النص المفهرس

صفحات 521-540

٦٠٣ - وعَنْ أبي هُرَيرة ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قالَ:
(ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مالٍ، وما زادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً،
ومَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ الله)، رواه مسلم.
(الثَّانِى)
سبق شرحه في (الباب الستين) وهذا الحديث رواه البيهقيُّ في ((الشعب))
بزيادة عن عمره: أنه قال وهو على المنبر: يا أَيُّها الناسُ؛ تَوَاضَعُوا؛ فإني
سمعتُ رسولَ اللهِوَِّ يقول: ((مَنْ تَوَاضَعَ لله؛ رَفَعَهُ اللهُ، فَهْوَ فِي نَفْسِه صَغِيرٌ،
وفي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ، ومَنْ تَكَبَّرَ؛ وَضَعَهُ اللهُ، فهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ،
وفي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، حَتَّى لَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِم مِن كَلْبٍ وخِنْزِيرٍ))(١).
٠٠
٦٠٤ - وعن أَنَسٍ ﴿: أَنَّ مَرَّ صِبيانٌ فَسَلَّمْ عَلَيْهِم، وقالَ:
كَانَ النَّبِيُّ وَِّ يَفْعَلُهُ، متفقٌ عليه.
(الثَّالُِّ))
(ن): فيه: الندبُ إلى التواضُع، وبذل السلام للناس كُلِّهم، وبيان
تواضُعِهِ وَّهِ، وكمال شفَقَته على العالمين، واتفق العلماءُ على استحباب
السلام على الصِّبيان، ولو سَلَّم على رجال وصبيان، فردَّ السلامَ صبيٌّ
منهم؛ هل يسقط فرضُ الرَّدِّ عن الرجال؟ فيه وجهان، أصحّهما: يسقط،
(١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨١٤٠)، وهو حديث موضوع. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (١٢٩٥).
٥٢١

ومثله الخلاف في صلاة الجنازة، هل يسقط فرضها بصلاة صبيٍّ؟ والأصُ
سقوطُه، ونصَّ عليه الشافعيُّ، ولو سَلَّم الصبيُّ على رجل؛ لزم الرجلَ ردُّ
السلام، هذا هو الصوابُ الذي أطبق عليه الجمهور، وقال بعضُ أصحابنا:
لا يجب، وهو ضعيفٌ أو غلَطُ(١).
(ق): تسليمه وَّهم على الصِّبيان إنما كان؛ ليُبيِّنَ مشروعية ذلك،
وليُفشِيَ السلامَ، ولينالوا بركةَ تسليمه عليهم، وليُعلِّمَهم كيفيةَ التسليم،
وسُنّته، فيألفوه ويتمرّنوا عليه(٢).
٦٠٥ - وعنه، قالَ: إِنْ كانَتِ الأَمَةُ مِنْ إمَاءِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ
النَّبِّ وَِّ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيثُ شَاءَتُ، رواه البخارُّ.
(ك): فيه: بيانُ تواضعه وَِّ، والمقصود من الأَخْذ [بيده لازمه] هُو
الرِّفق والانقياد؛ يعني: كان خُلُق رسول الله وَّهِ بهذه المَرتبة، وهو أنه لو كان
لأمة حاجةٌ إلى بعض مواضع المدينة، والتمست منه مُساعدتها في تلك الحاجة،
واحتاج بأن يمشيَ معها لقضائها؛ لَما تخلَّف عن ذلك حتى يقضي حاجتها.
وفيه: أنواع من المُبالغة؛ من جهة أنه ذكر المرأةَ لا الرجل، والأمةَ
لا الحُرَّة، وعَمَّم بلفظ الإماء؛ أي: أيَّ أَمَةٍ كانت، وبقوله: ((حيث شاءت))
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦/ ٤١٢ - ٤١٣).
٥٢٢

من الأمكنة، وعَبَّر عنه بلفظ الأَخْذِ باليد الذي هو غاية التصرُّف(١).
٠٠٠
٦٠٦ - وعَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، قالَ: سُئِلَتْ عَائِشَةُ رضيَ الله
عنها: ما كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَصِنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قالَتْ: كَانَ يَكُون في مَهْنَةٍ
أَهْلِهِ - يَعني: خِدمَةِ أهلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، خَرَجَ إلى
الصَّلاَةِ، رواه البخاريُّ.
(نه): (المهنة): الخِدْمة، والرواية بفتح الميم، وقد تكسر، قال
الزمخشريُّ: وهو عند الأثبات خطأ، وقال الأصمعيُّ: المهنة بفتح الميم،
ولا يُقال بالكسر(٢).
(ك): فيه: أن خدمة الدار وأهلها سُنَّة عباد الله الصالحين، وفيه:
فضيلة الجماعة(٣).
٦٠٧ - وعَنْ أَبِي رِفَاعَةَ تَمِيمٍ بْنِ أُسَيدِ ﴾، قالَ: انْتُهَيْتُ إِلَى
رَسُولِ اللهِوَّهِ وهو يَخْطُبُ، فقلْتُ: يا رَسُولَ الله! رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ
يَسْأَلُ عن دِينِهِ لاَ يَدْرِي مَا دِينُهُ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وتَرَكَ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢١ / ٢٠٦).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٣٧٦).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ٥٩).
٥٢٣

خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتُهَى إليَّ، فأُتي بِكُرسِيٍّ، فَقَعَدَ عَلَيهِ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنى
مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ، فَأَمَّ آخِرَهَا، رواه مسلم.
(السَّاكِيُ)
* قوله: «رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟)):
(ن): فيه: استحبابُ تَلطُّف السائل في عبارته وسُؤاله العالم(١).
(ق): هذا منه استلطافٌ في السؤال، واستخراجٌ حَسَنٌ للتعليم؛ لأنه
لمَّا أخبره بذلك؛ تَعيَّن عليه أن يُعلِّمه.
وأيضاً؛ فإن هذا الرجل الغريب الذي جاء سائلاً عن دينه هو من
النوع الذي قال فيه النّبِّي ◌َّهِ: ((إنَّ نَاساً يَأْتُونَكُم مِن أَقْطَارِ الأَرْضِ يَطْلُبُونَ
العِلْمَ، فاستَوْصُوا بِهِمْ خَيْراً)(٢)، وكان ◌َّ﴿ لا يأمرُ بشيء؛ إلا كان أوَّلَ آخذ
به، وإذا نهى عن شيء؛ كان أوَّلَ تارك له(٣).
* قوله: ((فأقبل علي وترك خطبته)) :
(ن): فيه: كمال تواضُعِهِ وَله، وشَفَقَته على الأُمَّة، ورِفْقِه بالمسلمين،
وخَفْضٍ جناحه لهم، وفيه: المُبادرة إلى جواب المُستفتي، وتقديم أهمِّ
الأُمور فَأَهمِّها، ولعله كان يسأل عن الإيمان وقواعده المُهمَّة، واتفق العلماء
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٦٥).
(٢) رواه الترمذي (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ـ
. ،
وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٦٥١).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥١٤).
٥٢٤

على أن مَن جاء يسأل عن الإيمان، وكيفية الدخول في الإسلام؛ وجبت
إجابتُه وتعليمُه على الفَوْر(١).
(ق): إنما فعل ذلك؛ لتعيّنه عليه في الحال، أو لخوف الفَوْت، أو
لأنه كان لا يناقض ما كان فيه من الخُطبة، ومشيُهُ وََّ، وقُرْبُه منه في تلك
الحالة مُبادرةٌ لاغتنام الفُرصة، وإظهار الاهتمام بشأنه(٢).
(ن): (الكرسي) بضم الكاف وكسرها، الضم أشهر، وقعوده وَّه
على الكرسيِّ؛ ليستمع الباقون كلامه، ویروا شخصه الكريم(٣).
* قوله: ((ثم أتى خطبته فأتم آخرها)):
(ن): يحتمل أن هذه الخطبة كانت لغير الجمعة؛ ولهذا قطعها بهذا
الفَصْل الطويل؛ ويحتمل أنها كانت للجُمعة واستأنفها، وأنه لم يَحصُل
فَصْلٌ طويل، ويحتمل أن كلامَه مع هذا الغريب كان مُتعلِّقاً بالخُطبة،
فيكون منها، ولا يضُرُّ المشيُّ في أثنائها(٤).
*
٠٠
٦٠٨ - وعَنْ أَنَسِ ◌َ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ كَانَ إِذا أُكَلَ طَعَاماً،
لَعِقَ أَصَابِعَه الثَّلاثَ قالَ: وقالَ: ((إذا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيُمِطْ
عَنْهَا الأَذَى، ولْيَأْكُلْها، وَلاَ يَدَعْها لِلشَّيْطَانِ))، وَأَمَرَ أَنْ تُسْلَتَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٦٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥١٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٦٦).
(٤) المرجع السابق، الموضع نفسه .
٥٢٥

