النص المفهرس

صفحات 581-600

٧٤- باب
الحلم والأناةِ والرفقِ
* قال الله تعالى: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ
وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
* وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ ﴾
[الأعراف: ١٩٩].
: وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَّةُ وَلَ السَِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِىِ هِىَ أَحْسَنُ
فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُوَلِىُّ حَمِيمٌ ﴾ وَمَا يُلَقَّتِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا
يُلَقَّهَاِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ -٣٥].
* وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ﴾
[الشورى: ٤٣].
(الباب الرابع والسبعون)
(في الحِلْم والأَنَاة والرِّفق)
(غب): ((الحلم)): ضبط النفس والطَّبْع عن هَيَجان الغضب، وجمعه
أحلام، قال تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَعْلَمُهُمْ بَدَأَ﴾ [الطور: ٣٢]، قيل: معناه عُقولُهم،
٥٨١

وليس الحِلْمُ في الحقيقة هو العقلَ، لكن فَسَّروه بذلك؛ لكونه من مُسيَّبات
العقل، والحُلُم: زمان البلوغ، وسُمِّي الخُلُمَ؛ لكون صاحبه جديراً بالحِلْم،
والحَلَمَةُ القُراد الكبير، سُمِّيت بذلك لتَصوُّرها [بصورة] ذي حِلْم؛ لكثرة
هدوئها، وأما حَلمَةُ النَّذي: فتشبيهاً بالحَلَمة من القُراد في الهيئة؛ بدلالة
تسميتها بالقُراد في قول الشاعر :
كَأنَّ قُرَادَيْ زَوْرِهِا طَبَعَتْهُمَا
بطِينٍ مِنَ الجَوْلانِ كُتَّابُ أَعْجَمِ (١)
و(الأناة): التُّؤَدة، وتأنَّى فلانٌ تأنياً، وأنى يَأْنِي، فهو آنٍ؛ أي: وَقُورٌ.
(قض): ((الرِّفق)): ضدُّ العُنف، وهو النُّطف، وأَخْذُ الأمر بأحسن
الوجوه وأيسرها(٢).
* قوله تعالى: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْفَبْظَ ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، سبق في
الباب قبله.
* قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآيةَ، سبق في (الباب
الثالث والعشرين).
* قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَّةُ وَلَ السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤]؛ أي: فرقٌ
عظيم بين هذه وهذه، ﴿آدَفَعْ بِالَّتِی هِىَ أَحْسَنُ﴾؛ أي: مَن أساء إلیك؛ فادفعه
عنك بالإحسان إليه؛ كما قال عمر ◌ُه: ما عاقبتَ مَن عصى اللهَ فيكَ بمثل
أن تُطِيعَ الله فيه.
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ١٢٩ - ١٣٠).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٧١).
٥٨٢

وقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَنَّهُوَ إِىٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]؛ أي:
إذا أحسنت إلى مَن أساء إليك؛ قادته تلك الحسنةُ إليه إلى مصافاتك،
ومَحبَّتك، والحُنُوِّ عليك، حتى كأنه وليُّ لك حَمِيمٌ؛ أي: قریب إليك في
الشَّفَقة والإحسان إليك، ثم قال: ﴿وَمَا يُلَقَّ هَآَ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]؛
أي: وما يقبل هذه الوَصِيَّةَ، ويعمل بها إلا مَن صبر على ذلك؛ فإنه يَشُُّ
على النفوس، ﴿وَمَا يُلَقَّنَا إِلَّاذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]؛ أي: نصيب وافر
من السَّعادة في الدنيا والآخرة.
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند
الغضب، والحِلْمِ عند الجَهْل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك؛
عَصمَهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوُّهم كأنه وليٌّ حَمِيمٌ.
(قض): (لا) الثانية مزيدةٌ لتأكيد النفي، ادفع السيئة حيث اعترضتك
بالتي هي أحسنُ منها، وهي الحسنة، على أن المُرادَ بالأحسن الزائد
مطلقاً، أو بأحسن ما يمكن دَفْعُها به من الحسنات، وإنما أخرجه مخرج
الاستئناف على أنه جوابُ مَن قال: كيف أصنع؟ للمُبالغة؛ ولذلك وُضع
الأحسنُ موضع الحَسَنة (١).
* قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣] الآيةَ، سبق في
(الباب الثالث).
(١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٥ / ١١٥).
٥٨٣

