النص المفهرس

صفحات 381-400

الكمال، ويُوفِّيها حصَّة الثواب، حتى ينتهيَ بالتضعيف إلى نصاب تقع
المُناسبة بينه وبين ما قدَّم من العمل وقوعَ المُناسبة بين التمرة والجبل.
(ط): ((من كسب طيب)) صفة مُمَيِّزة لـ (عدل تمرة)؛ ليمتاز الكَسْبُ
الخبيثُ الحرام، ((ولا يقبل الله إلا الطيب)) جملة مُعترضِةٌ واردة على سبيل
الحَصْر بين الشرط والجزاء؛ تأكيداً وتقريراً للمطلوب من النفقة، ولمَّا قيَّد
الكَسْبَ بالطيِّب؛ أتبعه اليمينَ؛ لمُناسبةٍ بينهما في الشرف، وضرب المثل
بالفَلُوَّ الذي هو من كرائم النِّتاج؛ وأنه أَقبلُ للتربية من سائر النِّتاج، لأن
الكسب الطيِّبَ من أفضل أكساب الإنسان، وأنه أَقبلُ للمزيد والمُضاعفة،
والخبيث الذي هو الحرام على عكسه(١).
٥٦٢ - وعنهُ: عنِ النبيِّ وَّهِ، قال: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمِشِي بِفَلَاةٍ مِن
الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوتاً في سَحَابَةٍ: اِسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَخَّى ذَلِكَ
السَّحَابُ، فَأُفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّراحِ قَدِ
اسْتَوَعَبَتْ ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَنَبَّعَ المَاءَ، فَإِذا رَجُلٌ قَائِمٌّ في حَدِيقَتِهِ
يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحَاتِهِ، فقالَ لَهُ: يَا عَبْدَالله! ما اسْمُكَ؟ قال: فُلانٌ؛
للاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَاللهِ! لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ
اسْمِ؟ فَقَال: إنِّي سَمِعْتُ صَوتاً في السَّحَابِ الَّذِي هذَا ماؤُهُ يُقُولُ:
اِسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ؛ لاسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فِيها؟ فَقَالَ: أَمَا إِذْ قُلْتَ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٤٠).
٣٨١

هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْها، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَأَكُلُ أَنَا وعِيالي
ثُلُثاً، وأَرُدُّ فِيها ثُلُثَهُ، رواه مسلم.
((الحَرَّةُ»: الأَرضُ المُلْبَسَةُ حِجَارَةٌ سَودَاءَ. ((والشَّرْجَةُ)) بفتح
الشين المعجمة وإسكان الراءِ وبالجيم: هِيَ مَسِيلُ الماءِ.
[التَّايُ عَنْشِرَ
* قوله: ((اسق حديقة فلان)) :
(نه): (الحديقة): كلُّ ما أحاط به البناءُ من البساتين وغيرها، ويقال
للقطعة من النخيل: حديقة، وإن لم يكن مُحاطاً بها (١).
(ن): (الحديقة): القطعة من النخيل، ويطلق على الأرض ذات
الشجر، ومعنى ((تنحى)): قصد، يقال: تنَخَّيت الشيءَ، وانتحيته، ونَحَوْتَه:
إذا قصدتَه، ومنه سُمِّي النَّحْوُ؛ لأنه قَصْدٌ لكلام العرب، وفيه: فضل الصدقة،
والإحسان إلى المساكين، وأبناء السبيل، وفضل أكل الإنسان من کَسْبه،
والإنفاق على العِيَال(٢).
(ط): ((وأرد فيها ثلثه))؛ أي: وأردُ في الحديقة الأصلَ الذي زرعته
فيها؛ ليكون قِنيةً للبَذْر بعد تَصدُّقي بالثلث، وأكلي الثلث(٣).
(ق): فيه: دليلٌ على صِحَّة القول بكرامات الأولياء، وأن الوليَّ قد
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٥٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١١٤ - ١١٥).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٣٣).
٣٨٢

يكون له مالٌ وضَيْعةٌ ولا يُناقضه قوله ◌َّهِ: ((لا تَّخِذُوا الصَّيْعَةَ؛ فَتَرْكَنُوا إلى
الدُّنْيَا))(١)؛ لأن المقصودَ بالنهي إنما هو مَن اتخذه مُستكثراً، ومُتنعِّماً بزهرة
الدنيا؛ لما يُخاف عليه من المَيْل إلى الدنيا، والرُّكون إليها، وأما مَن اتّخذها
مَعاشاً يصون بها دِينَه وعِيَاله: فاتَّخاذُه بهذه النية من أفضل الأعمال، وهي
من أفضل الأموال(٢).
(١) رواه الترمذي (٢٣٢٨) من حديث ابن مسعود ه، وقال: حديث حسن.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٣٧ - ١٣٨).
٣٨٣

