النص المفهرس
صفحات 321-340
(حس): أما السُّؤالُ لذَوِي الحاجة: فحِسْبةٌ يُؤجر عليه، فعله رسول الله ◌َ، سُئل ابنْ وَهْب عن الرجل يعرف في موضعٍ مُحتاجين، وليس عنده ما يَسَعُهم، وهو إذا تكلم؛ يعلم أنه يُعطى، ترى له أن يسأل لهم؟ قال: نعم، وآجَرَهُ الله على قَدْر ذلك، قال: وكان مالكٌ يفعل ذلك حتى أُوذي، وأنا أفعله(١). ٥٣٠ - وعن ابنِ عمرَ﴾: أَنَّ النبيَّنَّهِ قالَ: ((لاَ تَزَالُ المَسألَةٌ بِأَحَدِكُمْ حَتى يَلْقَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَخْمٍ))، متفقٌ علیه . (المُزْعَةُ)) بضم الميمِ وإسكانِ الزايٍ وبالعينِ المهملة: القِطْعَة. (التَّارُ) (ن): ((مزعة لحم)) قال القاضي: قيل: معناه: يأتي يوم القيامة ذليلاً ساقطاً لا وجهَ له عند الله، وقيل: هو على ظاهره، فيحشر ووَجْهُه عَظْمٌ لا لحمَ عليه؛ عُقوبةً له، وعلامةً بذنبه حين طلبَ وسأل بوَجْهه؛ كما جاءت الأحاديث الأُخر بالعُقوبات في الأعضاء التي كانت به المعاصي، وهذا فيمَن سأل تكثُّرًا(٢). (ط): يؤيد هذا القولَ: أن كثرةَ اللَّحْم في الوجه، ونُتُوَّهُ تدلُّ على (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٦ / ١١٨). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٣٠). ٣٢١ صَفاقَة الوجه ووَقَاحته، وهي أمَارة الإلحاح، فيعاقب بنزعه عنه(١). (تو): عرَّفنا الله تعالى أن الصُّورةَ في الدار الآخرة تختلف باختلاف المعاني، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوهٌ ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، والذي يبذل وجهَه لغير الله في الدنيا من غير ما بأس وضرورة؛ للتوسُّع والتكتُّر نصيبُه شَيْنٌ في الوجه؛ بإذهاب اللحم عنه؛ ليظهر للناس عنه صورةٌ المعنى الذي خفي عليهم منه . ٥٣١ - وعنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ وهو على المِنبَرِ، وذَكَرَ الصَّدَقَةَ والتَّعَقُّفَ عَنِ المَسأَلَةِ: ((اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وَالْيَدُ العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلِى هِيَ السَّائِلَةُ))، متفق عليه. [الَشْرُ)] * قوله : ((اليد العليا خير من اليد السفلى))، سبق في (الباب السادس والثلاثين). ٥٣٢ - وعن أَبِي هُرِيرةَ ◌َ﴿ُهِ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّراً، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْراً؛ فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ))، رواه مسلم. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥١٢). ٣٢٢ [الَّذِيِّ عَبْشَرَ] * قوله ميل: ((من سأل الناس أموالهم)): (ط): ((أموالهم)) بدل اشتمال من ((الناس))، وقوله: ((تكثراً) مفعول له، وقد تقرر عند العلماء أن البدل هو المقصودُ بالذات، وأن الكلام سِيق لأجله، فيكون القصدُ من سؤال هذا السائل نفسَ المال، والإكثارَ منه، لا لدفع الحاجة، فيكون مثلُ هذا المال كنزاً يترتب عليه قوله: ((فإنما يسأل جمراً)، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارٍ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٥] سُمِّ التكثُّر جمراً؛ لأنه مُسَبَّبٌ عنه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]: وقوله: ((فليستقل أو ليستكثر))؛ أي: فليستقِلَّ الجمرَ، أو ليستكثره، فيكون تهديداً على سبيل التهكُّم، أو فليستقِلَّ المسألة، فيكون تهديداً مَحْضاً؛ كقوله: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ ﴾ [الكهف: ٢٩](١) . (ق): الأمر على جهة التهديد، أو على جهة الإخبار عن مَآل حاله، ومعناه: أنه يُعاقَب على القليل من ذلك والكثير(٢) . (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥١١). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٨٥). ٣٢٣ ٥٣٣ - وعن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ ﴿ه، قالَ: قالَ رسُولُ الله صلی الله عليه وآله وسلم: ((إِنَّ المَسألَةَ كَذِّ يَكُدُّ بِها الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلاَّ أَنْ يَسألَ الرَّجُلُ سُلْطاناً، أَوْ فِي أَمْرٍ لابُدَّ مِنْهُ»، رواهُ الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ((الكَةُّ): الخَدْشُ وَنحوُهُ. (الثَّانِى عَشَ) * قوله تعالى: ((المسألة کد یکد الرجل بها وجهه)»: (نه): (الكد): الإتعاب، يقال: كَدَّ يَكُدُّ في عمله كدّاً: إذا استعجل وتعب، وأراد بالوجه ماءَه ورَوْنَقَه(١). (ق): هذا محمول على مَن سأل سؤالاً لا يجوز له، وخُصَّ الوجهُ بهذا النوع؛ لأن الجناية به وقعت؛ إذ قد بذل من وجهه ما أُمر بصَوْنه عنه، وتصرُّفه به في غير ما سُوِغَ له(٢). * قوله: ((إلا أن يسأل الرجل سلطاناً): (خط): هو أن يسأل حَقَّه من بيت المال الذي في يده، وليس هذا على معنى استباحة الأموال التي تحويها أيدي بعض السَّلاطين من غَصْب أموال المسلمين(٣). (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٥٥). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٨٥). (٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٦٦). ٣٢٤ (ط): ((أو في أمر لا بُدَّ منه)) أي: [من] حَمَالةَ، أو جَائحة، أو فاقة، ونحوها(١). (ن): اختلفوا في عطية السلطان، فحرَّمها قومٌ، وأباحها قوم، وكرهها قوم، والصَّحيحُ: أنه إن غلب الحرامُ فيما في يده؛ حَرُمت، وإن لم يغلب الحرامُ؛ فمبَاحٌ إن لم يكن في القابض مانعٌ من استحقاق الأخذ، انتهى (٢). قال الإمام الغزاليُّ رحمه الله: اعلم أن مَن أخذ مالاً من سُلطان؛ فلا بَّد له من النظر في ثلاثة أمور: في مدخل ذلك إلى أيدي السلطان من أين هو؟ وفي صفته التي بها يستحِقُّ الأخذَ. وفي المقدار الذي يأخذه هل يَستحقُّه إذا أُضيف إلى حاله، وحال شركائه في الاستحقاق؟ النظر الأول في جهات الدَّخل للسلطان: كُّ ما يحل للسلطان سوى الإحياء وما يشترك فيه الرَّعيةُ قسمان: قسمٌ مأخوذ من الكفار، وهو الغنيمة المأخوذة بالقَهْر، والفَيْء؛ وهو الذي حصل من مالهم في يده من غير قتال، والجِزْيةُ وأموال المُصالحة، وهي التي تؤخذ بالشرط والمُعاقدة. والقسم الثاني: المأخوذة من المسلمين، ولا يحل منه إلا قسمان: المواريث وسائرُ الأموال الضَّائعة التي لا يتعيَّن لها مالكٌ، والأوقاف (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥١٦). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٣٥). ٣٢٥ التي لا مُتولِّيَ لها. وأما الصدقات: فليس تُؤخذ في هذا الزمان، وما عدا ذلك؛ من الخَرَاجِ المَضروب على المسلمين، والمُصادرات، وأنواع الرِّشوة؛ كُلُّها حرامٌ، فإذا كتب لفقيه أو غيره إدراراً، أوصِلةً، أو خِلْعةً على جهة؛ فلا يخلو من أحوال ثمانية؛ إما أن يكتب على الجِزْية، أو على المواريث، أو على الأوقاف، أو على مُلك أحياه السلطان، أو على مُلك اشتراه، أو على عامل خَرَاج المسلمين، أو على