٦٣٢ - وَعَنِ ابنِ عَبَّاس ﴿﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ لِأَشَجِّ
عَبْدِ القَيْس: ((إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله: الحِلْمُ، وَالأَنَاةُ)، رَوَاهُ
مُسْلم.
(الأَوْاُ)
(ن): قال صاحب ((التحرير)): وَفْدُ عبد القيس كانوا أربعةَ عشر راكباً،
وكان الأَشْجُّ العَصَرِيُّ - واسمُه المُنذر بن عائذ بالذال المعجمة - رئيسَهُم،
وسببُ وفودهم: أن مُنْقِذَ بن حَبَّان أحد بني غَنْم بن وديعة، كان مَتْجَرُه إلى
يثربَ في الجاهلية، فشخص إلى يثربَ بمَلَاحِفَ وتَمْرٍ مِن هَجَرَ بعد هجرة
النبيِّ نَّهِ إليها، فبينما مُنْقِذٌ قاعد؛ إذ مرَّ النبيُّ ◌َّهِ، فنهض مُنقذٌ إليه، فقال
النبيُّ نَّهِ: (أَمُنْقِذُ بنُ حَبَّنَ؛ كيفَ جَمِيعُ هَيْئَتِكَ وقَوْمِكَ؟))، ثم سأله عن
أشرافهم رَجُلٍ رَجُل، يُسمِّيهم بأسمائهم، فأسلم مُنْقِذْ، وتعلم (الفاتحة)،
و(اقرأ باسم ربك)، ثم رحل قِبَلَ هَجَرَ، فكتب النبيُّ ◌َّر معه إلى جماعة عبد
القيس كتاباً، فذهب به، وكتمه أياماً، ثم اطلعت عليه امرأتُه، وهي بنتُ
المُنذِر بن عائذ - بالذال المعجمة - بن الحارث، والمُنذر هو الأشجُّ، سمَّاه
رسول الله ټ به؛ لأثر كان في وجهه.
وكان منقذ ◌َُ يُصلِّي ويقرأ، فَنكِرَتْ امرأتُه ذلك، فذكرته لأبيها
المُنذر، فقالت: أنكرتُ بَعْلِيَ منذ قدم من يثربَ؛ إنه يغسل أطرافَه،
ويستقبل القبلةَ، فيحني ظهرَه مرة، ويضع جبينه مرة، ذلك ديَّدَنُهُ، فتلاقیا،
فتجاريا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، ثم ثار الأشجُّ إلى قومه؛ عَصَر
٥٨٤

ومُحَارب بكتاب رسول الله وَّر، فقرأه عليهم، فوقع الإسلام في قلوبهم،
وأجمعوا السَّيْرَ إلى رسول اللهِ وَّهِ، فسار الوفدُ، فلمَّا دَنَوا من المدينة؛ قال
النبيُّ وَّهِ الجُلسائه: ((أَتَاكُمْ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ، خَيْرُ أَهْلِ المَشْرِقِ، وفِيهِمُ
الأَشَجُّ العَصَرِيُّ، غيرَ نَاكِثِينَ، ولا مُبَدِّلِينَ، ولا مُرْتَابِينَ؛ إذ لم يُسْلِمْ قَوْمٌ
حتى وُتِرُوا))، والعَصَرِيُّ بفتح العين والصاد المهملتين، هذا هو الصحيح
المشهور(١).
* قوله ◌َير: ((الحلم والأناة))، قال صاحب ((المطالع)): ((الحلم)»:
العقل، وأيضاً: الصبر، وضِدُّ الطَّيْش والسَّفَه، وأيضاً: الصَّفْح.
(ن): ((الحلم)): هو العقل، و((الأناة)): التثبُّت، وترك العَجَلة، وهي
مقصورة، وسبب قول النبيِّ نَّ﴿ ذلك: ما جاء في حديث الوفد؛ أنهم لمَّا
وصلوا المدينة؛ بادروا إلى النبيَّ وَّهِ، وأقام الأشَجُّ عند رِحَالهم، فجمعها،
وعَقَل ناقتَه، ولبس أحسنَ ثيابه، ثم أقبل إلى النبيِّ وَّزَ، فقرَّبِه النبيُّ ◌َّ،
وأجلسه إلى جانبه، ثم قال النبيُّ نَّهِ: («تُبَايِعُونَ على أَنفُسِكُمْ وَقَوْمِكُمْ؟»
فقال القوم: نعم، فقال الأَشَجُّ: يا رسولَ الله؛ إنك لن تُزاول الرجلَ على
شيء أشدَّ عليه من دينه، نبايعك عن أنفسنا، ونرسل مَن يدعوهم، فمَن
تبعنا؛ كان مِنَّا، ومَن أبی؛ قاتلناه، قال: ((صدقت؛ إن فيك خصلتين)).
قال القاضي: فالأناة تربُّصُه حَتَّى نظر في مصالحه، ولم يعجل،
والحِلْمُ هذا القولُ الذي قاله، الدالُّ على صِحَّة عقله، وجَوْدَة نظره في
العَوَاقِب .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٨١).
٥٨٥

