النص المفهرس

صفحات 81-100

* وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ
مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ الآية [آل عمران: ٤٥].
والآيات في الباب كثيرةٌ معلومةٌ .
(الباب الخامس والتسعون)
(في استحباب التبشير والتهنئة بالخير)
(غب): بَشرت الرجل، وأَبْشَرْتُه، وبَشَرْتُه: أخبرته بسارٍّ بسَطَ بشرةَ
وجهه، وذاك أن النفس إذا سُرَّت؛ انتشر الدم انتشارَ الماء في الشجر(١).
: قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ٦ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَبَهُ؟﴾
[الزمر: ١٧ -١٨]؛ أي: يفهمونه، ويعملون بما فيه.
(م): ﴿وَالَّذِينَ اجْتَبُواْ الطَّهُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَبُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧]،
فأشار بالأول إلى الإعراض عن غير الله، وبالثاني إلى الإقبال بالكُلِّية على
الله .
فإن قيل : هذه البشارة متی تحصل؟
فنقول: عند القُرب من الموت، وعند الوضع في القبر، وعند الوقوف
في مواقف القيامة، وعندما يصير فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير، وعندما
يدخل المؤمنون الجنة، ففي كل موقف من هذه المواقف يحصل بشارةٌ(٢).
والألف واللام في ﴿الْبُشْرَى﴾ تفيد الماهية بتمامها؛ أي: البشرى
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٤٨).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٦ / ٢٢٦).
٨١

بتمامها لهؤلاء، وتقديم ﴿لَهُمُ﴾ يفيد الحَصْرَ؛ أي: لهم لا لغيرهم، ولمَّا
كان ﴿الْبُشْرَى﴾ كالمُجمَل؛ أردفه بما يجري مجرى التفسير له، فقال:
﴿فَشِّرْ عِبَادِ ٦ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؟﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]، فوضع
الظاهر موضع المُضمَر؛ تنبيهاً على هذا.
قال ابن عباس: المراد منه الرجل يجلس مع القوم، فيستمع الحديث،
وفيه مَحاسِنُ ومَسَاوِئُ، فيُحدِّث بأحسن ما سمع، ويترك ما سواه(١).
* قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ﴾ [التوبة: ٢١]:
(م): وهذه البشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية، أعلاها
وأشرفُها: كون تلك البِشَارة حاصلةً من ربِّهم برَحْمةٍ ورِضْوَانٍ.
قوله: ﴿وَجَنَّتٍ ﴾ [التوبة: ٢١] إشارةٌ إلى المنافع العظيمة.
وقوله: ﴿فِيَهَا نَعِيٌ مُقِيمُ ﴾ [التوبة: ٢١]: إشارةٌ إلى كون تلك المنافع
خالصةً عن الكُدورات، دائمةً غيرَ مُنقطعة، ثم عبَّر عن دوامها بثلاث
عبارات، وهي: ﴿مُقِيرُ﴾، و﴿ خَلِينَ﴾، و﴿أَبَدًا﴾، فحصل من
مجموع ما ذكرناه: أنه تعالى يُبشِّرِ هؤلاء المؤمنين، المُهاجرين، المُجاهدين
بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم.
واعلم أن الفرح بالنعمة يقع على قسمين :
أحدهما: من حيث إنها نعمة، والثاني: أن يفرح بها لا من حيث هي
هي، بل من حيث إن المُنعم خصَّه بها، ففَرْقٌ بين مَن يكون فرحه بالرحمة
والرضوان، وبين من يكون فرحه بأن مولاه خصَّه بهما، فيكون فرحه
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٦ / ٢٢٨).
٨٢

بالراحم، ثم نقول: هذه الآية مشتملة على أنواع من الرحمة والكرامة:
أولها: أن البِشَارةَ لا تكون إلا بالرحمة والإحسان.
وثانيها: أن بشارة كل أحد يجب أن تكون لائقةً بحاله، فلمَّا كان
المُبشِّر هاهنا هو أكرم الأكرمين؛ تكون البِشَارةُ بخيرات تَعْجِزُ العقول عن
وصفها، وتتقاصر الأفهام عن نَعْتِها .
الثالث: أنه تعالى اختار هاهنا من بين الأسماء الربَّ، وهو مُشتقٌّ من
التربية، كأنه قيل: هو الذي رَبَّاكم في الدنيا بالنِّعَم التي لا حدَّلها، ولا حَصْر،
ببشركم بخيرات عالية، وسعادات كاملة.
الرابعة: أنه قال: ﴿رَبُّهُم﴾، وفي هذه الإضافة من الإشارة إلى البشارة
[ما] لا يخفى.
الخامسة: أن البشارة هي الإخبار عن حدوث شيء غير معلوم
الوقوع، ألا ترى أن الفقهاء قالوا: لو أن رجلاً قال: مَن بشّرني بقُدوم
ولدي؛ فهو حُرٍّ، فأوَّل مَن يخبره؛ يَعْتِقُ، والذين يخبرونه بعد ذلك
لا يُعْتِقُون، فقوله: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ لا بُدَّ وأن يكون إخباراً عن حصول مرتبة
من السعادة ما عرفوها قبل ذلك، وجميع لذَّات الجنة وخيراتها قد عرفوه
في الدنيا من القرآن، والأخبار، فلا بُدَّ وأن تكون هذه البشارةُ بشارةً عن
سعادات لا تصل العقولُ إلى وصفها؛ ولذا ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ,
أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التوبة: ٢٢](١).
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٦ / ١٣ - ١٤).
٨٣

