النص المفهرس

صفحات 41-60

قالوا: لقد كان لها في ذلك حَظُّ فتركته.
قالت: فأرسلت يدَها من يدي، ثم أقبلت عليَّ، فقالت:
ونَوْمُكِ ضِدٌّ للصَّلاةِ عَنِيدُ
صَلاتُكِ نُورٌ والعِبَادُ رُقُودُ
يَسِيرُ ويَفْنَى دَائِباً ويبيِدُ
وعُمْرُكِ غُنْمٌ إِنْ عَقَلْتٍ ومُهْلَةٌ
قالت: ثم غابت، واستيقظتُ، فوالله؛ ما ذكرتها فتوهمتُها؛ إلا طاش
عقلي.
قال دَهْئَمٌ: ما نامت رابعةُ بلیل بعد هذا حتى ماتت.
وعن أبي سعيد القاريِّ قال: نمت ذات ليلة عن حزبي، فرأيت في
منامي کأن قائلاً يقول لي :
ومِنْ فَتِىّ نَامَ إِلَى الفَجْرِ
عَجِبْتُ مِنْ جِسْمٍ ومِنْ صِحَّةٍ
في ظُلَمِ اللَّيْلِ إذا يَسْرِي
والمَوْتُ لا تُؤْمَنُ خَطْفَاتُه
يَفْتَرِشُ الأَعْمَالَ في القَبْرِ
مِنْ بَيْنِ مَنْقُولٍ إلى حُفْرَةٍ
بَاتَ طَوِيلَ الكِبْرِ والفَخْرِ
وبَيْنَ مَأْخُوذٍ عَلى غِرَّةٍ
فَماتَ مَحْسُوراً إلى الحَشْرِ
عَاجَلَهُ المَوْتُ عَلى غَفْلَةٍ
٤١

٨٨-باب
استحبابِ طيبِ الكلامِ وطلاقةِ الوجهِ عندَ اللقاء
* قال الله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨].
: وقال تعالى: ﴿وَلَوْكُنْتَ فَقَّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ ﴾ [آل
عمران: ١٥٩].
(الباب الثامن والثمانون)
(في استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء)
* قوله تعالى: ﴿وَلَوْكُنْتَ فَعَّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَ نَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾ [آل عمران: ١٥٩]،
الفظ الغليظ المراد به هنا: غلظ الكلام؛ لقوله بعده: ﴿غَلِظَ الْقَلْبِ﴾
[آل عمران: ١٥٩]؛ أي: لو كنت سيِّءَ الكلام قاسيَ القلب عليهم؛ لانفضُّوا
عنك، وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم؛ تأليفاً لقلوبهم.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَّ: ((إنَّ اللهَ أَمَرَنِي
بِمُدَارَاةِ النَّاسِ؛ كمَا أَمَرَنِي بِقَامَةِ الفَرَائِضِ))، حديثٌ غريبٌ رواه الترمذيُّ(١).
(١) الترمذي هذا ليس محمد بن عيسى صاحب ((السنن)) المشهور، وإنما هو أبو
إسماعيل محمد بن إسماعيل البغدادي (ت: ٢٨٠هـ) ثقة حافظ، روى له الترمذي
والنسائي. انظر: ((تهذيب الكمال)» للمزي (٢٤ / ٤٨٩) (٥٠٧٠). والحديث رواه
من طريقه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (٣)، وابن عدي في ((الكامل في =
٤٢