الْقَصْعَةُ، قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ البَرَكَةُ))، رواه
مسلم.
التَّاء
قوله: ((لعق أصابعه الثلاث)):
(ق): هذا أدبٌّ حسَنٌ، وسُنَّة جميلة؛ لأنها تشعر بعدم الشَّرَه في
الطعام، والاقتصار على ما يحتاج إليه من غير زيادة عليه، وهذا فيما يَتأَّى
فيه ذلك من الأطعمة، وما لا يتأتى ذلك فيه؛ استعان عليه بما يحتاج إليه
من أصابعه، ولَعْقُهُ وَّهِ أصابعَه الثلاثَ، وأَمْرُه بذلك يَدُلُّ على أنه سُنَّةٌ
مُستحبَّة، وقد كرهه بعضُ العامَّة واستقذره، وقوله بالكراهة والاستقذار
أَوْلَى من سُنَّة رسول الله وَّهِ، ولو سكت الجُهَّال؛ قل الخلاف، وفائدة
اللَّعْقِ: احترامُ الطعام، واغتنامُ البرَكة(١).
(ن): وتنظيف اليد(٢).
* قوله ريرافي: ((فليمط عنها الأذى، وليأكلها))، سبق شرحه في (الباب
السادس عشر).
٦٠٩ - وعَنْ أَبِي هُرِيرة ◌ُه، عن النبيِّ وَّ، قال: ((مَا بَعَثَ اللهُ
نَبِيّاً إِلَّ رَعَى الغَنَمَ)، قالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقالَ: ((نَعَمْ، كُنْتُ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٩٨).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٢٠٣).
٥٢٦

أَرْعَاهَا عَلى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ))، رواهُ البخاري.
(الثَّافِرُ)
تقدم في (الباب التاسع والستين).
٦١٠ - وعنهُ، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((لَوْ دُعِيْتُ إلى كُرَاعٍ أَوْ
ذِرَاعٍ، لأجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ، لَقَبِلْتُ))، رواهُ
البخاري.
(التَُّ)
(نه): (الكراع): اسم موضع بين مكة والمدينة، وهو في الحديث:
(حَتَّى بلغ كُرَاعَ الغَمِيمِ)، و(الغَميم) بالفتح: واد في الحجاز؛ والكراع جانب
مستطيل من الحَرَّة؛ تشبيهاً بالكُراع، وهو ما دون الرُّكبة من السَّاق(١).
(مظ): يعني: لو دعاني أحدٌ إلى ضيافة كُراعٍ غَنم؛ لأجبته، هذا إظهارٌ
للتواضع وتحریضٌ عليه(٢).
(ط): يحتمل أن يُراد بالكُراع الموضعُ، فيكون مُبالغةً لإجابة الدعوة(٣).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٦٥).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٥٠٩).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٠٤).
٥٢٧

٦١١ - وعَنْ أَنَسِ ﴾، قال: كَانَتْ نَقَةُ رَسُولِ اللهِّهِ العَضْبَاءُ
لاَ تُسْبَقُ، أَوْ: لاَ تَكَادُ تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلى قَعُودٍ لَهُ، فَسَبَقَهَا،
فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ: ((حَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ
لاَ يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيًّا إِلَّ وَضَعَهُ))، رواهُ البخاريُّ.
(الَشْر)
(نه): «العضباء)»: هو علم لها؛ من قولهم: ناقة عَضْبَاء؛ أي:
مَشقُوقة الأُذن، قال بعضُهم: إنها كانت مَشقُوقةَ الأُذن، والأوَّل أكثر، قال
الزمخشريُّ: هو منقول من قولهم: ناقة عَضْباء، وهي القَصِيرةُ الید.
والقَعُود من الإبل: ما أمكن أن يُركَبَ، وأدناه: أن يكون له سنتان،
ثم هو قعود إلى السنة السادسة، ثم هو جمل(١).
(ط): فيه: جواز المُسابقة بالخيل والإبل، انتهى(٢).
وفيه: الحَثُّ على مُلازمة التواضُع، والتحذير من التكبُّر، والترفُّع،
والاستعلاء، وأن مَن رام ذلك؛ فليُوطِّن نفسَه على نزول الضَّعَة والذُّلِّ به
على قُرْب؛ فإنه لا يُرفَع شيء من الدنيا؛ إلا كان وَضْعُه حقاً على الله
سبحانه، وقد قيل:
فإِيَّاكَ والذَّرَجَ العَالِيَةْ
بِقَدْرِ الصُّعُودِ يَكُونُ الهُبُوطُ
تَقُومُ ورِجْلاكَ في عَافِيةٌ
وَكُنْ فِي مَقَامٍ إِذَا مَا سَقَطْتَ
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٥١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٦٦٨).
٥٢٨

أنشد شیخُ شهاب الدِّین عمر أبو حفص السُّهْروزِيُّ رحمه الله :
ولَمْ يَبِتْ قَطُ مِنْ أَمْرٍ عَلى خَطَرِ
مَنْ أَخْمَلَ النَّفْسَ أَحْيَاهَا وأَنْعَشَها
فَلَيْسَ تَرْمِي سِوَى العَالِي مِنَ الشَّجَرِ
إِنَّ الرِّيَاحَ إِذا هَاجَتْ عَوَاصِفُها
قال بعضُ العلماء: في هذا الحديث إشارةٌ إلى استعداد الدنيا للتغيُّر،
والتبدُّل، والانقلاب بأهلها، وقد خلقها الله تعالى مَعْبَراً إلى الآخرة، وجعل
تلوُّنَها دليلاً على قِلَّةً لُبِها، فالعاقل مَن يرفع منها زادَ المَعادة، ولا يُتبع نفَسه
هواها؛ فإنها لا تبقى على حال، بيناً ترى الشيء فيها رائقاً يُعجِب الناظرَ،
ويشغل الخاطرَ فيكُرُّ النظر إليه، فلا يعرفه لتنُّره وتغُّره.
٥٢٩

