النص المفهرس

صفحات 641-660

الأقساط؛ كما يقال: شجاع باسل، وأن يكون بدلاً، أو نصباً على المدح،
أو رفعاً عليه، وأن يكون استئنافاً، كأنه قيل: مَن هؤلاء السَّادة المُقرَّبون
وقد فازوا بالقِدْحِ المُعلَّى، والمِنْحَة الكُبرى؟ فقيل: هم الذين يعدلون،
فإذا جُعل صفة؛ فالتعريف في (المقسطين) يحتمل العهد المُتعارف بين
الناس من الحُكَّام، وأن يكون للجنس، فبيَّن بقوله: (الذين يعدلون) أن
المراد به الثاني.
ولمَّا كان استغراق الجنس مشتملاً على التعذُّد؛ قال أولاً: ((في
حكمهم))؛ ليدخل فيه مَن بيده أَزِمَّة حكم الشرع من الخلفاء، والأمراء،
والقضاة، وغيرهم، وثانياً: ((وأهليهم)؛ ليدخل فيه كلُّ مَن تحت يده أحدٌ من
أهله وعياله، ونحو ذلك، وثالثاً: ((وما ولوا))؛ ليستوعب جميعَ مَن يتولَّى أمراً
من الأُمور، فيدخل فيه نفسُه أيضاً(١).
(شف): فالرجل يعدل مع نفسه؛ بأن لا يُضيِّع وقتَه في غير ما أمر
الله به، بل يمتثل أوامره، وينزجر عن نواهيه على الدوام؛ كما هو دأب
الأولياء المُقرَّبين، أو غالباً؛ كما هو ديَّدَنُ المؤمنين الصالحين.
(ط): قسَم الله تعالى عبادَه المُصطَفَيْن من أُمَّة محمد ◌َّهِ ثلاثة
أقسام: ظالم، ومُقْتَصِد، وسابق، فالمُقتصد: مَن عدل، ولم يتجاوز إلى
حَدِّ الظلم على نفسه، ولم يترقَّ إلى مرتبة السابق الذي جمع بين العدل
والإحسان.
فإن قلت: إذا بيَّن أن المقسطين هم الذين جمعوا بين هذه الخصال؛
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٧٢).
٦٤١

فكيف حال من انفرد بخَصْلة من هذه الخِصَال، هل يترتب عليه تلك
المراتبُ العَلِيَّة؟
قلت: إذا سُلك بالتعريف في (الذين يعدلون) الجنسُ من حيث هي
هي؛ لا يدخل، وإذا سُلك به الاستغراق - كما ذهبنا إليه - نعم، ونحوه
قولك: الرجل خيرٌ من المرأة، إذا أُريد بالتعريف الحقيقةُ من حيث هي
هي؛ فلا يدخل أفراد الجنس في هذا الحكم، وإن أريد به الاستغراقُ؛ لزم
أن يكون أدنى رجل خيراً من أشرف النساء(١).
٦٦١ - وعَن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ◌َُ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾
يقولُ: ((خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ
وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَتِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونُهُمْ وَتُنْغِضُونَكُم،
وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ)، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! أَفَلا تَّبِذُهُمْ؟
قَالَ: ((لاَ، مَا أَقَامُوا فِيَكُمُ الصَّلاةَ، لاَ، مَا أَقَامُوا فِيَكُمُ الصَّلاةَ»،
رواهُ مسلم.
قوله: ((تُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ)): تَدْعُوْنَ لَهُمْ.
(الثَّالُِّ)
* قوله: ((وتصلون علیھم ويصلون علیکم)» :
(ق): أي: تدعون لهم في المَعونة على القيام بالحَقِّ والعدل، ويدعون
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨/ ٢٥٧٢ - ٢٥٧٣).
٦٤٢