(م): من كمال رحمه الله سبحانه على نبيه عليه الصلاة والسلام أنه
عرَّفه مفاسدَ الفظاظة والغِلْظة، وذلك أن المقصود من البَعْثة تبليغُ رسالات
الله إلى الخَلْقِ، وهذا لا يَتِمُّ إلا إذا مالت قلوبُهم إليه، وسكنت نفوسُهم
لديه، ولا يحصل ذلك إلا إذا كان رحيماً كريماً، يتجاوز عن ذنبهم، ويعفو
عن إساءتهم، ويَخصُّهم بوجوه البرِّ، والمَكْرُمة، والشفقة؛ فلهذه الأسباب
وجب أن يكون الرسول مُبرَّاً عن الغِلْظَة والفظاظة (١).
٦٩٣ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتمِ ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ٍِّ:
(اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ))، متفقٌ
عليه .
٦٩٤ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴿هِ: أَنَّ النبيَّ ◌َِّ قالَ: ((وَالكَلِمَةُ
الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ))، متفقٌ عليه، وهو بعضُ حديثٍ تَقَدَّمَ بِطولِهِ.
٦٩٥ - وعَنْ أَبِي ذَرَِّ﴿ه، قالَ: قالَ لي رَسُولُ الله ◌ِلَّى:
(لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ))،
رواه مسلم.
سبق أحاديث هذه الباب في (الباب الثالث عشر).
= الضعفاء» (٢/ ١٥). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٨١٠).
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩/ ٥٢).
٤٣

٨٩- بس
استحبابِ بيانِ الكلامِ وإيضاحهِ للمخاطب
وتكريرِه ليفهمَ إذا لم يفهمْ إلا بذلكَ
(الباب التاسع والثمانون)
٦٩٦ - عَنْ أَنَسٍ ﴿هَ: أَنَّ النبيَّ ◌َ﴿ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا
ثَلاَثَاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذا أَنَى عَلى قَوْمٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ
ثلاثاً، رواه البخاريُّ.
* قوله: ((أعادها ثلاثاً)): سيأتي في (باب كيفية السلام).
*
٦٩٧ - وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالَتْ: كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللهِ
كَلَاماً فَضْلاً يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُهُ، رواه أبو داودَ.
* قوله: «فصلاً»:
(نه): أي: بيِّناً ظاهراً، يفصل بين الحَقِّ والباطل، ومنه قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]؛ أي: فاصل قاطع، انتهى(١).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٥١).
٤٤

وفي ((سنن الترمذي)) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كانَ
رسولُ اللهِ وَلِ يَسْرُدُ سَرْدَكُم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بينه فَضْلٌ،
یحفظه مَنْ جلس إلیه(١).
(١) رواه الترمذي (٣٦٣٩). وإسناده جيد. انظر: ((تخريج أحاديث المشكاة)) (٥٨٢٨).
٤٥

33
٩٠- باب
إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرامٍ
واستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه
(الباب التسعون)
٦٩٨ - عن جَرِيرِ بنِ عبدِ الله ◌ُه، قال: قالَ لِي رَسُولُ اللهِه
فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ))، ثُمَّ قالَ: ((لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي
كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ))، متفقٌ عليه.
* قوله: ((حجة الوداع))، سبق سبب تسميتها بالوداع في (الباب
السادس والعشرين)، وكذلك قوله: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً).
(ن): معنى ((استنصت الناس)): مُرْهُم بالإنصات؛ ليسمعوا هذه
الأُمورَ المُهِمَّة، والقواعد التي سأقررها وأحَمُّلُكُمُوها(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٥٦).
٤٦

٩١-باب
الوعظ والاقتصادِ فیهِ
* قال الله تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
اَلَْسَنَّةِ ﴾ [النحل: ١٢٥].
(الباب الحادي والتسعون)
(في الوعظ)
* قوله تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالِحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ﴾ [النحل:
١٢٥]:
(الحكمة): ما أنزل الله من الكتاب والسُّنَّة، و﴿ اَلْمَوْعِظَةِ الْمَسَنَةِ﴾
ما في الكتاب من الزواجر، والوقائع بالناس، يُذكِّرهم؛ ليحذروا بأسَ الله،
﴿وَحَدِلْهُم بِأَلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾؛ أي: من احتاج منهم إلى مُناظرة وجدال،
فليكن برِفْقٍ، ولِينٍ، وحُسْن خطاب، أمره تعالى بلِين الكلام مع الكُفَّار؛
كما أمر موسى وهارون عليهما السلام بقوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيْنَا﴾ [طه: ٤٤].
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ،﴾ [النحل: ١٢٥]؛ أي: إن
الله قد علم الشقيَّ منهم والسعيد، فادعهم ولا تذهب نفسُك عليهم حسَراتٍ؛
فإنه ليس عليك هُداهم، وإنما عليك البلاغ.
٤٧

