النص المفهرس
صفحات 461-480
في الرَّجاء إذا كان معه تعليلٌ؛ نحو ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٩](١). (نه): ((استعتب)»: طلب أن يُرْضَى عنه؛ كما تقول: استرضيته فأرضاني(٢). (ط): أن يطلبَ العُتْبى، وهو الإرضاء، والمراد منه: أن يطلب رضا الله تعالى بالتوبة، ورَدِّ المظالم، وتدارك الفائت(٣). * قوله: «انقطع عمله»: (ن): هكذا في بعض النسخ، وفي كثير منها: (أمله)، وكلاهما صحيحٌ، لكن الأول أَجْوَدُ، وهو المتكرر في الأحاديث (٤). (ط): لعل مَن يمعن النظر؛ يُرجِّح العين على الهمزة، ويزعم أن الأمل مَذمومٌ كلُّه، لكن بعض الأمل مطلوبٌ، قال: واكذِبِ النَّفْسَ إِذَا حَدَّثْتَها إِنَّ صِدْقَ النَّفْسِ يُزرِي بِالأَمَلْ والمعنى: لا تُحدِّث نفسَك بأنك لا تظفر بمَرامِك، ولا تفوز بمطلوبك؛ فإن ذلك يُتْبِّطُكَ عن الكمالات ومَعالي الأُمور، وهذا معنى قوله وَّه: ((لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً)(٥). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٦٢). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٧٥). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٦٢). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٨). (٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٦٢). ٤٦١ ٥٨٦ - وعَنْ أَنَسٍ ﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ: ((لا يَتَمَنَّيَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرِّ أَصابَهُ، فَإِنْ كانَ لابُدَّ فاعِلاً، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْراً لي، وتَوَقَّني إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيراً لي))، متفقٌ عليهِ. (الثَّالِثُ)) سبق في (الباب الثالث). * * ٥٨٧ - وعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبي حازمٍ، قالَ: دَخَلْنا عَلَى خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ﴿هُ نَعُودُهُ، وقَدِ اكْتَوِى سَبْعَ كَتَّاتٍ، فقال: إنَّ أصحابَنا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا، ولمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيا، وإِنَّ أَصَبْنَا ما لا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعاً إِلَّ الترابَ، ولَوْلا أَنَّ النَّبِيَّنَّهِ نهانَاَ أَنْ نَذْعُوَ بِالمَوْتِ، لَدَعَوْتُ بِهِ، ثُمَّ أَنَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرى وهُوَ يَبْني حائِطاً لَهُ، فقالَ: إِنَّ المُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيءٍ يُنْفِقُهُ، إِلَّ فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ في هذا الترابِ، متفقٌ عليه، وهذا لفظُ رواية البخاريِّ. * قوله: (وقد اکتوی»: (نه): الكَيُّ بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض، وقد ٤٦٢ ورد النهيُ عنه، فقيل: إنما نهى عنه؛ من أجل أنهم كانوا يُعظِّمون أمرَه، ويرون أنه يَحْسِمُ الدَّاءَ، وإذا لم يُكْوَ العضو؛ عَطِب وبطل، فنهاهم إذا كان على هذا الوجه، وأباحه إذا جعله سبباً للشفاء، لا عِلةً له؛ فإن الله هو الذي يُبرئه ويَشفيه، لا الكيُّ، وهذا أمرٌ تكثُر فيه شكوك الناس، يقولون: لو شرب الدَّواءَ؛ لم يمت. وقيل: يحتمل أن يكون نهيُه عن الكيِّ إذا استُعمل على سبيل الاحتراز من حدوث المرض قبل الحاجة إليه، وذلك مكروهٌ، وإنما أُبيح للتداوي والعلاج عند الحاجة، ويجوز أن يكون النهيُ من قَبِيل التوكُّل؛ كقوله: ((هُمُ الذين لا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَكْتَوُونَ))(١)، والتوُّل درجة أُخرى غير الجَواز (٢). (ق): كِيُّ النبيِّ ◌َّهُ لأُبيِّ بن كعب، وسَعْد دليلٌ على جواز الكَيِّ، والعمل به إذا ظنَّ الإنسانُ منفعته، ودعت الحاجة إليه، فيُحمل النهي على ما إذا أمكن أن يُستغنى عنه بغيره من الأودية، فمن فعله في مَحلَّ وعلى شرطه؛ لم يكن مكروهاً في حَقِّه، ولا مُنْقِصاً له من فضله، ويجوز أن يكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، كيف لا؟ وقد كوى النبيُّ نَّهُ سعدَ بن معاذ الذي اهتزَّ له عرشُ الرحمن، وأُبِيَّ بن كعب المخصوصَ بأنه أَقْرأُ الأُمَّة للقرآن، وقد اكتوى عِمْرانُ بن حُصَيْن، فمَن اعتقد أن هؤلاء لا يَصلُحون أن يكونوا من السَّبعين ألفاً؛ ففساد كلامه لا يخفى(٣). * قوله: ((لم ينقصهم الدنيا شيئاً): (١) رواه البخاري (٥٣٧٨)، ومسلم (٢١٨) من حديث ابن عباس (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢١٢). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٩٧ - ٥٩٨). ٤٦٣ (ك): أي: لم تجعلهم الدنيا من أصحاب النُّقصان؛ بسبب اشتغالهم بها؛ أي: لم يطلبوا الدنيا، ولم يُحَصِّلوها حتى يلزم بسببه فيهم نُقُصانٌ؛ إذ الاشتغال بها اشتغالٌ عن الآخرة، قال الشاعر: مَا اسْتَكْمَلَ المَرْءُ مِنْ أَطْرَافِهِ طَرَفاً إِلَّ تَخَوَّنَهُ النُّقْصَانُ مِن طَرَفِ انتھی(١). * قوله: ((ما لا نجد له موضعاً إلا التراب)): قيل: أراد به عِمارةَ البُنيان، ويحتمل أن يكون المُراد به أني لا أجدُ موضعاً أَضعُه فيه، إلا أن أدفنه في الأرض، وكان عنده أربعون ألف درهم؛ كما أخرجه الإمام أحمد عن حارثة بن مُضَرِّب، قال: دخلت على خَبَّاب، وقد اكتوى سبعاً، فقال: لولا أني سمعت رسولَ الله ◌َّهِ يقول: ((لا يَتَمِنََّّنَّ أَحَدُكُمْ المَوْتَ))، لتَمنَُّه وقد رأيتُني مع رسول الله وََّ ما أَملِكُ درهماً، وإن في جانب بيتي الآن أربعينَ ألف درهم، قال: ثم أُتْيَ بكفنه، فلمَّا رآه؛ بكى، وقال: لكنَّ حَمْزةَ لم يوجد له كَفَنٌ إلا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، إذا جُعلت على رأسه؛ قَلَصَتْ عن قدميه، وإذا جُعلت على قدميه؛ قَلَصَتْ عن رأسه، حتی مُدَّت على رأسه، وجُعل على قدميه الإِذْخِرُ. (ك): إنما قال: ((لدعوت به))؛ لأنه مَرِضَ مرضاً شديداً، وابتُليَ بجسمه ابتلاء عظيماً، ويحتمل أن يكون ذلك من غِنىّ خاف منه، ((وفي هذا التراب))؛ يعني: البُنيانَ، وإنما أراد خَبَّابٌ من يبني ما يَفضُل عنه، ولا يضطرُّ إليه، فذلك الذي لا يؤجر فيه؛ لأنه من التكاثر المُلْهي لأهله، انتهى(٢). (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠ / ١٩٨). (٢) المرجع السابق، (٢٠ / ١٩٨ - ١٩٩). ٤٦٤ قيل: إن البناء فوق الحاجة تضييعٌ للمال، وهو من نتائج طول الأمل، وشَرَه الحِرْص، روى البيهقي في ((الشعب)) أن رسولَ الله وٍَّ قال: ((إِذَا لَمْ يُبَارَكْ لِلعَبْدِ فِي مَالِهِ؛ جَعَلَهُ فِي [المَاءِ] والطِّينِ))(١). وفي الحديث: (كُلُّ بَنَاءٍ وَبَالٌ عَلى صَاحِبِهِ إِلَّ مَا لا بُدَّ مِنْهُ)(٢)، ومَرَّ أبو ذَرِّ بأبي الدَّرداء، وهو يبني بيتاً من خُوصٍ، فلم يُسلِّم عليه، فلحقه، فقال: يا أخي؛ لم تركتَ السَّلامَ عليَّ؟ قال: لأني رأيتك تَجرَّدْتَ للدنيا، وقد آذن الله في خرابها . ومَرَّ الحسنُ البصريُّ بقَصْر، فقال: رفعوا الطينَ، وهدموا الدِّينَ، وقال: كنت أدخل بيوتَ أزواج النبيِّ ◌َِّ، وأتناول سقفَها بيدي. ودخل شقيقُ بن إبراهيم مسجداً منقوشاً، فسأل عن نفقة نقش ذلك المسجد، فقالوا: كذا وكذا درهماً، فقال: لكل درهم كَيَّةٌ. (١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٧١٩) من حديث علي ته، وإسناده ضعيف جدًّا. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٩١٩). (٢) رواه أبو داود (٥٢٣٧) من حديث أنس بن مالك ، وإسناده جيد. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٧٤). ٤٦٥ ٣٨- باب الورع وتركِ الشبهاتِ * قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. * وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَ لْمِرْصَادٍ﴾ [الفجر: ١٤]. (الباب الثامن والستون) (في الورع وترك الشبهات) (ش): قال إبراهيم بن أدهمَ: الورِعُ ترك كل شبهة، وترك ما لا يعنيك: هو ترك الفَضَلات، وفي ((الترمذي) مرفوعاً إلى النبيِّ ◌َِّ: ((يَا أبا هُرَيْرةَ؛ كُن وَرِعاً؛ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ))(١). وقال الشِّبْلِيُّ: الوَرِعُ أن تتورَّع عن كل ما سوى الله، وقال إسحاقُ بن خَلَف: الوَرِعُ في المَنْطِقِ أشدُّ منه في الذهب والفِضَّة، والزُّهد في الرِّئاسة أشدُّ منه في الذهب والفِضَّة؛ لأنهما يُبذلان في طلب الرِّئاسة. وقال يحيى بن معاذ: الورعُ الوقوفُ على حَدِّ العلم من غير تأويل، (١) رواه الترمذي (٢٣٠٥)، وابن ماجه (٤٢١٧)، واللفظ له، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٥٨٠). ٤٦٦ وقال: الورع على وجهين: ورع في الظاهر؛ أن لا تتحرَّك إلا لله، وورع في الباطن، وهو أن لا يدخلَ قلبَك سواه، وقال: مَن لم ينظر إلى الدَّقيق من الورع؛ لم يصل إلى الجليل من العطاء. وقال سفيان الثوريُّ: ما رأيت أسهلَ من الورع؛ ما حاك في نفسك تركتَه، وسأل الحسنُ غلاماً، فقال: ما مِلاكُ الأمر؟ قال: الورعُ، قال: فما آفتُه؟ قال: الطَّمَع، فعَجِب الحسنُ منه، وقال الحسن: مثقال ذَرَّة من الورع خيرٌ من ألف مثقال من الصوم والصلاة. وقال بعضُ السَّلفَ: لا يبلغ العبدُ حقيقةَ التقوى حتى يدعَ ما لا بأسَ به؛ حذراً مِمَّا به بأس، وقال بعض الصحابة: كُنَّا ندعُ سبعين باباً من الحلال؛ مَخافةَ أن نقعَ في باب من الحرام. * قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ, هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]؛ أي: يقولون ما يقولون في شأن أم المؤمنين، ويحسبون ذلك يسيراً سهلاً، وهو عند الله عظیم، انتهى(١). ووجهُ مناسبة هذه الآية لهذا الباب: أنه ينبغي للمَرء الأخذُ بالاحتياط والورَع، وأن لا يحومَ حول الحِمَى؛ فإن مَن أكثر تعاطيَ الشُّبهات في الأقوال والأفعال، وحَسِبه هيناً؛ يُوشِك أن يقعَ في المُحرَّمات، وهي عظيمةٌ عند الله. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَ لْمِرْصَادٍ﴾ [الفجر: ١٤]، سبق تفسيره في (الباب الخامس)؛ أي: يسمع ويرى، فعلى العبد استعمالُ الورَع في جميع (١) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢/ ٢١ -٢٣). ٤٦٧ موارده ومصادره؛ فإنه لا يخفى عليه خافية. ٥٨٨ - وعَنِ النُّعمان بنِ بَشيرِ ﴿﴾، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِصَّ يُقُولُ: ((إنَّ الحَلالَ بِيِّنٌ، وإِنَّ الحَرامَ بَيِّنٌّ، وَبَيْنَهما مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرَاً لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ، وَقَعَ في الحَرامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، ألاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمِىٌّ، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلاَ وإنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدَ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ))، متفقٌ عليه، ورَوَيَاهُ مِنْ طُرُقٍ بِأَلْفَاظِ مُتَقارِبَةٍ. (الأَوْلُ) (ن): أجمع العلماء على عِظَم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مَدارُ الإسلام، قال جماعة: هو ثُلثُ الإسلام، وإن الإسلامَ يدور عليه، وعلى حديث: ((الأَعْمَالُ بالنِّية)»(١)، وحديث ((مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِیهِ))(٢) وقال أبو داود: يدور على أربعة أحاديث؛ هذه الثلاثة، وحديث: ((لا يُؤْمِنُ أَحدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ (١) رواه البخاري (٥٤)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر ظه (٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٢٩) من حديث أبي هريرة ، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٩١١). ٤٦٨ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنَفْسِه)(١)، وقيل: حديث: ((ازْهَدْ في الدُّنيا؛ يُحِبَّك اللهُ، وازْهَدْ فِيمَا أَيْدِيِ النَّاسِ؛ يُحِبِّكَ النَّاسُ))(٢). (ق): هذا الذي قاله هؤلاء رَّ حَسَنٌ، غيرَ أنهم لو أَمعنوا النظرَ في هذا الحديث من أوله إلى آخره؛ لوجدوه مُتضمِّناً لعلوم الشريعة كُلِّها، ظاهرها وباطنها، فَأَمْعِن النظرَ فيما سنذكره من الجُمل في الحلال، والحرام، والمُتشابهات، وما يُصلِحِ القلوب، وما يُفسِدها، وتَعلُّق أعمال الجوارح بها، وحينئذ يستلزم ذلك الحديث معرفةَ تفاصيل أحكام الشريعة كلِّها، أُصولها وفروعها(٣). (ن): سببُ عِظَم موقع هذا الحديث: أنه مَِّ نَبَّه فيه على إصلاح المَطْعَم؛ والمَشْرب، والمَلْبَس، وغيرها، وأنها ينبغي أن تكون حلالاً، وأرشدَ إلى معرفة الحلال، وأنه ينبغي تركُ المُشْتَبهات؛ فإنه سببٌ لحماية دينه وعِرْضه، وحَذَّر من مُواقعة الشُّبُهات، وأوضح ذلك بضَرْب المَثَل بالحِمَى، ثم بَيَّن أهمّ الأُمور، وهو مُراعاة القلب، وبيَّن أن بصلاح القلب يَصلُح باقي الجسد، وبفساده يَفْسُد باقيه (٤). قوله ميل : ((الحلال بين)) : (ن): معناه: أن الأشياء ثلاثةُ أقسام: حلال بَیِّن واضح، لا يخفى (١) رواه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥) من حديث أنس بن مالك (٢) رواه ابن ماجه (٤١٢٠) من حديث سهل بن سعد الساعدي ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٩٢٢). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٩٩ - ٥٠٠). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٢٧). ٤٦٩ حِلُّه؛ كالخُبز، والفواكه، وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلامُ والنظرُ، وغير ذلك من التصرُّفات فيها حلالٌ بيِّن واضح لا شكَّ في حُكمه، وأما الحرام البَيِّن: فكالخَمْر، والخِنزير، والمَيْتة، والدَّم المسفوح، وكذلك الزِّنا، والغِيبة، والنَّميمة، والنظر إلى الأجنبية، وأشباه ذلك. وأما المُشتبهات: فمعناه أنها ليست واضحةَ الحِلِّ، ولا الحُرمة؛ فلهذا لا يعرفها كثيرٌ من الناس، ولا يعلمون حُكمَها، وأما العُلماء: فيعلمونها بنَصِّ، أو قياس، أو استصحاب، أو غير ذلك، فإذا تردّد الشيء بين الحِلِّ والحُرمة، ولم يكن فيه نصٌّ، ولا إجماعٌ؛ اجتهد فيه المُجتهدُ، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعيٍّ، فإذا ألحقه بها؛ صار حلالاً أو حراماً، وقد يكون دليلهُ غيرَ خالٍ عن الاحتمال البَيِّن، فيكون الورِعُ تركَه، ويكون داخلاً في قوله مَّه: ((فمن اتقى الشبهات؛ فقد استبرأ لدينه وعرضه)). وما لم يظهر للمُجتهد فيه شيءٌ، وهو مُشتَبهٌ؛ فهل يُؤخذ بحِلُّه، أم بحُرمته، أم يُتوقَّف؟ فيه: ثلاثةُ مذاهب، والظاهر أنها مُخَرَّجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشَّرع، وفيه: أربعةُ مذاهب، الأصحُّ: أنه لا يحكم فيه بحِلٌّ، ولا حُرمة، ولا إباحة، ولا غيرها؛ لأن التكليف عند أهل الحَقِّ لا يثبتُ إلا بالشِّرع، والثاني: أن حُكمَها التحريم، والثالث: الإباحة، والرابع: التوقُّف (١). (ق): اختلف في حُكم المُتشابهات، فقيل: مُواقَعَتُها حرام، وقيل: مكروهة، والورع تركُها، وقيل: لا يُقال فيها واحدٌ منهما، والصَّوابُ الثاني؛ لأن الشرع قد أخرجها من قِسْم الحرام، فلا توصف به، وقد قال (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٢٧ - ٢٨). ٤٧٠ فيها بعضُ الناس: إنها حلال يُتورَّع عنها. قلت: وليست بعبارة صحيحة؛ لأن أقلَّ مراتب الحلال أن يستويَ فعلُه وترگُه، فیکون مُباحاً، وما كان كذلك؛ لا يُتصوّر فيه الورعُ من حیث هو متساوي الطرفين؛ فإنه إن تَرجَّح أحدُ طرفيه على الآخر؛ خرج عن كونه مُباحاً، وحينئذٍ يكون تركُه راجحاً على فعله، وهو المكروه، أو فعلُه على تركه، وهو المندوبُ. فإن قيل: فالنبيُّ نََّ، وأَجِلَّةُ أصحابه كانوا يزهدون في المُباح؛ فإنهم رفضوا التنُّم بأكل الطيِّبات، واللِّباس الفاخر، وسُكنى المَساكن