لكم بالهداية والإرشاد، وإعانتكم على الخير، وكل فريق يحب الآخرَ؛ لما
بينهم من المُواصلة، والتَّرَاحُم، والشَّفَقَة، والقيام بالحقوق؛ كما كان ذلك في
زمان الخلفاء الأربعة، وفي زمان عمر بن عبد العزيز، ونقيض ذلك من
الشِّرَار؛ لترك كل فريق منهم القيامَ بما يجب عليه من الحقوق للآخر، واتباع
الأهواء، والجَوْر، والبُخل، والإساءة، فينشأ عن ذلك التَّبَاغُض، والتّلاعُن،
وسائر المفاسد(١).
(مظ): أي: يصلون عليكم إذا مِتُّم، وتصلون عليهم إذا ماتوا عن
الطَّوْعِ والرَّغْبة (٢).
(ط): لعل هذا الوجه أَوْلى؛ أي: تحبونهم ويحبونكم ما دمتم في
قيد الحياة، فإذا جاء الموت؛ يترخَّم بعضُكم على بعض، ويذكر صاحبه
بخير(٣).
* قوله: ((أفلا ننابذهم؟)) :
(ق)؛ أي: أفلا نَنْبِذُ إليهم عهدَهم؟ قال: لا، ما حافظوا على
الصلوات المعهودة بحُدودها وأحكامها، وداموا على ذلك، وأظهروه،
وقيل: ما داموا على كلمة الإسلام، والأول أظهر (٤).
(ط): فيه: إشعارٌ بتعظيم أمر الصلاة، وأن تركها مُوجِبٌ لنزع اليد
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٦٥).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٢٩٠ - ٢٩١).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٦٢).
(٤) انظر: ((المفهم) للقرطبي (٤ / ٦٥ - ٦٦).
٦٤٣

من الطاعة؛ كالكفر، انتهى(١).
بقية هذا الحديث: ((إلاَّ مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فرَآهُ يَأْتِي شَيْئاً من مَعْصِيَةِ
الله؛ فليَكْرَةِ ما يَأْتِي مِن مَعْصِيَةِ الله، ولا يَنْزِ عَنَّ يَداً مِن طَاعَةٍ))، رواه مسلم.
٦٦٢ - وعَنْ عِيَاضٍِ بْنِ حِمارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِصَّه
يقولُ: ((أَهْلُ الجَنَّةِ ثَلاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُفْسِطٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ
رَقِيقُ القَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبِى وَمُسلِمٍ، وعَفِيفٌ مُتَعَقِّفٌ ذُو عِيَالٍ)، رواهُ
مسلم .
* قوله : ((أهل الجنة ثلاثة):
(ق): أي: المُتأهِّلون لدخولها، الصالحون له، وقوله: ((مقسط))،
وما بعده مرفوعٌ على أنها صفاتٌ لـ ((ذو))، وهي بمعنى صاحب، و((المقسط)):
العادل، و((المتصدق)): المعطي للصدقات، و((الموفق)) هو المُسَدَّد لفعل
الخيرات، و((رحيم)؛ أي: كثير الرحمة، و((القربى)): القرابة و((رقيق القلب)):
ليُهُ عند التذكُّر والموعظة، ويصِحُّ أن يكون بمعنى الشَّفِيق(٢).
* قوله: ((ومسلم)):
(ن): مجرور عطفٌ على ((ذي قربى)) وقوله: ((عفيف متعفف» قال
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٦٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٦٥ - ١٦٦).
٦٤٤

((صاحب المطالع)): أي: عفيف عمَّا لا يحل، ومُتَعفِّفٌ عن السؤال، انتهى(١).
فيه: فضيلة التعفُّف عن السؤال، والابتلاء بالعِيال، ولقد أحسن كلَّ
الإحسان خلیلُ بن أحمد النحوي رحمه الله حیث یقول :
ولُبْسُ طِمْرَيْنِ بَالِيَيْنِ
لَطَيُّ يَوْمٍ وَلَيْلَتَيْنِ
أَغُضُّ عَنْهُمْ جُفُونَ عَيْنِي
أَيْسَرُ مِنْ مِنَّةٍ لِقُوْمٍ
قَلِيلَ مَالٍ كَثِيرَ دَيْنِ
إنِّي وَإِنْ كُنْتُ ذا عِيَالٍ
حَوَائِجِي بَيْنَه وبَيْنِي
لَمُسْتَعِفٌّ برِزْقِ رَبِّي
(١) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٧ / ١٩٨).
٦٤٥

