النص المفهرس
صفحات 501-520
(ق): كانت الغنم بهذا أَوْلى؛ لِمَا خُصَّ به أهلُها من السَّكينة، وطلب العافية، والتواضع، وهي صفاتُ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؛ ولذلك ورد في الحديث الصحيح: ((السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ، والفَخْرُ والخُيَلاَءُ فِي أَهْلِ الإِبِلِ))(١). (خط): يريد أن الله تعالى لم يضع النبوَّةَ في أبناء الدنيا، والمُترفين منهم، وإنما جعلها في رِعَاء الشَّاهِ، وأهل التواضع من أصحاب الحِرَف؛ كما رُوي أن أيوبَ كان خيَّاطاً، وزكريا نَجَّاراً؛ والله أعلم حيث يجعل رسالته . ٦٠١ - وعنه، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ: أَنْه قالَ: ((مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرسِهِ فِي سَبيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلى مَثْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةٌ، طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغْيِ القَتْلَ، أَو المَوْتَ مَظَانَّه، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيمَةٍ فِي رَأْسٍ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطنِ وادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوديَة، يُقيم الصَّلاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكاةَ، وَيَعْبُد رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ فِي خَيْرٍ))، رواه مسلم. (يَطِيرُ)): أي: يُسْرع، ((وَمَتْنُهُ»: ظَهْرُهُ، ((وَالهَيْعَةُ)): الصوتُ للحربِ، ((وَالفَزْعَةُ)): نحوهُ، وَ«مَظَانُّ الشَّيءِ»: المواضعُ التي يُظَنُّ (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٣٢٥)، والحديث رواه مسلم (٥٢) من حديث أبي هريرة ضه . ٥٠١ وجودُهُ فيها، ((وَالغُنَيَّمَةُ)) بضم الغين: تصغير الغنم، ((وَالشَّعَفَةُ)) بفتح الشِّين والعين: هي أَعْلَى الجَبَلُ. * قوله ◌َّليفي: ((من خير معاش الناس لهم رجل)): (ق): أي: مِن أشرف طرُق المَعاش، ففيه دليلٌ على جواز نية أخذ المغانم، والاكتساب بالجهاد، لكن إذا كان أصل النية أن يجاهدَ، لتكون كلمة الله هي العليا (١). (قض): ((المعاش)): التعيُّش، يقال: عاش الرجل مَعاشاً ومَعِيشاً، وما يُعاش به يقال له: مَعَاشٌ ومَعِيش؛ كمَعَاب ومَعِيب، وفي الحديث يصِحُ تفسيرُه بهما، و((رجل)) رُفع بالابتداء على حذف المضاف، وإقامة المُضاف إليه مُقَامَه؛ أي: مَعاشُ رَجُلٍ هذا شأنُهُ مِن خير مَعاش الناس لهمَ. (يطير على متنه))؛ أي يُسرع راكباً على ظهره، مستعارٌ من طيران الطائر، و((الهيعة)»: الصَّيْحةُ التي يُفزع منها ويُجْبَنُ؛ من هاع يَهِيع هَيْعاً: إذا جَبُن، و((الفزعة)) هاهنا فُسِّر بالاستغاثة؛ من فَزِع: إذا استغاث، وأصل الفزع شِدَّة الخوف. «فیبتغي القتل والموت مظانه»؛ أي: لا يبالي، ولا يحترز منه، بل يطلبه حيث يظنُّ أنه يكون، (مظان) جمع مَظِنَّة، وهي الموضع الذي يُعهَدُ فيه الشيء، ويُظنَّ أنه فيه، ووحَّد الضميرَ في (مظانه)؛ إما لأن الحاصلَ (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٧٢٤). ٥٠٢ والمقصود منهما واحدٌ، أو لأنه اكتفى بإعادة الضمير إلى الأقرب؛ كما اكتفى بها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]. (أو رجل في غنيمة))؛ أي: مَعاشُه، والظرف مُتعلِّق به إن جعل مصدراً، أو بمحذوف هو صفة لـ (رجل) و(غنيمة) تصغير (غنم)، وهو مُؤنَّث سماعيٌّ؛ ولذلك صُغِّرت بالتاء، و((الشعفة)): رأس الجبل. ((من هذه الشعف)) يريد به الجِنسَ، لا العَهْدَ، و ((اليقين)): الموت، سُمِّي به؛ لتحقُّق وقوعه(١). (ن): معنى (والموت مظانه): يطلبه في مواطنه التي يُرجى فيها؛ لِشِدَّة رغبته في الشهادة، ففيه: فضيلةُ الجهاد، والرباط، والحِرْص على الشهادة(٢). (ط): ((يطير)) إما صفة بعد صفة، أو حال من الضمير في ((ممسك))، و((طار)) جواب ((كلما))، وهو مع جوابه حالٌ من ضمير (يطير)، وفيه: تصوير حال هذا الرجل، وشِدَّة اهتمامه بما هو فيه من المُجاهدة