[م]: أي ادع الأقوياء الكاملين إلى الدِّين الحَقِّ بالحكمة، وهي:
البراهين القطعية اليقينية، وعوامَّ الخلق بالموعظة الحسنة، وهي: الدلائل
الإقناعية الظنية، وتكلم مع المُشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن
الأكمل.
ولمَّا لم يكن الجَدَلُ من باب الدعوة، بل المقصود منه الإلزامُ
والإفحامُ؛ لم يقل: بالحكمة والموعظة الحسنة والجَدَل، بل قطع الجدلَ عن
باب الدعوة؛ تنبيهاً على أن الغرض منه شيءٌ آخر(١).
٦٩٩ - عن أبي وائلٍ شقيقٍ بنٍ سَلَمَةَ، قالَ: كانَ ابنُ مسعودٍ
يُذَكِّرُنا في كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ! لَوَدِدْتُ
أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فقال: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعنِي مِنْ ذَلِكَ أَنّي أَكْرَهُ أَنْ
أَمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ يَتَخَوَّلُنَا بِها
مَخافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا، متفقٌ عليه.
(يَتَخَوَّلُنَا)): يَتَعَهَّدُنَ.
(الأَوْاُ)
(ن): ((أملكم)) بضم الهمزة؛ أي: أوقعكم في المَلَل، وهو الضَّجَر،
وأما (الكراهية): فبتخفيف الياء.
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٠/ ١١٢).
٤٨

ومعنى ((يتخولنا)) يتعاهدنا، هذا هو المشهور في تفسيرها، وقيل:
يصلحنا، قال ابنُ الأعرابيّ: معناه: يتخذنا خَوَلاً، وقيل : يفاجئنا بها، وقال أبو
عُبيد: يُدللنا، وقيل: يحبسنا كما يحبس الإنسان خَوَلَهُ، وهو بالخاء المعجمة
عند جميعهم، إلا أبا عمرو فقال: هي بالمهملة؛ أي: يطلب حالاتهم وأوقات
نشاطهم، وفيه: الاقتصاد في الموعظة؛ لئلا تملها القلوبُ، فيفوت
مقصودُها(١).
(ط): (التخوُّل): التعهُّد، وحُسن الرعاية، والخائل: المُتَعَهِّدُ للشيء،
الحافظ له، والمعنى: أنه كان يتفقَّد بالموعظة في مظانِّ القَبول، ولا يُكثِر علینا؛
لئلا نسأم(٢).
٧٠٠ - وعن أَبَي اليَقْظَانِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﴾، قالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَله يقولُ: ((إِنَّ طُولَ صَلاَةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ
مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ، وَأَقْصِرُوا الخُطْبَةَ)، رواه مسلم.
((مَئِنَّةٌ)) بميم مفتوحة، ثم همزة مكسورة، ثم نون مشدّدة:
أَيْ: عَلَاَمَةٌ دَالَّةٌ عَلى نِقْهِهِ .
(الثانى)
(نه): ((مئنة من فقهه))؛ أي: ذلك ممَّا يُعرَفُ به فقهُ الرجل، وكل شيء
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٦٣ - ١٦٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٧).
٤٩