٨٠-يس
وجوبِ طاعةٍ ولاة الأمور في غيرِ معصيةٍ
وتحريم طاعتهم في المعصية
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى
اَلْأَمْيِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: ٥٩].
(الباب الثمانون)
(في وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية،
وتحريم طاعتهم في المعصية)
قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهُ ﴾ [المجادلة: ١٣]؛ أي أطيعوا كتابَه ﴿وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ﴾؛ أي: خذوا بسُنَّته، ﴿وَأَوْلِ الْأَتِ مِنْكُمْ﴾؛ أي: فيما أمروكم به من طاعة
الله، لا في معصيته، قال [ابن] عباس: نزلت في عبدالله بن حُذافة؛ إذ بعثه
النبي ◌َّهِ فِي سَرِيّة، وروى الإمام أحمد في ((مسنده)) عن عليٍّ ◌ُه قال: بعث
رسول الله وَّهُ سَرِيَّةً، واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، فلما خرجوا وجد
عليهم في شيء، فقال لهم: أليس قد أمركم رسولُ الله ◌َّ أن تطيعوني؟
قالوا: بلى، فقال: اجمعوا لي حطباً، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال:
عَزَمْتُ علیکم لَتدخلُنَّها، فقال شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ێۇ من
٦٤٦

النار، فلا تعجلوا حتى تَلْقَوْا رسولَ اللهِ وَليهِ، فإن أمركم أن تدخلوها؛
فادخلوها، قال فرجعوا إلى النبيِّ وَّهِ، فأخبروه، فقال لهم: ((لَوْ دَخَلْتُمُوها؛
ما خَرَجْتُمْ مِنْها أَبَداً، إنَّما الطَّاعَةُ في المَعْرُوفِ))، أخرجاه في ((الصحيحين))(١).
وروى ابن جرير عن أبي هريرة: أن النبيَّ وَِّ قال: ((سَيَلِيكُم بَعْدِي
وُلَاةٌ، فيَلِيكُمِ البَؤُّ بِبِرِّهِ، والفَاجِرُ بفُجُورِهِ، فَاسْتَمِعُوا لَهُم، وأَطِيعُوا فِي كُلِّ
ما وافقَ الحَقَّ، وصَلُّوا وَرَاءَهُم، فَإِنْ أَحْسَنُوا؛ فَلَكُمْ وَلَهُم، وإِنْ أَسَاؤُوا؛
فِلَكُم وعَلَيْهِمْ))(٢).
٦٦٣ - وعنِ ابنِ عمرَ ﴿﴾، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((عَلى المَرْءِ
المُسْلِمِ السَّمْعُ والطَّاعَةُ فِيما أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ،
فَإِذا أُمِرَ بِمَعْصِيَّةٍ، فَلاَ سَمْعَ، وَلاَ طَاعَةَ))، متفقٌ عليه.
* قوله وَله: «على المرء المسلم السمع والطاعة»:
(ق): هذا الحديث ظاهر في وجوب السمع والطاعة للأئمّة، والأُمراء،
والقُضاة، ولا خلافَ فيه إذا لم يأمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية؛ فلا يجوز
طاعتُه في تلك المعصية، فإن كانت تلك المعصية كفراً؛ وجب خَلْعُه على
(١) رواه البخاري (٤٠٨٥)، ومسلم (١٨٤٠)، والإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ١٢٤).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في («تفسيره)) (٥ / ١٥٠). وسنده ضعيف جداً. انظر:
((إرواء الغليل)) (٥٢٧).
٦٤٧