وأما الأحاديثُ، فكثيرة جداً، وهي مشهورة في الصحيح، منها:
٧٠٨ - عن أَبي إبراهيمَ - ويقالُ: أَبو محمد، ويقال: أبو معاويةً -
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفِى عَ هِ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ بَشَّرَ خَدِيجَةَ رَضي الله عنها
بِبَيْتٍ في الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيهِ ولا نَصَبَ، متفقٌ عليه.
(القَصَبُ)) هُنَا: اللُّؤْلُؤْ المُجَوَّفُ، ((وَالصَّخَبُ)): الصِّيَاحُ وَاللَّغَطُ،
(وَالنَّصَبُّ»: الثَّعَبُ.
(الأَوْلُ)
(ن): ((من قصب)) قيل: قَصَبٌ من ذهب منظوم بالجوهر، قال أهل
اللغة: القَصَبُ من الجوهر: ما استطال في تجويف، ويقال لكل مُجوَّف:
قصب، وقد جاء [في الحديث] مفسراً بـ ((بيت من لُؤْلُؤَةٍ مُجَبَّاة))، وفسَّروه
بمُجوَّفة.
قال الخطابي: والمراد بالبيت هاهنا: القصرُ، انتهى(١).
خرّج الطبرانيُّ في ((أوسط معاجمه)): من حديث فاطمة رضي الله عنها
أنها قالت للنبيِّ وَّهِ: أين أُمُّنا خديجةُ؟ قال: ((فِي بَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لا لَغْوٌّ فيهِ
ولا نَصَبٌّ، بَيْنَ مَرْيمَ وآسِيَةَ امْرَأَةٍ فِرْعَوْنَ»، قالت: أمن هذا القصَب؟ قال:
((لا، بَلْ مِنَ القَصَبِ المَنْظُومِ بِالدُّرِّ واللُّؤْلُؤْ وَالْيَاقُوتِ))(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٥ / ٢٠٠).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٤٤٠). وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(٩/ ٢٢٣): ((رواه الطبراني في «الأوسط)) من طريق مهاجر بن ميمون عنها (أي : =
٨٤

أنشدني الشيخ الإمام محمدُ بن أبي بكر، الشهير بابن ناصر الدِّين
بدمشق المحروسة:
بِتَسْلِيمِ رَبِّ فَاسْتَراحَتْ مِنَ النَّصَبْ
خَدِيجَةُ نَلَتْ رَاحَةً وسَلامَةٌ
لِأَحْمَدَ مِن ذَا حَازَتِ البَيْتَ مِنَ قَصَبْ
لَهَا السَّبْقُ إِسْلاماً وجُوداً وزَوجَةً
(حس): نفى عن البيت النَّصَبَ والصَّخَبَ؛ لأنه ما مِن بيت في الدنيا
يسكنه قوم؛ إلا كان بين أهله صَخَبُ وجَلَبَةٌ، وإلا؛ كان في بنائه وإصلاحه
نَصَبٌ وتعب، فأخبر أن قُصورَ الجنة خالية عن هذه الآفات(١).
(ق): وقيل: معناه: أن هذا البيتَ خالصٌ لها، لا تُنازَع فيه، فيُصْخَبُ
عليها فيه، وذلك فضل الله تعالى عليها، لا بنَصَبها في العبادة، ولا باجتهادها
في ذلك(٢).
٧٠٩ - وعَنْ أَبَي موسى الأَشْعَرِيّ هِ: أنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ
خَرَجَ فقالَ: لأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللهِ لِهِ، وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا، فَجَاءَ
المَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَقَالُوا: وَجَّهَ هَاهُنَا، قال: فَخَرَجْتُ
عَلَى أَثَرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى دَخَلَ بِثْرَ أَرِيسٍ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ
حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللهِهِ حَاجَتَهُ، وَتَوَضَّأْ، فَقُمْتُ إلَيْهِ، فَإِذا هُوَ قَدْ
= عن فاطمة رضي الله عنها)، ولم أعرفه، ولا أظنه سمع منها)).
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٤ / ١٥٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ /٣١٦).
٨٥