٦٠-باب
النهيِ عنِ البُخلِ والشُّحِّ
٩
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَعْلَ وَأَسْتَغْنَى ، وَكَذَبَ بِالْمُنْفَ
فَسَنُيَسِّرُ لِلْمُسْرَى ) وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ مْإِذَا تَرَدََّ﴾ [الليل: ٨ -١١].
* وقال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[التغابن: ١٦].
(الباب الحادي والستون)
(في النهي عن البخل والشح)
(ن): (الشح): أشدُّ البُخل، وأبلغُ في المَنْع من البُخل، وقيل: هو
البخل مع الحِرْص، وقيل: البخل في أفراد الأُمور، والشخُّ عامُ، وقيل:
البُخل بالمال خاصَّة، والشُّ بالمال والمعروفِ، وقيل: الشُّ: الحِرْصُ
على ما ليس عنده(١).
(ق): و(البخل): الامتناع من إخراج ما حصل عنده، يقال منه:
شَحِحْتَ بالكسر تشَخُّ، وشَحَحْتَ بالفتحِ تَشُح بالضم، ورجل شَحيح،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٤).
٣٨٤

وقوم شِحاحٌ وأشِخَاء(١).
* قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْفَى﴾ [الليل: ٨]، قال ابن عباس: أي:
بخل بماله، واستغنى عن رَبِّه، ﴿وَكَذَبَ بِالْمُتْنَى﴾ [الليل: ٩]؛ أي: بالجزاء في
الدار الآخرة، ﴿فَسَنْيَتِرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠]؛ أي: لطريق الشرِّ؛ كما قال
تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ ﴾ [الأنعام: ١١٠] الآيةَ.
والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ دالَّةٌ على أن الله سبحانه يجازي مَن
قصد الخيرَ بالتوفيق له، ومَن قصد الشرّ بالخِذْلان، وكل ذلك بقدَر مُقدَّر.
روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى ابن عباس ﴾: أن رجلاً كان له نخيلٌ،
ومنها نخلة كان فَرْعُها في دار رجل صالح فقير ذي عِيَال، فإذا جاء الرجل
فدخل دارَه ليأخُذَ التمرة من نخلته، فتسقط التمرة، فيأخذها صِبيانُ الفقير،
فينزل من نخلته، وينزع التمرة من أيديهم، وإن أُدخل في فم أحدهم؛ أدخل
إصبعَه في فم الغلام، ونزع التمرة من حَلْقِه، فشكا ذلك الرجل إلى النبيِّ ◌َّ،
وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة، فقال له النبيُّ ◌َّه: ((اذهب))، ولقي
النبيُّ نَّهِ صاحبَ النخلة، فقال له: ((أَعْطِنِ نَخْلَتَك التي فَرْعُها في دَارِ فُلانٍ،
ولكَ بها نَخْلَةٌ فِي الجَنَّةِ))، فقال: لقد أعطيتُ، ولكن يعجبني تمرُها، وإنَّ لي
لنخلاً كثيراً(٢)، ما فيها نخلةٌ أَعْجَبُ إليَّ ثمرةً من ثمرها، فذهب النبيُّ ◌َ﴾،
فتبعه رجلٌ هو أبو الدَّحْدَاح، كان يسمع الكلامَ من رسول الله ێ، ومن
صاحب النخلة، فقال: يا رسولَ الله؛ أنا أخذتُ النخلةَ، فصارت لي النخلة،
فأعطيتها، أتعطيني بها ما أعطيتَه بها؛ نخلةً في الجنة؟ قال: ((نعم))، ثم إن
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٥٧).
(٢) في الأصل: ((النخل كثير)).
٣٨٥