المسلمين كلِّهم، وكذلك لو ترك قاعدة من قواعد الدين؛ كإقام الصلاة،
وصوم رمضان، وإقامة الحُدود، وكذلك لو أباح شربَ الخمر، والزِّنا، ولم
يمنع منهما، ولا يختلف في وجوب خَلْعِه، فأما لو ابتدع بدعة دعا الناس
إليها؛ فالجمهور على أنه يُخلَع، وذهب البصريون إلى أنه لا يُخلع؛ تمسُّكاً
بظاهر قوله وَله: ((إلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ منَ اللهِ فِيه بُرْهَانٌ)(١)، وهذا
يدل على استدامة ولاية المُتأوّل، وإن كان مُبتدعاً، فأما لو أمر بمعصية؛ مثل
أخذ مال بغير حَقٍّ، أو قتل، أو ضرب بغير حق؛ فلا يطاع في ذلك، ولو
أفضى ذلك إلى ضرب ظهر المأمور، وأخذه مالَه؛ إذ ليس دمُ أحدِهما
ولا مالُهُ بأَوْلى من دم الآخر ولا ماله، وكلاهما مُحرَّم شرعاً؛ إذ هما
مسلمان، فلا يجوز الإقدامُ على واحد منهما، لا للآمر ولا للمأمور.
وأما قوله ◌َ﴿ في حديث حُذيفةَ: ((اسمَعْ وأَطِعْ وإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ
مَالَكَ))(٢): فهذا [أمر للمفعول به للاستلام والانقياد، وترك الخروج عليه؛
مخافة أن يتفاقم](٣) الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك
خطاباً لمَن يفعل به ذلك بتأويل يُسوِّغ للأمير بوجه يظهر له، ولا يظهر ذلك
للمفعول به، وبهذا يرتفع التعارضُ بين الأحاديث، ويصِحُّ الجمع(٤).
(١) رواه البخاري (٦٦٤٧)، ومسلم (١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت ـ
(٢) رواه مسلم (١٨٤٧).
(٣) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٩).
(٤) انظر: (المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٨ -٣٩).
٦٤٨

٦٦٤ - وعنْهُ، قالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ عَلَى السَّمْعِ
والطَّاعَةِ، يَقُولُ لَنَا: ((فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ))، متفقٌ عليه.
(الثَّانِى)
(ق): قوله بَّه للمبايعين: ((فيما استطعتم)) رفعٌ لما يُخاف من
التحرُّج بسبب مخالفة تقع غلطاً، أو سهواً، أو غَلَبةً؛ فإن ذلك كلَّه غیر
مُؤاخذ به، ولا يفهم من هذا تسويغ المخالفة فيما يَشُقُّ ويَثْقُل ممَّا يأمر به
الإمامُ؛ لأنه قد نصَّ في الحديث المتقدم على خلافه، ولقوله ◌َّ: ((فاسْمَعْ
وأَطِعْ وإِنْ ضَربَ ظَهْرَكَ، وأَخَذَ مَالَكَ))، ولا مشقَّةَ أكثرُ من هذه(١).
(ن): فيه: أنه إذا رأى الإنسان [من] يلتزم ما لا يطيقه؛ ينبغي أن
يقول له: لا تلتزم ما لا تطيقه، فيترك بعضَه، وهو من نحو قوله وَله:
((عَلَيْكُمْ مِن الأَعْمَالِ ما تُطِيقُونَ)(٢).
*
٦٦٥ - وعنهُ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﴿ يقول: ((مَنْ خَلَعَ
يَدَاً مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ
في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِتَةً جَاهِليَّةً))، رواهُ مسلم.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٦)، والحديث رواه مسلم (١٨٤٧) من حديث
حذيفة ﴾ .
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١١)، والحديث رواه مسلم (٧٨٢) من
حديث عائشة رضي الله عنها.
٦٤٩

وفي روايةٍ له: ((وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ مُفَارِقٌ لِلِجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ
مِيتَةً جَاهِليَّةٌ)).
((المِيتَةُ): بكسر الميم.
(الثَّالُِّ))
* قوله: ((لا حجة له)) :
(ن): أي: لا حُجَّةَ له في فعله، ولا عُذْرَ له ينفعه (١).
* قوله : ((في عنقه بيعة)):
(ق): هي مأخوذة من البيع، وذلك أن المُبايع للإمام يلتزم أن يقيه
بنفسه وماله، والمبايع لله كأنه قد بذل نفسه وماله لله، وقد وعد الله تعالى
على ذلك بالجَّنَة، فكأنه قد حصلت المُعاوَضة، فصدق على ذلك اسمُ
البيع، والمُبايعة، والشِّراء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] إلى أن قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بٍِ﴾
[التوبة: ١١١]، وهذا أحسنُ ما قيل في المُبايعة.
ثم هي واجبة على كل مسلم؛ لهذا الحديث، غير أنه مَن كان من
أهل الحَلِّ والعَقْد والشُّهرة؛ فبيعته بالقول، والمُباشرة باليد إن كان
حاضراً، وبالقول والإشهاد عليه إن كان غائباً، ويكفي مَن لا يُؤْبَهُ له، ولا
يُعرَف أن يعتقد دخولَه تحت طاعة الإمام، ويسمع ويطيع له في السِّرِّ
والجهر، ولا يعتقد خلافاً لذلك، فإن أضمره، فمات؛ مات ميتة جاهلية؛
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٤٠).
٦٥٠