جَلَسَ عَلى بِثْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، وَدَلاَّ هُمَا
في البِئْرِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ،
فَقُلْتُ: لَأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللهِ وَهِ الْيَوْمَ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﴾،
فَدَفَعَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هِذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ: عَلى
◌ِسْلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله! هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ،
فَقَالَ: ((ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرُهُ بِالجَنَّةِ»، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لأبي بَكْرٍ:
ادْخُلْ، وَرَسُولُ الله يُبَشِّرُكَ بِالجَنَّةِ، فَدَخَلَ أبو بَكْرٍ حَتَّى جَلَسَ عَنْ
يَمِينِ النَّبِّلَّهِ مَعَهُ فِي القُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ في البِثْرِ كَمَا صَنَعَ
رَسُولُ اللهِ، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، وَجَلَسْتُ، وَقَد تَرَكْتُ
أَخِي يَتَوَضَّأ ويَلْحَقُني، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللهُ بِفُلانٍ - يُرِيدُ: أَخَاهُ - خَيْراً
يَأْتٍ بِهِ، فَإِذا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ البَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بنُ
الخَطَّابِ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إلى رَسُولِ اللهِ،
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ يَسْتَأذِنُ؟ فَقَالَ: ((ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ
بِالجَنَّةِ))، فَجِئْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَذِنَ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللهِوَّهِ بِالجَنَّةِ،
فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللهِّهِ فِي القُفِّ عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ
في البِثْرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ الله ◌ِفُلانٍ خَيْراً
- يَعني: أَخَاهُ - يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إنْسَانٌ فَحَرَّكَ البَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟
فَقَالَ: عُثْمَانُ بنُ عَقَّانَ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، وجِئْتُ النَّبِيَّ لَه
فَأَخْبَرْتُهُ، فَقالَ: ((اْذَنْ لَهُ، وبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ مَعَ بَلْوى تُصيبُهُ»، فَجِئْتُ
٨٦

فَقُلْتُ: ادْخُلْ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ الله بِالجَنَةِ مَعَ بَلَوَى تُصيبُكَ، فَدَخَلَ
فَوَجَدَ القُفَّ قَدْ مُلِئَ، فَجَلَسَ وِجَاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَ سَعِيدُ
ابنُ المُسَيِّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ، متفقٌ عليهِ.
وزادَ في روايةٍ: وَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ بِحِفْظِ البَابِ .
وَفِيها: أَنَّ عُثْمَانَ حِينَ بَشَّرَهُ حَمِدَ الله تَعالى، ثُمَّ قَالَ: اللهُ
المُسْتَعَانُ.
قوله: ((وَجَّهَ)) بفتحِ الواوِ وتشديدِ الجيمِ: أَيْ: تَوَجَّهَ.
وقوله: ((بِثْرِ أُرِيسٍ)): هو بفتح الهمزة وكسر الراء، وبعْدَهَا ياءٌ
مُثَنَّةٌ مِن تحتُ ساكِنَةٌ، ثُمَّ سِينٌ مُهْملةٌ، وهو مصروفٌ، ومنهمْ مَنْ
مَنَعَ صَرْفَهُ. ((والقُفُّ)) بضم القافِ وتشديدِ الفاءِ: هُوَ المَبْنِيُّ حَوْلَ
البِئْرِ.
قوله: ((عَلى رِسْلِكَ)) بكسر الراء على المشهور، وقيل:
بفتحها: أَي: ارْفُقْ.
(الثَّانِى)
و
* قوله: ((فقلت: لأكونن بوّاب رسول الله ێ اليوم»:
(ن): في رواية لمسلم: ((أَمَرَني أَنْ أَحْفظَ البَابَ))(١) [يحتمل أنه وَّل
أمره بحفظ الباب](٢) أولاً إلى أن يقضي حاجته ويتوضأ؛ لأنها حالة يُسْتَتر
(١) رواه مسلم (٢٤٠٣ / ٢٨).
(٢) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٧٠).
٨٧

فيها، ثم حفظ البابَ أبو موسى [من تلقاء نفسه].
((على رسلك)) بكسر الراء وفتحها، لغتان، الكسر أشهر، وإنما دَلَّيًا
أرجلهما (١) في البئر؛ للمُوافقة، وليكون أبلغَ في بقاء النبيِّ وَّرِ على حالته
وراحته، بخلاف ما إذا لم يفعلاه؛ فربما استحيا منهما، فرفعهما، وفيه
دليلٌ للغة الصحيحة؛ أنه يجوز أن يقال: دلَّيت الدلو في البئر، ودَلَّيت
رجلي وغيرها فيه؛ كما يقال: أدليت، وفي القرآن: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ ﴾ [يوسف:
١٩]، ومنهم مَن منع الأول، وهذا الحديث يردّ عليه.
وقوله: ((وجاهتهم)) بكسر الواو وضمها؛ أي: قُبالتهم(٢).
وأوّل سعيد بن المُسيَّب هذا المجلسَ منهم من النبيِّ يَّر على
قبورهم؛ فإن النبيَّ ◌َّهِ وصاحبيه دُفنوا في مكان واحد، وعثمان في مكان
بائن عنهم، وهذا من باب الفِراسة الصادقة، وفي هذا الحديث: جواز الثناء
على الإنسان في وجهه إذا أُمنت عليه فتنةُ الإعجاب ونحوه، وفيه: مُعجزةٌ
ظاهرة للنبيِّ ◌َّ؛ لإخباره بقِصَّة عثمان، والبلوى، وأن الثلاثة
یستمرون على الإيمان والهدى.
* قوله ◌َ: ((مع بلوى تصيبه))، وفي رواية لمسلم: ((على بلوى))(٣):
(شف): (على) هاهنا بمعنى (مع).
(ط): إذا جعل (على) متعلقاً بقوله: ((بالجنة))؛ يكون المُشَّر به
(١) في الأصل: ((علتيهما)).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٧٠ - ١٧٣).
(٣) رواه مسلم (٢٤٠٣ / ٢٨).
٨٨