٧٣- باب
تحريمِ الكِبْرِ والإعجابِ
* قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُ ونَ عُلُوًّا
فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
* وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ اَلْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقال
تعالى: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحً إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ
مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [لقمان: ١٨].
ومعنى «تصعر خدك للناس»: آَيْ: تمیلُه، وتُعرض به عن
الناس تكبراً عليهم، ((والمرح)): التبختر.
* وقال تعالى: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمّ وَءَانَيَْهُ
مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَثَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللّهُ
لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] إلى قوله تعالى: ﴿فَسَفْنَابِهِ، وَبِدَارِهِ
اُلْأَرْضَ﴾ الآيات.
(الباب الثاني والسبعون)
(في تحريم الكبر والإعجاب)
قال الإمام الغزاليُّ رحمه الله: الكِبْر ینقسم إلى ظاهر وباطن، فالباطن:
٥٣٠

هو خُلُقَ في النفس، والظاهر: هو أعمالُ تصدر عن الجَوارِحِ، واسمُ الكِبْر
بالخُلُق الباطن أحقُّ، وأما الأعمال: فهي ثمراتٌ لذلك الخُلُق، فإذا ظهر على
الجَوارح؛ يقال: تَكَبَّر، وإذا لم يظهر؛ يقال: في نفسه كِبْر، فالأصل هو
الخُلُق الذي في النفس، وهو الاسترواحُ والرُّكون إلى رُؤية النفس فوق المُتكبِّر
عليه؛ فإن الكِبْر يستدعي مُتكبَّراً عليه، ومُتكبَّراً به، وبه ينفصل الكِبْر عن
العُجْب؛ فإن العُجْبَ لا يستدعي غير المُعجَب، بل لو لم يُخلَق الإنسان إلا
وحده؛ تُصوِّرَ أن يكون مُعجَباً، ولا يُتصوَّر أن يكون مُتكبِّراً، إلا أن يكون مع
غيره، وهو يرى نفسَه فوق ذلك الغير في صفات الكمال.
فإذا رأى لنفسه مرتبةً ولغيره مرتبةً، ثم يرى مرتبةَ نفسه فوق مرتبة
غيره؛ فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خُلُق الكِبْر، لا أن هذه
الرُّؤية هي الكِبْر، بل هذه الرُّؤية وهذه العقيدة تنفخ فيه، فيحصل في قلبه
اعتدادٌ، وهِزَّةٌ، وفَرحٌ، ورُكون إلى ما اعتقده، وعِزٌّ في نفسه بسبب ذلك،
فتلك العِزَّةُ والهِزَّةُ والرُّكون إلى العقيدة هو خُلُق الكِبْر (١).
وأما العُجْب: فهو استعظامُ النعمة، والرُّكون إليها، مع نسيان إضافتها
إلى المُنعِم، فإن انضاف إلى ذلك أن غلب على نفسه أنَّ له عند الله حَقّاً، وأنه
منه بمكان، حتَّى توقَّع بعمله كرامةً في الدنيا، واستبعد أن يجري عليه مكروهٌ
استبعاداً يزيد على استبعاده ما يجري على الفُسَّاق؛ سُمِّي هذا إدلالاً بالعمل،
والإدلال وراء العُجْب، فلا مُدِلَّ إلا وهو مُعجَبٌ، ورُبَّ مُعْجَب لا يَدِلُّ،
والعُجْب والإدلال من مُقدِّمات الكِبْر وأسبابه.
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤).
٥٣١

* قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ هُوًّا فِ آلْأَرْضِ وَلَا
فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]؛ أي: الدار الآخرة، ونعيمها المُقيم الذي لا يَحُول ولا
يَزُول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون ترفُّعاً على خَلْق
الله، وتواضعاً عليهم، وتجبُّراً بهم.
روى ابن جرير عن عليٍّ ◌ُه قال: إن الرجل لَيُعجِبُه من شِرَاك نعله أن
يكون أجودَ من شِرَاك صاحبه، فيدخل في قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا
لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا ﴾ [القصص: ٨٣]، الآيةَ، وهذا محمولٌ على ما إذا أراد بذلك
الفخرَ على غيره، أما إذا أحبَّ ذلك لمُجرَّد التجمّل: فلا بأس به، فقد ثبت أن
رجلاً قال: يا رسولَ الله؛ إني أُحِبُّ أن يكون ردائي حسَناً، ونَعْلِي حسناً،
أفمِنَ الكِبْر ذلك؟ قال: ((لا، إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ))(١).
(الكشاف): ﴿تِلْكَ﴾ تعظيمٌ لها، وتفخيمٌ لشأنها؛ يعني تلك التي
سمعتَ بذكرها، وبلغك وصفُها، ولم يُعلِّق المَوعدَ بترك العُلُوِّ والفساد،
ولكن بترك إرادتهما، ومَيْلِ القلوب إليهما، كما قال: ﴿ وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ
ظَلَمُواْ﴾ [هود: ١١٣]، فعَلَّق الوعيدَ بالزُّكون.
وعن الفُضَيل أنه قرأها، ثم قال: ذهبت الأَمَاني هاهنا، وعن عمر بن
عبد العزيز: أنه کان یُردِّدها حتى قُبِض.
ومن الطُّمَّاع مَن يجعل العُلُوَّ لفِرعونَ، والفساد لقَارُونَ مُتعلِّقاً بقوله:
﴿ إِنَّفِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]، و﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِ﴾ [القصص:
٧٧]، ويقول: مَن لم يكن مثلَ فرعونَ وقارونَ؛ فلَهُ تلك الدار الآخرة؛ ولا
يتدبر قوله: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]؛ كما تدبّره عليّ بن أبي طالب،
(١) رواه مسلم (٩١) من حديث عبدالله بن مسعود ضـ
٥٣٢

والفُضيل، وعمرُ بن عبد العزيز(١).
، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًاً﴾ [لقمان: ١٨]؛ أي: مُتْبَخْتِراً،
مُتَمَايلاً، مَشْيَ الجَبَّارين، ﴿إِنَّكَ لَنْ تَّخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧]، لن تقطعَ
الأرضَ بِمَشْيِك، ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ لَجِبَالَ حُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]؛ أي: بتَمايُلك،
وفَخْرِك، وإعجابك بنفسك، بل قد يُجَازى [فاعلٌ] ذلك بنقيض قصده؛
كما ثبت في الصَّحيح: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِيمَن كانَ قَبلَكُم، وعَلَيْهِ بُرْدَانِ
يَتَبْخَتَرُ فِيهِمَا؛ إذْ خُسِفَ بهِ فِي الأَرْضِ، فهو يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إلى يَوْمِ
القِيَامَةِ)(٢)، وسبق قريباً قولُهُ وَّهُ: ((مَنِ اسْتَكْبرَ؛ وَضَعَهُ اللهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِه
كَبِيرٌ، وعندَ النَّاسِ صَغِيرٌ، حَتَّى لَهُوَ أَبْغَضُ إِلَيْهِم منَ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ».
ورأى العُمَرِيُّ العابدُ رجلاً من آل عليٍّ عَظُه يمشي وهو يخطر في
مِشْيَتِهِ، فقال له: يا هذا؛ إن الذي أكرمك الله به لم تكن هذه مِشْيَتَهُ، فتركها
الرجلُ بعدَه، ورأى ابنُ عمر رجلاً يخطر في مِشْبِه، فقال: إن للشيطان
إخواناً.
(قض): ﴿لَنْ تَّخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧]، لم تجعل فيها خَرْقاً بشِدَّة
وَطْأتك، ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]، بتطاولك، وهو تَهُّم
بالمُختال، وتعليلٌ للنھي ؛ بأن الاختيالَ حماقةٌ مُجرَّدٌ لا تعود بجَدْوی لیس
في التذُّل(٣).
(م): ((المرح)»: شِدَّة الفرح، والمراد النهيُ عن أن يمشيَ الإنسان
(١) انظر: ((الکشاف)) للزمخشري (٣ / ٤٣٩ - ٤٤٠)
(٢) رواه البخاري (٥٤٥٢)، ومسلم (٢٠٨٨) من حديث أبي هريرة
(٣) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٣/ ٤٤٦).
٥٣٣

مشياً يدلُّ على التكبُّر والعظمة(١).
وقوله: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ ﴾ [الإسراء: ٣٧]، فيه: التنبيهُ على كونه عاجزاً
ضعيفاً، فلا يليق به التکبُّر .
* قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨]؛ أي: تتكبر،
فتحتقر عبادَ الله، وتُعْرِض عنهم بوجهك إذا كلَّموك، قاله ابن عباس، وقال
زيدُ بن أسلمَ: لا تتكلّم وأنت مُعْرِضٌ.
قال ابنُ جرير: أصلُ الصَّعَر: داءٌ يأخذ الإبلَ في أعناقها، أو رُؤوسها
حتى تلويَ أعناقَها عن رُؤُوسها، فشُبِّه به الرجلُ المُتكبِّرِ.
قوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨]؛ أي: مُتكبِّراً، جَبَّاراً،
عَنِيداً، لا تفعل ذلك؛ يُغِضُك الله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ
فَخُورٍ ﴾ [لقمان: ١٨]؛ أي: مُعجَبٌ في نفسه، فَخُوّر على غيره.
(قض): تأخير الفخور، وهو مقابل للمُصَعِّر خدَّه، والمُختال للماشي
مَرحاً؛ ليوافق رُؤُوسَ الآيٍ، ثم قال: ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشِْكَ﴾ [لقمان: ١٩]، توسَّط
فيه بين الدَّبيب والإسراع، وعنه عليه الصلاة والسلام: ((سُرْعَةُ المَشْيِ تَذْهِبُ
بهَاءَ المُؤمِن))، وقول عائشة رضي الله عنها: كان إذا مشى؛ أسرعَ، فالمُرادُ
فوقَ دبيب المُتَمَاوِت(٢).
* قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٦]، قال
ابن عباس: كان ابنَ عمِّه، وقال قتادة: كان قارون يُسمَّى المُنَوَّرَ؛ لحُسن
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٠ / ١٦٩).
(٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ٣٤٨ -٣٤٩).
٥٣٤