لأنه لم يجعل في عُنُقُه بيعةً (١).
(ن): ((ميتة جاهلية)) بكسر الميم؛ أي: صفة موتهم من حيث هم
فوضى لا إمامَ لهم(٢).
(ق): يعني بالطاعة طاعة ولاة الأمر، وبالجماعة جماعةَ المسلمين على
إمام، أو أمير مُجمَع عليه، وفيه دليلٌ على وجوب نصب الإمام، وتحريم
مخالفة إجماع المسلمين، وأنه واجب الاتباع، ويَستدِلُّ بظاهره مَن كَفَّر بخرق
الإجماع مُطلقاً، والحَقُّ التفصيل، فإن كان الإجماع مقطوعاً به؛ فمُخالفته
وإنكاره كُفْرٌ، وإن كان مظنوناً؛ فإنكاره ومُخالفته معصية وفُسوق.
ويعني بـ (ميتة جاهلية): أنهم كانوا فيها لا يُبايعون إماماً، ولا يدخلون
تحت الطاعة، فمَن كان من المسلمين لم يدخل تحت طاعة إمام؛ قد شابههم
في ذلك، فإن مات على تلك الحالة؛ مات على مثل حالتهم مرتكباً كبيرةً من
الكبائر، يُخاف عليه بسببها أن لا يموت على الإسلام(٣).
٦٦٦ - وعَنْ أَنَسِ رَ﴿ه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((اسْمَعُوا
وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٍّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِبَةٌ))،
رواه البخاريُّ.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ /٤٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ /٥٩).
٦٥١

• قوله ◌َّفي: ((وإن استعمل عليكم عبد)»:
(شف): قيل: معناه: وإن استعمله الإمام الأعظم على القوم، لا أن
العبد الحبشيَّ هو الإمام الأعظم؛ فإن الأئمّة من قريش، وقيل: الإمام الأعظم
على سبيل الفَرْض والتقدير، وهو مُبالغة في الأمر بطاعته، والنهي عن شِقاقه
ومخالفته .
(ن): أي: اسمع وأطع الأميرَ، وإن كان دنيء النسب، حتى لو كان
عبداً أسود مقطوعَ الأطراف؛ فطاعته واجبة، وتتصوَّر إمارة العبد إذا وَلاَه
بعضُ الأئمة، أو غلب على البلاد بشوكته وأتباعه، ولا يجوز عقد الولاية مع
الاختيار، بل شرطها الحُرِّية(١).
(خط): قد يضرب المَثلُ بما لا يكاد يَصِحُّ في الوجود(٢).
(ط): ((كأن رأسه زبيبة)) صفة أخرى (لعبد)؛ أي: يُشَبَّهُ رأسُه بالزبيبة؛
إما لصِغَره، وإما لأن شعر رأسه مُقَطّط كالزَّبيبة تحقيراً لشأنه(٣).
٦٦٧ - وعَنْ أَبِي هُريرةَ ﴿﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَفِى:
((عَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ
(١) انظر: «شرح مسلم» للنووي (١٢ / ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٣٠٠).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٥٨).
٦٥٢

وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ»، رواه مسلم.
* قوله : ((في عسرك ويسرك)»:
(ن): معناه: يجب طاعة ولاة الأُمور فيما يَشُق وتكرهه النفوسُ،
وغيره ممَّا ليس بمعصية، فإن كانت معصيةً؛ فلا سمع ولا طاعة؛ كما
صرَّح به في الأحاديث، فتُحمل الأحاديثُ المُطلقة على المُقيّدة(١).
(قض): أي: عاهدناه بالتزام السمع والطاعة في حالة الشِّدَّة والرَّخَاء،
وتارتي السَّرَّاء والضَّرَّاء، ((والمنشط، والمكره)) مَفْعَلان من النشاط والكراهة،
للمَحَلِّ؛ أي: فيما فيه نشاطُهم وكراهتُهم، أو الزمان؛ أي: في زمان انشراح
صُدورهم، وطِيب قلوبهم، وما يُضَادُّ ذلك(٢).
(نه): (الأثرة) بفتح الهمزة والثاء: اسم من الإيثار؛ أي: يستأثر علیکم،
فيُفضِّل غيرَكم في إعطاء نصيبه من الفَيْء(٣).
(ن): ((الأثرة)) بفتح الهمزة والثاء، هذا هو الصحيح المشهور، وحكى
بعضُهم ضمَّ الهمزة وإسكان الثاء، وكسر الهمزة وإسكان الثاء، حكاهن في
((المشارق)) وغيره، وهي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا؛ أي: اسمعوا
وأطيعوا وإن اختصَّ الأمرُ بالدنيا، ولم يُوصِلُوكم حَقَّكم ممَّا عندهم، وهذه
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٢٤).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥٤٣).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٢).
٦٥٣

