النص المفهرس

صفحات 601-620

[الرَّشَارُ)]
* قوله: «هین لین)»:
قال في ((الفائق)): المحذوفة من يَاتَيْ ((هين)) و (لين)) الأُولى، وقيل:
الثانية(١).
(نه): قال ابن الأعرابي: يمدح بالهَيْن الليْن مُخفَّفين، ويُذَمُّ بهما
مُثقَّلين، و(هين) فَيْعِل؛ من الهَوْن، وهو السَّكِينة، والوَقار، والسُّهولة،
فعينُهُ واو، والسَّهْل: ضِدُّ الحَزْن، وضِدُّ الصَّعْب، انتهى(٢).
أي: تحرم النار على مَن لا يكون شديداً في مَوْرِده ومَصْدَره، بل
يكون سهلَ المَآخذ في جميع أُموره، وفي رواية للترمذيِّ مُرسلاً عن
مكحول قال: قال رسول الله ◌َّهِ: ((المُؤمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ؛ كالجَمَّلِ
الأَنِفِ، إِن قِيدَ انقَادَ، وإن أُنِيخَ على صَخْرَةِ اسْتَنَاخَ))(٣).
(١) انظر: ((الفائق في غريب الحديث)) للزمخشري (١ / ٦٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٢٨٨ -٢٨٩).
(٣) لم نقف عليه عند الترمذي، ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٨٧). ورواه القضاعي
في ((مسند الشهاب)» (١٣٩) من حديث ابن عمر ﴾، وهو حديث حسن. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٦٦٦٩).
٦٠١

٧٥- باب
العفو والإعراضِ عنِ الجَاهلينَ
قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ ﴾
[الأعراف: ١٩٩].
وقال تعالى: ﴿فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥].
، وقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلَيَصْفَحُوْاْ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمُّ﴾
[النور: ٢٢].
: وقال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[آل عمران: ١٣٤].
* وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
[الشورى: ٤٣].
والآياتُ في البابِ كثيرةٌ معلومةٌ.
(الباب الخامس والسبعون)
(في العفو والإعراض عن الجاهلين)
(نه): ((العفو)): التجاوز عن الذَّنْب، وترك العقاب عليه، وأصله المَحْوُ
٦٠٢

والطَّمْسُ، يقال: عفا عفواً؛ فهو عَافٍ، وهو من أبنية المُبالغة (١).
* قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، الآية [سبق] في (الباب
الثالث والعشرين).
* قوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، أمر الله نبيَّهِ وَّه
بالصّفح الجمیل عن المشرکین في أذاهم له، وتکذیبهم بما جاءهم به؛ كما
قال تعالى: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف: ٨٩]، وقال قتادة،
ومُجاهد: كان هذا قبل القتال، وهو كما قال؛ فإن هذه مكية، والقتال إنما
شُرع بعد الهجرة.
(م): قولهم: هي منسوخة بآية السيف بعيدٌ؛ لأن المقصود من ذلك أن
يُظهِرَ الخُلُقَ الحسنَ، والعفو والصَّفْحَ، فكيف يصير منسوخاً؟! انتهى (٢).
قال الأستاذ أبو القاسم القُشيريُّ: الصفح الجميل الذي لا تذكير للزلَّةً
فیه؛ کما قيل:
تَعَالَوْا نَصْطَلِحْ ويَكُونُ مِنَّا
مُرَاجَعَةٌ بِلاَ عَدِّ الذُّنُوبِ
ويقال: هو الاعتذار عن الجُرم، والإقرار بأن الذنبَ كان منك لا من
العاصي، قال قائلهم:
إِذَا مَرِضْنَا أتيْنَاكُمْ نَعُودُكُمُ
وتُذْنِبُونَ فَأْتِيِّكُمْ ونَعْتَذِرُ(٣)
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٦٥).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٩ / ١٦٤).
(٣) انظر: ((تفسير القشيري)) (٢ / ٤٧٨).
٦٠٣

* قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾ [النور: ٢٢]؛ أي: عمَّا تقدَّم منهم
من الإساءة والأذى، وهذا مِن حِلْمِه تعالى، وكَرَمه، ولُطْفِه بخلقه، مع
ظلمهم أنفسَهم، وهذه الآية نزلت في الصِّديق حين حلف أن لا ينفع
مِسْطَح بن أُثَاثَة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال، فلمَّا أنزل الله براءتها،
وطابت النفوس المؤمنة؛ شرع تبارك وتعالى بعطف الصِّديق على قريبه،
وهو مِسْطَحٌ؛ فإنه كان ابنَ خالته، وكان مسكيناً لا مال له إلا ما ينفق عليه
الصدِّيق، وكان من المهاجرين، وقد زَلِق زلقة تاب الله عليه منها، وضُرب
الحَدَّ [عليها]، وكان الصدِّيق معروفاً بالمعروف على الأقارب والأجانب،
فلمَّا نزلت ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ﴾ [النور: ٢٢]؛ أي: الجزاء من جنس
العمل؛ كما تغفر عمَّن أذنب إليك، يُغفر لك، وكما تَصْفَح يُصْفَح؛ فعند
ذلك قال الصدِّيق: بلى والله؛ إنا نحب يا ربنا أن تغفر لنا، ثم رجع إلى
مِسْطَح ما كان يصله من المنفعة، وقال: والله؛ لا أنزعها منه أبداً، في
مُقابلة قوله: والله؛ لا أنفعه بنافعة أبداً؛ ولهذا كان الصدِّيق هو الصدِّيقَ.
(م): العفو والصفح عن المُسيء حسَنٌ مندوب إليه، وربما وجب
ذلك، ولو لم يُدَلَّ عليه إلا بهذه الآية؛ لكفى، ألا ترى إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ
يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ﴾ [النور: ٢٢]، علَّق الغُفران بالعفو والصَّفْح؟
روي عنه وَّهِ: ((مَنْ لَمِ يَقْبَلْ عَذْرَ المُتَنصِّلِ كَاذِباً كانَ أو صَادِقاً؛ لم
يَرِدْ على حَوْضِي يومَ القِيَامَةِ»(١)، وعنه: ((أَفْضَلُ أَخْلاَقِ المُسْلِمِينَ العَفْوُ))(٢)،
وعنه بَّهُ: ((يُنَادِي مُنَادٍ يومَ القِيَامَةِ: أَلَا مَنْ كانَ لهُ أَجْرٌ على اللهِ فَلْيَقُمْ، فَلا
(١) لم نقف عليه.
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٠٠) عن الحسن قوله.
٦٠٤

يَقُوم إِلاَّ أَهْلُ العَفْوِ))(١) ثمَّ تلا: ﴿فَمَنْ عَفَاوَأَ صْلَحَ فَجْرُهُ، عَلى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
وعنه ◌َّهِ: ((لا يَكُونُ العَبْدُ ذا فَضْلٍ حَتَّى يَصِلَ مَن قَطعَهُ، ويَعْفُوَ عمَّنْ
ظَلَمَهُ، ويُعْطِيَ مَن حَرَمَهُ))(٢).
* قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] سبق في
البابین قبله.
* قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣]، الآية، سبق في
(الباب الثالث).
٦٤٣ - وعن عائشةَ رضي الله عنها: أنها قالَتْ للنبيِّ وَِّ: هَلْ
أَنَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمٍ أُحُدٍ؟ قال: ((لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ،
وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ
يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِيْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَاَ مَهْمُومٌ
عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا
أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَِّي، فَنَظَرْتُ، فَإِذا فِيها جِبِرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ،
فَنَادَانِ فَقالَ: إِنَّ اللهَ تَعالَى قَدْ سَمِعَ قَوَلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا
عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَاداني
(١) رواه هناد بن السري في ((الزهد)) (١٢٨٨) عن الحسن قوله.
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٣ / ١٦٦ - ١٦٧)، والحديث لم نقف عليه بهذا اللفظ،
ورواه بنحوه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١٦١)، والطبراني في ((المعجم الأوسط))
(٢٥٧٩)، وله شواهد كثيرة. انظر: ((مجمع الزوائد» (٨ /١٨٨).
٦٠٥