قلت: وفي ((مسند أبي يعلى)): لمَّا قال ◌َّهِ: ((إنَّ فيك خصلتين)) قال:
يا رسولَ الله؛ كانا فِيَّ، أم حدثا؟ قال: ((بَلْ قَدِيم)) قال: قلت: الحمدُ لله الذي
جَبَنِي على خُلُقين يُحِبُّهُمَا (١).
(ق): روى أبو داود عن زَارِعٍ، وكان في وَفْدٍ عبد القَيْس قال: قدمنا
المدينة، تبادرنا في رواحلنا نقبل يدَ النبيِّ وَّهِ وَرِجْلَه، وانتظر المُنذِرُ حتى
أتى (٢) عَيْبَته، فلبس ثوبَه، ثم أتى النبيَّ نَّهِ على خير هَذْىٍ وسَكِينة، فقال له:
((إنَّ فيك لخَصْلَتين يُحِبُّهما الله؛ الحِلْمُ والأناة))، فقال له: يا رسولَ الله؛ أنا
أتخلَّق بهما، أم اللّهُ جَبَلَنِي عليهما؟ فقال: ((بَلِ اللهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا)) فقال:
الحمدُ لله الذي جَبَلَنِي على خُلُقين يُحِبُّهما اللهُ ورسولُه.
وفيه: جواز مدح الرجل مُشافهةً بما فيه إذا أُمِنَتْ عليه الفتنةُ،
انتھی(٣).
وذكر الحافظ أبو نُعيم، الأصفهانيُّ عن هُود(٤) العَصَريُّ عن جَدِّه: أن
الأشجَّ هذا كان أصغرَ القوم(٥) .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٨٩)، والحديث رواه أبو يعلى في ((مسنده))
(٦٨٤٨).
(٢) في الأصل: «أتيته)».
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٧٨ - ١٧٩).
(٤) في الأصل: ((برذة))، والتصويب من ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم (٥ / ٢٦٣٠).
(٥) انظر: ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم (٢٦٢٩/٥).
٥٨٦

٦٣٣ - وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالَتْ قالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ:
(إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»، متفقٌ عليه.
٦٣٤ - وعنها: أَنَّ النبيَّ نَّهِ قالَ: ((إِنَّ الله رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ،
وَيُعْطِي عَلَى الرِّفق ما لا يُعْطِي عَلى العُنْفِ، وَمَا لاَ يُعْطِي
عَلى مَا سِوَاهُ))، رواه مسلم.
[الثَّانِىَّ وَالثَّالِ)]
* قولە پڼے «إن الله رفیق» :
(ن): فيه: تصريحٌ بتسميته تعالى ووَصْفِه برفيق، والصحيح: جواز
تسميته تعالى رفيقاً وغيرَه مِمَّا ثبت بخبر الواحد، وقد قدَّمنا هذا واضحاً في
حديث ((إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ))، وذكرنا أنه اختيارُ إمام الحرمين،
انتھی(١).
وسبق هذا البحث في (الباب الثاني والسبعين).
(قض): معنى ((إن الله رفيق)): أنه لطيف بعباده، يريد بهم اليُسرَ،
ولا يريد بهم العُسرَ، والظاهر أنه لا يجوز إطلاقُه على الله تعالى اسماً، لأنه
لم يتواتر، ولم يستعمل هاهنا على قصد الاسمية، وإنما أخبر به عنه،
تمهيداً للحُكم الذي بعده، وكأنه قال: يحبُّ أن يَرْفُقَ عباده في أُمورهم،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٤٦)، والحديث رواه مسلم (٩١) من حديث
عبدالله بن مسعود ﴾ .
٥٨٧