في سبيل الله، وأنه عادتُهُ ودَأَبُه، ولا يهتمُّ ولا يلتفت إلى غير ذلك، ونحوه قولُ حاتم : وَللهِ صُعْلُوٌ يُسَاوِرُ هَمَّهُ ويَمْضِي على الأَحْدَاثِ والدَّهْرِ مُقْدِما وَلَا شَبْعَةٌ إِنْ نَالَها عَدَّ مَغْنَما فَتَى طَلِبَاتٍ لا يَرَى الخَمْصَ تَرْحَةً تَيمَّمَ كُبْرَاهُنَّ ثُمَّتَ صَمَّمَا إِذَا مَا رَأَى يَوْماً مَكَارِمَ أَغْرَضَتْ (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥٨١ - ٥٨٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٣٥). ٥٠٣ وذا شُطَبٍ عَضْبَ الضَّرِيبَةِ مِخْذَمَا يَرَی رُمْحَهُ أَوْ نذَبْلَهُ ومِجَنَّهُ عَتَادَ فَتَى هَيْجَا وطِرْفاً مُسَوَّمَا وَأَخْتَاءَ سَرْجٍ قَاتِرٍ ولجَامَهُ وإنْ عَاشَ لَم يَقْعُدْ ضَعِيفاً مُذَمَّمَا فِذَلِكَ إِنْ يَهْلِك فَحُسْنِى ثَنَاؤُهُ وعطف قوله: و(الموت) على (القتل)؛ لما أُريد [به] من الأهوال والأفزاع في مواطن الحرب؛ كقول الحَمَاسِيِّ: يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ یَزُورُها لا يَكْشِفُ الغَمَّاءَ إلا ابنُ حُرَّةٍ فيكوف (مظانه) بدلَ اشتمال من (الموت)؛ كقوله تعالى: ﴿إِذِ اَنتَبَذَتْ﴾ [مريم: ١٦]؛ أي: وقتَ انتباذها، فيكون مفعولاً به على الاتساع؛ كقولهم : ويوَمِ شَهِدْنَهُ ... و(مظان الموت) في الحديث بمنزلة (غَمَرات الموت) في البيت، وذهب الشارحون إلى أنه منصوبٌ على الظرفية من قوله: (يبتغي)، و(هذه) في قوله: ((هذه الشعف)) و((هذه الأودية)) للتحقير؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنياً﴾ [العنكبوت: ٦٤]، ومن ثَمَّ صَغَّر (غنيمة)؛ وصفاً لقناعة هذا الرجل؛ بأنه سكن في أحقر مكان، واجتزا بأدنى قُوت، واعتزال الناس يكفيهم شرَّه، ويستكفي شرَّهم عن نفسه، ويشتغل بعبادة ربه حتى يجيئه الموت، وعبَّر عن الموت باليقين؛ ليكون نَصْبَ عينه؛ مزيداً للتسلِّي؛ فإن في ذكر هادم اللذَّات ما يُعْرِضُه عن أعراض الدنيا، ويشغله عن ملاذِها بعبادة ربه. وفي تخصيص ذكر المَعاش [تلميحٌ]؛ فإن العَيْشَ المُتعارفَ بين أبناء الدهر هو استيفاءُ اللذَّات، والانهِمَاكُ في الشَّهوات؛ كما سُمِّيت البيداء ٥٠٤ المُهْلِكَةُ بالمَفازة، واللَّيغ بالسَّليم، و[تلميحُ] إلى قوله ◌َّهِ: ((اللَّهُمَّ؛ لا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَةِ»(١). وفيه: أن لا عَيْشَ الذُّ وأمْرَأُ، وأَشْهَى وأَهْنَاُ، ممَّا يجد العبد من طاعة ربه، ويَسْتَرْوِحُ إليها، حتى ترتفع تكاليفُها ومَشاقُّها عنه، بل إذا فقدها؛ كان أصعبَ عليه مِمَّا إذا وُتِرَ أهلهَ ومالَه، وإليه ينظر قوله وَّ: ((أَرِحْنَا يَا بِلَاَلُ))(٢)، [وقوله: ] (وجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ)(٣)، وتعريضٌ بذَمِّ عَيْش الدنيا؛ لما ورد (تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ وعَبْدُ الدِّينَارِ))(٤) الحديثَ، وجِمَاعُ معنى الحديث: الحَثُّ على مُجاهدة أعداء الدِّين، وعلى مُجاهدة النفس والشيطان، والإعراض عن استيفاء اللذَّات العَاجلة(٥). (١) رواه البخاري (٢٨٠١)، ومسلم (١٨٠٤) من حديث أنس ﴾. (٢) رواه أبو داود (٤٩٨٥)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٨٩٢). (٣) رواه النسائي (٣٩٣٩) من حديث أنس ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٤٣٥). (٤) رواه البخاري (٢٧٣٠) من حديث أبي هريرة حظ ته. (٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨/ ٢٦٢٨ - ٢٦٣٠). ٥٠٥ ٧٠- بل فضل الاختلاطِ بالناس وحضورِ جُمَعِهم وجَماعاتِهِمْ ومشاهدِ الخيرِ، ومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم ومواساةِ محتاجِهم، وإرشادٍ جاهلهم، وغيرِ ذلك من مصالحهم لمن قدرَ على الأمر بالمعروفِ، والنهي عن المنكر، وقمعَ نفَسه عن الإيذاء، وصبرَ على الأذى اعْلم: أن الاخْتِلاط بالنَّاسِ على الوَجْهِ الذي ذَكَرْتُهُ هو المختارُ الذي كان عليهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وسائِرُ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم، وكذلك