الرجل لقي صاحبَ النخلة، ولكليهما نخل، فقال له: أُخبرك أن محمداً أعطاني
بنخلتي المائلة في دار فلان نخلةً في الجنة، فقلت: قد أعطيت، ولكن يُعجبني
ثمرها، فسكت عنه الرجل، فقال له: أتراك إذاً بعتها؟ قال: لا، إلا أن أُعطى
بها شيئاً، ولا أظنّني أُعطاه، قال: وما مُناك فيها؟ قال: أربعون نخلة، فقال له
الرجل: لقد جئت بأمر عظيم، نَخْلتُك تطلب بها أربعين نخلة؟! ثم سكتا،
وأنشأا في كلام، ثم قال: فأنا أُعطيك أربعين نخلةً بنخلته، [فقال] أَشْهِدْ لي
إن كنت صادقاً، فأمر بأناس، فدعاهم، فقال: اشهدوا أني قد أعطيته من نخلي
أربعين نخلة بنخلته التي فرعُها في دار فلان بن فلان، ثم قال: ما تقول؟ فقال
صاحب النخلة: رضيتُ، ثم قال بعدُ: ليس بيني وبينك بيعٌ، لم نفترق، فقال:
قد أَقالك الله، ولست بأحمقَ حين أعطيتُ أربعين نخلة بنخلتك المائلة،
فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تُعطِيَني الأربعين على ما أُريد،
قال: تعطينيها على ساق، ثم مكث ساعة، ثم قال: هي لك على ساق،
وأوقف له الشُّهودَ، وَعدَّا الأربعين نخلةً على ساق، فتفرَّقا، فذهب الرجل إلى
رسول الله صل﴾، [فقال: يا رسول الله؛ إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت
لي، فهي لك، فذهب رسول الله وَّيؤ](١) إلى الرجل صاحب الدار، فقال له:
((النَّخْلَةُ لكَ ولِعِيَالك))، فأنزل رَّى: ﴿وَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] إلى آخر السورة(٢).
* وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّقَ﴾ [الليل: ١١]:
قال مجاهدٌ: إذا مات، وعن زيد بن أسلم: إذا تردّى في النار.
(١) ما بين معكوفتين من ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٣٧٦).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٠ / ٣٤٣٩ - ٣٤٤٠) وقال ابن كثير: وهكذا
رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث غريب جدًّا.
٣٨٦

الثعلبي: فإن قيل: فأيُّ تيسير في العُسرى؛ يقال: هو في قولهم:
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: ٢١].
* قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ ﴾ [الحشر: ٩]، سيأتي في الباب
الذي یلیه.
وأما الأحاديث، فتقدمت جملةٌ منها في الباب السابق.
٥٦٣ - وعن جابر ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((اتَّقُوا الظَّلْمَ؛
فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وانَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ
كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهم، واسْتَخَلُّوا مَحَارِمَهُمْ)،
رواه مسلم .
* قوله ويقر: ((فإن الظلم ظلمات يوم القيامة):
(نه): أصل الظلم: الجَوْر، ومُجاوزة الحَدِّ(١).
(ن): قال القاضي: هو على ظاهره، فيكون ظُلماتٍ على صاحبه،
لا يهتدي يوم القيامة سبيلاً، حين يسعى نورُ المؤمنين بين أيديهم،
وبأيْمَانهم، ويحتمل أن تكون الظلماتُ هنا الشَّدائدَ، وبه فُسِّر قوله تعالى:
﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنْ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]؛ أي: شدائدهما،
ويحتمل أنها عبارةٌ عن الأنكال والعقوبات(٢).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٦١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٤).
٣٨٧

(ط): قوله: (وهو على ظاهره) يوهم أن قوله: (ظلمات) هنا ليس
مجازاً، بل حقيقة، لكنه مجازاً؛ لأنه حمل المُسبَّب [على السبب]، فالمُراد
ظلماتٌ حقيقيةٌ مسيّة عن الظلم، والفرق بين الشدائد والأنكال: أن الشدائد
كائنةٌ في العرصات قبل دخول النار، والأنكال بعد الدخول.
وإفراد المبتدأ، وجمع الخبر في قوله: ((فإن الظلم ظلمات)) [دلالة]
على إرادة الجنس، واختلاف أنواع الظلم، الذي هو سببٌ لأنواع الشدائد
في القيامة؛ من الوقوف في العرصات، والحساب، والمرور على
الصراط، وأنواع العقاب في النار، ثم عطف الشَّ الذي هو نوع من أنواع
الظلم على الظلم؛ ليُشعر بأن الشخَّ أعظم أنواعه؛ لأنه مِن نتيجة حُبِّ الدنیا
وشهواتها، ومِن ثَمَّ عَلَّله بقوله: ((فإن الشح أهلك من كان قبلكم))، ثم
علَّله بقوله: ((حملهم على أن سفكوا الدماء)) على سبيل الاستئناف؛ فإن
استحلال المحارم جامعٌ لجميع أنواع الظلم؛ من الكُفر والمعاصي،
وعطفه على (سفك الدماء) من عطف العامِّ على الخاصِّ عکسَ الأول،
وإنما كان الشخُّ سببَ سَفْك الدِّماء، واستحلال المَحارم؛ لأن في بَذْل
الأموال، ومواساة الإخوان التحابَ والتواصُلَ، وفي الإمساك والشُّحِّ
التهاجُرَ، والتقاطع، وذلك يؤدي إلى التشاجُر، فظهر أن السِّياق واردٌ في
الشُّحِّ، وذكرَ الظلمَ توطئةً وتمهيداً لذكره، انتهى(١).
قال بعضُ العلماء: الظلم ثلاثة؛ ظلم بين الإنسان وبين الله، وأعظمه
الكُفر، والنِّفاق، ومنه ﴿إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ وظلم بينه وبين الناس،
ومنه: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وظلم بينه
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٥٢٥/٥ - ١٥٢٦).
٣٨٨