دلَّ على شيء؛ فهو مَئِنَّةٌ له، وحقيقتها أنها (مَفْعِلَةٌ) من معنى (إن) التي
للتحقيق والتأكيد غير مشتقة من لفظها؛ لأن الحُروفَ لا يُشتَقُّ منها، وإنما
ضُمِّنت حروفها؛ دلالة على أن معناها فيها، ولو قيل: إنها اشتُّقَّت من لفظها
بعدما جُعلت اسماً؛ لكان قولاً .
ومِن أغرب ما قيل فيها: إن الهمزة بدلٌ من ظاء (المظنة)، والميم في
ذلك کله زائدةٌ.
قال أبو عبيدة: معناه: أن هذا ممَّا يستدل به على فقه الرجل.
قال الأزهريُّ: جعل أبو عُبيد الميمَ فيه أصليةً، وهي ميم (مَفْعِلة)(١).
قيل: إنما جعل ◌َّ﴿ ذلك علامةً من فقهه؛ لأن الصلاة هي الأصل،
والخُطبة هي الفرع عليها، ومن القضايا الفقهية أن يُؤْثَر الأصلُ على الفرع
بالزِّيادة والفَضْل.
(ن): ((فأطيلوا الصلاة)) ليس مُخالفاً للحديث الصحيح في الأمر
بتخفيف الصلاة؛ لأن المراد بالحديث الذي نحن فيه: أن الصلاة تكون
طويلة بالنسبة إلى الخُطبة، لا تطويلاً يشُقُّ على المأمومين، وهي حينئذٍ
قَصْدٌ بالنسبة إلى وضعها؛ كما في رواية لمسلم: ((كانَتْ صَلاَتُهُ وَِّ قَصْداً،
وخُطْبَتُه قَصْدا) (٢).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٩٠ - ٢٩١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٥٨ - ١٥٩)، والحديث رواه مسلم (٨٦٦)
من حديث جابر بن سمرة څ .
٥٠

٧٠١ - وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ ﴿به، قالَ: بَيْنَا أَنَاَ
أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِوَهِ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلْتُ:
يَرْحَمُكَ الله، فَرَمَانِي القَوْمِ بِأَبْصَارِ هِمْ، فَقُلْتُ: وَانُكْلَ أُمََّاه!
مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَنْدِيِهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ،
فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنَي، لَكِنِّي سَكَثُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِوَِّ،
فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتَ مُعَلِّماً قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَه أَحْسَنَ تَعْلِيماً مِنْه،
فَوَاللهِ! مَا كَهَرَنِي، وَلاَ ضَرَيَتِي، ولاَ شَتَمَنِي، قال: (إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ
لاَ يَصْلُحِ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ والتَّكْبِرُ،
وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ))، أو كما قالَ رَسُولُ اللهِهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي
حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالإِسْلاَمِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجالاً يَأْتُونَ
الكُهَانَ؟ قالَ: ((فَلاَ تَأْتِهِمْ))، قلتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟ قالَ: ((ذَاكَ
شَيْءٌ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ، فَلاَ يَصُدَّنَّهُم))، رواه مسلم.
(النُّكْل)) بضم الثاءِ المُثلثة: المُصِيبَةُ وَالفَجِيعَة، ((مَا كَهَرني)):
أَيْ: مَا نَهَرَني.
(الثَّالِثُ)
* قوله: ((فرماني القوم بأبصارهم)):
(تو): أي: أسرعوا في الالتفات إليَّ، ونفوذ البصر فيَّ، استُعير
من رمي السَّهْم.
٥١

(ن): ((الثكل» بضم الثاء وإسكان الكاف، ويفتحهما جميعاً، لغتان؛
كالبُخْلِ والبَخَل، وهو فُقدان المرأة ولدَها، و((أمياه)) بكسر الميم(١).
وقوله: ((فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم))؛ يعني: فعلوا
هذا؛ ليُسكتوه، وهذا محمولٌ على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمَن نابه
شيء في صلاته، وفيه: دليلٌ على جواز الفعل القليل في الصلاة، وأنه
لا کراهةَ فیه إذا كان لحاجة.
(ق): يحتمل أن يقال: إنهم فهموا أن التصفيقَ المنهيَّ عنه إنما هو
ضربُ الكَفِّ أو الأصابع على الكَفِّ، ويبعد أن يُسمَّى من ضرب على
فَخِذْه، وعلى ثوبه مُصفِّقاً، وإلا؛ لقال: جعلوا يُصفِّقون (٢).
* قوله: «لكني سکت»:
(ط): هكذا في الأصول، ولا بُدَّ من تقدير جواب (لمّا) ومُستدرَك
(لكن)؛ ليستقيم المعنى، فالتقدير: فلمَّا رأيتُهم يُصمّتونني؛ غضبت
وتغيّرت، لكني سكتُّ، ولم أعمل بمقتضى الغضب، وقوله: ((فلما صلى))
جوابه قوله: ((قال: إن هذه الصلاة))، وقوله: ((فبأبي هو وأمي)) إلى قوله:
((قال)) مُعترضةٌ بين (لما) وجوابه، والفاء فيه كما في (فاعلم) في قول
الحماسيِّ :
فَاعْلَمْ وَإِنْ رُدِّيتَ بُرْداً(٣)
ليسَ الجَمَالُ بِمِثْزَرٍ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥/ ٢٠).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٣٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٦٦).
٥٢