مَلَكُ الجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدًا إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَولَ
قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنَي رَبِّي إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي
بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَيْنِ))، فقال
النبيُّ ◌َِّ: ((بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ
لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً»، متفقٌ عليه.
((الأخْشَبَان)»: الجَبَلان المُحِيطَان بمكَّة، والأَخْشَبُ: هو الجبلُ
الغليظُ.
(الأَوْاُ)
(ط): ((أشد ما لقيت)) خبر (كان)، واسمه عائد إلى مُقدَّر، وهو
مفعول قوله: ((لقد لقيت)) و((يوم العقبة)) ظرف (كان)، المعنى: ما لقيت
يوم العقبة أشدَّ ما لقيت منهم، وأراد بالعقبة العقبةَ التي كانت بمِنىّ، وكان
رسول الله وَّر يقف عند العقبة في الموسم يَعرِضُ نفسَه على قبائل العرب،
يدعوهم إلى الله تعالى، وإلى الإسلام، فدعا ابنَ عبد يَاليل، فما أجاب إلى
ما أراد رسول الله اله .
و((على وجهي)) متعلِّق بقوله: ((انطلقت))؛ أي: لا أدري أين أتوجَّهُ
من شِدَّة ذلك، ولم أستفق مما أنا فيه من الغَمِّ حتى بلغت قَرْنَ الثعالب(١).
(ن): أي: لم أُوَطِّن لنفسي، وللموضع الذي أنا ذاهب إليه وفيه؛ إلا
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٧٢٧).
٦٠٦

وأنا عند قَرْن الثعالب، وهو ميقاتٌ لأهل نجد على مرحلتين من مكة،
وأصل القَرْن كلُّ جبل صغير ينقطع من كل جبل كبير، و((الأخشبين)) بفتح
الهمزة وبالخاء والشين المعجمتين: هما جبلا مكة؛ أبو قُبَيْس، والجبل
الذي يقابله(١).
(ق): ((أطبق عليهم)؛ أي: أجعلهما عليهم كالطََّق، وإذا تأمَّلتَ هذا
الحديث؛ انكشف لك من حاله وَر معنى قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا
رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٢).
٦٤٤ - وعنها، قالتْ: ما ضَرَبَ رسولُ اللهِلَّهِ شَيئاً قَطُّ
بِيَدِهِ، وَلاَ امْرَأَةً، وَلاَ خَادِماً، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدَ في سَبيلِ اللهِ، وما نِيلَ
مِنْهُ شَيءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلاَّ أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ
اللهِ تَعالَى، فَيَنْتَقِمُ لِلهِ تَعالَى، رواه مسلم.
(الثَّانِى)
(ن): فيه: أن ضربَ الزوجة والدابة وإن كان مُباحاً للأدب؛ فتركه
أفضل، ومعنى («نيل منه)) أُصِيبَ بأذىّ من قول أو فعل(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٥٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦٥٤).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٨٤).
٦٠٧

وآخر الحدیث سبق في الباب قبله.
٦٤٥ - وعَنْ أَنَسٍ ﴿﴾، قالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِّهه
وعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَّةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٍّ، فَجَبَذَهُ بِدَائِهِ
جَبْذَةً شَدِيدَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةٍ عَاتِقِ النَّبِيِّ وََّ، وَقَدْ أَّرَتْ بِها
حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةٍ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قالَ: يَا مُحَمَّدًا مُرْ لي مِن مَالِ اللهِ
الَّذِي عِنْدَكَ، فَالتَفَتَ إِلَيهِ، فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ، متفقٌ عليه.
34
* قوله: ((نجراني)):
(نه): بالنون والجيم، هو موضع معروف بين الحجاز، والشام،
واليمن(١).
(ق): هذا يدل على إيثاره وَي﴿ التقلُّل من الدنيا، والتبلُّغ فيها بما أمكن
في اللِّباس والمطعم وغيره، وأنه لم يكن بالذي يترفَّه في الدنيا ويتوسّع
فیھا(٢).
(نه): ((الجبذ)» لغةٌ في الجَذْب، وقيل: هو مقلوب منه(٣).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ٢٠).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٠١).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٣٥).
٦٠٨