مُركَّباً، وإذا جعل حالاً من ضمير [المفعول]؛ كانت البشارة مُقارَنةً
بالإنذار، ولا يكون المُبشّر به مُركَّباً، وهو الظاهر، و(على) بمعناه، ويؤيده
قوله: ((الله المستعان))؛ أي [على] ما أنذر به وَير؛ فإن ذلك يصيبني
لا محالةَ، فبالله أستعين على مرارة الصبر عليه، وشِدَّة مُقاساته(١).
(ق): هذا إعلام لعثمان عظُه بما يصيبه من البلاء والمِحْنة في حال
خلافته، وقد جاء في الأخبار ما يدلُّ على تفصيل ما يجري عليه من
القتل(٢) وغيره، فمِن ذلك ما خرّجه الترمذيُّ عن عائشة عن النبيِّي ◌َّر أنه
قال: ((يا عُثْمَانُ؛ لعلَّ اللهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصاً، فإِنْ أَرَادُوكَ على خَلْعِهِ؛ فَلا
تَخْلَعْهُ لَهُمْ))، قال: هذا حديثٌ حسَنٌ غريبٌ(٣).
وفيه عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله وَ ل﴿ فتنةً، فقال: (يُقْتَلُ فِيهَا
مَظْلُوماً)) لعثمان، قال: حديثٌ حسَنٌ غريبٌ (٤).
وروى أبو عمر بن عبد البَرِّ عن عائشة قالت: قال رسول الله وعليه :
((ادْعُوا لي بعضَ أَصْحَابي)) فقلت: أبو بكر؟ قال: ((لا))، فقلت: عمر؟
قال: ((لا))، فقلت: ابن عمِّك علياً؟ فقال: ((لا))، فقلت له: عثمان؟ قال:
((نعم))، فلمَّا جاءه؛ فقال لي بيده، فتنَّيت، فجعل رسول الله وَه ◌ُسَارُّه،
ولون عثمان يتغيَّر، فلما كان يومُ الدَّار، وحُصِر؛ قيل له: ألا نقاتل عنك؟
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٨٨٠).
(٢) في الأصل: ((العقل))، والتصويب من ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٢٥٦).
(٣) رواه الترمذي (٣٧٠٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((تخريج أحاديث المشكاة))
(٦٠٦٨).
(٤) رواه الترمذي (٣٧٠٨). انظر: ((صحيح سنن الترمذي)) (٢٩٢٣).
٨٩

قال: لا، إن رسول الله عليه وسلم عهد إليَّ عهداً، وأنا صابر عليه(١).
فهذه الأحاديث وغيرها مما يَطُول تتبّعه تدلُّ على أن النبيَّ وَِّ أخبره
بتفاصيل ما يجري عليه، وأنه أسلم نفسَه؛ لِما علم من أن ذلك قدَرٌ سبق
وقضاء وجب؛ ولذلك منع كلَّ مَن أراد القتال دُونَه، والدفعَ عنه مِمَّن کان
معه في الدار، وفي المدينة من نُصْرَته.
و[تفصيل] كيفية [قتله] وما جرى [لهم] معه مذكورةٌ في التواريخ،
وجملة القول: أن قوماً من أهل مصرَ وغيرهم غلب عليهم الجهلُ،
والهوى، والتعصُّبُ، فنقموا عليه أُموراً أكثرُها كذب، وسائرها له أوجه من
المعاذير، وليس فيها شيء يوجب خلعَه، ولا قتلَه، فتحزَّبوا واجتمعوا عليه
في المدينة، وحاصروه في داره، قيل: شهران، وقيل: تسعة وأربعون
يوماً، وهو في كل ذلك يَعِظُهم ويُذَكِّرهم بحقوقه، ويتنصَّل ممَّا نسَبُوا إليه،
ويعتذر منه، ويُصرِّح بالتوبة، ويحتجُّ عليهم بحُجج صحيحة لا مَخْلَصَ
لهم عنها، ولا جواب عليها، لكن أعمتهم الأهواءُ؛ ليغلب القضاء،
فدخلوا عليه، فقتلوه مظلوماً، ودُفن بعد ثلاثة أيام في موضع من البقيع،
يقال له: حُشُّ كوكب، وكان ممَّا حبَّسه هو، وزاده في البقيع، وكان إذا
مرَّ؛ يقول: يُدفن فيك رجل صالح، وكان هو المدفونَ فيه، عُمِّي قبره؛
لئلا يُعرفَ.
وقد نسب أهل الشام رضا عليٍّ ◌َلُه بقتله، وهي نسبة كذب وباطل،
فقد صحَّ عنه أنه كان في المسجد وقتَ دُخل عليه في الدار، ولمَّا بلغه ذلك؛
(١) انظر: ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (٣/ ١٠٤٣)، ورواه الإمام أحمد في ((المسند)»
(٦/ ٥١)، وهو حديث صحيح كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة).
٩٠

