العِدَّة سِنِيَ
عُمُره ◌َلِ.
وإنما قسَم الشعرَ في أصحابه؛ ليكون بركة باقية بين أظهرهم، وتذكرةً
لهم، وكأنه أشار بذلك إلى اقتراب الأجل، وانقضاء زمان الصُّخْبة، وأرى أنه
خَصَّ أبا طلحة بالقسمة؛ التفاتاً إلى هذا المعنى؛ لأنه هو الذي حفر قبره،
ولحد له، وینی فیه اللَّبِن.
(ن): واختلفوا في اسم هذا الرجل الذي حلق رأسَ رسول الله صلفر في
حَجَّة الوداعِ، فالصَّحيح: أنه مَعْمَرُ بن عبدالله العَدوُّ، وقيل: خِرَاشُ بن
[أُميَّة بن] ربيعة الكُلَيُّ، بضم الكاف، منسوبٌ إلى كُلَيب بن حَبَشِيَّةَ(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ٥٢، ٥٤).
(٢) المرجع السابق (٩ / ٥٤).
١٣٤

كَاسِ دَارِ الْطِعِ

١٠٠- بل
التسمية في أوله، والحمد في آخره
(الباب المائة)(١)
(في آداب الطعام)
٧٢٨ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ ﴾، قالَ: قال لي رسولُ اللهِ وَلَّى:
(سَمِّاللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ))، متفقٌ عليه.
حديث عمر بن أبي سلمة: سبق في (الباب الثامن والثلاثين).
٧٢٩ - وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها، قالَتْ: قالَ رَسُولُ الله ◌َِّ:
((إذا أَكَلَ أَحَدُكُمْ، فَليَذْكُرِ اسْمَ اللهِ تعالى، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ الله
تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ»، رواه أبو داودَ،
(١) تنبيه مهم: من هنا بدأ المؤلف - رحمه الله تعالى - ذِكْرَ عدِّ الكتب في ((ریاض
الصالحين))، وترك عدَّ الأبواب الذي مشى عليه من بداية الكتاب، على أنه خالف
في بعض الأماكن، فصار يعدُّ الكتب تارة، وتارة أخرى يعد الأبواب.
١٣٧

والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٧٣٠ - وعن جابرٍ ﴾، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَله يقولُ: ((إِذَا
دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ تَعالى عِنْدَ دُخُولِهِ، وعِنْدَ طَعامِهِ، قالَ
الشَّيْطَانُ لأَصْحَابِهِ: لا مَبِتَ لَكُمْ، ولاَ عَشَاءَ، وإِذا دَخَلَ، فَلَمْ يَذْكُرِ
اللهَ تَعالَى عِنْدَ دُخُولِهِ، قالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ؛ وإِذا لَمْ يَذْكُرٍ
اللهَ تَعَالى عِنْدَ طَعَامِهِ، قالَ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيِتَ وَالعَشَاءَ)، رواه مسلم.
قوله: «أوله وآخره)) :
(ط): أي: آكل أوَّلَه وآخرَه مُستعيناً باسم الله تعالى، فيكون الجار
والمجرور حالاً من الفاعل المُقدَّر(١).
* قوله: ((لا مبيت لكم ولا عشاء)»:
(قض): المُخاطَب به أعوانُهُ؛ أي: لا حَظَّ ولا فُرْصَة لكم الليلة من
أهل هذا البيت؛ فإنهم قد أحرزوا عنكم طعامَهم وأَنْفُسَهم، وتحقيق ذلك:
أن انتهاز الشيطان فرصة من الإنسان إنما يكون حالة الغَفْلة، ونسيان الذِّكر،
فإذا كان الرجل مُتَيقُّظاً، مُحتاطاً، ذاكراً لله تعالى في جملة حالاته؛ لم
يتمكَّن الشيطان من إغوائه وتسويله [وأيس] عنه بالكُلِّية(٢).
(ط): أما تخصيص المبيت والعشاء: فلغالب الأحوال؛ لأن ذلك
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٨٥٢).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ١٠٤).
١٣٨

صادق في عموم الأحوال(١).
(ن): فيه: استحباب ذكر الله عند دخول البيت، وعند الطعام(٢).
٧٣١ - وعن حُذَيْفَةَ ◌َ﴿ه، قالَ: كُنَّا إذا حَضَرْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ ﴿ِ طَعَاماً، لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللهِوَمِ،
فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَاَ مَعَهُ مَرَّةً طَعَاماً، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا
تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا في الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِوَهِيَدِهَا،
ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إِنَّ
الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وإِنَّهُ جَاءَ
بِهَذِهِ الجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بَيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ
لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه! إِنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ
يَدَيْهِمَا»، ثمَّ ذَكَرَ اسمَ الله تعالى، وأكَلَ، رواه مسلم.
، قوله: «لم نضع أيدينا)) :
(ن): فيه هذا الأدب، وهو أن يبدأ الكبير والفاضل في غسل اليد
للطعام، وفي الأكل(٣).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢٨٣٩/٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٠ - ١٩١).
(٣) المرجع السابق، (١٣ / ١٨٨).
١٣٩

* قوله: ((فجاءت جارية كأنما تدفع)) :
(ق): الجارية في النساء كالغلام في الذُّكور، وهو ما دون البلوغ.
وقوله: ((تدفع))؛ أي: كأنما يدفعها دافع؛ يعني: أنها جاءت مسرعة،
كما في رواية أُخرى: ((كأنما تُطْرد)»، وكذلك فعل الأعرابيُّ، وكل ذلك إزعاجٌ
من الشيطان لهما؛ ليسبقا إلى الطعام قبل النبيِّ نَّر، وقبل التسمية، فيصل إلى
غرضه من الطعام، ولما اطلع النبيُّ رَّ على ذلك؛ أخذ بيدَيهِما، وبيد
الشيطان؛ مَنْعاً لهم من ذلك؛ ففيه ما يدلّ على مشروعية التسمية عند الطعام،
وعلى بركتها، وعلى أن للشيطان يدًا، وأنه يصيب من الطعام إذا لم يذكر الله
عليه، وهل هذه الإصابة أكل؛ كما في الحديث الآخر: ((فإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكلُ
بشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ»، وهو الظاهر، أو يكون شمَّاً للطعام يَحصُل له به نوعٌ
من التغذي؛ كنحو ما يحصل لنا التغذي من الأكل.
قد قيل كلُّ ذلك، وهو مُحتَمِلٌ، والقُدرة صالحة(١).
(ن): معنی (یستحل)): یتمکن من أکله، ومعناه: أنه یتمگّن من أكل
الطعام إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر الله تعالى، والصواب الذي عليه جماهير
العلماء من المُحدِّثين، والفقهاء، والمُتكلِّمين: أن هذا الحديث وشِبْهَهُ من
الأحاديث الواردة في أكل الشيطان محمولة على ظواهرها، وأن الشيطان
يأكل حقيقةً؛ إذ العقل لا يُحِيلُه، والشرع لم ينكره، بل أثبته، فوجب قَبولُه
واعتقاده(٢) .
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٩٣، ٢٩٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٨٩ - ١٩٠).
١٤٠