الأنيقة، ولا شكّ في إباحة هذه الأُمور. والجواب: أنهم لم يزهدوا في المُباح، بل في أمرٍ تركُه خيرٌ من فعله شرعاً، وهذه حقيقة المكروه، فإذاً؛ إنما زَهِدوا في مَكروه، غير أن المكروهَ قد يُكره من حيث هو؛ كما كُرِهَ لُحومُ السِّباع، وقد يكره ما يُؤدِّي إليه، كما يكره القُبلة للصائم؛ فإنه إنما يُكره، لما [يُخافُ منها](١) من فساد الصوم، وتركُهم التنقُّم من هذا القَبيل؛ فإنه انكشف لهم من عاقبته ما خافوا على نُفُوسِهم منه مفاسدَ؛ إما في الحال؛ کالزُّكون إلى الدنيا، وإما في المآل؛ كالحساب عليه، فقد ظهر ولاح أنهم لم يزهدوا في مُباح(٢). (ك): ((مشبهات)) ضبط بلفظ الفاعل من الإفعال والتفعيل والافتعال، وبلفظ المفعول من الأوَّلين، ومعناه مُشْتَبِهاتٌ أنفسُها بالحلال، أو (١) بياض في الأصل. (٢) انظر: (المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٨٩). ٤٧١ مُشْبِهَاتٌ الحلالَ، أو مُشَبَّهَاتٌ بالحلال(١). (ن): ((فقد استبرأ لدينه وعرضه))؛ أي: حَصَّل البراءةَ لدينه من الذمِّ الشرعيٍّ، وصان عِرْضَه عن كلام الناس فيه(٢). (ك): ((لدينه)) إشارةٌ إلى ما يتعلَّق بالله تعالى، ((وعرضه)) إشارةٌ إلى ما يتعلَّق بالناس، أو ذاك إشارةٌ إلى الشرع، وهذا إلى المُروءة(٣). (حس): فيه: دليلٌ على جواز الجَرْح والتعديل، وأن مَن لم يتوقَّ الشُّبَه فِي كَسْبه، فقد عرض دينه وعِرْضَه للطّعْن(٤). * قوله: ((وقع في الحرام)): (ن): یحتمل وجھین: أحدهما: أن مَن أكثر تعاطيَ الشُّبهات؛ يُصادف الحرامَ، وإن لم يتعمَّدْه، وقد يأثم بذلك إذا نُسب إلى تقصير. والثاني: أنه يعتاد التساهُلَ، ويتمرَّن عليه، ويَجسُر على شُبهة أغلظَ، منها، ثم أُخرى أغلظَ، وهكذا يقع في الحرام عَمْداً، وهذا نحوُ قول السَّلَف: المَعاصي بريدُ الكفر (٥). (ق): ولذلك قيل: الصَّغيرةُ تجُرُّ إلى الكبيرة، والكبيرة تجُرُّ إلى (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٢٠٣). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٢٨). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٢٠٣ - ٢٠٤). (٤) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٨ / ١٦). (٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٢٩). ٤٧٢ [الكُفر]، وهو معنى قوله تعالى: ﴿كَلَّابَّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم ◌ََّكَانُواْيَّكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. ويحتمل أن مَن أكثر الشُّبُهات؛ أظلم عليه قلبُه؛ لِفُقدان نور العلم، ونور الوَرع، فيقع في الحرام، ولا يشعر به، وإلى هذا النور الإشارةُ بقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ، لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِّهِ،﴾ [الزمر: ٢٢]، وإلى ذلك الإظلام الإشارة بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] (١) . (تو): الوقوع في الشيء: السُّقوط فيه، وكل سُقوط شديد يُعبَّر عنه بذلك. (شف): وإنما قال: (([وقع] في الحرام))، ولم يقل: (يوشك [أن يقع])، تحقيقاً لمُداناة الوقوع؛ كما يُقال: مَن أتبع نفسَه هواها؛ هلك. (ط): ولعل السرَّ فيه أن حِمَى الأملاك حُدودُه مَحسوسةٌ يدركها كلُّ ذي بصر، فيحترز أن يقعَ فيه، اللَّهُمَّ إلا أن يَغْفُلَ وتغلبَه الدابة الجَمُوحُ، وأما حِمَى مَلِك الأملاك، وهو محارمُه: فمَعقولٌ صِرْفٌ، لا يدركه إلا الأَلِبَّاءُ مِن ذَوِي البصائر، كما قال ◌َّ: ((لا يعلمهن كثير من الناس) يَحْسَبُ أحدٌ منهم أنه يرتع حول الحِمَى؛ يعني: الشُّبهاتِ؛ إذ هو في وسَط محارمه، ومن ثَمَّ ورد النهيُ في التنزيل عن القُربان منها في قوله تعالى: ﴿َتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ لأن قُربانها هو الوقوع فيها(٢). (حس): هذا الحديث أصلٌ في الورع، وهو أن ما اشتبه على الرجل أمرُه في التحليل والتحريم، ولا يُعرَفُ له أصلٌ مُتقدِّم؛ فالورع أن يتركَه (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٩٣). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢١٠٠). ٤٧٣ ويجتنبَه، فلو وجد في بيته شيئاً لا يدري هل هو له، أو لغيره؟ فالورعُ أن یجتنبه، ولا [یحرم] علیه تناولُه؛ لأنه في يده. ويدخل في هذا الباب معاملةُ مَن في ماله شُبهٌ، أو خالطه رِباً، فالأولى أن يحترزَ عنها ويتركَها، ولا يُحكم بفسادها ما لم يُتيِقَّن أن عينَ حرامٌ؛ فإن النبيَّ وَّ﴿ رهن دِرْعَه عند يهوديٌّ بشعير أخذه لقُوت أهله، مع أنهم يُرابون في مُعاملاتهم، ويَستحِلُّون أثمان الخُمور(١). رُوي عن علي ◌َّهُ أنه قال: لا تسأل السُّلطانَ، فإن أعطَوْك من غير مسألة؛ فاقبل منهم؛ فإنهم يُصيبون من الحلال أكثرَ مِمَّا يعطونك. ورُوي عن ابن سيرين: أن ابن عمر ﴾ كان يأخذ جوائزَ السُّلطان، وكان القاسم بن محمد، وابن سيرين، وسعيد بن المُسيَّب لا يقبلون جوائزَ السُّلطان، فقيل لابن المسُيَّب في ذلك، فقال: رَدَّها مَن هو خيرٌ [مني على مَن هو خیرٌ] منه. (ط): قال أبو حامد الغزاليُّ: إن السَّلاطينَ في زماننا هذا ظَلَمَةٌ، قلَّما يأخذون شيئاً على وجهه بحَقِّه، فلا يَحِلُّ مُعاملتُهم، ولا مُعاملةُ مَن يتعلق بهم حتى القاضي، ولا التَّجارة في الأسواق التي بَنَوْها بغير حَقٍّ، والورع اجتنابُ الرُّبُط، والمدارس، والقناطير التي بناها هؤلاء بالأموال المَغصُوبة التي لا يُعلم مالكُها . روى ابنُ الأثير عن أبي شهاب قال: كنت مع سُفيان الثوريٍّ، فرأى ناراً مِن بعيد، فقال: ما هذا؟ فقلت: نارُ صاحب الشَّرَطَة، فقال: اذهب بنا (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبغوي (٦ / ١٠٠ - ١٠١). ٤٧٤ في طريق آخر لا نستضيء بنارهم(١). (قض): ((ألا)) مركبة من همزة الاستفهام، وحرف النفي؛ لإعطاء معنى التنبيه على تحقّق ما بعدها، و((الحمى)): هو المرعى الذي حماه الإمام، ومنع مِن أن يُرعى فيه، شبّة المحارم من حيث إنها ممنوعةُ التبسُّط فيها، والتخطِّي الحُدودها، واجبةُ التجنُّب عن جوانبها وأطرافها، بحِمى السُّلطان، وكما يحتاط الراعي ويتحرَّز عن مُقاربة الحِمى؛ حذراً من أن تتخطَّه ماشيتُه، فيتعرَّضُ لسَخَط السُّلطان، ويستوجب تأديبَه، ينبغي أن يتورَّعَ المُكَّلف عن الشُّبُهات، ويتجنَّب عن مُقارنتها؛ كيلا يقعَ في المحارم، ويَستحِقَّ به السَّخَط العظيمَ، والعذابَ الأليم(٢). (ق): ((يوشك)) بكسر الشين من أفعال المقاربة، ومعناه هنا: يقع في الحرام بسرعة(٣). (نه): ((المضغة)): القطعة من اللحم قَدْرَ ما يُمضَغ، وجمعها مُضَغ، وسُمِّي القلب بها؛ لأنه قطعة من الجسد(٤). (ن): المراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاحَ الجسد وفسادَه تابعان للقلب، وفيه: الحَتُّ الأكيد على السَّعي في صلاح القلب، وحمايته من الفساد(٥) . (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢١٠٠). (٢) انظر: ((شرح المصابيح)) للبيضاوي (٢ / ٢١١ -٢١٢). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٩٤). (٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٣٣٩). (٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٢٩). ٤٧٥ (ط): إنما سُمِّي مُضغةً؛ لأن فيها معنى التحقير، والتنكير فيها أيضاً للتحقير؛ تعظيماً لشأنها؛ نحو قولهم: المَرْء بأصغريه؛ يعني: القلبَ والِّسان؛ ذهاباً إلى أنهما أكثر ما في الإنسان معنى وفضلاً، والجالب للباء معنى القيام، كأنه قال: المَرْءُ تقوم معانيه بهما، ويَكمُل بهما، أنشد زُهير : فَلَمْ يَبْقَ إلا صُورَةُ اللَّخمِ والدَّمِ(١) لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ ونِصْفٌ فُؤَادُهُ (ن): صلَح الشيء، وفسد بفتح اللام والسين، وضمهما، الفتح أفصحُ وأشهر(٢). (ق): قد يقال بالضم فيهما إذا صار الصلاحُ والفسادُ هيئةً لازمة لها؛ كما يقال: ظرف وشرف(٣). (ط): إعادة حرف التنبيه في قوله: ((ألا وهي القلب)) بعد الإبهام في قوله: ((ألا وإن في الجسد مضغة)) تنبيهٌ على فَخامة شأنها، وعِظَم موقعها، نَّه أولاً: أن لكل مَلِك من ملوك الدنيا حِمَىّ يحميه عن الأغيار، ونبَّه ثانياً: أن لله تعالى حِمَىّ يحميه من أن يَقْرُبَ منه عبادُه، ونبَّه ثالثاً: أن قلبَ كلِّ مَلِكٌ وأن جسدَه حِمَاه، فهو يحميه من إفساد الشيطان والنفس الأمّارة، وكما أن صلاح الجسد بصلاحه، وفساده بفساده؛ كذلك العكس، وصلاح الجسد إنما هو بأن يتغذّى بالحلال، فيصفوَ، ويتأثر القلبُ بصفائه، ويتنوّر فینعکسَ نورُه إلى الجسد، فيَصدُرَ منه الأعمالُ الصَّالحةُ، وهو المَعني بصلاحها، وإذا تغذَّى بالحرام؛ يصير مَرْتَعاً للشيطان، والنفس، فيتكدّر، ويتكدَّر القلبُ، فيُظلم، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢١٠٠ - ٢١٠١). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٢٨ -٢٩). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ /٤٩٤). ٤٧٦ وتنعكس ظُلمَتُه إلى البدن، فلا يصدر منه إلا المعاصي، وهو المَعنيُّ بفسادها. ثم إذا ساس القلبُ الجسدَ؛ استحقَّ أن يكون وارثُ الأنبياء يَسُوسُ عبادَ الله، ويُكمِّلُ الناقصين منهم، ويوصلهم إلى جَنَابِ الله الأقدس، فحينئذ يرى الجَدْبَ بحراً لا ساحلَ له(١). (ق): ((القلب)) مشتقٌّ من التقلُّب، وقد قيل: ما سُمِّي القَلْبُ إِلاَّ مِنْ تَقَلُّبِهِ فَاحْذَرْ عَلَى القَلْبِ مِنْ قَلْبٍ وتَحْوِيلِ ثم اعلم أن الله تعالى خَصَّ جنسَ الحيوان بهذا العُضو المُسمَّى بالقلب، وأودع فيه المعنى الذي تنتظم به المصالحُ المقصودة من ذلك النوع، فتجد البهائم تدرك مصالحَها ومنافعها، مع اختلاف أشكالها وصُورها، ثم خَصَّ نوعَ الإنسان بهذا القلب المَخصُوص المُشتمل على المعنى الذي به يفهم المَفْهُومات، ويحصل به على معرفة الكُلِّيات والجُزئيات، ويعرف به الفرقَ بين الواجبات، والجائزات، والمستحيلات، وقد شُرِّف الإنسان على سائر[الحيوان](٢) بهذا القلب، ولم يُشرَّف به من حيث صورتُه الشكلية؛ فإنها موجودةٌ لغيره من الحيوانات، بل من حيث هو مَقَرِّ لتلك الخاصِّية الإلهية، فهي أشرفُ الأعضاء، وأعزُّ الأجزاء، ثم إن الجوارح مُسخَّرة له ومُطيعة، فما استقرَّ فيه؛ ظهر عليها، وعملت على مُقتضاه، وعند هذا انكشف لك معنی قوله : ((إذا صلحت؛ صلح الجسد كله)). ولمَّا ظهر ذلك؛ وجبت العِنايةُ بالأُمور التي يصلُح بها القلب؛ ليتَّصف (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢١٠١). (٢) بياض في الأصل. ٤٧٧ بها، وبالأُمور التي يَفسُد بها؛ ليتجنَبها، ومجموع ذلك علومٌ وأعمال، فالعلوم ثلاثة : الأول: العلمُ بالله، وصفاته، وأسمائه، وبصِدْق رسُله فيما جاؤوا به. والثاني: العلم بأحكامه عليهم، ومُراده منهم. والثالث: العلم بمساعي القلوب؛ من خواطرها، وهُمومها، ومحمود أو صافها، ومذمومها. وأما أعمال القلوب: فالتحلِّي بالمَحمود من الأوصاف، والتخلِّي عن المَذموم منها، ومُنازلة المَقامات، والترقِّي عن مفضول المُنازلات إلى سَنِيٍّ الحالات. وأما الأحوال: فمراقبة الله في السرِّ والعَلَن، والتمكُّن من الاستقامة على السُّنَن، وإليه الإشارة بما في الخبر: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ)) (١). * تنبيه: الجوارح؛ وإن كانت تابعةً للقلب؛ فقد يتأثر القلب بأعمالها؛ للارتباط الذي بين الباطن، والظاهر، والقلب مع الجوارح؛ كالمَلِك مع الرَّعِية؛ إن صَلَح صلَحت، ثم يعود صلاحُها عليه بزيادة مصالح ترجع إليه، وإليه الإشارةُ بما في الحديث: ((إنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ، فيُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى يُكْتبَ عندَ الله صِدِّيقً، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ الكِذْبةَ، فِيَسْوَدُّ قَلبُه، حَتَّى يُكتبَ عند الله كَذَّاباً) (٢)، وإلى هذا الإشارةُ بقوله: ((إن