قال لقتلته: تباً لكم آخر الدهر، ثم إنه قد تبَّرأ من ذلك، وأقسم عليه، وقال:
مَن تبرَّأ [من] دين عثمان؛ فقد تبرّأ من الإيمان، والله؛ ما أعنت على قتله،
ولا أمرت، ولا رضيت، لكنه لم يقدر على المُدافعة بنفسه، وكان عثمان
منعهم من ذلك.
قال أبو عثمان النهديُّ: كان مقتله في أواسط أيام التشريق، وقال
الواقديُّ: قتل يوم الجمعة لثمان ليالٍ خَلَتْ من ذي الحِجَّة؛ يوم الثَّروية، سنة
خمس وثلاثين، وقد انتهى من العلم والفضل والعبادة إلى الغاية القُصوى،
كان يصوم الدَّهَر، ويقوم الليلَ، ويقرأ القرآن کلَّه في ركعة الوتر، قد شهد له
رسول الله وَّه بأنه شهيدٌ، ومن أهل الجنة، وقتلته مخطئون قطعاً، قد قَدِمُوا
على ما قَدِمُوا علیه.
وقول عثمان: ((الله المستعان))، وفي رواية لمسلم: ((اللهم؛ صبراً))؛
أي: اللهم؛ صَبِّرني صبراً، وأَعِنِّي على ما قدَّرت عليَّ، فيه استسلامُه لأمر
الله، ورضاه بما قدَّره الله(١).
(ن): فيه: استحباب هذا القول عند مثل هذه الحالة (٢).
٧١٠ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴿ه، قالَ: كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ رَسُولِ اللهِلَّهِ،
وَمَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ ﴾ فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهُ مِنْ بِينٍ أَظْهُرِنَاَ،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٢٦٥ -٢٦٨).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٧١).
٩١

فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ
فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ وَّهِ، حَتَى أَتَيْتُ حَائِطَأَ لِلأَنْصَارِ
لِبَنِي النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَاباً؟ فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ
فِي جَوْفِ خَائِطٍ مِنْ بِئْرِ خَارِجَهُ - وَالرَّبيعُ: الجَدْوَلُ الصَّغِيرُ -،
فَاحْتَفَرْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله، فقال: ((أَبُو هُرِيرَةَ؟))، فَقُلْتُ:
نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((مَا شَأَنُكَ؟))، قلتُ: كُنْتَ بَيْنَ ظَهْرَيْنَا،
فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ
مَنْ فَزِعَ، فَأَيَّتُ هَذَا الحائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ،
وهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: ((يَا أَبَّ هُرَيْرَةً!)) - وَأَعْطَانِ نَعْلَيْهِ -،
فَقَالَ: «اذْهَبُ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنٍ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحائِطِ يَشْهَدُ
أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُسْتَيْقِناً بها قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ))، وَذَكَرَ الحَدِيثَ
بطُولِهِ، رواهُ مسلم.
(الرَّبِيعُ): النَّهْرُ الصَّغِيرُ، وَهُوَ الجَدْوَلُ بفتح الجيمِ كَمَا فَسَّرَهُ
في الحَديثِ.
وقولُه: ((اخْتَفَزْتُ)): رويَ بالرَّاءِ وبالزَّايٍ، ومعناهُ بالزاي:
تَضامَمْتُ وَتَصاغَرْتُ حَتَّى أَمْكَنَي الدُّخُولُ.
(الثَّالِثُ))
يقال: قعدنا حَوْلَه، وحَوْلَيه، وحَوَالَيه، وحَوَالَهُ بفتح الحاء واللام في
٩٢

جميعها؛ أي: على جوانبه، ولا يقال: (حواليه) بكسر اللام، وأما قوله:
((ومعنا أبو بكر وعمر)) هو من فصيح الكلام، وحُسْن الإخبار؛ فإنهم أرادوا
الإخبارَ عن جماعة، فاستكثروا أن يذكروا جميعَهم بأسمائهم، فذكروا
أشرافهم .
* قوله: («بين أظهرنا»: هكذا هو في الموضعين، يقال: نحن بين
أَظْهُرِکم، وظَهْرَیکم وظَهْرَانێکم بفتح النون؛ أي: بينكم.
(ط): [(دوننا) حال من الضمير](١) المستتر في ((يقتطع))؛ أي:
خشينا أن يصاب بمكروه من عدُوٍّ أو غيره مُتجاوزاً عنا.
(الكشاف): معنى (دون): أدنى مكان من الشيء، ومنه الشيء
الدُّون، واستعير للتفاوت في الأحوال والرُّتَب، فقيل: زيد دون عمرو في
الشَّرَف والعلم، ثم اتُّسِع فيه، واستعمل في كل تجاوز حَدٍّ إلى حَدِّ (٢).
(ق): ((فزعنا))؛ أي: تركنا ما كنا فيه، وأقبلنا على طلبه؛ من قولك:
فزعتُ إلى كذا: إذا أقبلتَ عليه، وتفرغت له، ومنه قول الشاعر:
فَزِعْتُ إليكُم في بَلايَا تُنُويُّنِي
فَأَلَفَيْتُكم فيهَا كَرِيماً مُمَجَّداً
وقد دلّ على هذا قولُه: ((فكنت أوَل من فزع))؛ أي: أوَّلَ مَن أخذ في
طلبه، وليس من الفزع الذي هو الذُّعر والخوف؛ لأنه قال قبل هذا:
((فخشينا أن يقتطع دوننا))، ثم رتَّب (فزعنا) عليه بفاء التعقيب المُشعِرة
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٩٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٩٤).
٩٣