فيُعطيهم بالرّفق ما لا يُعطيهم [على] ما سواه(١).
(ن): ((العنف)) بضم العين وفتحها وكسرها، الضم أفصح وأشهر،
وهو ضِدُّ الرِّفق، وفيه فضل الرِّفق، والحَثُّ على التخلُّق به، وذُ العُنف،
والرِّفق سببُ كلِّ خير، ومعنى ((يعطي على الرِّفق))؛ أي: يُثيب عليه
ما لا يُثيب على غيره، وقال القاضي: يتأتَّى به من الأغراض، ويَسْهُل
من المطالب ما لا يتأتَّى بغيره(٢).
(ق): بيان هذا: بأن يكون أمرٌ ما من الأُمور سَوَّغ الشرع أن يُتوصَّل إليه
بالرِّفق وبالعُنف، فسلوك طريق الرِّفق أَوْلى؛ لما يَحصُل منه من الثناء على
فاعله بحُسن الخُلُق، وما يترتَبُ عليه من حُسن الأعمال، وكمال منفعتها،
وأشار إلى هذا [بقوله]: ((ما كان الرِّفق في شيءٍ، إلا زَانَهُ))، وضِدُّه الخُرْقُ
والاستعجال، وهو مفسد للأعمال، ومُوجِبٌ لسُوء الأُحدوثة، وهو المُعبَّر
عنه بقوله: ((ولا نُزِعَ من شيء؛ إلا شانه))؛ أي: عابه، وكان له شيئاً.
وأما الخُرْقُ والعُنُفُ: فَمُوجِبٌ لفَوْتِ مصالح الدنيا، وقد يُفضيان إلى
تفويت ثواب الآخرة، ولذلك قال ◌َّهِ: ((مَنْ يُخْرَمِ الرِّفْقَ؛ يُحْرَمِ الخَيْرَ))؛
أي: يُفضِي ذلك به إلى أن يُحرَمَ خيرَ الدنيا والآخرة(٣).
(قض): وإنما ذكر قوله: ((وما لا يعطي على ما سواه)) بعد قوله:
((ما لا يعطي على العنف))؛ ليدل على أن الرِّفقَ أنجحُ الأسباب كُلِّها،
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٧١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٤٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٧٨).
٥٨٨

وأنفعُها بأسرها(١).
(ط): في معناه قول الشاعر :
هَيْهَاتَ أَنَتَ بَبَاطِلٍ مَشْفوفُ
يا طَالِبَ الرِّزْقِ السَّنِيِّ بقُوَّةٍ
ورَعَى الذُّبَابَ الشَّهْدَ وَهْوَ ضَعِيفُ
أكَلَ العُقَابُ بِقُوَّةٍ جِيَفَ الفَلا
المعنى: ينبغي للمرء أن لا يَخْرِصَ في رزقه، بل یکلُه إلی الله تعالى
الذي تولَّى القِسْمةَ في خلقه، فالنَّسر يأكل الجِيَفَ بعُنفه، والنَّحل يرعى
الشَّهْدَ برفقه(٢).
٦٣٥ - وعنها: أَنَّ النبيَّ وَّهِ قالَ: ((إِنَّ الرِّفقَ لا يَكُونُ فِي
شَيءٍ إِلَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلاَّ شَانَهُ))، رواه مسلم.
[
رالسّـ
* قوله قاقير: ((لا يكون الرفق في شيء إلا زانه)»:
(ط): يحتمل أن تكون (كان) تامةً، و((في شيء)» مُتعلِّق به، وأن
تكون ناقصة، و(في شيء) خبره، والاستثناء مُفرٌَّ من أعمِّ عامِّ وصف
الشيء، أي: لا يكون الرِّفقُ مُستقِراً في شيء، مُنَّصف بوصف من
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٧١ - ٢٧٢).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٢٩).
٥٨٩

الأوصاف، إلا بصفة الزِّينة، والشيء عامٌّ في الأوصاف والذِّوَات(١).
٠
٦٣٦ - وعن أبي هُرِيرَةَ ﴾، قالَ: بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي المَسْجِدِ،
فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيَقَعُوا فِيهِ، فَقالَ النِبِيُّنَّهِ: ((دَعُوهُ، وَأَرِيقُوا عَلَى
بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوباً مِن ماءٍ؛ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ
تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ))، رواه البخاري.
((السَّجْلُ)) بفتح السين المهملة وإسكان الجيم، وَهِيَ: الدَّلُو
المُمْتَلِئَةُ ماءً، وَكَذَلِكَ الذَّنُوبُ.
* قوله: ((بال أعرابي)):
(الجوهري): (العرب) جيل من الناس، والنسبة إليهم: عربيٍّ، وهم
أهل الأمصار، و(الأعراب): سُكَّان البادية خاصَّة، والنسبة إلى الأعراب
أعرابيٌّ؛ لأنه لا واحد له، وليست الأعراب جمعاً لعرب.
(ن): قوله {مَّ﴾ ((دعوه)) لمصلحتين، إحداهما: أنه لو قطع عليه بولُه؛
تضَّرر، وأصل التنجيس قد حصل، وكان احتمالُ زيادته أَوْلى من إيقاع الضَّرَر به.
والثانية: أن التنجيسَ حصل في جُزء يسير من المسجد، فلو أقاموه
في أثناء بوله؛ لتنجست ثيابُه، وبدنُهُ، ومواضعُ كثيرة من المسجد(٢).
(١) المرجع السابق، (١٠ / ٣٢٣٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٩١).
٥٩٠