الأحاديث في الحَثِّ على السمع والطاعة في جميع الأحوال سببُها اجتماعُ
كلمة المسلمين؛ فإن الخلاف سببٌ لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم(١).
٦٦٨ - وعَنْ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو﴾، قالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ◌ِوَلحول
فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتُضِلُ،
وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ، إِذْ نَدَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِوَلِفِى: الصَّلاةَ
جامِعَةً، فَاجْتَمَعْنَا إلى رَسُولِ الله وَّهِ، فقالَ: ((إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبَيٌّ
قَبْلِي إِلَّ كَانَ حَقّاً عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرٍ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ،
وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُها في
أَوَّلِها، وَسَيُصِيبٌ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وتَجِيءُ فِتَنٌ يُرَقُّقُ
بَعْضُها بَعْضاً، وتَجِيءُ الفِتْنَةُ فَيَقُولُ المُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتي، ثُمَّ
تَنْكَشِفُ، وتَجِيءُ الفِتْنَةُ فِيَقولُ المُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ
يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ
واليَومِ الآخِرِ، ولْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ.
ومَنْ بَابَعَ إِمَاماً، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ
اسْتَطَاعَ؛ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ))، رواهُ
مسلم.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٢٥).
٦٥٤

قَوْله: ((يَتُضِلُ)): أي: يُسَابِقُ بالرَّمْيِ بِالنَّْلِ والنُّشَّابِ،
((وَالجَشَرُ)) بفتح الجيمِ والشين المعجمةِ وبالراء: وَهِيَ الدَّوابُّ الَّتي
تَرْعَى وَتَبِيتُ مَكَانَهَا.
وقوله: ((يُرَقُّقُ بَعْضُهَا بَعْضاً)): أَيْ: يُصَيِّرُ بَعْضَهَا رَقِيقاً: أَي:
خَفِيفاً؛ لِعِظَمٍ ما بَعْدَهُ، فالثَّانِي يُرَقِّقُ الأَوَّلَ، وقيلَ: مَعْنَاهُ: يَسُوقُ
بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ بِتَحْسِينِها وتَسْويلِهَا، وقيلَ: يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضاً.
* قوله: ((الصلاة جامعة» :
(ن): بنصب ((الصلاة)) على الإغراء، و((جامعة)) على الحال(١).
(ق): خبر بمعنى الأمر، كأنه قال: اجتمعوا للصلاة، كأنه كان وقت
صلاة، فلمّا جاؤوا؛ صَلَّوا معه، وسكت الراوي عن ذلك، وإلا؛ فمِنَ
المُحال أن يناديَ منادي الصَّادق بالصلاة، ولا صلاة (٢).
* قوله وقال: ((إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته)»:
(ق): أي: حقاً واجباً؛ لأن ذلك من طريق النصيحة، والاجتهاد في
التبليغ والبيان، وقوله: ((جعل عافيتها في أولها))؛ يعني: بأوّل الأُمّة زمانه
وزمانَ الخلفاء الثلاثة إلى قتل عثمان #ز، فهذه الأزمنة كانت زمن اتفاق
هذه الأمة، واستقامة أمرها، وعافية دينها، فلمَّا قُتل عثمان؛ ماجت الفتن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٠ - ٥١).
٦٥٥