(ق): هذا الحديث يدلُّ على ما وصف الله به نبيَّهِ وَّرِ؛ من أنه على
خُلُق عظيم، وأنه رَؤوفٌ رحيم؛ فإن هذا الجفاء العظيم الذي صدر من هذا
الأعرابي لا يصبر عليه، ولا يَحلُم عنه مع القُدرة عليه إلا مثلُه، ثم ضَحِكُه ◌ِلَه
عند هذه الجَبْذة الشديدة التي انشقَّ لها البُرْد، وتأثَّر عُنقُه بسببها، حتى انقلب
عن وجهته(١) ورجع إلى نَخْر الأعرابي دليلٌ على أنه الذي تمَّ له من مقام الصبر
والحِلْم ما تمَّ لأحد، وهذا نظير صبره وحِلْمه يوم أُحُد؛ حيث كُسرت
رَبَاعِيتُه، وشُجَّ وجهُه، وهو في هذا الحال يقول: ((اللَّهُمَّ اغفِرْ لقَوْمِي؛ فإنَّهُم
لا يَعلَمُونَ))، انتهى(٢).
ويحتمل أن ضَحِكَه ◌َّه كان تعجُّباً من قِلَّهُ عقل هذا الأعرابي، وشِدَّة
غَبَاوَته وجهله؛ حيث جاء مُستَمنحاً طالباً سائلاً، وهو في أقصى غايات
الذُّلِّ والهَوَان، كيف يتوسَّل إلى السؤال بالإيذاء والطُّغيان؟!
(ن): فيه: احتمال الجاهلين، والإعراض عن مُقابلتهم، ودفع السيئة
بالحسنة، وإعطاء مَن يُتألَّف قلبُه، والعفو عن مُرتكب كبيرة لاحدَّ فيها
بجهله، وإباحة الضحك(٣).
(١) في الأصل: ((على الوجهه))، والتصويب من ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٠٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١٠١/٣ - ١٠٢)، والحديث رواه البخاري (٦٥٣٠)،
ومسلم (١٧٩٢) من حديث عبدالله بن مسعود ﴾.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٤٧).
٦٠٩

٦٤٦ - وعنِ ابنِ مسعودٍ ، قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَحْكِي نَبِيّاً مِنَ الأَنْبِياءِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُه عَلَيهم
ضَرَبَهُ قَومُهُ، فَأَدَمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقولُ:
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ))، متفقٌ عليه.
٦٤٧ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ◌َُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قالَ: ((لَيْسَ
الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ»،
متفقٌ عليه.
الَزْعُ وَالصَِّيُ
سبقا في الباب الثالث.
٦١٠

٧٦-باب
احتمالِ الأذى
، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ
وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
* وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ﴾
[الشورى: ٤٣].
وفي الباب: الأحاديثُ السابقة في الباب قبلَه.
٦٤٨ - وعن أَبِي هُرِيرةَ ◌َ﴾: أَنَّ رَجُلاً قال: يا رَسُولَ الله! إنَّ لي
قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ
وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ! فقال: ((لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفَّهُمُ المَلَّ، وَلاَ
يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ تَعالَى ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَادُمْتَ عَلَى ذلك))، رواه مسلم.
وقد سَبَقَ شَرْحُهُ في (بَابٍ: صلة الأرحام).
(الباب السادس والسبعون)
(في احتمال الأذى)
* قوله تعالى: ﴿وَاَلْكَظِمِينَ الْفَيْظَ ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، سبق في
٦١١

(الباب الثالث والسبعين).
* قوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣]، سبق في (الباب الثالث).
والحديث سبق في (الباب الأربعين).
٦١٢

٧٧- باب
الغضبِ إذا انتُهكتْ حُرماتُ الشرعِ
والانتصارٍ لدين الله تعالى
* قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ
رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠].
* وقال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ اللَّهُ يَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
وفي الباب: حديثُ عائشةَ السابقُ في باب: العفو.
(الباب السابع والسبعون)
(في الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع، والانتصار لدين الله)
* قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُّمَتِ اَللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ [الحج: ٣٠]، سبق
في (الباب السابع والعشرين).
* قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ اللَّهِيَصُرْكُمْ ﴾ [محمد: ٧]:
(م): أي: إن تنصروا دينَ الله وطريقَه، أو تنصروا حزبَ الله وفريقَه؛
ينصركم الله بتقويته، ويثبت أقدامكم، ويرسل الملائكة الحافظين من
خلفكم وقُدَّامكم، ثم قال: ﴿ وَِّينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَّمْ﴾ [محمد: ٨]؛ زيادة في
تقوية قلوب المؤمنين؛ إذ ربما توهّموا أن الكافر أيضاً يَنصُر ويُثبّت للقتال،
٦١٣