(نه): يقال: کَھَرِه يَكْهَرُه: إذا زبرَهُ، واستقبله بوجه عَبُوس(١).
قال في ((الفائق)): الكَهْرُ، والقَهْرُ، والنَّهْرِ أَخَواتٌ (٢).
(ن): فيه: بيان ما كان عليه رسول الله وَّه من عِظَم الخُلُق الذي شهد
الله تعالى له به، ورِفْقُه بالجاهل، وحُسْنُ تعليمه، واللَّطفُ به، وتقريبُ
الصواب إلى فهمه(٣).
* قوله تعالى: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما
هو تسبيح» :
(ن): فيه: تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان لحاجة، أو لغيرها، فإن
احتاج إلى تنبيه، أو إذن لداخل، ونحوه؛ سبَّح إن كان رجلاً، وصفقت إن
كانت امرأة، هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والجمهور،
وقالت طائفة منهم الأوزاعيُّ: يجوز الكلام لمَصلحة الصلاة؛ لحديث ذي
اليدين، والجواب: أن ذلك كان قبل تحريم الكلام في الصلاة.
هذا في كلام العامد العالم، وأما الناسي: فلا تبطل صلاته بالكلام
القليل عندنا، وبه قال مالك، وأحمد، وقال أبو حنيفة والكوفيون: تبطل،
دلیلنا حدیث ذي الیدین .
فإن كَثُر الكلام؛ ففيه وجهان، أصُّهما: تبطل؛ لأنه نادر، وأما كلام
الجاهل إذا كان قريبَ العهد بالإسلام: فهو ككلام الناسي، ودليلنا هذا
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢١٢).
(٢) انظر: ((الفائق)) للزمخشري (٣/ ٢٨٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٢٠).
٥٣

الحديث؛ لأنه لم يُؤمَر بإعادة الصلاة، ولكن عَلَّمه تحريمَ الكلام فيما
يُستَقبل(١).
وقوله ريق: ((إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)) معناه: لا يصلح
في الصلاة شيء من كلام الناس ومُخاطباتهم، وإنما هو التسبيح، وما في
معناه من الذِّكر، والدعاء، وأشباهها ممَّا ورد به الشرع، وفيه: دليل على أن
مَن حلف: لا يتكلم، فسَبح، أو كبّر، أو قرأ القرآن؛ لا يَحْنَثُ، وهذا هو
الصحيح المشهور، وفيه: النهيُ عن تشميت العاطس في الصلاة، وأنه من
كلام الناس، قال أصحابنا: إن قال: يرحمك الله بكاف الخطاب؛ بطلت
صلاته، وإن قال: رحمه الله، أو: اللهم؛ ارحمه، أو ارحم فلاناً؛ لم تبطل؛
لأنه لیس بخطاب.
وأما العاطس: فيُستحبُّ له أن يحمد الله تعالى سِرّاً، وبه قال مالك
وغيره، وعن ابن عمر، والنَّخَعيِّ، وأحمدَ: أنه يجهر به، والأول أظهر؛
لأنهم ذكروا أن السُّنَّةَ في الأذكار في الصلاة الإسرار إلا ما استُثني (٢).
(ن): ((الجاهلية)): ما قبل ورود الشرع، سُمُّوا جاهليةً؛ لكثرة جَهالتهم
وفُحْشِها(٣).
(ق): ((الکھان)): جمع کاهن، کكتاب جمع کاتب، وهو الذي يتعاطى
علمَ ما غاب عنه، وكانت الكهانة في الجاهلية شائعةً، وكانوا يترافعون إلى
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥/ ٢١).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٣) المرجع السابق، (٥/ ٢٢).
٥٤