الخُلفاءُ الرَّاشدونَ، ومَنْ بعدَهُم مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابعينَ، ومَنْ بَعدَهُم من عُلَمَاءِ المسلِمِينَ وَأَخْيَارِهم، وهو مَذْهَبُ أَكْثَرِ التَّابعينَ وَمَنْ بعدَهُم، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَأَكْثَرُ الفُقَهَاءِ رضي الله عنهم أجمعين. * قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَاَلنَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. والآيات في معنى ما ذكرتُهُ كثيرةٌ معلومةٌ . ٥٠٦ (الباب السبعون) (في فضل الاختلاط) لم يتعرَّض المصنف له الأحاديث الواردة في هذا الباب، وسنذكر طرَفاً منها : عن أبي هريرة ظُ قال: غزونا على عَهْدِ رسول الله وَِّ، فمررنا بشِعْبٍ فيه عُبَيْنَةٌ طيِّبَةُ الماء، فقال واحد من القوم: لو اعتزلتُ الناسَ في هذا الشِّعْبِ، ولن أفعل ذلك حتى [أستأذن رسول الله وَي] فذُكر لرسول اله ◌َِّ، فقال ◌َّهِ: ((لا تَفْعَلْ؛ فإنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ في سَبيل الله خَيْرٌ مِن صلاتهِ فِي أَهْلِهِ سَبْعِينَ عَاماً، ألا تُحِبُّونَ أن يَغْفِرَ اللهُ لَكُم، وتَدْخُلُوا الجَنَّةَ؟! اغْزُوا فِي سَبِيلٍ الله؛ فإنَّه مَنْ قاتلَ في سَبيلِ الله فُوَاقَ نَاقَةٍ؛ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ))، أخرجه الترمذيُّ مُحَسِّناً مُصَحِّحاً، والحاكم بشرط مسلم(١). ورُويَ أن رجلاً أتى الجبل؛ ليتعبَّدَ فيه، فجيء به إلى رسول الله ◌َّهِ، فقال: ((لا تَفْعَلْ أنتَ، ولا أَحدٌ مِنْكُم، لَصَبْرُ أَحَدِكُمْ فِي بَعْضِ مَوَاطِنِ الإسْلاَمِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ أَحَدِكُمْ أَرْبَعِينَ عَامً)، رواه البيهقيُّ وابنُ حبان في ((الثقات)(٢). وعن معاذ بن جبل ◌َّهِ: أَنْه ◌َِّ قال: ((إنَّ الشَّيْطَانَ ذِئبُ الإنسَانِ؛ كَذِئْبِ الغَنَمَ [يَأْخُذُ] الشَّاذَّةَ، والقَاصِيَّةَ، والنَّاحِيَّةَ، وإيّاكُمْ والشِّعَابَ، وعَلَيْكُم (١) رواه الترمذي (١٦٥٠) والحاكم في ((المستدرك)) (٢٨٣٢)، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٣٧٩). (٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠ / ٨٩) عن عسعس بن سلامة عن النبي ◌َّر. وقال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (٣/ ١٢٣٩): يقولون: حديثه مرسل، وإنه لم يسمع من النبي ◌َّر . ٥٠٧ بالجَمَاعَةِ والعَامَّة))، رواه أحمدُ، والطبرانيُّ، رجاله ثقات، وفيه انقطاع(١). ورُوي أنه ◌ِّهِ قال: ((المُؤمِنُ الذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، ويَصْبِرُ على أَذَاهُم خَيْرٌ منَ الذي لا يُخَالِطُ النَّاسَ، ولا يَصْبِرُ على أَذَاهُم))، أخرجه الترمذيُّ، وابن ماجه(٢) ولأحمد، والطبرانيٍّ، والحاكم مُصَحِّحاً: أنه منَِّ قال: ((المُؤمِنُ أَلوفٌ مَأْلُوفٌ، ولا خَيْرَ فيمَن لا يَأْلَفُ ولا يُؤْلَفُ))(٣). وفي الحديث الصَّحيح: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهِ فِي ظِلِِّ) فذكر منهم ((ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَسَاجِدِ، ورَجُلانِ تَحَابَّا فِي الله، اجْتَمَعا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ»(٤). وعن معاذ بن جبل عظُ قال: سمعتُ رسولَ الله وَليل يقول: ((قال الله تعالى: وَجَبَتْ مَحَبَّتي للمُتَحَابِّينَ فِيَّ، والمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، والمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، والمُتَباذلين فيَّ))، رواه مالك في ((الموطأ)) بإسناد صحيح(٥). وقال ◌َّهِ: ((مَنْ عَادَ مَرِيضاً، أو زَارَ أخاً في الله؛ نَادَاهْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاء: طِبْتَ وطابَ مَمْشَاكَ، وتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلاً))، أخرجه الترمذيُّ مُغْرِباً، وابنُ (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢٣٢)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٤٥). (٢) رواه