وبين نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، ﴾ [فاطر: ٣٢]، ﴿وَلَوْ
أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٦٤]، على أنه إذا حُقُّق؛ فابن آدم في كُلِّ
ذلك ظالمٌ لنفسه في الحقيقة؛ إلا أن ظُلمَه في الوجهين الأولين يتعدَّى عنه
إلى غيره.
ومعنى هذا الحديث: أن الظالم يوم القيامة في هِيَاطٍ ومِيَاطٍ، وأُمور
مُظلمة، وآفات مُحيِّة، وآفات مُذهلة.
و کتب بعضُهم على دار وزیر بعد موته:
وتعدَّى عَلى الأُمَمْ
هَذِهِ دارُ مَن ظَلَمْ
فهُمُ مِنْهُ في أَلَمْ
سَنَّ فِي النَّاسِ سُنَّةً
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ القَلَمْ
وَدَّ في القَبْرِ أَنَّهُ
* قوله ێ﴾: ((فإن الشح أهلك من کان قبلکم» :
(ن): قال القاضي: يحتمل أن هذا الهَلاك هو الهَلاكُ الذي أخبر به
عنهم به في الدنيا؛ بأنهم سفكوا دماءَهم، ويحتمل أنه هلاكُ الآخرة، وهذا
الثاني أظهرُ، ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٤).
٣٨٩

٦٣- باب
الإيثارِ والمواساة
: قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
[الحشر: ٩]
* وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾
[الدهر: ٨]، إلى آخر الآيات.
(الباب الثاني والستون)
(في الإيثار والمواساة)
(ش): (الإيثار)): ضِدُّ الشُّحِّ؛ فإن المُؤثر على نفسه تارٌ لِما هو مُحتاج
إليه، والشَّحيح حريصٌ على ما ليس بيده، فإذا حصل؛ شَخَّ عليه، وبَخِل
بإخراجه، فالبخل ثمرة الشحِّ، والإيثار أعلى مراتب البَذْل؛ فإن المراتب ثلاثةٌ:
الأُولى: أن لا يُنْغِّصَهُ(١) البَذْلُ، ولا يصعب عليه، وهو السَّخاء.
الثاني: أن يعطي الأكثرَ، ويبقي له شيئاً، أو يُبقي مثلَ ما أعطى، وهو
الجود .
(١) في الأصل: ((ينقصه)).
٣٩٠

الثالث: أن يُؤثر غيرَه بالشيء مع حاجته إليه، وهي الإيثار(١).
* قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]؛
يعني : حاجة؛ أي: يُقدِّمون المحاویجَ علی حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس
قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك، وقد ثبت في الصحيح: أنه تَّ قال:
(أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ المُقِلِّ))(٢)، وهذا المَقام أعلى من حال الذين وصفهم الله
بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ اُلّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]؛ فإن هؤلاء تَصدَّقوا، وهم
يُحِبُّون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجةٌ إليه، ولا ضَرورٌ، وهؤلاء
آثروا على أنفسهم مع خَصاصتهم وحاجتهم، ومن هذا المَقام تصدَّق الصِّدِّيقُ
بجميع ماله، فقال له رسول الله وَّهِ: ((ما أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟))، قال: أبقيتُ لهم
اللهَ ورسولَه، وهكذا الماءُ الذي عُرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك،
فكلٌّ منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مُثْقَل أحوجُ ما يكون إلى الماء،
فردَّه الآخر إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشرب أحدٌ منهم.
* قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩]؛ أي: من سلم مَن الشُّحِّ؛
فقد أفلح وأنجح، وفي الحديث: ((لا يَجْتَمِعُ الشُّخُ والإِيمَانُ فِي قَلْبٍ عَبْدِ
أبداً)، وعن أنس بن مالك ظُ، عن رسول الله بَّه قال: ((بَرِئَ منَ الشَّحِّ مَنْ
أَذَّى الزَّكَاةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وأَعْطَى في النَّاتِبَةِ»، رواه ابنُ جریر(٣).
(م): (الشح) بالضم والكسر، والفرق بينه وبين البُخل: أن البُخل
(١) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢).
(٢) رواه أبو داود (١٦٧٧) من حديث أبي هريرة ظه، وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (١١١٢).
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٢٨ / ٤٤).
٣٩١