الكُهَّان في وقائعهم، وكان الكاهن يتمكَّن من التكَهُّن بواسطة تابعه من الجِنِّ
الذي كان يسترق السمعَ، فَيَخْطَف الكلمة من الملائكة، فيخبر بها وليّه،
ويزيد عليها مائة كِذْبة، فلما بعث اللهُ رسولَه ◌َّهِ؛ أُرسلت الشُّهُب على الجِنِّ،
فلم يتمكَّنوا ممَّا كانوا يتكهَّنون، فانقطعت الكهانةُ، فما بقي إلا قومٌ يتشبَّهون
بأولئك الكُهَّان، فنهى عن إتيانهم؛ لأنهم كَذَبةٌ مُمَخْرِقُونَ(١)، مُبطلون،
ضالُّون مُضلِّون، فيحرم إتيانُهم والسَّماعُ منهم(٢).
(ن): إنما نهى عن إتيان الكُهَان؛ لأنهم يتكلمون في مُغيّبات قد يُصادِف
بعضَها الإصابةُ، فخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، وقد تظاهرت الأحاديثُ
الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهَّان، وتحريم ما يُعطَوْنَ من الحُلْوان، وهو حرامٌ
بإجماع المسلمين، نقله المَاوَزْدِيُّ.
وقال المَاوَرْديُّ: يمنع المُحْتَسِبُ الناسَ من التكسُّب بالكَهانة واللَّهْو،
ويُؤدِّبُ عليه الآخذ والمُعطي .
قال الخَطَّابيُّ: والفرق بين العرَّاف والكاهن: أن الكاهن إنما يتعاطى
الإخبار عن الكوائن في المستقبل، ويَدَّعي معرفة الأسرار، والعَرَّف يَدَّعي
معرفةَ الشيء المسروق، ومكانَ الضالَّة، ونحوها، وقال في حديث: ((مَنْ
أَتَى كَاهِناً فصَدَّقَهُ بمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنزِلَ اللهُ على مُحَمَّدٍ))(٣) قال:
وكان في العرب كَهَنَةٌ يَعْرِفُون كثيراً من الأُمور، ومنهم من يَزِعُم أن له رَئِيّاً
(١) في الأصل: (لمحرفون))، والممَخرِق: المُمَوِّه.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٦٣٢ - ٦٣٣).
(٣) رواه أبو داود (٣٩٠٤) من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٤٣٣).
٥٥

من الجِنِّ يُلقي إليهم الأخبارَ، ومنهم مَن يدَّعي استدراكَ ذلك بفَهْم أُعْطِیه،
ومنهم مَن يَزعُم العِرافةَ، وهي معرفة الأمور بمُقدِّمات أسباب يَستدِلُّ بها؛
كمعرفة مَن سرق الشيء الفُلاني، ومعرفة من تُتَّهَمُ به المرأةُ، ونحو ذلك،
ومنهم مَن يُسمي المُنجِّمَ كاهناً.
قال: فالحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كُلُّهم، والرجوع
إلى قولهم، وتصديقهم، هذا كلام الخطابيِّ وهو نفيسٌ(١).
(نه): (الطيرة) بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن، هي التشاؤم
بالشيء، وهو مصدر تطيّر، يقال: تطيّر طِيَرةً مثل تخيَّر خِيَرَةً، ولم يجىء
من المصادر هكذا غيرُهما، وأصله فيما يقال: التطيُّر بالسَّوانح والبوارح
من الطير، والظُّباء، وغيرهما، وكان ذلك يَصُدُّهم عن مقاصدهم، فنفاه
الشرع وأبطله، ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثيرٌ في جلب نفع، أو دفع
ضُرة (٢).
· قوله: ((فلا يصدنهم» :
(ن): وفي رواية ((فلا يصدنكم))، معناه: أن الطَّيَرة شيء تجدونه في
نفوسكم(٣) ضرورةً، فلا عتبَ عليكم في ذلك؛ فإنه غير مُكتَسب لكم، فلا
تكليفَ به، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرُّف في أُموركم(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٢٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٥٢).
(٣) في الأصل: ((نفوسهم)).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥/ ٢٢ - ٢٣).
٥٦