(ك): فيه: دفعُ أعظم الضَّرَرين باحتمال أَخفِّهما، قال ابن بَطَّال:
فعل ◌َّ ذلك؛ استئلافاً للأعراب، وتحقيقاً لمقتضى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤](١).
(ن): فيه: الرِّفقُ بالجاهل، وتعليمُه ما يلزمُه، من غير إيذاء
ولا تعنيف إذا لم يأت بالمُخالفة؛ استخفافاً وعِناداً(٢).
(خط): فيه: دليلٌ على أن الماءَ إذا ورد على النجاسة على سبيل
المُكاثرة والغَلبَة؛ طَهَّرها، وعلى أن غُسالات النجاسة طاهرةٌ إذا لم يكن فيها
تغيُّر، وإن لم تكن مُطَهِّرةً، ولولاه؛ لكان الماءُ المَصبوب على البول أكثرَ
تنجیساً للمسجد من البول نفسه(٣) .
وأما ما رُوي من [حفر] المكان، ونقل ترابه: فإسناده غير مُتَّصل،
ولو وجب لزال معنى التيسير، ولصاروا إلى أن يكونوا مُعَسِّرين أقربَ.
وبلغنا عن سفيان الثوريٍّ قال: لم نجد في أمر الماء إلا السَّعَة.
قال الرَّبيعُ بن سليمان: سُئل الشافعيُّ عن الذُّبابة تقع في النَّتن ثم تطير
فتقع على ثوب الرجل، قال الشافعيُّ: يجوز أن يكون في طيرانها ما يُبْبسُ
ما برجلها، فإن كان كذلك، وإلا؛ فالشيء إذا ضاق؛ اتسع (٤).
قال الخطابيُّ: قلت: إذا أصابت الأرضَ نجاسةٌ، ومُطِرت مطراً عاماً؛
(١) انظر: ((الكواكب الدراري) للكرماني (٣/ ٧٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٩١).
(٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ١١٦ - ١١٧).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٣/ ٧١).
٥٩١

كان ذلك مُطهِّراً لها، وكانت في معنى صَبِّ الذَّنُوب وأكثر (١).
(حس): فيه: دلالةٌ على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة، لا تطهر
بالجفاف، ولا يجب حفرُ الأرض، ولا نقل التراب إذا صُبَّ عليها الماء(٢).
(مظ): الحفر والنقل واجبٌ عند أبي حنيفة، وأنَّ الشمس إذا جفَّفَتْها (٣)
طھَرت عنده(٤).
(ط): ((ميسرين)) حال، والمبعوث رسول الله بَّه، ولما كانت الصحابة
مُقْتَدِين به ومُهتَدِين بهَدْيه؛ كانوا متبوعين؛ كما ورد: ((النَّاسُ لَكُمْ تَبَعٌ))(٥)،
(ولم تبعثوا معسرين)) عطفٌ على قوله: ((إنما بعثتم ميسرين)) على طريقة
الطَّرْد والعَكْس؛ تقريراً ودلالة على أن الأمر مبنيٌّ على الْيُسْر قطعاً(٦).
(ك): قال ابن بَطّال: فرَّق أصحاب الشافعي بين ورود الماء على
النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء، فراعوا في ورودها عليه مقدارَ
القُلَّتين، ولم يراعوا في وروده عليها ذلك المقدار، وقال ابن القَصَّار: هذا
لا معنى له، لأنه قد تقرر أن الماء إذا ورد على النجاسة؛ لم يَنْجُس، إلا أن
يتغير، فكذلك [يجب] إذا وردت النجاسة [على الماء]؛ لا يَنجُس(٧) إلا أن
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ١١٧).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٢ / ٨٢).
(٣) في الأصل: ((جفتها)).
(٤) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٤٣٥).
(٥) رواه الترمذي (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري
. ،
وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٧٩٧).
(٦) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٣٥).
(٧) العبارة من الأصل: ((فكذلك إذا ورد على النجاسة لا ينجس)).
٥٩٢

یتغیر؛ إذ لا فرق في الموضعين.
أقول: لا نُسلِّم أنه لا فرق؛ إذ للماء قُوَّة عند الورود على النجاسة؛
لأن الوارد عاملٌ، والقُوَّة للعامل، ويدل على الفرق أنه وَّهِ منع المُستيقِظَ
من غَمْس يده في الإناء قبل غسلها، ولولا الفرق بين الوارد والمورود؛ لما
انتظم المنعُ من الغَمْس، والأمُر بالغسل(١).
٦٣٧ - وعَنْ أَنَسٍ ﴿هِ، عَنِ النبيِّ ◌َّهِ، قالَ: ((يَسِّرُوا وَلاَ
تُعَشِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنْفِّرُوا))، متفقٌ عليه.
rar /١١٧،
(التسَّادِينَ)
* قوله ميمي : ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا):
(ن): إنما جمع في هذه الألفاظ بين الشيء وضِدِّه؛ لأنه قد يفعلهما
في وقتين، فلو اقتصر على ((يسروا))؛ صدق ذلك على مَن يسر مرة أو
مرات، وعَسَّر في معظم الحالات، فإذا قال: ((ولا تعسروا))؛ انتفى التعسُّر
في جميع الأحوال من جميع وجوهه، وهذا هو المطلوب.
وفي هذا الحديث: الأمر بالتبشير بفضل الله، وعظيم ثوابه، وجزيل
عطائه، وسَعَةِ رحمته، والنهي عن التنفير؛ بذكر التخويف، وأنواع الوعيد
من غير ضَمِّها إلى التبشير.
وفيه: تأليف من قَرُب إسلامُه، وترك التشديد عليهم، وكذلك مَن
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٣/ ٧٢).
٥٩٣