نفسُ المَنْعِ(١)، والشُّ الحالةُ النَّفْسَانية التي تقتضي ذلك المنع؛ ولهذا
أضيف إلى النفس، انتهى(٢).
وفي ((نوادر الترمذيِّ الحكيم)) عن أنس مرفوعاً: ((ما مَحَقَ الإِسْلامَ
مَحْقَ الْبُخْلِ شَيْءٌ قَطُ)).
قال الترمذيُّ: الإسلام بني أُسُّهُ على السَّماحة والجُود؛ لأن الإسلام
هو تسليم النفس والمال لحقوق الله، فإذا جاء البخلُ، فقد ذهب تركُ
المال، ومن بخل بالمال؛ كان بالنفس أبخلَ، ومَن جاد بالنفس؛ كان
بالمال أجودَ فالبخل يَمحقُ الإسلامَ ويُبطِلُه، ويَدْرُس الإيمانَ؛ لأن البُخلَ
سُوء الظن بالله، وفيه: منعُ حقوق الله(٣).
* قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبٍِّ﴾ [الإنسان: ٨]، قيل: على
حُبِّ الله، جعلوا الضمير عائداً إلى الله؛ لدلالة السِّياق عليه، والأظهر أن
الضمير عائد إلى الطعام؛ أي: يطعمون الطعام في حال مَحبَّتهم وشهوتهم
له، قاله مُقاتل، واختاره ابن جرير؛ كقوله: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾ [البقرة:
١٧٧]، وقوله: ﴿حَتَّ تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وفي الصَّحيح: ((أَفْضَلُ الصَّدَقةِ أن تَتَصَدَّقَ، وأنتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ)) (٤)؛
أي: في حال محبّتك للمال، وحِرْصِك علیه.
قال سعيد بن جُبير، والحسن، والضخَّاك: الأسيرُ من أهل القِبْلة،
(١) في الأصل: ((البخل)).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٩ / ٢٥٠).
(٣) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (٢ / ٢٦٨).
(٤) رواه البخاري (١٣٥٣)، ومسلم (١٠٣٢) من حديث أبي هريرة .
٣٩٢

وقال ابنُ عباس: كان أُسراؤهم يومئذ مُشركين، ويشهد لهذا أنه نَّ أمر
أصحابَه يوم بَدْر أن يُكرموا الأسيرَ، وكانوا يُقدِّمونهم على أنفسهم عند
الغداء، وقال عكرمة: هم العَبيد، واختاره ابن جرير؛ لعموم الآية للمسلم
والمُشرك، وهكذا قال سعيد بن جُبير، وعطاء، والحسن، وقتادةُ .
(م): وقيل: الغريم؛ لما رُوي عنه وَّهِ: ((غَرِيمُكَ أَسِيرُكَ، فَأَحْسِنْ إلى
أَسِيرِكَ)(١)، ورابعها: المُسبِّحون من أهل القِبْلة، وخامسها: الزوجة؛ لأنهن
أُسراء عند الزوج، قال بَّهُ: ((اتَّقُوا اللهَ في النِّسَاءِ؛ فإنهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُم))(٢) ..
قال القَفَّل: اللفظ يحتمل كلَّ ذلك، ذكر تعالى أصنافَ مَن يجب
مُواساتهم، وهم ثلاثة، أحدهم: المسكين، وهو العاجز عن الاكتساب
بنفسه، والثاني: [اليتيم]، وهو الذي مات كاسِبُه، فبقي عاجزاً عن
الكَسْب؛ لصغره، والثالث: الأسير المأخوذْ من قومه، المَملوكُ رقبتُه(٣).
*
٥٦٤ _ وعَنْ أَبِي هُريرةَ ﴿ه، قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّلَّهِ،
فقالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إلى بَعْضٍ نِسَائِهِ، فَقَالت: والَّذِي بَعَثَكَ
بِالحَقِّ! ما عِندِي إلَّ مَاءٌ، ثم أَرْسَلَ إلى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ،
حَتَّى قُلْنَ كُلُّهَنَّ مِثلَ ذَلِكَ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! ما عِندِي إلاَّ
(١) أورده الزمخشري في ((الكشاف)) (٤/ ٦٦٩)، والبيضاوي في ((التفسير)) (٥ / ٤٢٧)،
وقال المناوي في ((الفتح السماوي بتخريج أحاديث البيضاوي)) (٣/ ١٠٧٠): قال
الولي العراقي: لم أقف عليه.
(٢) رواه الترمذي (١١٦٣) من حديث الأحوص ظبه وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣٠/ ٢١٦).
٣٩٣