صوته بالتوراة، ولكنَّ عدوَّ الله نافق؛ كما نافق السَّامِرُّ، فأهلكه البَغْيُ
لكثرة ماله، وقيل: زاد في ثيابه شبراً طويلاً؛ ترفُّعاً على قومه، وقوله:
﴿لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]؛ أي: ليْقِلُ حَمْلُها الفِئامَ من الناس؛
لكثرتها، وقيل: كانت مفاتيحُ كنوزه من جلود؛ كلُّ مفتاح مثلُ الإصبع؛
كلُّ مفتاح على خزانة على حِدَة، فإذا ركب؛ حُملت على ستين بغلاً أغَرَّ
مُحَجَّلاً، وقيل: غير ذلك.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾؛ أي: وعظه فيما هو فيه صالحو قومه، فقالوا على
سبيل النُّصْح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه؛ يعنون: لا تَبَطَر بما أنت فيه
من المال؛ ﴿إِنَّاللّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]؛ يعني: المَرِحِين الأَشِرِين
البَطِرِين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.
وقوله: ﴿وَأَبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَئِكَ اَللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧]؛ أي:
استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجَزيل، والنِّعمة الطائلة في طاعة
ربك، ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٦]؛ أي: ما أباح الله لك
فيها من المَآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح؛ فإن
لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولَزَوْرِك
عليك حقاً؛ فأدِّ كلَّ ذي حَقٍّ حقَّه.
وقوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ ﴾ [القصص: ٧٧]؛ أي: أحسن
إلى خلقه؛ كما أحسن هو إليك، ﴿وَلَا تَبْغِ اُلْفَسَادَ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [القصص: ٧٧]؛
أي: لا تكن هِمَّتُك بما أنت فيه أن تفسد به الأرضَ، وتُسيء إلى خلق الله،
قال: ﴿إِنَّمَا أُوِيَتُهُ عَلَ عِلْمٍ عِندِىّ﴾ [القصص: ٧٨]؛ أي: إن الله أعطاني هذا
المال لعلمه بأني أَستحِقُّه، ولمَحبَّته لي، فتقديره قال: إنما أوتيته لعلم الله
٥٣٥

فيَّ أني أهلٌ له، وهذا كقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ, عَلَى
﴾ [الزمر: ٤٩]؛ أي: علم من الله بي.
وقال السُّدِّيُّ: على علم أني أهلٌ لذلك، وقد روى بعضُهم أنه أراد
بقوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ﴾ أنه كان يُعاني الكيمياء، وهذا قول ضعيفٌ؛ لأن
علم الكيمياء في نفسه علمٌ باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر عليه أحدٌ إلا
الله، واستحالة ماهية إلى ماهية أخرى مُحَالٌ، وإنما يقدرون على صُنْعِ في
الصورة الظاهرة، وهو زَغَلٌ وتَمْويهٌ، وأما يجريه من خَرْقِ العوائد على يد
بعض أوليائه؛ من قلب الأعيان ذهباً أو فِضَّة، ونحو ذلك: فهذا لا ينكره
مسلمٌ، ولكن ليس هذا من قبيل الصِّناعات، وإنما هذا من مشيئة ربِّ
الأرض والسماوات، واختياره وفعله.
وقيل: إن قارونَ كان يعلمُ الاسمَ الأعظم فتمَوَّل بسببه، والصَّحيحُ:
المعنی الأول؛ ولهذا قال تعالی راداً علیه فیما اذَّعاه من اعتناء الله تعالى به:
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ
جمـ
﴾ [القصص: ٧٨].
قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَيْهٌِ﴾ إلى قوله: ﴿اَلْضَبِرُونَ﴾
[القصص: ٧٩ - ٨٠]، سبق تفسيره في (الباب السادس والخمسين).
قوله: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]، وفي ((مسند الإمام
أحمد)) مرفوعاً: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ مِمَّن كانَ قَبْلَكُمْ خرجَ في بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ يَخْتَالُ
فِيهمَا؛ أَمَر اللهُ الأَرْضَ، فَأَخَذَتْهُ؛ فإنَّ لَيتجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ))(١)، وذكر
(١) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٣/ ٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري عُ، وسلف
قريباً نحوه من حديث أبي هريرة څ في ((الصحيحين)).
٥٣٦