قارب البلوغ من الصِّبيان، ومَن تاب من المعاصي، كلَّهم يُتلطّف بهم،
ويُدرجون في أنواع الطاعات قليلاً قليلاً، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف
على التدريج، فمتى يُسِّر على الداخل في الطاعة، أو المريد للدخول فيها؛
سَهُلَت عليه، وكانت عاقبتُه غالباً التزايدَ منها، ومتى عُسِّرت عليه، أوشك
أن لا يدخل فيها، وإن دخل؛ أوشك أن لا يدومَ، ولا يستحليها(١).
(ك): هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لاشتماله على خير الدنيا
والآخرة؛ لأن الدنيا دار الأعمال، والآخرة دار الجَزاء، فأمر ◌َّهِ فيما يتعلَّق
بالدنيا بالتسهيل، وفيما يتعلَّق بالآخرة بالوعد بالخير، والإخبار بالسُّرور،
وتحقيقاً لكونه رحمةً للعالمين في الدارين(٢).
(ط): ((بشروا ولا تنفروا)) من باب المُقابلة المعنوية؛ إذ الحقيقة: أن
يقال: بَشِّروا ولا تُنْذِروا، واستأنسوا ولا تُنقِّروا، فجمع بينهما؛ ليَعُمَّ البِشارة،
والنِّارة، والاستئناسَ والتنفير، ويستفاد من هذا الحديث عدمُ الحرج والتضييق
في أُمور المِلَّة الحنيفية السَّمْحَة؛ كما قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدّينِ مِنْ
حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، (من) زيدت للاستغراق، والتنكير في (حرج) للشُّيوع،
و(عليكم) متعلق به، قُدِّم؛ للاختصاص، كأنه قيل: وسَّع الله علیکم دينكم
يا أُمَّة نبي الرحمة خاصَّة، ورفع عنكم الحرجَ أياً كان، فظهر من هذا ترجيحُ
فعل الأوّلين من السَّلَف الصالح على رأي المُتكلِّمين فيما نقله الشيخ مُحيي
الدِّين النواويُّ في ((الروضة)) من ((الشرح الكبير))؛ من أنه لا يشترط أن يكون
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٤١).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢/ ٣٤).
٥٩٤

للمجتهد مذهبٌ مُدوَّن، وإذا دُوِّنت المذاهب؛ فهل يجوز للمقلد أن ينتقل من
مذهب إلى مذهب؟ إن قلنا: يلزمه الاجتهاد في طلب الأعلم، وغلب على ظنه
أن الثانيَ أعلم ينبغي أن يجوز، بل يجب، وإن خَيَّرناه؛ فينبغي أن يجوز أيضاً؛
كما لو قلد في القبلة هذا أياماً [وهذا أياماً]، ولو قلد مجتهداً في مسائلَ(١)،
وآخر في مسائل أخرى؛ واستوى المجتهدان؛ خيرناه، والذي يقتضيه فعل
الأولين الجواز، وكما أن الأعمى إذا قلنا: لا يجتهد في الأواني والثياب؛ له أن
يقلد في الثياب واحداً، وفي الأواني آخرَ.
لكن الأُصوليون منعوا منه للمصلحة، وحكى الحَنَّاطيُّ وغيره عن أبي
اسحق فيما إذا اختار من كل مذهب ما هو أهونُ عليه؛ أنه يَفسُق به، وعن
[ابن] أبي هريرة: أنه لا يفسق، ويعضد هذا الترجيحَ قولُ الإمام مالك حين
أراد [الرشيد] الشُّخوصَ من المدينة إلى العراق؛ قال له: ينبغي أن تخرج
معي؛ فإني عزمت أن أحمل الناس على ((الموطأ))؛ كما حمل عثمانُ الناسَ
على القرآن، فقال: أما حمل الناس على ((الموطأ)): فليس إلى ذلك سبيلٌ؛
لأن أصحابَ رسول الله وَّ﴿ افترقوا بعده في الأمصار، فحَدَّثوا، فعند أهل
كل مصر عِلمٌ، وقد قال رَّهِ: ((اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ) (٢).
(١) في الأصل: ((في آخر)).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٩٠ - ٢٥٩١)، والحديث ذكره الحافظ
العراقي في ((المغني عن حمل الأسفار)) (٢١ / ٢٣)، وقال: ذكره البيهقي في
(رسالته الأشعرية)) تعليقاً، وأسنده في ((المدخل)) من حديث ابن عباس
بلفظ: ((اختلاف أصحابي لكم رحمة)) وإسناده ضعيف، وفي ((ضعيف الجامع
الصغير)) (٢٣٠): موضوع.
٥٩٥