مَاءٌ، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ؟))، فقال رَجُلٌ مِن
الأنصَارِ: أنَاَ يَا رَسُولَ الله، فَانْطَلَقَ بِهِ إلى رَحْلِهِ، فَقَالٍ لامْرَأَتِهِ:
أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ الله ◌ِوَّهِ.
وفي روايةٍ: قال لامرأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيءٌ؟ فَقَالَتْ: لا، إلاَّ
قُوتَ صِبيانِي، قالَ: عَلِِّيهِم بِشَيْءٍ، وإِذا أَرَادُوا العَشَاءَ، فَنَوَّمِيهِم،
وإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا، فَأَطْفِي السِّرَاجَ، وأَرِبِهِ أَنَّا نَأْكُلُ؛ فَقَعَدُوا، وأَكَلَ
الضَّيْفُ، وبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، غَدَا عَلى النبيِّ وَّ: فقالَ:
(لَقَد عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا اللَّيْلَةَ))، متفقٌ عليه.
* قوله: «إني مجهود)):
(ن): أي: أصابني الجُهْد، وهو المَشقّة، والحاجةُ، وسُوء العيش،
والجُوع، ورَحْل الإنسان: هو منزلُه؛ من حجر، أو مَدَر، أو شَعَر، أو
وَبَرَ، وقوله: ((فعلليهم بشيء)) هذا محمولٌ على أن الصِّبيان لم يكونوا
مُحتاجينَ إلى الأكل، وإنما تطلبه أنفسُهم على عادة الصِّبيان من غير جُوع
يضرُّهم؛ فإنهم لو كانوا على حاجة؛ بحيث يَضُّهم تركُ الأكل؛ لكان
إطعامُهم واجباً، ويجب تقديمُه على الضِّيَافة، وقد أثنى الله سبحانه،
ورسولُهُ ﴿ على هذا الرجل وامرأته ◌َ﴿ئه، فدل على أنهما لم يتركا واجباً،
بل أحسنا وأجملا، وأما هو وامرأته: فآثرا على أنفسهما برضاهما، مع
حاجتهما وخَصَاصتهما، فمدحهم تعالى، وأنزل فيهما قراناً: ﴿وَيُؤْثِرُونَ
عَلَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، ففيه: فضيلةُ الإيثار، والحَثُّ
عليه، وقد أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أُمور الدنيا،
٣٩٤

وحُظوظ النفس، وأما القُرُباتُ: فالأفضل أن لا يُؤْثَرَ بها؛ لأن الحق فيها لله
تعالی(١).
* قوله : ((عجب الله من صنيعكما)):
(ن): المُراد: عجبت ملائكةُ الله، وأضافه إليه سبحانه؛ تشريفاً(٢).
(ق): أي: رضي بذلك، وعَظَّمَهُ عند ملائكته؛ كما يُباهي بأهل
عرفةَ الملائكةَ(٣).
(خط): إطلاق العَجَب على الله لا يجوز(٤)، وإنما معناه الرِّضا،
وحقيقته: أن ذلك الصُّنْعَ منهما حَلَّ من الرِّضا عند الله، والقَبول له، ومُضاعفة
الثواب عليه مَحلَّ العَجَب عندكم في الشيء التافه إذا رُفِع فوق قَدْره، وأُعطي
به الأضعافَ من قيمته، ويحتمل بأن يكون للملائكة؛ لأن الإيثار على النفس
نادرٌ في العَادات، مُستغرَبٌ في الطُّبَاعِ، فعجب منه الملائكةُ (٥).
(ن): هذا الحديث يشتمل على فوائدَ كثيرة؛ منها: ما كان عليه النبيُّ ◌َِّ،
وأهلُ بيته من الزُّهد في الدنيا، والصبر على الجُوع، وضيق حال الدنيا.
ومنها: أنه ينبغي لكبير القوم أن يبدأ في مواساة الضَّيف، ومن يطرُقهم
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١١ - ١٢).
(٢) المرجع السابق (١٤ / ١٣).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٣٣١).
(٤) تقدَّم الكلام مراراً على أمثال تلك الصفات الواردة في حقِّ الباري سبحانه وتعالى،
وأن المذهب الذي كان عليه السلف الصالح هو الإيمان بها كما جاءت من غير تأويل
ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، وإنما نسلِّم بها ونكل علمها إلى الله تعالى، مع
الإيمان أنَّ لها معنى يليق به سبحانه وتعالى.
(٥) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٣/ ١٠٠٦).
٣٩٥