بالسَّبَبية، والفزع لفظ مشترك يطلق على ذَيْنِكَ المعنيين، وعلى الإغاثة(١).
(ن): قال القاضي: الفزع يكون بمعنى الرَّوع، وبمعنى الهُبوب
للشيء، والاهتمام به، وبمعنى الإغاثة، قال: فتصِحُّ هاهنا هذه المعاني
الثلاثة؛ أي: ذُعرنا لاحتباس النبيِّ وَّ عنا، ألا تراه كيف قال: ((وخشينا أن
يقتطع دوننا))؟! ويدلُّ على الوجهين الآخرين قولُه: ((فكنت أول من فزع)).
وقوله: ((حائطاً))؛ أي: بستاناً، سُمِّي بذلك؛ لأنه حائط لا سقفَ له.
وقوله: ((من بئر خارجةٍ)): هكذا ضبطناه بالتنوين في (بئر)، وفي
(خارجة) على أن (خارجة) صفة لـ (بئر)، وذكر الحافظ أبو موسى الأصبهانيُّ
وغيره: أنه رُوي على ثلاثة أوجه، أحدها: هذا، والثاني: بتنوین (بئر) وبهاء
في آخر (خارجة) مضمومة، وهي هاء ضمير لـ (الحائط)؛ أي: البئر في
موضع خارج عن الحائط، والثالث: (من بئر خارجة) بإضافة (بئر) إلى
(خارجة) آخره تاء التأنيث، اسم رجل، والوجه الأول: هو المشهور الظاهر،
وخالف هذا صاحبُ ((التحرير))، فقال: الصحيح: الوجه الثالث، قال: والبئر
يعنون بها البستان؛ نحو بئر أَرِيسَ، وبئر بُضَاعةَ، وبئر حاء، وكلُّها بساتين،
هذا كلامه، ولا يُوافَق عليه(٢).
* وقوله: ((فقال: أبو هريرة؟ قلت: نعم)) معناه: أنت أبو هريرة؟
(ط): فعلى هذا (أبو هريرة) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أنت أبو
هريرة، والهمزة في المبتدأ تحتمل أن تكون على حقيقتها، أو للتقرير، أو
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٣٥).
٩٤

للتعجّب، أما الأول: فلعله ◌َل ◌ّ كان غائباً عن بشريته؛ بسبب إيحاء هذه
البشارة إليه، فلم يشعر بأنه هو، وأما التقرير: فظاهر، وأما التعجُّب: فلأنه
استغرب أنه من أين دخل، والطرق مسدودة(١)؟!
* قوله: قال: ((اذهب بنعليّ هاتين)):
(ن): إعطاؤه النعلين؛ ليكون علامة ظاهرة معلومة عندهم، يعرفون
بها أنه لقي النبيَّ نَّزَ، ويكون أوقعَ في نفوسهم لما يخبرهم به عنه ◌َّ،
ولا يُنكَرُ كون هذا يفيد تأكيداً، وإن كان خبرُه مقبولاً بغير هذا(٢).
(ط): تخصيصهما بالإرسال؛ إما لأنه لم يكن عنده غيرهما، أو إشارة
إلى أنَّ بَعْثَتُه وقُدومَه لم يكن إلا تيسيراً وتسهيلاً على الأُمّة، ورفعاً لما كان
إصراً على الذين من قبله من الأُمَم، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَزْسَلْنَاكَ إِلََّرَحْمَةٌ
لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، أو يكون إشارة إلى الثبات بالقَدَم، والاستقامة بعد
الإقرار؛ لقوله ◌َّي: ((قل: آمنت بالله، ثم استقم))، والله أعلم بأسراره(٣).
* قوله {يَّفي: ((فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله
مستيقناً بها قلبه؛ فبشره بالجنة))، سبق شرحه في (الباب الحادي
والخمسين).
بقية الحديث: فكان أوَّلُ من لقيت عمرَ، فقال: ما هاتان النعلان
يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله بَّه، بعثني بهما؛ مَن لَقِيتُ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٩٤ - ٤٩٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٣٦).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٩٥).
٩٥

