النص المفهرس
صفحات 1-20
سَْخُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ (٤) حُقُوق الطَّبَعْ مَحَفُوظَة لِدَارِالتَّوَادِرِ الطِّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٥هـ-٢٠١٤م طَبْعَةخَاصَّة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية دولة قطر turathuna@islam .gov.qa قامت بعمليات تقضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة ٠ ر سوريا - دمشق ص. ب: 34306 هاتف : 00963112227001 فاكس : 00963112227011 لبنان - بيروت ص.ب: 4462/14 هاتف : 009611652528 فاکس : 009611652529 E_ mail : info@daralnawader.com Website : www.daralnawader.com أوقاف AWQAF C سَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِين المُسَتَّى الْفَوَائِدُ المُشْرِعَةِ الْحَابِوَ _فى شَرحَ كَاتِ الشَرَاضِى تَألِيْفُ اُلْعَلََّمَةِ ابن كَمَالِ بَاشَا سَشَمْسِ لِذِيْنِ أَحَمَدَ بنِ سُلَمَانَ بِنِكَمَالِ باشا الرُّومِيّالخَنِفِيِّ الْمَوْلُود في طُوَقَات سَنة ٨٧٢ هـ، وَمَوَلَّ فِي الْقُطَنطِّ سَنة ٩٤٠هـ رَحِمَهُ الله تعالى تَحْقِيْقَ وَدِرَاسَة مختصَّةٍ مِنَ أ ـحقمـ بِإِنْشِرَافٍ نُورُ الدُّنْ ظَّالِ. اَلْجَلَّدُالرَّابِعُ من مطبوعات وَزَادَةُ الأَوْقَافِ فَ الشُّؤُوْرُالِْسْلامِيَّةُ إِدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ تمويل الإدارة العامة للأوقاف دَوْلةِقَطَرْ C 13 3 ٨٣- باس ٨٢ -٣ حَثِّ السلطانِ والقاضي وغيرِهما من ولاة الأمورِ على اتخاذٍ وزيرٍ صالحٍ وتحذيرِهم من قُرَناءِ السوءِ والقَبولِ منهم * قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلََّءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا اٌلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. (الباب الثاني والثمانون) (في حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذ وزير صالح، وتحذيرهم من قُرناء السُّوء والقَبول منهم) قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّءُ يَوْمَهْلِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّ الْمُثَّقِينَ﴾ * [الزخرف: ٦٧]؛ أي: كل صداقة لغير الله؛ فإنها تنقلب يوم القيامة عداوةً، إلا ما كان لله ؛ فإنه دائم بدوامه. روى عبد الرزاق عن عليٍّ ◌َُّ: ﴿الْأَخِلَّهُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ قال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، تُوفِّي أحد المؤمنين، وبُشِّر بالجنة، فذكر خليلَه، فقال: إن فلاناً خليلي كان يأمرني بطاعتك، وطاعة رسولك، يأمرني بالخير، وينهاني عن الشرِّ، ويُنبئني أني مُلاقيك، اللهم؛ فلا تُضِلُّه ٥ بعدي حتى تُرِيه مثل ما أريتني، وترضى عنه کما رضیت عني، فيقال له: اذهب، فلو تعلم ما له عندي؛ لضحكت كثيراً وبكيت قليلاً، قال: ثم يموت الآخر، وتجتمع أرواحُهما، فقال: ليُثْن أحدُكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الصاحبُ، ونِعْمَ الخليلُ، وإذا مات أحدُ الكافرين، ويُشِّر بالنار؛ ذكر خليلَه، فقال: اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بمعصيتك، ومعصية رسولك، ويأمرني بالشرِّ وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير مُلاقيك، اللهم؛ فلا تَهْدِه بعدي حتى تُرِيَه مثل ما أريتني، وتَسْخَطَ عليه كما سَخِطتَ عليَّ، قال: فيموت الكافر، فتجتمع أرواحُهما، فيقال: ليْنِ كلُّ واحد منكما على صاحبه، فيقول كلُّ واحد منهما لصاحبه: بئس الأخُ، وبئس الصاحبُ، وبئس الخليل، رواه ابن أبي حاتم(١). وعن أبي هريرة ظُه قال: قال رسول الله وَّه: (لو أنَّ رَجُلَيْنِ تَحابًّا في الله، أَحَدُهُما بالمَشْرِقِ، والآخَرُ بالمَغْرِبِ؛ لَجَمِعَ اللهُ بَيْنَهُما يومَ القِيَامَةِ، يَقُولُ: هذا الذِي أَحْبَيْتَهُ فِيَّ))(٢). ٦٧٨ - عَنْ أَبي