الترمذي (٢٥٠٧)، وابن ماجه (٤٠٣٢) من حديث ابن عمر ﴾﴾، وهو حدیث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٦٥١). (٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٣٣٥)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٧٤٤) من حديث سهل بن سعد الساعدي ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٦٦١). (٤) رواه البخاري (٦٢٩)، ومسلم (١٠٣١) من حديث أبي هريرة ـ ◌ُته . (٥) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (٢ / ٩٥٣). ٥٠٨ ماجَهْ(١) . وعن جابر بن عبدالله ﴿4﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وََّ: ((مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ))، رواه الحافظ التَّيْميُّ في ((الترغيب))(٢). وفيه: عن سعيد بن المُسيَّب يرفعُه: ((رَأْسُ العَقْلِ بعدَ الإيمَانِ بالله ◌َك: مُدَارَاةُ النَّاسِ)»(٣). وفيه: عن زيد بن رُفَيِعِ رفعه: (أُمِرْتُ بِمُدَارَاةِ النَّاسِ، كمَا أُمِرْتُ بِالصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ»(٤). ويروى أن الله أوحى إلى نبيٍّ من الأنبياء: أمَّا زُهْدُكَ في الدُّنيا: فَقَدْ تَعَجَّلتَ الرَّاحةَ، وأَمَّ انقِطَاعُكَ إليَّ: فقد تَعزَّزْتَ بِي، ولَكِنْ هَلْ عَادَيْتَ فِيَّ عَدُوّاً، أو هَلْ وَالَيْتَ فِيَّ ولياً(٥)؟! وأوحى الله تعالى إلى داودَ: يا دَاودُ؛ ما لي أراك مُنْتَبذاً وُحْدَاناً؟ قال: إلهي؛ قَلَيْتُ الخَلْقَ مِن أجلك، قال: يا دَاودُ، كُنْ يَقْظَاناً، وارْتَدْ لِنَفْسِكَ أخْدَاناً، وكل خِدْنٍ لا يُوافِقُكَ على مَبَرَّتِي؛ فلا تَصْحَبه؛ فإنه لك عَدُوٌّ يُقَسِّي (١) رواه الترمذي (٢٠٠٨)، وابن ماجه (١٤٤٣) من حديث أبي هريرة ته وهو حديث صحیح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٥٧٨). (٢) وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٢٥٥). (٣) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠ / ١٠٩)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٠٧٥). (٤) ورواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٤٧٥)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٨١٠). (٥) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٧ / ٤٣٢)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)» (٢١١٥). ٥٠٩ قلبَك، ويُباعِدُك عَنِّي. وقال عليٍّ ◌َّ: عَلَيْكُمْ بِالإِخْوَانِ؛ فإنهم عُدَّةٌ في الدنيا والآخرة، ألا تسمع قول أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ ) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١ ]؟! وقال مجاهد: المُتحابُّونَ في الله إذا التقَوا فكَشر بعضُهم إلى بعض؛ تَتَحاثُّ عنهم الخطايا كما يَتحاثُّ ورق الشجر في الشتاء إذا يَبِس. قال الفُضَيل: نظر الرجل إلى وجه أخيه على المَودَّة والرحمة عبادة. والأحاديثُ الواردة في فضيلة الاختلاط كثيرةٌ مُنتشرة جِدّاً؛ كفضل عِيادة المريض، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وطِيب الكلام، والمُصافحة، وطلاقة الوجه، وقضاء حوائج المسلمين، وإدخال السُّرور عليهم، وحضور الصلوات الخمس في الجماعات، وما جاء في فضل الشفاعة الحسنة، والإصلاح بين الناس، وما جاء في فضل حُسن الخُلُق، والرِّفق، والأناة، والحِلْم، والإعراض عن الجاهلين، ودفع السيئة بالتي هي أحسنُ، والحُب في الله، والبغض في الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفضيلة ترك الغضب، وكَظْم الغَيْظ، وترك التهاجُر والتشَاحُن، والتدابُر، وترك السِّباب واللَّعْن، والكذب، والنَّميمة، والبُهْت، والافتراء، وترك الغِيبة والترغيب في رَدِّها، وفضل سلامة الصَّدْر، وترك الكِبْر، والعُجْب، والافتخار، والترهيب من احتقار المسلم . وجميع التُّروك وإن كان صاحبُ العُزلة مُتَّصفاً بها، ولكنه ليس مثلَ ترك المخالطة، وفضيلة إنجاز الوعد، وترك إِخْلاَفِه، وما جاء في النهي عن سفر الرجل وحدَه، أو مع آخر، وخير