بقية هذا الحديث :
قلت: ومِنَّا رجال يَخُطُّونَ، قال: ((كانَ نبيٌّ منَ الأَنبَاءِ يَخُطُّ، فمَن وافقَ
خَطَّه؛ فذاك))، قال: وكانت لي جاريةٌ ترعى غنماً لي قِبَل أُحُد والجوَّانِيَّة،
فاطلعت ذات يوم؛ فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم
آسَفُ كما يأسفون، لكني صككتها صَكَّةً، فأتيت رسولَ الله ◌َِّ، فَعَظَّم ذلك
عليَّ، قلت: يا رسولَ الله؛ أفلا أُعتقها؟ قال: ((ائتني بها))، فأتيته بها، فقال
لها: ((أين الله؟)) قالت: في السماء، قال: ((مَنْ أنا؟)) قالت: أنت رسول الله،
قال: ((أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ)).
قوله: ((ومنا رجال يخطون)):
(نه): قال ابن عباس ﴾﴾: الخَطُّ هو الذي يَخُطُّه الحَازِي، وهو عِلْمٌ
قد تركه الناس، يأتي صاحبُ الحاجة إلى الحَازي، فيعطيه حُلْواناً، فيقول
له: اقعد حتى أخُطّ لك، وبین یدي الحَازِي غلامٌ له معه مِيلٌ، ثم يأتي إلى
أرض رِخْوَةٍ، فيَخُطُّ فيها خُطوطاً بالعَجَلة؛ کیلا يلحقها العدد، ثم يرجع
فيمحو منها على مَهَل خَطَيْن خَطَين، وغلامه يقول: يا بنَيْ عِيَان؛ أسرعا
البيان، فإن بقي خَطَّان فهما علامة النُّجْحِ، وإن بقي خَطِّ واحد؛ فهو علامة
الخَيْبة .
قال الحَرْبيُّ: هو أن يَخُطَّ ثلاثة خُطوط، ثم يضرب عليهن بشعير أو
[نویَ] ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضَرْبٌ من الكهانة .
قلت: الخَطُّ المشار إليه عِلْمٌ معروف، وللناس فيه تصانيفُ كثيرة،
وهو معمولٌ به إلى الآن، ولهم فيه أوضاع، واصطلاح، وأسامٍ، وعمل
٥٧

كثير، ويستخرجون به الضميرَ وغيره، وكثيراً ما يصيبون فيه(١).
(نه): (الحازي) بالحاء المهملة والزاي: الذي يحوز الأشياء ويُقدِّرها
بظنه، يقال: حَزَوْتُ الشيءَ أحزوه وأُخْزِيه، ويقال: لخارص النَّخل:
الحازي، وللذي ينظر في النجوم [حَزَّاء؛ لأنه ينظر في النجوم](٢) وأحكامها
بظَنِّه وتَخْمِينه، فربَّما أصاب(٣).
* قوله ولي: ((كان نبي من الأنبياء يخط)):
(ق): حكى مَكِّيٍّ في ((تفسيره)): أنه رُوي أن هذا النبيَّ كان يخُطُّ
بإصبعيه؛ السَّبَّابة، والوُسطى في الرَّمل ثم يَزجُر (٤).
(قض): كان نبيٌّ من الأنبياء يخط، فيعرف بالفِراسة بتوسُّط تلك
الخُطوط، قيل: هو إدريس عليه السلام، ((فمن وافق خطه)) في الصورة
والحالة، وهي قوة الخاطُّ في الفِراسة، وكماله في العلم والعمل المُوجبين
لها، ((فذاك)»؛ أي: فذاك مُصِيبٌ، والمشهور (خطَّه) بالنصب، فيكون
الفاعل مُضمراً، ويُروى بالرفع، فيكون المفعول محذوفاً(٥).
(ط): إنما أبهم في هذه الصورة، ولم يصرح بالنهي؛ كما في الصورتين
الأُوليين؛ لأنها نُسبت إلى نبي من الأنبياء، وهما منسوبان إلى الجاهلية (٦).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٧).
(٢) ما بين معكوفتين من ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١/ ٣٨٠).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٨٠).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٤١ _ ١٤٢).
(٥) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣١٦/٣).
(٦) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣ / ١٠٦٨).
٥٨