[فيدوم القتال] والحراب، والطّعان، والضّراب، وفيه المَشقّة العظيمة،
فقال: لكم الثبات، ولهم الزوال والهلاك(١).
٦٤٩ - وعن أبي مسعودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو البَدْرِيِّ ◌َ﴾، قالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ وَّهِ، فقالَ: إِنِّي لأَتَأَخَّر عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ
أَجْلِ فُلانٍ؛ مِمَّا يُطِيلِ بِنَا! فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ
قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَومَئِذٍ؛ فقالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إنَّ مِنْكُمْ
مُنَفِرِينَ، فَأَّكُمْ أَ النَّاسَ، فَلْيُوجِزْ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرائه الكَبِيرَ والصَّغِيرَ
وذَا الحَاجَةِ))، متفقٌ عليه.
* قوله: ((إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان)):
(ن): فيه: جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا علم من عادة الإمام
التطويلَ الكثير، وفيه: جواز ذكر الإنسان هذا ونحوه في مَعرِض الشكوى
والاستفتاء، وفيه: الغضب لما يُنكَر من أُمور الدِّين، والغضب في
الموعظة(٢).
(ق): حكم ◌َّ في حال غضبه، ولا يعارضه قوله: ((لا يَقْضِي
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٨ / ٤٢ - ٤٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٨٤).
٦١٤

القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ))(١)؛ لأنه ◌َّهِ معصومٌ في حال الغضب والرِّضا،
بخلاف غيره(٢).
: قوله يلي: ((فأيكم ما صلى)):
(ط): ((ما)) صلة مُؤكِّدة لمعنى الإبهام في ((أي))، ((وصلى)) فعلُ
شرط، و((فليتجوز)) جوابه؛ كقوله تعالى: ﴿أَيََّ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَىَّ﴾
[الإسراء: ١١٠]، أرشد الأئمة أياً ما كانوا إلى تَجوُّز الصلاة؛ لئلا ينفر الناس
عن الجماعة، وفيه وعيدٌ على مَن يسعى في تخلُّف الغير عن الجماعة (٣).
(ش): وفي رواية: ((فليخفف)) بدل (فليتجوز)، والتخفيف أمر نسبيٌّ
يرجع إلى ما فعله النبيُّ نَّه، وواظب عليه، لا على شهوة المأمومين؛ فإنه وَله
لم يكن يأمر بأمر، ثم يخالفه، وقد علم أن مِن ورائه الكبيرَ والضعيف وذا
الحاجة، فالذي فعله من القراءة في الفجر بنحو من ستين آية إلى مائة هو
التخفيفُ الذي أمر به؛ فإنه يمكن أن تكون صلاته أطولَ من تلك بأضعاف
مضاعفة، وهديه الذي كان يواظب عليه هو الحاكمُ، ويدل عليه ما رواه
النسائيُّ وغيره عن ابن عمر قال: كان رسولُ الله ◌َل﴿ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمُّنا
بـ (الصافات)، فالقراءة بـ (الصافات) من التخفيف (٤).
(١) رواه البخاري (٦٧٣٩)، ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة ظه.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٧٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٥٩).
(٤) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ٢١٤).
٦١٥