بنفسه، فيُواسيه من ماله، أو بما تيسَر إن أمكن، ثم يطلب على سبيل التعاون
على البرِّ والتقوى من أصحابه.
ومنها: المواساة في حال الشدائد.
ومنها: فضيلة إكرام الضَّيف، وإيثاره.
ومنها: الاحتيال في إكرام الضَّيف إذا كان يمتنع منه؛ رفقاً بأهل
المنزل؛ لقوله: ((أطفئي السراج وأريه أنَّا نأكل))؛ فإنه لو رأى قلَّةَ الطعام،
وأنهما لا يأكلان معه؛ لامتنع من الأكل.
ومنها: مَنْقَبَةٌ لهذا الأنصاريِّ وامرأته(١).
(ق): هو أبو طلحة (٢).
٥٦٥ - وعنهُ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((طَعَامُ الاثْنَيْنِ كافي
الثَّلاثَةِ، وطَعَامُ الثَّلاثَةِ كافي الأَرْبَعَةِ))، متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلمٍ: عن جابرٍ ◌َُه، عن النبيِّ وَِّ، قالَ: ((طَعَامُ
الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وطَعَامُ الأَرْبَعَةِ
يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ».
* قوله ريج: ((طعام الواحد يكفي الاثنين)):
(حس): وحكى إسحاق بن راهَوَيهِ عن جرير قال: تأويله: شِبَعُ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٣٣١).
٣٩٦

الواحد قُوتُ الاثنين، وشبع الاثنين قُوتُ الأربعة، قال عبدالله بن عروة:
تفسير هذا: ما قال عمرُ ◌ُ عامَ الرَّمَادة: لقد هَمَمْتُ: أن أُنزِلَ على أهل
كلِّ بيت مثلَ عددهم؛ فإن الرَّجلَ لا يَهْلِكُ على نصف بَطْنِهِ (١).
(ك): فإن قلت: في ((البخاري)): ((طَعَامُ الاثنَيْنِ كَافِي الثَّلاثَةِ، وطَعامُ
الثَّلاثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ))، ولا يلزم من الاكتفاء بالثُّلثين الاكتفاءُ بالنصف.
قلت: ذلك أُورِدَ على سبيل التشبيه، والمراد منه التقريبُ، لا التحديد،
والنِّصفُ والثُّلث مُتقاربان (٢).
(ن): فيه: الحَثُّ على المواساة في الطعام، وأنه وإن كان قليلاً؛
حصلت منه الكِفَايةُ المَقصودةُ، ووقعت فيه بركةٌ تعُمُّ الحاضرين(٣).
٥٦٦ _ وعَنْ أَبَي سعيدِ الخُدريِّ ﴿هِ، قالَ: بينَمَا نَحْنُ في
سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ◌َهِ، إِذْ جاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ
بَصَرَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ
ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ،
فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ))، فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذكَرَ حَتَّی
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١١ / ٣٢١).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠/ ٣١).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٣).
٣٩٧

وَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ، رواه مسلم.
* قوله: «یصرف بصره»:
(ن): في بعض النُّسَخ: (يضرب) بالضاد المعجمة والباء، وفي رواية
أبي داود: (يضرب راحلته)(١).
(ق): أي: كان يجيء بناقته، ويذهب بها فعلَ المجهود الطالب،
وفي رواية: (يصرف بصره)، ولا تباعُدَ بين هذه الروايات؛ إذ صدر من
الرجل كلُّ ذلك(٢).
(نه): (الظهر): الإبل التي يُحمل عليها، أو تُركب، يقال: عند فلان
ظَهْرٌ؛ أي: إبل(٣).
(ط): ((فليعد به)) فليرفق به، ويحمله على ظهره، قال: في ((أساس
البلاغة)): تقول: عاد إلينا فلان بمَعروفه، وهذا الأمر أَعْوَدُ عليك؛ أي:
أَرْفَقُ بك من غيره(٤).
(ن): فيه: الحَثُّ على الصَّدقة، والجُود، والمواساة، والإحسان
إلى الرُّفْقَة والأصحاب، والاعتناء بمصالحهم، وأمر كبير القوم أصحابه
بِمُواساة المحتاجين، وأنه يُكتفى في حاجة المحتاج بتعريضه للعطاء من
غير سؤال، وهذا معنى قوله: «فجعل يصرف بصره))؛ أي مُتعرِّضاً لشيء
يدفع به حاجته، وفيه: مواساة ابن السبيل، والصدقة عليه إذا كان محتاجاً،
(١) المرجع السابق (١٦ / ١١١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٢٠١ -٢٠٢).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٦٦).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٨٢).
٣٩٨

وإن كان له راحلةٌ، وعليه ثيابٌ، وإن كان مُوسِراً في وطنه؛ ولهذا يُعطى
من الزكاة في الحال(١).
(ق): كان ذلك الأمر على جهة الوجوب؛ لعموم الحاجة، وشِدَّة
الفاقة؛ ولذلك قال الصحابيُّ: ((حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل))؛
أي: في زيادة على قَدْر الحاجة، وهكذا الحُكم إلى يوم القيامة، مهما
نزلت حاجة، أو مُجاعةٌ في السَّفر أو الحَضَر؛ وجبت المواساة بما زاد على
كفاية تلك الحال، وحَرُم إمساكُ الفَضْل (٢).
٥٦٧ - وعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ◌َُ: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى
رَسُولِ اللهِوَ﴿ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فقالَتْ: نَسَجْتُها بِيَدَيَّ لِأَكْسُوَكَها،
فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ◌َهِ مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنا، وَإِنَّهَا لإزَارُهُ، فقالَ
فُلانٌ: اكْسُنِيهَا مَا أَحسَنَها! فَقَالَ: ((نَعَمْ))، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي
المَجلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرسَلَ بِها إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ:
ما أَحسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ مُحْتَاجاً إِلَيها، ثُمَّ سَأَلْتَهُ، وَعَلِمْتَ
أَنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلاً، فَقَالَ: إِنِّي - وَاللهِ - ما سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَها، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ
لِتَكُونَ كَفَنِي، قال سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ، رواه البخاري.
* قوله: ((بيردة)) :
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٣٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٢٠٢).
٣٩٩

(نه): (البردة): الشمْلَةُ المُخطّطة، وقيل: كساء أسودُ مُربَّع، فيه
صِغَر تلبسه الأعراب، وجَمعُها بُدُ(١).
قوله: «لا يرد سائلاً»:
(ك): أي: يعطي كلَّ مَن يطلب ما يَطلبُه، قال ابنُ بَطَّال: فيه: جواز
إعداد الشيء قبل وقت الحاجة، وقد حفر بعضُ الصالحين قُبُورَهم بأيديهم؛
ليتوقَّعوا حُلولَ الموت بهم، وفيه: قَبَولُ السُّلطان هديةَ الفقير، وفيه: أن
يسألَ عن العَالِم الشيءَ؛ ليتبرَّكُ به(٢) .
٥٦٨ - وعن أَبَي موسى ﴿ُه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِصَاهِ: ((إِنَّ
الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا في الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِم بِالمَدِينَةِ،
جَمَعُوا ما كَانَ عِندَهُم في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقتَسَمُوهُ بَيْنَهُم في إِنَاءٍ
وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُم مِنِّي، وَأَنَاَ منهُم))، متفقٌ عليه.
(أَرْمَلُوا): فَرَغَ زَادُهُم، أَوَ قَارَبَ الفَرَاغَ.
* قوله تقرير: ((فهم مني وأنا منهم)):
(ن): معناه: المُبالغة في اتحاد طريقتهم وطريقة النبيِّ وَّ، وفيه:
فضيلةُ الإيثار والمُواساة، وفضيلة خَلْط الأَزْوَاد في السفر، وفضيلة جمعها
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١١٦)، وفيه: ((فيه صور))
بدل قوله: «فیہ صغر)).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ٧٦).
٤٠٠