كموج البحر، وتتابعت كقِطَع الليل المُظلم، ثم لم تزل ولا تزال متوالية
إلى يوم القيامة، وعلى هذا: فأوَّلُ آخِرِ هذه الأُمّة المعني في هذا الحديث
مقتلُ عثمان، وهو آخِرٌ بالنسبة إلى ما قبله من زمان الاستقامة، وقد دل
على هذا قولُه: ((وأمور تنكرونها))، والخطاب لأصحابه، فدل على أن
منهم مَن يدرك أوَّلَ ما سمَّاه آخراً، وكذلك كان(١).
* قوله : ((وتجيء الفتنة فيدفق)):
(ق): ((الدفق)): الدفع، ومنه: الماء الدافق؛ يعني: أنها تموج كموج
[البحر] الذي يدفق بعضُه بعضاً، وشُبِّه المؤمن في هذه الفتن بالعالم الغريق
بين الأمواج، فإذا أقبلت عليه موجة؛ قال: ((هذه مُهلكتي))، ثم تروح عنه
تلك، فتأتيه أُخرى، فيقول: ((هذه هذه))، إلى أن يغرق بالكُلِّية، وهذا التشبيه
واقع، وقوله: ((يزحزح عن النار))؛ أي: يُنَّى عنها، ويؤخَّر منها (٢).
* قوله {الله: (ولیأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)):
(ن): هذا من جوامع كَلِمِه، وبديع حِكَمَه وَِّ، وهذه قاعدة مُهمَّة،
فينبغي الاعتناء بها، وأن الإنسان يلتزم أن لا يفعل مع الناس إلا ما يحب أن
يفعلوه معه(٣).
(ق): أي: يجيء إلى الناس بحقوقهم من النُّصْح، والنيّة الحسَنة بمثل
الذي يُحبُّ أن يُجاء به إليه، فيجب عليه للأمراء من السَّمع، والطاعة،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥١).
(٢) المرجع السابق، (٤ / ٥١ - ٥٢).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣٣).
٦٥٦

والنُّصْرة، والنَّصِيحة مثلَ ما لو كان هو الأمير؛ لكان يحب أن يُجاء له به(١).
(نه): ((الصفقة)): المَرَّة من التصفيق باليد؛ لأن المتعاهدين يضع أحدُهما
يدَه في يد الآخر؛ كما يفعل المتبايعان، والمراد بثمرة القلب خالص العهد(٢).
(ط): الفاء في ((فأعطاه)) كما هي في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِكُمْ
فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: ٥٤]، إذ كانت التوبة عينَ القتل، وكذلك صفقة اليد،
وإعطاء ثمرة القلب التي هي خلاصة الإنسان ليست إلا عين المُبالغة، فإذا
اجتمع الظاهر والباطن مع صاحبه؛ فوجب أن يُقاتِل مع من يُنازِعُهُ(٣).
(ق): هذا يدل على أن البيعةَ لا يكتفى فيها بمُجرَّد عقد اللسان فقط،
بل لا بُدَّ من الضرب باليد؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ
اللَّهَ يَدُلَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ ﴾ [الفتح: ١٠]، ولكن ذلك للرجال فقط، ولا بد من التزام
النية بالقلب، وترك الغِشِّ والخديعة (٤).
* قوله: ((فاضربوا عنق الآخر)»:
(ن): معناه: ادفعوا الثاني؛ فإنه خارجٌ على الإمام، فإن لم يندفع إلا
بَحْربة وقتال؛ فقاتلوه، فإن دعت المُقاتلة إلى قتله؛ جاز قتله، ولا ضمان
فيه؛ لأنه ظالم مُتَعدٍّ في قتاله(٥).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٦٦).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٢ - ٥٣).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣٤).
٦٥٧