في الجسد مضغةً، إن صلحت؛ صلح الجسد كله)) مُتَّصلاً بقوله: ((الحلال بين، والحرام بين))؛ إشعاراً بأن أكل الحلال يُنوِّره ويُصلِحُه، وأكل الحرام (١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٨) من حديث عمر ظته. (٢) رواه البخاري (٥٧٤٣)، ومسلم (٢٦٠٧)، من حديث عبدالله بن مسعود ◌ُه . ٤٧٨ والشبهة يُفسِده وُيُقَسِّيه ويُظلِمُه، وقد وجد ذلك أهلُ الورع، حتَّى قال بعضُهم: استسقيت جُنديًّا، فسقاني شَرْبةَ ماء، فعادت قَسْوتُها على قلبي أربعين صباحاً. قيل: المُصحِّح للقلوب والأعمال أكلُ الحلال، ويخاف على آكل الحرام والشُّبهة أن لا يُقبلَ له عمل، ولا يُسمعَ له دعوة، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴾ [المائدة: ٢٧]؟! وآكل الحرام، والمُستَرسِل في الشُّبُهات ليس بمُتَّقِ على الإطلاق، وقد عضَد ذلك قولُه وَّهِ: ((إنَّ اللهَ أمرَ المُؤمِنِينَ بِمَا أمرَ به المُرسَلِينَ، فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ... )) الحديثَ(١)، ولمَّا شرب أبو بكر ظُهُ جُرْعةً من لَبَن من شُبهة؛ استقاءها، الحديثَ(٢). وعند هذا يَعلم الواحد منا قَدْرَ المصيبة التي هو فيها؛ إذ المَكاسِبُ في هذه الأوقات قد فسدت، وأنواع الحرام والمُتشابهات قد عَمَّت، وأن الواحد منا وإن اجتهد فیما یعمله، فکیف یعمل فیمن یعامله، مع استرسال الناس في المُحرَّمات والشُّبُهات، وقِلَّة مَن يتقي ذلك من جميع الأصناف والطبقات، مع ضرورة المُخالطة، والاحتياج إلى المعاملة؟! ولولا النهيُ عن القُنوط واليأس؛ لكان الأَوْلى بأمثالنا من الناس، لكنا إذا دفعنا عن أَنْفُسِنا أُصولَ المُحرَّمات، واجتهدنا في ترك ما يُمكننا من الشُّبُهات؛ فعَفْوُ الله تعالى مَأمولٌ، وكرَمُه مرجُوٌّ، فلا ملجأَ إلا هو، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا به(٣). (١) رواه مسلم (١٠١٥) من حديث أبي هريرة تڅه. (٢) رواه البخاري (٣٦٢٩) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ /٤٩٤ - ٤٩٨). ٤٧٩ (ن): فيه: دليلٌ لمذهب أصحابنا، وجماهير المُتكلِّمين على أن العقلَ في القلب، لا في الرأس، وفيه خلافٌ مشهور، وحُكي عن أبي حنيفةَ أنه في الدِّماغ، وقد يقال: في الرأس، واستدلَّ أصحابنا بقوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ◌َاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ [الحج: ٤٦]، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ، قَلْبُ ﴾[ق: ٣٧]، وبهذا الحديث؛ فإنه ◌َّ جعل صلاحَ الجسد وفساده تابعاً للقلب، مع أن الدِّماغ من جملة الجسد، فيكون صلاحُه وفسادُه في القلب، فعلم بأنه ليس محلاً للعقل. واحتجَّ القائلون بأنه في الدِّماغ بأنه إذا فسد الدِّماغُ؛ فسد العقل، ويكون من فساد الدِّماغ الصَّرَعُ في زعمهم، ولا حُجَّةَ لهم في ذلك؛ لأن الله سبحانه أجرى العادةَ بفساد العقل عند فساد الدَّماغ، مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع من ذلك، لا سِيَّما في أُصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدِّماغ والقلب، والأطباء يجعلون بين رأس المَعِدة والدِّماغ اشتراكاً(١). (ق): أضاف سُبحانه العقلَ إلى القلب؛ كما أضاف السَّمْعَ إلى الأُذن في قوله: ﴿فَتَكُونَ لَمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهِآَ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهِاٌ ﴾ [الحج: ٤٦]، وهو دليلٌ على مَن قال: إن العقل في الدِّماغ، وهو قول مَن زلَّ عن الصواب، وزاغ، كيف لا؟! وقد أخبرنا عن مَحلِّه خالقُه القدير ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ اْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ورُوي ذلك عن أبي حنيفة، ولا أظنها عنه معروفة (٢). * (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٢٩). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٩٥). ٤٨٠