الرُّفقاء أربعة، ولا مَطْمَعَ في استيفاء ٥١٠ جميع ما ورد في ما ذكرناه. قال الإمام الغزاليُّ: ومِمَّن ذهب إلى استحباب المُخالطة واستكثار المَعارف والإخوان للتآلف، والتحبُّب إلى المؤمنين، والاستعانة بهم في الدِّين: سعيدُ بن المُسيَّب، والشَّعْبيُّ، وابن أبي ليلى، وهشام بن عُروة، وابن شُبْرُمَة، وشَرِيك بن عبدالله، وابن عُيَيْنة، وابن المبارك، والشافعيُّ، وأحمدُ بن حنبل، وأكثرُ التابعين. واختار تفضيلَ العُزلة على المُخالطة سفيانُ الثوريُّ، وإبراهيمُ بن أدهمَ، وداود الطائيُّ، والفُضيلُ بن عياض، وسُليمان الخَوَّاص، ويوسفُ بن أَسْبَاط، وحُذيفة المَرعَشِيُّ، وبِشْرُ الحَافِي، وجماعة. قال الغزاليُّ: والأَفضلُ منهما يختلفُ باختلاف الأحوال والأشخاص(١). * قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، سبق تفسيره في (الباب الحادي والعشرين)، ومُناسبة هذه الآية لهذا الباب: أن التعاونَ مصدرُ بابِ التفاعُل، وهو لمُشاركة أمرِثَيْنِ(٢) فصاعداً في أصل الفعل الذي هو المصدر صريحاً؛ نحو: تشاركا، وتضاربا، وتطاوعا، وتعاونا، ولا يمكن هذا إلا بالاجتماع والاختلاط. (١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٢٢٢). (٢) في الأصل: ((أمرين)). ٥١١ ٧١- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين قال الله تعالى: ﴿ وَلَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنِ أَنَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]. * وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُنْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنْكُمْ ﴾ [الحجرات: ١٣]. * وقال تعالى: ﴿فَلَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ آَتَّقْىَ﴾ [النجم: ٣٢]. ، وقال تعالى: ﴿وَنَادَّ أَحَْبُ اَلْأَعْرَافِ رِجَا لَا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَنُهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْفَ عَنكُمْ جَمْمُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَفْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٨ -٤٩]. (الباب الحادي والسبعون) (في التواضع وخَفْض الجَناح للمؤمنين) (نه): ((التواضع)): تفاعُل من الضَّعَة، وهي الذُّلُّ، والهَوَان، والدَّناوَةُ، ٥١٢ وقد وَضُعْ ضَعَةً؛ فهو وَضِيعٌ(١). (ق): ((التواضع)) نقيضُ التكبُّر، والتكبُّر: هو الترقُّع على الغير، فالتواضع: هو الانخِفَاضُ للغير، وحاصله: أن المُتكبِّرِ يرى لنفسه مَزِيَّةً، والمُتواضعُ لا يراها، بل يراها لغيره؛ بحيث يحمله ذلك على الانخفاض له، ولا شَكَّ في أن التكبُّر مذمومٌ، فمنه كُفْرٌ، وهو الكِبْر على الله، وعلى أنبيائه، وما عداه من الكبائر؛ والتواضع منه أعلى وأدنى، فالأعلى: هو التواضع لله، ولکتابه، ولرسوله، والأدنی: هو ما عداه، انتھی(٢). كِبْرِ الإنسان مَنْشؤه الجهل بصفات النفس ودَيِّ أخلاقها، وقُبْح ما جُبلت عليه من أنواع النَّقْص والعَيْب، فمن علم أن أوَّلَه نُطفةٌ مَذِرَة، وآخرَه جِيفةٌ قَذِرة، وهو فيما بينهما حاملٌ للعذرة؛ ذَلَّ في نفسه، وتواضع واستكان، ولم يترقَّع على أحد من خلق الله، ولقد أحسن القائل: والكِبْرُ والإِعْجَابُ فِعْلُ العَاطِلِ وَأَخْوِ التَّوَاضُعِ مَنْ تحَلَّى بِالعُلا والمُثْمِراتُ دَنَوْنَ للمُتَنَاوِل تَعْلُو الغُصُونُ إذا عَدِمْنَ ثِمَارَهَا * قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَوْفَ يَأْتِ اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، سبق بعضُ تفسيره في (الباب السابع والأربعين). (قض): هذا من الكائنات التي أخبر الله عنها قبل وقوعها، وقد ارتدَّ من العرب في أواخر عهد رسول الله ﴿ ثلاثُ فرق: بنو مُدْلِج، وكان رئيسُهم ذا الخِمار الأسودَ العَنْسيَّ، تنبأ باليمن، (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٨٩). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٨٦). ٥١٣ واستولى على بلاده، ثم قتله فيروزُ الدَّيلميُّ ليلةَ قُبض رسول الله وَّ ه من غدها، وأَخبر الرسولُ وَّر في تلك الليلة، فسَرَّ المسلمين، وأتى الخبر في أواخر ربيع الأول. وبنو حَنِيفة أصحاب مُسيلمة، تنبأ وكتب إلى رسول الله وَّه: من مُسيلمةَ الكَذَّاب(١) رسول الله إلى مُحمَّد رسول الله: أما بعد: فإن الأرضَ نصفُها لي، ونصفُها لك، فأجاب: من مُحمَّد رسول الله إلى مُسيلِمةَ الكَذَّاب: أما بعد: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، فحاربه أبو بكر ◌َُّه بجُند من المسلمين، وقتله الوَحْشيُّ قاتلُ حمزة. وبنو أَسَد قوم طُليحة بن خُويلد، تنبأ، فبعث إليه رسول الله وَيه خالداً، فهرب بعد القتال إلى الشام، ثم أسلم وحَسُن إسلامُه. وفي عهد أبي بكر ◌ُ سبعٌ: فَزَارة قوم عُبَيْنة بن حِصن، وغَطَفان قوم قُرَّةَ بن سلمة، وبنو سليم قوم الفُجَاءة بن عبد يَالِيل، وبنو يَرْبُوع قوم مالك بن نُوَيْرة، وبعضُ تميم قوم سَجَاحِ بنت المُنذر المُتنبئة زوجة مُسيلِمة، وكِنْدة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الخُطَم، وكفى الله أمرَهم على يد أبي بكر ﴾. وفي إمْرَةٍ عمر ◌ُه : غسان قوم جَبَلةَ بن الأيهم، تَنصَّر وسار إلى الشام. وقوله: ﴿يُحِبُهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ قيل: هم [أهل] اليمن؛ لما رُوي أنه عليه (١) كذا في الأصل، ولعل ذِكْرها غير مناسب؛ لأنه لن يصف نفسَه بالكذاب. ٥١٤ الصلاة والسلام أشار إلى أبي موسى، وقال: ((قَوْمُ هذا» وقيل: الفُرس؛ لأنه عليه السلام سُئل عنهم، فضرب يدَه على عاتق سَلْمانَ، وقال: ((هَذا وذَوُوهُ))، وقيل: الذين جاهدوا يوم القادسية؛ ألفان من النَّخَع، وخمسة آلاف من کِنْدَ وبَجِیلةَ، وثلاثة آلاف من أفراد الناس. والراجع إلى محذوف تقديره: فسوف يأتي الله بقوم مكانَهم، ومَحبَّة الله: إرادةُ الهدى والتوفيق لهم في الدنيا، وحُسن الثواب في الآخرة، ومَحبَّةٌ العباد: إرادةُ طاعته، والتحرُّز عن معاصيه. ﴿آَِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ عاطفین علیھم، مُتذلِلین لهم، جمع ذليل، لا ذَلول، فإن جمعه ذُلُل، واستعماله مع (على) إما لتضمين معنى العَطْف والحُنُرُّ، أو التنبيه على أنهم مع عُلُوٌّ طبقتهم، وفَضْلهم على المؤمنين خافضون لهم، أو للمقابلة. ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ شِدَاد مُتغلّبين عليهم، من عَزَّه: إذا غلبه(١). * قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْقَى﴾ [الحجرات: ١٣]؛ أي: آدَمَ وحَوَّاءَ، وجعلهم شعوباً وقبائل، وهي أعمُّ من القبائل، وبعد القبائل مراتبُ أُخَر؛ كالفصائل، والعشائر، والعَمائر، والأفخاذ، وغير ذلك، فجميع الناس في الشِّرَف بالنسبة الطينية إلى آدمَ وحَوَّاءَ سواءٌ، وإنما يتفاضلون بالأُمور الدِّينية، ومتابعة رسله؛ ولهذا قال: ﴿لِتَعَارَفُواْ﴾ [الحجرات: ١٣]؛ أي: ليَحصُل التعارفُ بينكم، وكلٌّ يرجع إلى قبيلته، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]؛ أي: إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى، لا بالأَحْسَاب. (١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٢٣٧ - ٢٣٨). ٥١٥ وفي (مسند أحمد)) عن أبي ذَرِّ ◌َهُ: أن النبيَّ وَِّ قالَ له: ((انظُرْ؛ فَإِنََّكَ لَسْتَ بِخَيْرِ مِنْ أَحْمَرَ ولا أَسْوَدَ إِلاَّ أَنْ تَفْضُلَهُ بِتَقْوىّ)»(١). وفي حديث العَصَرِيِّ (٢): ((المُسْلمُونَ إِخْوَةٌ، لا فَضْلَ لأَحَدٍ على أَحَدٍ إلا بالتَّقْوَى))، أخرجه الطبراني(٣). وفي ((مسند البزار)) عن حُذيفة ◌َه قال: قال رسول الله وَاهُ: («كُلُّكُم بَبُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِن تُرابٍ، ولَيَنْتُهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْخَرُونَ بَآبَائِهِمْ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلى اللهِ منَ الجِعْلانِ)»(٤). وفي ((مسند ابن أبي حاتم)) عن ابن عمر: أن رسولَ الله ◌َّ خَطَبَهُم، فقال: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبَّةَ الجَاهِلِيَّة، وتَعْظُّمَها