يشهد أن لا إله إلا الله مُستيقِنًا بها قلبُه؛ بشَّرتُه بالجَنَّة، فضرب عمرُ بيده بين
تَذْتِيَّ، فخررت لاسْتِي، فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله وَّت،
فَأَجْهَشْتُ بكاءً، ورَكِبَني عمرُ، فإذا هو على أَثَرِي، فقال رسول الله وَله:
((ما لك يا أبا هُرَيْرةَ؟)) فقلت: لَقِيتُ عمر، فأخبرته، فضرب بين ثَدْتَيَّ
ضربة خَرَرْتُ لاسْتِي، قال: ارجع، فقال رسول الله وَّ: ((يا عُمَرُ؛
ما حَمَلكَ على ما فَعَلْتَ؟)) قال: يا رسول الله، بأبي أنت وأُمِّي؛ أبعثت أبا
هريرة بنعليك؛ مَن لقي يشهد أن لا إله إلا الله مُستيقناً بها قلبُه بشَّرَه بالجَنَّة؟
قال: ((نَعَمْ))، قال: فلا تفعل؛ فإني أخشى أن يتَّكِلَ الناسُ عليها، فخَلِّهم
يعملون، قال رسول الله وَّ: ((فَخَلِّهِمْ))، هذا لفظ مسلم.
(ن): ((ثدييَّ)) بفتح الثاء، وهو مذكَّر، وقد يؤنث في لغة قليلة، قيل :
هي للمرأة خاصة، وقد كثر إطلاقه في الأحاديث للرجل، و((الاست)):
اسم من أسماء الدُّبُر، والمُستحبُّ في مثل هذا الكنايةُ، ولكن صرَّح به؛
لإزالة اللَّبْس والاشتراك، أو نفي المجاز، ولم يقصد عمرُ سُقوطَه وإيذاءَه،
بل قصد ردَّه عمَّا هو عليه، وضرب في صدره؛ ليكون أبلغَ في زجره،
و((أجهشت)) بالجيم والشين المعجمة، والهمزة والهاء مفتوحتان، وقد
تحذف الهمزة، ويقال: جَهَشْتُ جَهْشاً، وهو أن يفزع الإنسان إلى غيره،
وهو مُتَغيِّرِّ الوجه مُتهيِىءٌ للبكاء، ولمَّا يبك بعدُ، قال الطبريُّ: هو الفزع
والاستغاثة.
قوله: ((وركبني عمر)) معناه: تبعني ومشى خلفي في الحال بلا مُهْلة،
وليس فعلُ عمر ومراجعتُه النبيَّ ◌َِّ اعتراضاً عليه، ورَدّاً لأمره؛ إذ ليس
فيما بُعث به أبا هريرة غيرُ تطييب قلوب الأُمَّة، وتبشيرهم، فرأى عمر أن
٩٦

كَثْمَ هذا عنهم أصلحُ لهم، وأحرى أن لا يَتَّكِلوا، وأنه أَعْوَدُ عليهم بالخير
من مُعجّل هذه البشارة، فلما عرضه على النبيِّ ◌ٌَّ؛ صوَّبه.
وفيه: أن الإمام والكبير مطلقاً إذا رأى شيئاً، ورأى بعضُ أتباعه
خلافه؛ أنه ينبغي للتابع أن يعرضه على المتبوع؛ لينظر فيه، فإن ظهر له أن
ما قاله التابع هو الصوابُ؛ رجع إليه، وإلا؛ بيَّن للتابع جوابَ الشُّبْهة التي
عرضت له(١).
(ق): لعل عمر ﴿ه قد كان سمع من النبيِّ مَّ﴿؛ كما سمعه معاذ،
فيكون ذلك تذكيراً للنبيٍّ وَلفيه بما قد سمع منه، ويكون سكوت النبيِّ نَّ عن
ذلك؛ تعويلاً على ما قد كان [تعذَّر لهم تبيانُهُ](٢) لذلك، ویکون عمر بما
خصَّه الله به من الفِطْنَة، وحُضور الذِّهن تذكَّر ذلك، واستبلد أبا هريرة؛ إذ
لم يتفطَّن لذلك، ولا تذكَّره، فضربه تلك الضربةَ؛ تأديباً وتذكيراً(٣).
(ن): ((بأبي أنت وأمي)) معناه: أنت مَفْدِيٌّ، أو أفديك بأبي وأمي(٤).
(ط): حُذف هذا المقدر؛ تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وعلم المُخاطَب
به (٥).
(ن): هذا الحديث يشتمل على فوائد كثيرة تقدَّم جُمَلٌ منه، وفيه:
جلوس العالم لأصحابه، ولغيرهم من المُستفتين، يُعلِّمهم ويفيدهم،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٣٧ _ ٢٣٩).
(٢) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٠٧).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٣٩).
(٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٩٦).
٩٧