(ط): جمع الضمير في ((فاضربوا)) بعدما أُفرد في ((فليطعه))؛ نظراً إلى
لفظة ((من)) تارة، ومعناها أخرى، وقوله: (عنق الآخر) وضع موضع (عنقه)؛
إيذاناً بأن كونه آخِراً يستحِقُّ ضربَ العُنق؛ تقريراً للمُراد، وتحقيقاً له(١).
٠
٦٦٩ - وعَنْ أَبِي هُنَيْدَةَ وائلِ بْنِ حُجْرِ ﴿ه، قالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ
ابنُ يَزِيدَ الجُعْفيُّ رَسُولَ اللهِ﴿، فقالَ: يَا نَبِيَّ الله! أَرَأَيْتَ إنْ
قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَراءُ يَسْألُونَاَ حَقَّهُمْ، وَيَمْنَعُونَاَ حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَ؟
فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛
فإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)، رواهُ مسلم.
(الزَّا
قوله: ((فأعرض عنه)) :
(ق): يحتمل أن يكون سببُ الإعراض أنه كان ينتظر الوحيَ، أو لأنه
يستخرج من السائل حرصه على مسألته، واحتياجَه إليها، أو لأنه كره تلك
المسألة؛ لأنها لا تصدر في الغالب إلا من قلب فيه تشوُّفٌ لمخالفة
الأُمراء، والخروج عليهم(٢).
* قوله يغير: ((ما حملوا، وعليكم ما حملتم)):
(ق): يعني: أن الله تعالى كَلَّف الولاة العدلَ، وحُسنَ الرعاية، وكلف
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٦٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٤).
٦٥٨

الرَّعِية الطاعةَ، وحُسنَ النصيحة، فإن عصى اللهَ الأُمراءُ فيكم، ولم يقوموا
بحقُوقكم؛ فلا تعصوا الله أنتم فيهم، وقوموا بحقوقهم؛ فإن الله مُجازٍ كلَّ
واحد من الفريقين بما عمل(١).
(ط): ((يسألونا)) صفة ((أمراء))، وجزاء الشرط قوله: ((فما تأمرنا؟)) على
تأويل الإعلام وقدم الجار والمجرور في قوله: ((عليهم ما حملوا، وعليكم
ما حملتم))؛ للاختصاص؛ أي: ليس على الأمراء إلا ما حَمَّله الله عليهم من
العدل والتسوية(٢).
٦٧٠ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َلِّ:
(إنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةُ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا))، قالوا: يا رَسُولَ الله!
كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قالَ: ((تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ،
وتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ))، متفقٌ عليه.
(الثَّافُِ
(الأثرة) سبق معناه قريباً.
(ط): والمراد بالأمور أشياءُ أُخَر لا تستحسنونها، وقوله: ((وسلوا
الله حقكم))؛ أي: لا تقاتلوهم؛ لاستيفاء حقكم، بل وَفِّروا إليهم حقّهم من
السمع، والطاعة، وحقوق الدِّين، واسألوا الله من فضله أن يُوصِلَ إليكم
(١) المرجع السابق، (٤ / ٥٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٦٤).
٦٥٩

حقَّكم من الغنيمة، والفيء، ونحوهما، وكِلُوا إليه أمرَكم(١).
(ن): هذا من معجزات النبوة، ووقع هذا الإخبار مُتكرِّراً، وفيه:
الحَثُّ على السمع والطاعة، فيعطي حقَّه من الطاعة، ولا يخلعه ولا يخرج
عليه، وإن كان المُتولِّي ظالماً غَشُوماً، بل يتضرَّع إلى الله في صلاحه،
و کشف أذاه، ودفع شرِّه(٢).
٦٧١ - وعَنْ أَبِي هُريرةَ عُه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِصَاحِ: (مَنْ
أَطَاعَنِي، فَقَدْ أَطَاعَ اللهِ، وَمَنْ عَصَانِي، فَقَدْ عَصَى اللهِ، وَمَنْ يُطْعِ
الأَمِيرَ، فَقَدْ أطاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ، فَقَدْ عَصَاني))، متفقٌ عليه.
(التََّّى)
* قوله لي: ((من أطاعني؛ فقد أطاع الله)):
(ق): هذا مُنتزَعٌ من قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
اللَّهُ ﴾ [النساء: ٨٠]؛ وذلك أنه ◌َّهِ لمَّا كان مُبلِّغاً أمرَ الله وحُكمَه، وأمر اللهُ
بطاعته، فمَن أطاعه؛ فقد أطاع أمر الله .
وقوله: ((ومن يطع الأمير؛ فقد أطاعني))، ووجهه: أن أمير
رسول الله ﴿ إنما هو مُنفّذٌ أمرَه، ولا يتصرّف إلا بأمره، فمَن أطاعه؛ فقد
أطاع أمرَ رسول الله وَّر، وعلى هذا: فكل مَن أطاع الأميرَ؛ أطاع الرسول،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٦٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣٢).
٦٦٠