بَآبَائِها، فالنَّاسُ رَجُلانِ؛ [برٌّآ تَقِيٍّ كريم على الله، ورَجُلٌ فَاجِرٌ هَيِّنٌ عَلى اللهِ، إنَّ اللهَ يقولُ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَفْتَكُم مِّنِ ذَّكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَِّلَ لِتَعَارَ فُوَ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللّهِ أَنْقَكُمْ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]»، ثم قال: (أَقُولٌ قَوْلِي هَذا، وأسْتَغْفِرُ اللهَلِي ولَكُم)) (٥). (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ١٥٨)، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)» (١٥٠٥). (٢) في الأصل: ((التقوى)). (٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٥٤٧)، وهو حديث موضوع. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)» (٥٩٣٤). (٤) رواه البزار في (مسنده)) (٢٩٣٨)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٥٦٨). (٥) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٠ / ٣٣٠٦)، ورواه الترمذي (٣٢٧٠)، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٨٦٧). ٥١٦ وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن عُقبةَ بن عامر: أن رسولَ اللهِوَّم قال: ((إِن أَنْسَابَكُم هَذِهِ لَيسَتْ بِمَسَبَّةٍ على أَحَدٍ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ طَفُّ الصَّاعِ لم تَمْلَؤُوهُ، ليسَ لأحَدٍ على أَحَدٍ فَضْلٌ إلا بِينٍ وتَقْوىّ، وكَفَى بالرَّجُلِ أَن يَكُونَ بَذِيئاً بَخِيلاً فَاحِشاً)(١). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهُ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٣]؛ أي: بكم ﴿غَيْرٌ﴾ بأُموركم، وقد استدلَّ بهذه الآية الكريمة، وهذه الأحاديث الشريفة مَن ذهب من العلماء إلى أن الكفاءةَ في النكاح لا تشترط، ولا يُشترط سوى الدِّين، وذهب آخرون إلى أدلة أُخرى مذكورة في كتب الفقه، وروى الطبريُّ عن عبد الرحمن: أنه سمع رجلاً من بني هاشم يقول: أنا أَوْلَى الناس برسول الله، فقال: غيرك أَوْلَى به منك، ولك نسَبُه. (قض): ﴿مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣]، من آدمَ وحواء، أو خلقنا كل واحد منكم من أب وأُمّ، فالكلُّ سواء في ذلك، فلا وجه للتفاخُر بالنَّسَب، ويجوز أن يكون تقريراً للأُخوَّة المانعة من الاغتياب(٢). (م): سمعت أن بعضَ الشُّرفاء في بلاد خُراسانَ كان في النسب أقربَ الناس إلى علي ظه، غيرَ أنه كان فاسقاً، وكان هناك مَولىّ أسودُ تقدَّم بالعلم والعمل، وكان الناس يتباركون به، واتفق أنه خرج من بيته يقصد المسجد، واتبعه خلقٌ، فلقيه الشريف سكرانَ، وقام الناس يطردون الشريفَ ويُبعدونه عن طريقه، فغلبهم وتعلَّق بأطراف الشيخ، فقال له: يا أسودَ الحَوَافِر (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٤٥)، وهو حديث صحيح لغيره. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٩٦٢). (٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٥/ ٢١٩). ٥١٧ والشوَافِرِ، ياكافر؛ أنا ابن رسول الله؛ أُذَلُّ وتُجَلُّ، وأُذَمُ وتُكْرَمُ! فهَمَّ الناس بضربه، فقال الشيخ: لا، هذا مُحتَمَلٌ منه لجَدِّه، وضرُبه مَعدُودٌ لحَدِّه، ولکن أيها الشريف؛ بَيَّضْتُ باطني، وسَوَّدْتَ باطنك، فرُئي بياضُ قلبي فوق سواد وجهي، فحَسُنْتُ، وأخذتُ سيرةَ أبيك، وأخذتَ سيرة أبي، فرآني الخلق في سيرة أبيك، ورأوك في سيرة أبي، فظنوني ابنَ أبيك، وظنوك ابنَ أبي، فعملوا معك ما يُعمل مع أبي، وعملوا معي ما يُعمل مع أبيك. فإن قيل: ما حَدُّ التقوى، ومَن الأتقى؟ قلنا: أدنى مراتب التقوى: أن يجتنبَ العبدُ المَناهيَ، ويأتيَ بالأوامر، ومتى ارتكب منهياً، تاب(١) في الحال وأناب، وإن لم يفعل؛ فليس بمُتَّقٍ، وأما الأتقى: فهو الآتي بالأوامر، والتارك للنواهي، ومع ذلك خَاشِ ربَّه، لا يشتغل بغير الله، فإن التفت لحظةً إلى نفسه أو ولده؛ جعل ذلك ذنبَهُ، فللتقيّ النَّجاة، وللأتقى الدرجات، فبين مَن أعطاه السُّلطانُ بستاناً، وأسكنه فيه، وبين مَن استخلصه لنفسه يستفيد كلَّ يوم بسبب القُرب منه بساتينَ بَوْنٌ عظيم (٢). قوله تعالى: ﴿فَلَ تُزَّكُوْاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]؛ أي: تمدحوها وتشكروها وتَمُنُّوا بأعمالكم، ﴿هُوَ أَعْلَهُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اُلَّذِينَ يُزَكُونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اَللّهُ يُزَّكِ مَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٩]. قالت زينبُ بنتُ أبي سلَمة: سُمِّيتُ بَرَّةَ، فقال رسول الله ◌َّهَ: ((لا تُزُوا أَنفُسَكُم، الله أعلَمُ بأَهْلِ البِرِّ مِنكم))، قالوا: بمَ نُسمِّيها؟ قال: ((سَمُّوها (١) في الأصل: ((والتارك للنواهي منهيات)). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٨ /١١٩). ٥١٨ زَيْنَبَ))، خرَّجه مسلمٌ في ((صحيح)(١). * قوله تعالى: ﴿ وَنَادَ أَحْضَبُّ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ [الأعراف: ٤٨]: يقول تعالى إخباراً عن تَقْريع أهل الأعراف لرجال من صَناديد المُشركين وقادَتِهِم، يعرفونهم بالنار بسِيمَاهم: ﴿مَآ أَغْفَ عَنكُمْ جَمْهُكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨]؛ أي: كثرتكم، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَفْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾؛ يعني: أصحابَ الأعراف، قاله ابن عباس. (م): ﴿رِجَالًا﴾؛ أي: من أهل النار، واستغنى عن ذكرها؛ إذ الكلام المذكور لا يليق إلا بهم، والمراد بالجمع؛ إما جمع المال، أو الاجتماع والكثرة، وهذا شَماتةٌ من أصحاب الأعراف بهم، ثم زادوا على هذا التبكيت، وهو قولهم: ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَفْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩]، أشاروا إلى فريق من أهل الجنة كانوا يستضعفونهم، وقوله: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ ﴾ [الأعراف: ٤٩]؛ أي: يقول الله لهم ذلك، أو بعضُ الملائكة، وقيل: بل بعضُهم يقول لبعض، وعلى القول الأول: لا بُدَّ من إضمار، والتقدير: فقال الله لهم، وهذا كقوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠]، وهاهنا انقطع كلام الملأ، ثم قال فرعون: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠]، واتصل كلامه بكلامهم من غير إظهار فارق، فكذا هاهنا(٢). ٦٠٢ - وعن عِيَاضٍ بْنِ حِمَارٍ﴿ه، قال: قالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: (١) رواه مسلم (٢١٤٢). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٤ / ٧٥). ٥١٩ (إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ يَبَغِيَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ»، رواه مسلم. (الأَوْلُ) سبق معنی التواضع أول الباب. (نه): (الفخر): ادعاء العِظَم والكِبْر والشَّرَف(١). (غب): (الفَخْر): المُباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان؛ كالمال، والجَاه، ورجل فَاخِر، وفَخُور، وفَخِير على التكثير(٢). (نه): (البَغْي): الظلم. (غب): (البغي): تجاوز الحَقِّ إلى الباطل، أو ما يجاوزه إلى الشُّبَه؛ كما قيل: ((الحَقُّ بَيِّنٌّ، والبَاطِلُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، ومَن رَتَعَ حَوْلَ الحِمَى؛ أَوْشَكَ أَنْ يقعَ فِيهِ))، والبَغْيُ قد يكون محموداً، وقد يكون مذموماً؛ وهو أكثر ما يستعمل، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢]، فخَصَّ العقوبة بَبَغْيِهِ بغير الحق، و((بغى)): أي: تكبَّر؛ وذلك لتجاوزه منزلتَه إلى ما ليس له، انتهى(٣). * وفي قوله ◌َّي: ((أوحى الله إلي))(٤). * (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤١٨). (٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (١ / ٣٧٤). (٣) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (١ / ٥٥). (٤) كذا في الأصل بدون شرح، ولعل فيه نقصاً. ٥٢٠