وفيه: بيان ما كانت الصحابة عليه من القيام بحقوق رسول الله صل﴾،
وإكرامه، والشفقة عليه، والانزعاج البالغ لما يَطرُقه .
وفيه: اهتمام الأتباع بحَقِّ متبوعهم، والاعتناء بتحصيل مصالحه،
ودفع المفاسد عنه، وفيه: جواز دخول الإنسان مُلْكَ غيره، إذا علم أنه
يرضى ذلك؛ فإن أبا هريرة دخل الحائط وأقرَّه النبيُّ ◌َّهر على ذلك، ولم
يُنقل أنه أنكر عليه، وهذا غير مُختصٍّ بدخول الأرض، بل يجوز له الانتفاع
بأدواته، وأكل طعامه، والحمل من طعامه إلى بيته، وركوب دابته، ونحو
ذلك من التصرُّف الذي يعلم أنه لا يَشُقُّ على صاحبه، هذا هو المذهب
الصحيح الذي عليه جماهير السَّلَف والخَلَف، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ:
وأجمعوا على أنه لا يتجاوز الطعام وأشباهَه إلى الدَّراهم [والدنانير
وأشباهها، وفي ثبوت](١) الإجماع في حَقِّ مَن يقطع يطيب قلب صاحبه
بذلك نظرٌ، ولعل هذا يكون في الدراهم الكثيرة التي يشك، أو قد يشك
في رضاه بها؛ فإنهم اتفقوا على أنه إذا تشَكَّك؛ لا يجوز له التصرُّف مطلقاً
فیما یَشُكُّ في رضاه به.
ثم دليل الجواز في الباب الكتابُ والسُّنَّة، وفعل أعيان الأُمَّة، فالكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَبَآَبِكُمْ﴾
إلى قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
والسُّنَّة: هذا الحديث، وأحاديثُ كثيرة معروفة بنحوه، وأفعال السلف
وأقوالهم في هذا أكثرُ من أن تحصر.
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٣٩).
٩٨

وفيه: إرسال الإمام والمَتبوع إلى أتباعه بعلامة يعرفونها؛ ليزدادوا
طمأنينة.
وفيه: جواز إمساك بعض العلوم التي لا حاجة إليها؛ للمصلحة،
وخوف المَفسدة، وفيه إشارة بعض الأتباع على المتبوع بما يراه مصلحةً،
وموافقةُ المتبوع.
وفيه: جواز قول الرجل للآخر: (بأبي أنت وأمي)، وقد کرهه بعضُ
السَّلَف، وقال: لا يُفدَى بمسلم، قال القاضي: والأحاديث الصحيحة تدلُّ
على جوازه، سواء كان المَفْدِيُّ به مُسلِمًا، أو كافراً، حياً كان أو ميتاً(١).
零,
٧١١ - وعَنِ ابنِ شُمَاسَةَ، قالَ: حَضَرْنَاَ عَمْرَو بنَ العَاصِ
وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ المَوْتِ، فَبَكَى طَوِيلاً، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إلى الجِدَارِ،
فَجَعَلَ ابْتُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ! أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِوَهِ بِكَذَا؟! أَمَا بَشَّرَكَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ بِكَذَا؟! فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ
أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ
ثَلاثٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضاً لِرَسُولِ اللهَِّهِ مِنِّي،
وَلاَ أَحَبَّ إليَّ مِن أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلى
تِلْكَ الحالِ، لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإسْلامَ في قَلْبِي،
أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَهِ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ بِمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يِمِينَهُ،
(١) انظر: (شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٣٩ - ٢٤٠).
٩٩

فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ: ((مَالَكَ يا عَمْرُو؟))، قلتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ،
قَالَ: ((تَشْتَرِطُ مَاذَا؟))، قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ
الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ ما كَانَ قَبَلَهُ، وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ
الحَجَّ يَهْدِمُ ما كَانَ قَبْلَهُ؟))، وما كان أَحَبَّ إليَّ مِنْ رسولَ الله ◌َِّ،
وَلاَ أَجَلَّ فِي عَينِي مِنْهُ، ومَا كُنتُ أُطِيقُ أَنْ أَمَلَ عَينِي مِنْه إِجْلالاً لَهُ،
وَلَوْ سُئِلْتُ أنْ أصِفَهُ، ما أطَفْتُ؛ لأني لم أُكُنْ أَمْلأُ عيني منهُ، ولو
مُتُّ على تِلكَ الحَالِ، لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ وُلِّينَا
أَشِيَاءَ ما أَدْرِي ما حَالي فِيها؟ فَإِذا أنا مُتُّ، فلا تَصْحَبَنِّي نَئِحَةٌ،
ولا نَاَرٌ، فإِذا دَفَنْتُموني، فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنّاً، ثم أَقِيمُوا حَولَ
قَبَرِي قَدْرَ ما تُتْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ،
وأَنْظُرَ مَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ ربي، رواه مسلم.
قوله: ((شُنُّوا)): رُوِيَ بِالشينِ المعجمةِ وبالمهملةِ: أَي: صُّوهُ
قليلاً قَلِيلاً، والله سبحانه أعلم.
٤
(نه)(١): ((السياق)»: أصله سِوَاق، قلبت الواو ياء لكسرة السين، كأن
روحه تُساق؛ لتخرج من بدنه، وهو مصدر من ساق يسوق(٢).
(١) في الأصل: ((ن))، والمثبت هو الصواب.
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٢٤).
١٠٠