٦٥٠ - وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قَدِمَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿ مِنْ سَفَرِ، وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا
رآهُ رَسُولُ اللهِهِ، حَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ! أَشَدُّ
النَّاسِ عَذَاباً عِندَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلقِ اللهِ»، متفقٌ
عليه .
(السَّهْوَةُ): كالصُّفَّة تَكُونُ بين يَدَي البيتِ، و((القِرام)) بكسر
القاف: سِتْرٌ رقيقٌ، و((هَتَكَه)): أفسدَ الصورةَ الَّتي فيه.
* قوله: «هتکه وتلون وجهه)):
(ن): يستدل [به] لتغيير المُنكر [باليد]، وهتك الصُّوَرِ المُحرَّمة،
والغضب عند رؤية المنكر، قال أصحابنا، وغيرهم من العلماء: تصوير
صورة الحيوان حرامٌ شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه مُتوعّد عليه
بهذا الوعيد الشديد المذكور، وسواء صنعه لما يُمتَهن أو لغيره، فصنعته
حرام بكل حال؛ لأنه مُضاهاةٌ لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب، أو
بساط، أو درهم ودينار، وإناء وحائط وغيرها، وأما تصوير صورة
الأشجار، وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان: فليس بحرام.
هذا حكم نفس التصوير، وأما اتخاذ المُصَوَّر فيه صورةُ حيوان: فإن
كان مُعلَّقاً على حائط، أو ثوباً ملبوساً، أو عِمامةً، أو نحوَ ذلك ممَّا لا يعد
مُمتَهناً؛ فهو حرام، وإن كان في بساط يُداس، أو مِخَدَّة، أو وسادة،
ونحوها ممَّا يُمتَهن؛ فليس بحرام، ولكن هل يمنع دخولَ ملائكة الرحمة
ذلك البيتَ؟ أشار الخطَّبيُّ والقاضي إلى أنه لا يمنع، والأظهر أنه عام في
٦١٦

كل صورة؛ فإنهم يمتنعون من الجميع، ولا فرق في هذا کلُّه بین ما له ظِلٌّ
وما لا ظِلَّ له.
هذا تلخيص مذهبنا، وبمعناه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين،
وهو مذهب الثوريٍّ، ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم، وقال بعضُ السَّلَف: إن
ما يُنهى عمَّا كان له ظِلٌّ، ولا بأس بالصُّورة التي ليس لها ظِلٌّ، وهذا مذهب
باطل؛ فإن السِّتْرَ الذي أنكر النبيُّ وَّهِ الصورةَ فيه لا يشك أحدٌ أنه مذموم،
وليس لصورته ظِلٌّ، وأجمعوا على منع ما كان له ظِلٌّ، ووجوب تغییره.
قال القاضي: إلا ما ورد في اللَّعِب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في
ذلك، لكن كره مالكٌ شِراءَ الرجل ذلك لابنته، قال القاضي: وهذا محمول
على كراهة الاكتساب بها، وتنزيه ذوي المروءات عن تولِّي ذلك، لا كراهة
اللعب، قال: ومذهب جمهور العلماء على جواز اللَّعِب بهن؛ لِما في
الصحيح: أن عائشة رضي الله عنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله وَّ﴾،
ولِما فيه من تدريب النساء في صِغَرهن لأمر أنفُسِهن، وبيوتهن، وأولادهن؛
ولهذا أجاز العلماء بيعَهن وشراءَهن، وادعى بعضُهم أن إياحة اللَّعِب بالبنات
منسوخٌ بهذه الأحاديث(١).
(ق): هذا الادعاء منه ممنوعٌ مطالب بتحقيق التعارض والتاريخ(٢).
* قوله تعالى: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)):
(ن): وفي رواية لابن عباس: ((كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّارِ، يُجعَلُ له بكُلٌ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٨١ - ٨٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٣٢)
٦١٧

صُورَةٍ صَوَّرَها نَفْساً، فَتُعَذِّبُه في جَهَنَّمَ))(١)، وفي رواية: ((مَن صَوَّرَ صُورَةً
في الدُّنيا؛ كُلِّفَ أن يَنفُخَ فيها الرُّوحَ يومَ القِيَامَة؛ وليسَ بنَافِخٍ))(٢)، وفي
رواية: ((ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذهبَ يَخْلُقَ خَلْقاً كخَلْقِي، فليَخْلُقُوا ذَرَّةً،
ولَيَخْلُقوا حَبَّةً، وليَخْلُقوا شَعِيرةً)) (٣)، هذه الأحاديث صريحةٌ في تحريم
صور الحيوان، وأنه غليظ التحريم(٤).
٦٥١ - وعنها: أَنَّ قُرَيْشاً أهَمَّهُم شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي
سَرَّقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيها رَسُولَ اللهِ وَهَ؟ فَقَالُوا: مَنْ
يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللهِ وَّهِ؟ فَكَلَّمَهُ
أُسَامَةُ، فقالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ
تَعَالَى؟!»، ثُمَّ قامَ فَاخْتَطَبَ، ثم قال: (إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَهُم
كانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ، وإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ،
أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَابْمُ الله! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ،
لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، متفقٌ عليه.
(١) رواه مسلم (٢١١٠ / ٩٩).
(٢) رواه مسلم (٢١١٠ / ١٠٠).
(٣) رواه مسلم (٢١١١ / ١٠١
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٩٠).
٦١٨