الحافظ محمد بن المُنذر في كتاب ((العجائب الغريبة)) بسنده عن نوفل بن
مُسَاحِقٍ قال: رأيت شاباً في مسجد نَجْرانَ، فجعلت أنظر إليه، وأتعجّبُ من
طوله، وتمامه، وكماله، فقال: ما لك تنظر إليَّ؟ فقلت: أعجبُ مِن جمالك
وكمالك، قال: إنَّ اللهَ ليَعْجَبُ مِنِّي، قال: فما زال يَنقُص ويَنقُص، حتى صار
بطول الشِّبر، فأخذه بعضُ قرابته في كُمِّه وذهب.
وذكر أن هلاك قارونَ كان بدعوة موسى نبيِّ الله، فرُوي أن قارونَ
أعطى امرأة بَغِيّاً مالاً على أن تَبْهُتَ موسى بحَضْرة المَلأ من بني إسرائيل،
وهو قائمٌ فيهم يتلو عليهم كتابَ الله، فتقول: يا موسى؛ إنك فعلتَ بي كذا
وكذا، فلما قالت في المَلأ ذلك لموسى؛ أُرْعِدَ من الفَرَق، وأقبل عليها
بعدما صلى ركعتين، ثم قال: أَنشُدُك بالله الذي فَلَق البحر، وأنجاكم من
فرعون، وفعل كذا وكذا؛ إلا ما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت،
فقالت: أما إذ أنشدتني؛ فإن قارونَ أعطاني كذا وكذا على أن أقول لك،
وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فعند ذلك خَرَّ موسى الله رَت ساجداً، وسأل
الله في قارون، فأوحى الله إليه أَنِّي قد أمرتُ الأرضَ أن تُطِيعَك فيه، فأمر
موسى الأرض أن تبتلعه وداره، وكان ذلك.
وقيل: إن قارونَ لمَّا خرج على قومه في زينته تلك، وهو راکبٌ على
البِغِال الشُّهْب، وعلى خدمه ثيابُ الأُرْجُوان المُصَبَّغة، فمَرَّ في جَحْفَلِهِ
على مجلس نبيِّ الله موسى عليه السلام، وهو يُذكِّرهم بأيام الله، فلما رأى
الناسُ قارونَ؛ انصرفت وجوه الناس نحوَه ينظرون إلى ما هو فيه، فدعاه
موسى عليه السلام، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا موسى؛
لئن كنتَ فُضِّلْتَ عليَّ بالنبوَّة؛ فلقد فُضِّلتُ عليك بالدنيا، ولئن شئت؛
٥٣٧

لنَخرُجَنَّ، فَلَتدعُونَّ عليَّ وأدعوَ عليك، فخرج، وخرج قارونُ في قومه،
فقال موسى عليه السلام: تدعو أو أدعو، قال: بل أنا أدعو، فدعا قارونُ،
فلم يُجَب له، ثم قال موسى: أدعو؟ قال: نعم، فقال موسى: اللَّهُمَّ؛ مُرِ
الأرضَ فَلتُطِعْني اليومَ، فأوحى الله إليه أني قد فعلتُ، فقال موسى:
يا أرضُ؛ خُذيهم، فأخذتهم إلى أقدامهم، ثم قال: خُذيهم، فأخذتهم إلى
مَناكِبهم، ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم، قال: فأقبلت بها، حتى نظروا
إليها، ثم أشار موسی بیده؛ اذهبوا بني لاوي، فاستوت بهم الأرض.
وعن ابن عباس ﴾: أنه قال: خُسِفَ بهم إلى الأرض السابعة، وقال
قتادة: ذُكِرَ لنا أنه يُخسَفُ بهم كلَّ يوم قامة، فهم يَتجَلْجَلُون فيها إلى يوم
القيامة، وقد ذُكر هاهنا إسرائيلياتٌ أَضْرَبنا عنها صَفْحاً.
(م): قيل: كان قارون أقرأً بني إسرائيل للتوراة، إلا أنه نافق، وكان كثيرَ
المال والتَّبَع من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى عليه السلام، لا يُجالسه،
وروى أبو أُمامة مرفوعاً: ((كانَ قَارونُ منَ السَّبعِينَ المُخْتَارةِ، والذين سَمِعُوا
كلامَ اللهِ تَعَالَى)(١).
و(المفاتیح): جمع مِفْتَح بكسر الميم، وهو ما يُفتح به، وقيل:
هي الخزائن، وناء [به] الحِمْلُ إذا أثقله حَتَّى أمالَه، و((العُصبة)): الجماعة
الكثيرة، وقيل: كانت مفاتيحُه من الجُلود بمقدار إصبَع، وكانت تحمَلُ
علی ستین بغلاً، وطُعِنَ في هذا القول من وجهين:
أحدهما: أن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المَبْلِغَ، ولو أنا قَدَّرنا
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٥/ ١٣).
٥٣٨