٦٣٨ - وعن جريرِ بنِ عبدِ الله ◌ُه، قال: سمعتُ رَسُولَ الله وَ﴾
يَقُولُ: ((مَنْ يُخْرَعِ الرَّفْقَ، يُخْرَعِ الخَيْرَ كُلَّهُ)، رواه مسلم.
النَّاء
سبق في (الباب الثالث).
٦٤٠ - وعَنْ أَبِي يَعلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﴾، عن رَسُولِ اللهِ،
قالَ: ((إِنَّ الله كَتَبَ الإِحْسَان عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذا قَتَلْتُمْ، فَأَحْسِنُوا
القِتْلَةِ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ، فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَه، وَلْيُرِخْ
ذَبِیحَتَهُ)، رواه مسلم.
* قوله : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء)»:
(ق): أي: أمر به، وحضَّ عليه، و((على)) هاهنا بمعنى (في)؛ كما
قال تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنٌ ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ أي:
في ملكه، ويقال: كان كذا على عهد فلان؛ أي: في عهده حكاه القُتَبِيُّ (١).
(ط): ضمن الإحسان معنى التفضُّل، وعداه بـ (على)، والمراد
بالتفضُّل راحةُ الذبيحة بتحديد الشفرة، وتعجيل إمرارها، وغيره(٢).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٤٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٨٠٧).
٥٩٦

(ق): التحسين هاهنا بمعنى الإحكام، والإكمال، والتحسين في الأعمال
المشروعة، فحقٌّ على مَن شرع في شيء منها أن يأتيَ به على غاية كماله،
ويحافظ على آدابه المُصَحِّحة المُكَمِّلة، فإذا فعل ذلك؛ قُبل عملُه، وكَثُر
ثوابه، وإحسان الذبح في البهائم: الرِّفق بالبهيمة، فلا يصرعها بعُنف، ولا
يجرُّها من موضع إلى موضع؛ وإحداد الآلة (١)، وإحضار نية الإباحة والقُربة،
وتوجيهها إلى القبلة، والتسمية، وقطع الوَدَجين، والخُلقوم، وإراحتها،
وتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله تعالى بالمِنَّة، والشُّكر له على النعمة؛ بأنه
سخّر لنا ما لو شاء؛ لسَلَّطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء؛ لحَرَّمه علينا.
وقال ربيعة: من إحسان الذبح أن لا يذبح بهيمةً، وأُخرى تنظر،
وحُكي جوازُه عن مالك، والأول أَوْلَى (٢).
(ط): ((القتلة)) بكسر القاف: الحالة التي عليها القاتل في قتله؛
كالجِلْسَة والرِّكْبَة، والمراد بقوله: ((وليرح))؛ أي: ليتركه حتى يستريح ويَبَرُد؛
من قولهم: أراح الرجل: إذا رجعت إليه نفسُه بعد الإعياء، والاسم
الراحة (٣).
(ن): أي: ليرح الذبيحة؛ بإحداد السِّكِّين، وتعجيل إمرارها، ويُستحبُّ
أن لا يُحِدَّ السِّكِّين بحضرة الذبيحة، وأن لا يذبح واحدة بحضرة أُخرى،
ولا يجرُّها إلى مذبحها، وقوله: ((وليحد)): بضم الياء، يقال: أَحَدَّ السكِّين،
(١) في الأصل: ((إذلالاله))، والمثبت من ((المفهم)).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٤٠ -٢٤٢).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٨٠٧).
٥٩٧