(ن): أي: مَن وافق خطَّه؛ فهو مُباح، ولكن لا طريق لنا إلى العلم
اليقينيِّ بالمُوافق؛ فلا يُباح، وإنما لم يقل: هو حرام بغير تعليق على
الموافقة؛ لئلا يتوهّم مُتوهّم أن هذا النهيَ يدخل فيه ذاك النبيُّ الذي كان
يَخُطُّ، فحافظ النبيُّ ◌ٍَّ على حُرمة ذاك النبي، مع بيان الحُكم في حَقِّنا.
قال: ويحتمل أن هذا نسخ في شرعنا، فحصل من مجموع كلام
العلماء فيه الاتفاقُ على النهي عنه الآن(١).
، وقوله: ((وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية):
(ن): هي بفتح الجيم، وتشديد الواو، ثم نون، ثم ياء مشددة، هذا
هو الصحيح، وحُكي تخفيف الياء، وهي بقُرب أُحُد، موضعٌ في شمال
المدينة، وقول القاضي: إنها من عمل الفُرُع ليس بمَقبول.
وفيه: دليلٌ على جواز استخدام السيد جاريتَه في الرَّعْي، وإن كانت
تتفرد في المرعى، وإنما حرَّم الشرعُ مسافرةَ المرأة وحدها؛ لأن السفر
مَظِنة الطمع، وانقطاع ناصرها، والذَّابِّ عنها، وبُعدها منه، بخلاف
الراعية، ومع هذا؛ فإن خيف مفسدةٌ من رعيها لريبة فيها، أو لفساد مَن
يكون في الناحية التي ترعى فيها، أو نحو ذلك؛ لم يسترعها؛ لأنه يصير
في معنى السفر الذي حرَّمه الشرع على المرأة، فإن كان معها مَحْرَمٌ، أو
نحوه مِمَّن تأمن معه على نفسها؛ فلا منعَ؛ كما لا تمنع من المُسافرة في
هذه الحالة(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥/ ٢٣).
(٢) المرجع السابق (٥ / ٢٣ - ٢٤).
٥٩

قوله: «آسف»:
(ن): أي: أغضب، وهو بفتح السين، و((صككتها))؛ أي: لطمتها (١).
* قولها: ((في السماء)»:
(ن): هذا من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان، أحدهما: الإيمان
به من غير خَوْض في معناه، مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء،
وتنزيهه عن سِمَات المخلوق.
والثانية: تأويله بما يليق به.
فمَن قال بهذا؛ قال: المُراد امتحانُها؛ هل هي مُوحِّدة تُقِرَّ بأن الله
تعالى الخالق المُدبُِّ الفَعَّال لما يريد، وهو الذي إذا دعاه الداعي؛ استقبل
السماء؛ كما إذا صلى المُصلِّي؛ استقبل الكعبة، وليس ذلك؛ لأنه مُنخَصِرٌ
في السماء؛ كما أنه ليس منحصراً في جهة الكعبة، بل ذلك؛ لأن السماء
قِبْلةُ الدَّاعين؛ كما أن الكعبة قِبْلةُ المُصلِّين، أم هي من عبدة الأوثان؟(٢)
(ق): السؤال بـ (أين) إنما وقع بحسَب التوسُّع والمَجاز، لضرورة
إفهام المُخاطبة القاصرة الفَهْمِ، الناشئة مع قوم مَعبوداتُهم في بيوتهم، فأراد
النبيُّ ◌َّرِ أن يتعرَّف منها؛ هل هي ممَّن يعتقد أن معبودَها في بيت الأصنام أم
لا؟ فلمّا قالت: «في السماء))؛ قنع منها بذلك، وحکم بإيمانها؛ إذ لم یتمگَّن
من فَهْم غير ذلك، وإذ نزَّهت الله تعالى عن أن يكون من قبيل معبوداتهم(٣)،
(١) المرجع السابق (٥/ ٢٤).
(٢) المرجع السابق (٥/ ٢٤).
(٣) في الأصل: ((معهوداتهم)).
٦٠