بلدةً مملوءة من الذهب والجواهر؛ لكفاها أعدادٌ قليلة من المفاتيح.
والثاني: أن الكُنوزَ المالُ المُدَّخر في الأرض، ولا يحتاج إلى مفتاح.
والجواب عن الأول: أن العُروضَ جاز أن تبلغَ مفاتيحُه هذا القدرَ،
وأيضاً؛ ليس هذا التحديد في القرآن، وإنما هو من الإسرائيليات، وإنما
النص أنها كانت كثيرة، وكان كلُّ واحد مُعيَّناً لشيء، وكانت يَتْقُل على
العُصبة ضبطُها ومعرفتُها؛ بسبب كثرتها، وعلى هذا يزول الاستبعادُ، وعن
الثاني: أن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العُرف ما قالوا؛ فقد يطلق على
المال المجموع في المواضع التي لها أَغْلاقٌ، والقول الثاني - وهو اختيار
ابن عباس، والحسن -: أن يحمل المفاتيح على نفس المال، وهذا أَبْيَنُ،
وعن الشُّبهة أبعدُ، وعن ابن عباس كانت خَزائِنُه يحملها أربعون رجلاً
قويّاً، وكانت أربعَ مائة ألف، فيحمل كلُّ رجل عشرة آلاف، وقيل: المراد
من المفاتيح: العِلْمُ والإحاطة؛ كقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ
اٌلْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]؛ والمراد آتيناه من الكنوز ما إن حفظَها والاطلاعَ عليها
لَيَثْقُل على العُصبة أولي القُوَّة والهداية؛ [أي: هذه الكنوز] لكثرتها،
واختلاف أصنافها، تتعب حفَظَتَها والقائمين عليها أن يحفظوها.
قيل في ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]: إن المراد منه
إنفاق المال في الطاعة؛ فإن ذلك هو نصيبُ المؤمن من الدنيا، دون الذي
يأكل ويشرب، وفي الحديث النبوي: ((لِيَأْخُذِ العَبْدُ من نَفَسِه لنَفْسِه، ومن
دُنياه لَآَخِرَتِهِ، ومن الشَّبِيبَةِ قبلَ الكِبَر، ومن الحَيَاةِ قبلَ المَوْت، فوالذي
نفسُ محمد بيده، ما بعد الموت مِنْ مُسْتَعْتَب(١)، وما بعدَ الدُّنيا إِلاَّ
(١) في الأصل: ((الموت موت))، وبعده كلمة غير واضحة.
٥٣٩

الجَنَّةُ أو النَّارُ))(١).
قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ، قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾ [القصص: ٧٦]، قيل: إن هذا القائل
موسى عليه السلام، وقيل: بل مؤمنو قومه، وكيف كان؛ فقد جمع في هذا
الوَعْظ ما لو قيل؛ لم يكن عليه مَزيدٌ هذا لكنه أبى [أن يقبل]، بل زاد عليه
بكُفر النِّعمة، فقال: ﴿إِنَّمَآ أُوِيِّتُهُ عَلَ عِلْمٍ﴾؛ أي: لفضل علمي واستحقاقي
لذلك، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، وقال سعيدُ بن المُسيَّب، والضخّاك:
كان موسى عليه السلام أُنزل عليه الكِيمياءُ من السماء، فعَلَّم قارونَ ثُلثَ
العلم، ويُوشَعَ ثُلثَه، وطَالُوتَ ثُلثَه، فخدعهما قارونُ، حتَّى أضاف علمَهما
إلى علمه، فكان يأخذ الرَّصاصَ، فيجعلُهُ فِضَّة، والنَّحاسَ، فيَجعلُه ذهباً.
قوله: ﴿وَأَكْثَرُجمّعًا﴾ [القصص: ٧٨]؛ أي: للمال، أو أكثر جمعاً
وعدداً، ومعنى ﴿وَلَا يُسَْلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أن الله إذا عاقب
المجرمين؛ فلا حاجة [به إلى] أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكَمِّيتها؛ لأنه
تعالى عالمٌ بكل المعلومات، فإن قيل: كيف الجمع بينه، وبين قوله:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْثَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]؟
قلنا: يُحمل ذلك على وقتين، وقيل: السؤال قد يكون للمُحاسبة،
وقد يكون للتقرير والتبكيت، وقد يكون للاستعتاب، وهذا أَلْيَقُ؛ لقوله:
﴿ُثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَاهُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤]، ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ لَْ
فَيَنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦].
(١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٥٨١) من طريق الحسن عن رجل من أصحاب
النبي له .
٥٤٠