سَعيدٍ وَأَبِي هُرِيرةَ عُ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَه قالَ: ((ما بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، ولاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّ كَانَتْ لَهُ (١) رواه عبد الرزاق الصنعاني في ((تفسيره)) (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠)، وابن أبي حاتم في ((تفسیرہ)) (١٠ / ٣٢٨٥). (٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٠٢٢). قال المناوي: إسناده ضعيف. انظر: ((التيسير بشرح الجامع الصغير)) (٢ / ٣٠٥). ٦ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ، وتَحُضُهُ عَلَيْهِ، وبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَخُضُّهُ عَلَيْهِ، والمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ)، رواه البخاريُّ. · قوله: ((بطانتان)): قال صاحب ((المطالع)): بطانة الرجل دُخلاؤه ومن يَختَصُّ به، والبطانة أيضاً: السَّريرة، فسُمِّ مَن يطَّلع على السَّريرة بطانةً، يقال منه: بَطَنْتُ أمرَه: إذا علمتَ مِن خَفِيِّه. قال في ((الكشاف)): بطانة الرجل، ووَلِيجَتُه: خَصِيصُه وصَفِيُّه الذي يفضي إليه بحوائجه؛ ثقةً به، شُبِّه ببطانة الثوب؛ كما يقال: فلانٌ شعاري(١). (مظ): يعني: لکل أحد جلیسٌ وخليلٌ یأمره بالخير، وجلیس یأمره بالشرِّ، ((والمعصوم من عصمه الله))؛ يعني: لا يقدر على طاعة الذي يأمره بالخير، واجتناب قول الذي يأمره بالشرِّ إلا بتوفيق الله تعالى(٢). (ط): الوجه ما ذكره الأشرف عن بعضهم: أن المراد بأحدهما الملَكُ، وبالثاني الشيطان، ويؤيده قوله: ((والمعصوم من عصمة الله))؛ فإنه بمنزلة قوله وسلم: ((فأسلم)) في قوله: ((فمَا مِنْكُم مِن أَحَدٍ إلا وُكِّلَ به قَرِينُهُ منِ الجِنِّ، وقَرِينُهُ من المَلائِكَةِ»، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: ((وإِيَّايَّ، إلا أنَّ اللهَ قد أَعَانَنِي عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَ، فلا يَأْمُرُنِي إِلاَّ بِخَيْرِ))، انتهى(٣). (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٤٣٤). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٠١). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٧٣)، والحديث رواه مسلم (٢٨١٤) = ٧ سياق الترمذيِّ الحديثَ يؤيِّدُ قولَ المُظْهِر؛ فإنه ذكر حديثَ أبي الهيثم بن التَّيِّهَان، وأنه أضاف النبيَّ ◌َّهُ وصاحبيه برُطَب، وبُسْر، وماء ... الحديثَ، فقال له النبيُّ وَّهِ: ((هَلْ لكَ خَادِمٌ؟)) قال: لا، قال: ((فَإِذَا أتانا سَبْيٌ؛ فَأْتِنَا))، فأُتي النبيُّ نَّه برأسين ليس معهما ثالثٌ، فأتاه أبو الهيثم، فقال النبيُّ نَّهِ: ((اخْتَر مِنْهُمَا))، فقال: يا نبيَّ الله؛ اختر لي، فقال النبيُّ وَّهِ: ((إِنَّ المُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا؛ فإنِّي رَأيْتُه يُصَلِّي واسْتَوْصِ بهِ مَعْرُوفاً)، فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته، فأخبرها بقول رسول الله وَلته، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبيُّ وَِّ، إلا أن تُعْتِقَه، قال: فهو عتيق، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((إنَّ اللهَ لم يَبْعَثْ نَبِيّاً ولا خَلِيفَةً؛ إلاَّ ولَهُ بِطَانَتَانِ؛ بَطانةٌ تَأْمُرُه بالمَعْرُوفِ، وتَنْهَاهُ عن المُنْكَرِ، وبِطَانَةٌ لا تَأْلُوه خَبَالاً، ومَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ؛ فَقَدْ وُقِيَ))، قال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ (١). ٦٧٩ - وعن عائشةَ رضيَ الله عنها، قالتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّتٍ: (إِذَا أَرَادَ اللهُ بِالأَمِير خَيراً، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ، إِنْ نَسِيَ، ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ، أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ ذلِكَ، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إِنْ نَسِيَ، لَمْ يُذَكِّرْه، وَإِنْ ذَكَرَ، لَمْ يُعِنْهُ»، رواه أبو داودَ بإسنادٍ جيدٍ = من حديث عبدالله بن مسعود ـبه . (١) رواه الترمذي (٢٣٦٩). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٨٠٥). ٨ على شرطٍ مسلمٍ. * قوله: ((وزير صدق)»: (نه): (الوزير): هو الذي يؤازر الأميرَ، فيحمل عنه ما حمله من الأثقال، والذي يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره، فهو ملجأٌ له ومَفْزَعٌ (١). (ط): ((وزیر صدق) أصله وزيرٌ صادق، ثم وزیر صدق على الوصف به؛ ذهاباً إلى أنه نفسُ الصدق ومُجسَّمٌ عنه، ثم أُضيف إليه؛ لمزيد الاختصاص به، ولم يُرِدْ بالصِّدق الاختصاصَ بالقول فقط، بل بالأفعال والأقوال. قال الراغب: يُعبّر عن كل فعل فاضل ظاهراً وباطناً بالصدق، ويضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به؛ نحو ﴿مَفْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥]، و﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]، وعلى عكس ذلك فيه: وزير سُوء(٢). (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ١٧٩). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٨١ - ٢٥٨٢). ٩ ٨٣-يس ٨٣ -٣ النهي عن توليةِ الإمارة والقضاءِ وغيرِهما من الولاياتٍ لمن سألَها، أو حَرَصَ عليها، فعرَّضَ بھا (الباب الثالث والثمانون) (في النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما لمن سألها أو حرص عليها فعرّض بها) ٦٨٠ - عن أبي موسى الأَشْعَرِيِّ ﴾، قالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ أَنَا وَرَجُلاَنِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فقالَ أَحَدُهُمَا: يا رَسُولَ الله! أَمِّرْنَاَ عَلى بَعْضٍ مَا وَلَّكَ الله ◌َّ، وقالَ الآخَرُ مِثلَ ذَلِكَ، فقال: (إِنَّا واللهِ لا نُوَلِّي هَذَا العَمَلَ أَحَداً سَأْلَهُ، أَوْ أَحَداً حَرَصَ عليهِ))، متفقٌ عليه. قال أبو موسى ظه: أقبلت إلى النبيِّ بَّر، ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، وكلاهما سألا العمل، والنبيُّ وَّهُ يستاك، فقال: ((ما تَقُولُ يا أَبا مُوسى، أو يا عبدَالله بنَ قَيْسٍ؟)) قال: فقلت: والذي بعثك بالحق؛ ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العملَ، قال: وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفتيه، وقد قَلَصَتْ فقال: ((لَنْ، أو لا نستَعْمِلُ على عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، ولَكِنْ اذهَبْ يا أبا مُوسى، أو ١٠ يا عبدَالله بنَ قَيْسٍ))، فَبَعَتُهُ على اليمن، الحديثَ، هذا لفظ مسلم(١). (ن): ((حرص)) بفتح الراء وكسرها، الفتح أفصح، وبه جاء القرآن، والحِكمةُ في أنه لا يُولِّي من سأل الولاية: أنه يُوكَلُ إليها، ولا يكون معه إعانةٌ، كما صرَّح به في حديث عبد الرحمن بن سَمُرة السابق، فإذا لم يكن إعانة معه؛ لم يكن كُفُوْاً، ولا يُولَّى غيرُ الكُفْء، ولأن فيه تُهَمَةً للطالب والحریص(٢). (ق): قوله وَّ: ((ما تقول يا أبا موسى؟)) استفهامُ استعلام عمَّا عنده من إرادة العمل، أو من مَعُونته لهما على استدعائهما العمل، فأجاب بأنه لم يكن له علم بإرادة الرجلين؛ فلذلك ولاَّ العمل؛ إذ لم يسأله، ولا حرَص عليه، ولِما تقرَّر آنفاً أن الحريصَ عليها مَخذولٌ، والكاره لها مُعَانٌ، وقد قيل: الحرص على الأمانة دليلُ الخِيَانة، انتهى(٣). رُوي أن أعرابياً دخل مسجداً، وتصفَّح وجوه الناس يطلب من يُودِعُه شيئاً، فرأى إنساناً يصلي صلاة حسنة، فقال: قد ظَفِرْتُ بصاحبي، فلمَّا فرغ من صلاته؛ قال: يا عبدَالله! إني رأيتُ صلاتَك حسنةً، وأنا أُريد أن أُودِعَك شيئاً، فقال: وأنا مع ذلك صائمٌ، فقال الأعرابي: نَجِّ القَلُوصَ عَنِ المُصَلِّي الصَّائمِ صَلَّى فَأَعْجَبَيِي وصَامَ فرَايَنِي (١) رواه مسلم (١٧٣٣ / ١٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٠٧ - ٢٠٨). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ١٧). ١١ كتاب الأدب ٨٤- يا الحياءِ وفَضْلِه، والحَثّ على التخلُقِ بهِ (الباب الرابع والثمانون) (في الحياء وفضله) (ش): ((الحياء)) من الحياة، ومنه الحيا للمطر، لكن هو مقصور، وعلى حسَب حياة القلب يكون فيه قُوَّة خُلُق الحياء، وقِلَّة الحياء من موت القلب والروح، وحقيقته خُلُق يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حَقِّ صاحب الحق. ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمُجالسة مَن يستحيى منه. قال ذو النُّون: الحياء وجود الهَيْبة في القلب، مع وحشة ما سبق منك إلی رَبَّك. وفي أثر إلهي يقول الله: ((ابْنَ آدَمَ؛ إنَّكَ مَا اسْتَحْيَيْتَ مِنِّي أَنَسَيْتُ الناسَ عُيُوبَك، وأَنْسَيْتُ بقاعَ الأَرْضِ ذُنُوبِكَ ومَحَوْتُ من أُمِّ الكِتَابِ زَلاَّتِكَ، ولا أُنَقِشُكَ الحِسَابَ يومَ القِيَامَةِ))(١). (١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٧٥٢)، من كلام أبي سليمان الداراني رحمه الله. ١٥ وفي أثر إلهي: ((ما أَنَصَفَنِي عَبْدِي، يَدْعُونِي فَأَسْتَحِي أنْ أَرُدَّه، ويَعْصِيني ولا يَسْتَحْيِي مِنِّي))(١). واعلم أن حياء الربِّ تبارك وتعالى من عبده نوعٌ آخر، لا تدركه الأوهام، ولا تُكَيِّفُه العقول؛ فإنه حياء كرم، وبِرٍّ، وجُود، وجلال؛ فإنه حَيِيٍّ كريم، يَسْتَحْيِي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يَرُدَّهما صِفْراً، ويَسْتَحْيِي أن يُعذِّبَ ذا شَيْبَة شابت في الإسلام، وكان يحيى بن معاذ يقول: سُبحان مَن يُذْنِبُ عبدُه، ويَسْتَخيِي هو، وفي أثر: ((مَن اسْتَحْيا مِنَ اللهِ؛ اسْتَحْيا اللهُ مِنْهُ)(٢). ٦٨١ - عنِ ابْنِ عُمَرَعُ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ في الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((دَعْهُ؛ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ)»، متفقٌ عليه. (الأَوْاُ) * قوله: ((وهو يعظ أخاه في الحياء)» : (ن): أي: نهاه عنه، ويُقَبِّح له فعله، ويزجره عن كثرته، فنهاه (١) رواه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (١٢ / ٣٩١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٩ / ١٧٠)، من كلام ابن شوذب رحمه الله. (٢) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢ /٢٥٩ - ٢٦٠). ١٦ النبيُّ وَّر عن ذلك، وقال: ((دعه))؛ أي: دعه على فعل الحياء، وكُفَّ عن نهيه، ووقعت لفظة (دعه) في ((البخاري))، ولم تقع في ((مسلم))(١). (غب): ((الوعظ)»: زجرٌ مقترن بتخويف، وقال الخليل بن أحمد: هو التذكير بالخير فيما يَرِقُّ له القلب(٢). (ط): الوعظ هاهنا بمعنى العِتاب؛ لما جاء في ((شرح السنة)): مرَّ رسول الله وَّهو برجل، وهو يُعاتِبُ أخاه في الحياء، يقول: إنه ليستحيي؛ يعني: كأنه يقول: قد أضرَّ بك(٣). * قوله: «أخاه»: (ك): الظاهر أنه أراد الأخَ في القرابة، فهو حقيقة، ويحتمل أنه أراد الأخ في الإسلام؛ كما هو عرف الشرع، فهو مجازٌ لُغويٌّ، أو حقيقة عُرفية، فإن قلت: كلمة (إنَّ) لا تدخل إلا على كلام يكون المُخاطَب شاكاً فيه، أو مُنكراً له، فأين الشك والإنكار منه؟ قلت: المُخاطَبُ کان شاکاً، بل منكراً له؛ لأنه کان یمنعه، فلو كان معترفاً بأنه من الإيمان؛ لما منعه من الإيمان، سلَّمنا أنه ما كان مُنكِراً، لكنه جعله كالمُنكر؛ لظهور أمارات الإنكار عليه، أو لكون التأكيد لدفع إنكار غير المُخاطَب من النَّظَّارة ونحوهم، أو أن القضية في نفسها ممَّا يجب أن یُهتَمَّ بها، ويُؤَّد عليها(٤). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٦). (٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٥٢٧). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٣٠). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٢٠ - ١٢١). ١٧ وقوله : ((فإن الحياء من الإيمان)): سبق في (الباب الثالث عشر). ٦٨٢ - وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: (الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ)، متفقٌ عليه. وفي روايةٍ لمسلم: ((الحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ))، أوْ قَالَ: ((الحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ)). (الثَّانِى) * قوله قالفيه: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)): (ن): قد يشكل على بعض الناس من حيث إن الحَيِيَّ قد يستحيي أن يُواجِهَ بالحَقِّ، فيترك أمرَه بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك ممَّا هو معروف في العادة، أجاب الشيخ أبو عمرو بن الصلاح أن هذا المانعَ الذي ذكرناه ليس بحیاء حقيقة، بل هو عَجْزٌ، وخَوَرٌ، ومَهانةٌ، وإنما تسميته حياءً من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازاً؛ لمشابهته الحياء الحقيقيَّ، وإنما حقيقة الحياء خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حَقِّ، ذي الحق ونحو هذا(١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٥). ١٨ ٦٨٣ - وعَنْ أبي هُريرةَ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَدْنَهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)»، متفقٌ عليه. ((البِضْعُ) بكسر الباءِ، ويجوز فتحها، وَهُوَ: مِنَ الثَّلاَثَةِ إِلَى العَشَرَةِ، ((وَالشُّعْبَةُ)): القِطْعَةُ وَالخَصْلَةُ ((وَالإِماطَةُ)): الإِزَالَةُ، (وَالأَذَى)): مَا يُؤْذِي؛ كحَجَرٍ وَشَوْكٍ وَطِينٍ وَرَمَادٍ وَقَذَرٍ، وَنَحْوٍ ذلكَ. (الثَّالِثُ) سبق شرحه في (الباب الثالث عشر). ٦٨٤ - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴿ه، قال: كانَ رَسُولُ الله ◌ِه أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئاً يَكْرَهُهُ، عَرَفْنَاهُ في وَجْهِهِ، متفق عليه. قال العلماءُ: حَقِيقَةُ الحَيَاءِ: خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ القَبِيحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الحَقِّ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبَي القَاسمِ الجُنَيْدِ رَحِمَهُ الله، قالَ: الحَيَاءُ رُؤْيَةٌ ١٩ الآلاءِ - أَيٍ: النِّعَمِ -، وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ، فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى: حَيَاءٌ. ،؟ * قوله: «من العذراء في خدرها»: (ن): ((العذراء)»: البكر؛ لأن عُذْرتَها باقية، وهي جلدة البكارة، و((الخِدْر)): سِتْرُ رقيق، يجعل للبِكْر في جنب البيت(١). (ط): ((في خدرها)) تتميمٌ، فإن العذراء إذا كانت في خِدْرها؛ كانت أشدَّ حياءً ممَّا إذا كانت خارجة عنه(٢). (ط): معنى «عرفنا الكراهة في وجهه))؛ أي: لا يتكلم به، بل يتغيّر وجهُه، فنفهم نحن كراهيتَه، وفيه: فضيلة الحياء، وهو من شُعَب الإيمان، وهو مَحْثُوثٌ عليه ما لم ينته إلى الضعف والخَوَرِ(٣). (ق): الحياء جِبِلِيٌّ ومُكتَسب، وكان ◌ٍَّ قد جُبل من الحياء على الحَظِّ الأوفر، والنصيب الأكثر، وکان یأخذ نفسَه بالحياء، ويستعمله، ويأمر به، ويَحُضُّ عليه، ويقول: ((اسْتَحْيُوا منَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ»(٤)، وكان إذا أراد أن (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٧٨). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٧٠٥). (٣) المرجع السابق (١٢ / ٣٧٠٥). (٤) رواه الترمذي (٢٤٥٨) من حديث عبدالله بن مسعود څ. وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٩٣٥). ٢٠