· قولها: ((أهمهم)):
(تو): يقال: أهمَّني الأمر: إذا أقلقك وأحزنك، والمرأة المَخْزُومِيّة:
هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، بنت أخي [أبي] سلَمة، وإنما ضرب
المثل بفاطمة بنت محمد ◌ٍّ؛ لأنها كانت أعزَّ أهله، ثم لأنها كانت سَمِيَّةً لها.
* قوله: ((ومن يجترئ عليه؟)):
(ن): أي: يتجاسر عليه بطريق الإدلال، وفي هذا مَنْقَبَةٌ لأُسامة(١).
(ط): ((من يجترئ)) عطف على محذوف؛ أي: لا يجترئ عليه منا
أحدٌ؛ لمَهابته، ولما أنه لا تأخذه في دين الله رأفةٌ، وما يجترئ عليه إلا
أسامة(٢).
* قوله: «حب رسول الله)):
(ن): هو بكسر الحاء؛ أي: محبوبه، وفي قوله: ((وايم الله)) دليلٌ
لجواز الحَلِفِ من غير استحلاف، وهو مُستحبٌّ إذا كان فيه تفخيمٌ لأمر
مطلوب، وفيه: النهيُ عن الشفاعة في الحدود، وأن ذلك هو سبب هلاك
بني إسرائيل، وقد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحَدِّ بعد بلوغه
إلى الإمام، وعلى أنه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل بلوغه إلى الإمام: فقد
أجاز الشفاعة فيه أكثرُ العلماء، إذا لم يكن المشفوع صاحبَ شرِّ وأذىّ
للناس، فإذا كان؛ لم يُشْفَع فيه، وأما المعاصي التي لا حَدَّ فيها، وواجبها
التعزير: فيجوز الشفاعة والتشفيع فيها، سواء بلغت الإمامَ أم لا؛ لأنها
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٨٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٣٧).
٦١٩

أَهْوَنُ، ثم الشفاعة فيها مُستحبّةٌ إذا لم يكن المشفوعُ فيه صاحبَ أذىً
ونحوه(١).
(ق): وفيه: وعيدٌ شديد على ترك القيام بالحَدِّ، وعلى ترك التسوية
فيها بين الدَّنيء والشريف، والقَويُّ والضعيف، ولا خلاف في وجوب
التسوية، وفيه: حُجَّة لمَن قال: إن شرع مَن قبلنا شرع لنا(٢).
وذكر مسلم أنها تابت، فحَسُنَت توبتُها، وتزوَّجت، وكانت تأتي
عائشةً بعد ذلك، فترفع حاجتها إلى رسول الله ێ﴾.
(ق): ذكر الدارقطني عن ابن الزُّبَير قال: شفَعَ الزُّبَيرُ [في سارق،
فقيل: حتى تُبْلِغَه الإمامَ، فقال: إذا](٣) بلغ الإمامَ؛ فلعن الله الشافع
والمشفوع.
وقوله ◌َّه: ((لو أن فاطمة سرقت؛ لقطعت يدها)): إخبار عن مُقدَّر يفيد
القطعَ بأمر مُحَقَّق، وهو وجوب إقامة الحَدِّ على البعيد والقريب، والبغيض
والحبيب، لا تنفع في ذَويه (٤) شفاعةٌ، ولا يحول دونه قرابةٌ ولا جماعة(٥).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٨٦ - ١٨٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٧٩).
(٣) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٧٨).
(٤) في ((المفهم): ((ذرية)).
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٧٨)، وخبر الزبير رواه الدارقطني في ((سننه))
(٣/ ٢٠٥).
٦٢٠