وحَدَّدها، واستحدها بمعنىّ، و((الذبحة)) يروى بفتح الذال بغير هاء في أكثر
النسخ، وفي بعضها بكسر الذال وبالهاء؛ كالقتلة، وهي الهيئة والحالة، وقوله:
((فأحسنوا القِتلة))، و((الذِّبحة)) عامٌّ في كل قتيل من الذبائح، والقتل قصاصاً،
ونحو ذلك، وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة(١).
٦٤١ - وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالتْ: ما خُيَِّ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ بَيْنَ أَمْرَينٍ قَطُّ إِلاَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُما، مَا لَم يَكُنْ إِثْماً،
فَإِنْ كَانَ إِثْماً، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتُقَمَ رَسُولُ اللهِوَّهِ لِنَفْسِهِ فِي
شَيْءٍ قَطُّ، إِلاَّ أَنْ تُهَكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتُقِمَ للهِتَعالَى، متفقٌ عليه.
[التَِّى]
* قوله: ((إلا اختار أيسرهما»:
(ن): فيه: استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حراماً أو
مكروهاً، قال القاضي: ويحتمل أن يكون تخييره بَّر هنا من الله تعالى،
فيخيره فيما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار؛ من القتال، وأخذ الجزية،
أو في حَقِّ أُمَّته في المُجاهدة في العبادة أو الاقتصاد، فكان يختار الأيسرَ في
كل هذا، قال: وأما قولها: ((ما لم يكن إثماً): فيُتُصوَّر إذا خيَّره المنافقون،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٠٧).
٥٩٨

فأما إن كان التخيير من الله، أو من المسلمين: فيكون الاستثناء منقطعاً (١).
(ق): قولها: ((ما انتقم رسول الله وَل﴿ لنفسه قط))؛ أي: كان يصبر
على جهل من جَهِل عليه، ويتحمَّل جفاءه، ويصفح عمَّن آذاه في خاصَّة نفسه؛
كصَفْحِه عمَّن قال: يا محمد؛ اعدل؛ فإن هذه قِسْمَةٌ ما أُريد بها وجهُ الله، وما
عَدَلْتَ منذ اليوم، وكصَفْحِه عن الذي جَبَذْ رداءه حتى شَقَّه، وأثَّر في عُنقه (٢).
(ن): ((إلا أن تنتهك حرمات الله)) استثناءٌ منقطع، معناه: لكن إذا
انْتُهكت حرمة الله؛ نصر اللهَ، وانتقم ممَّن ارتكب ذلك، وانتهاك حرمة
الله : هو ارتكاب ما حَرَّمه.
وفي هذا الحديث: الحَثُّ على العفو، والحِلْم، واحتمال الأذى،
والانتصار لدين الله تعالى مِمَّن فعل مُحرَّماً أو نحوه.
وفيه: أنه يُستحبُّ للأثمَّة، والقُضاة، وسائر وُلاة الأُمور التخلُّق بهذا
الخُلُق الكريم، فلا ينتقم لنفسه، ولا يُهمِل حقَّ الله، وقد أجمع العلماء
على أن القاضيَ لا يقضي لنفسه، ولا لمَن لا تجوز شهادته له(٣).
(ق): فإن قيل: فأذاه وَّهِ انتهاكُ حُرمة من حُرُمات الله، فكيف يترك
الانتقام لله تعالى فيها؟
فالجواب: أنه وَّهُ ترك الانتقامَ مِمَّن آذاه؛ استئلافاً، وتركاً لما يُنفِّر
عن الدخول في دينه؛ كما قال ◌َله: ((لا يَتحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحمَّداً يَقْتُلُ
(١) المرجع السابق، (١٥ / ٨٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ /١١٨ -١١٩).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٨٤).
٥٩٩

أَصْحَابَه))(١)، فمُراد عائشة رضي الله عنها بقولها: (إلا أن تنتهك حرمة الله)
الحرمةُ التي لا ترجع لحَقِّ النبيِّ وَِّ؛ كحُرمة الله، وحُرمة محارمه؛ فإنه
كان يقيم حُدودَ الله على من انتهك شيئاً منها، ولا يعفو عنها؛ كما في
حديث السارق: ((لو أنَّ فَاطِمَةَ سَرَقَتْ؛ لَقَطَعْتُ يَدَها))(٢)، لكن ينبغي أن
يُفهمَ أن صَفْحَه عمَّن آذاه كان مخصوصاً به وبزمانه؛ لما ذكرناه، وأما بعد
ذلك فلا يُعفی عنه بوجه.
قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن من سَبَّ النبيَّ ◌َّ؛
كفر، واختلفوا هل حكمُه حكم المُرتَدٌ؛ يُستتاب، أو حكم الزِّنديق؛
لا يستتاب؟ وهل قتله للكفر، أو للحَدِّ؟ فجمهورهم علی أن حُكمَہ حکمُ
الزِّنديق، لا تقبل توبته، وهو مشهور مذهب مالك، وقولُ الشافعيِّ، وأحمدَ،
وإسحاق(٣).
٦٤٢ - وعَنِ ابنِ مسعودٍ ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَلَا
أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ - أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ -: تَحْرُمُ
عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنِ سَهْلٍ))، رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ
حسنٌ.
(١) رواه البخاري (٣٣٣٠)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر .
(٢) رواه البخاري (٣٢٨٨)، ومسلم (١٦٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها .
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١١٩/٦ - ١٢٠).
٦٠٠