بيّاع من جُملة التجّار، أو على الخِزانة. فالأول: هو الجزية، وأربعة أخماسها للمَصالح، وخُمُسها لجهات معينة، فما يُكتبُ على الخُمُس من تلك الجهات، أو على الأخماس الأربعة لما فيه مصلحةٌ، وروعي فيها الاحتياطُ في القَدْر؛ فهو حلالٌ بشرط أن لا تكون الجزيةُ إلا مضروبةً على وجه الشرع، وبشرط أن يكون الذمّي الذي تؤخذ منه مُكتَسِباً من وجه لا يُعلم تحريمُه، فلا يكون عاملَ سُلطان ظالم، ولا بيَّاع خَمْر ونحوه. الثاني: المَواريثُ، والأموال الضائعة، فهي للمصالح، والنظرُ في أن الذي خلَّفه هل كان ماله كلُّه حراماً أو أكثرُه أو أقلُّه؟ فإن لم يكن حراماً؛ بقي النظر في صفة من يُصرَفُ إليه؛ بأن يكون في الصرف إليه مصلحةٌ، ثم في المقدار المصروف. الثالث: الأوقاف، ويجري النظر فيها؛ كما يجري في الميراث، مع زيادة أمر، وهو شَرْطُ الواقف، حتى يكونَ المأخوذُ موافقاً له في جميع شرائطه . الرابع: ما أحياه السلطان، وهذا لا يعتبر فيه شرطٌ؛ إذ له أن يُعطيَ ٣٢٦ من مُلكه ما شاء لمَن شاء، والنظرُ فيه: هل إنه أحياه بإكراه الأُجَراء، أو بأداء أُجْرَتهم من حرام، فإن كانوا مُكرهين على الفعل؛ لم يتملَّكْه السلطان، وهو حرامٌ، وإن كانوا مُستأجرين، ثم قُضِيت أُجورُهم من الحرام؛ فهذا يُورِثُ شُبهةً، وقد نبَّهنا عليه في (كتاب الحلال والحرام). الخامس: ما اشتراه السلطان في الذِّمَّة، لكنه سيقضي ثمنَه من حرام، وذلك يوجب التحريمَ تارة، والشُّبْهةَ أُخرى، وقد بيَّنا تفصيلَه هناك. السادس: أن يكتب على عامل خراج المسلمين، وهو الحرام السُّخْت الذي لا شُبهةَ فيه، وهو أكثر الإدرارات في هذا الزمان، إلا ما على أراضي العراق؛ فإنها وَقْفٌ عند الشافعيِّ على مصالح المسلمين. السابع: ما یکتب علی بیاع یعامل السلطان، فإن كان لا يعامل غيره؛ فماله كمال خِزَانة السلطان، وإن كان مُعاملته مع غير السلطان أكثرَ؛ فما يُعطيه قرضٌ على السلطان، وسيأخذ بدلَه من الحرام، فالخَلل يتطرّق إلى العِوَض. الثامن: ما يُكتب على الخِزانة، أو على عامل يجتمعُ عندَه من الحلال والحرام، فإن لم يُعرف للسلطان دَخْلٌ إلا من الحَرام؛ فهو سُحْتٌ مَحْضٌ، وإن عُرف يقيناً أن الخزانةَ تشتمل على مال حلال ومال حرام، واحتمل أن يكون ما يُسلَّم إليه بعينه من الحلال احتمالاً قريباً له وَقْعٌ في النفس، واحتمل أن يكون من الحرام وهو الأغلبُ؛ لأن أغلبَ أموال السلاطين حرامٌ في هذه [الأعصار]، والحلال في أيديهم مَعدوٌ أو عزيزٌ؛ فقد اختلف الناس في هذا: فقال قوم: كلُّ ما لا أتيقَّن أنه حرام؛ فلي أن آخذَه. ٣٢٧ وقال آخرون: لا يحلُّ أن يُؤخذ ما لم يُتحقَّق أنه حلال، فلا تحل شُبهةٌ أصلاً، وكلاهما إسرافٌ، والاعتدال: أن الحُكمَ بالأغلب، إذا كان حراماً؛ حَرُمَ، وإن كان الأغلبُ حلالاً، وفيه يقينُ حرام؛ فهو موضعٌ توقَّقنا فيه . النظرُ الثاني: في قَدْر المأخوذ وصفة الآخذ: ولنفرضِ المالَ من أموال المَصالح؛ كأربعة أخماس الفيء، والمواريث؛ فإن ما عداه مِمَّا قد تعيَّن مُستحقُّه إن كان مِن وَقْف، أو صدقة، أو خُمُس فَيْء، أو خُمُس غنيمة، وما كان من مُلك السلطان ممَّا أحياه أو اشتراه؛ فله أن يعطيَ ما شاء لمَن شاء. وإنما النظر في الأموال الضَّائعة ومال المصالح، فلا يجوز صرفه إلا إلى مَن فيه مَصلحةٌ عامَّة، أو هو مُحتاج إليه عاجِزٌ عن الكَسْب. وكل من يتولَّى أمراً يقوم به، تتعدّى مصلحتُه إلى المسلمين، ولو اشتغل بالكَسْب لَتعطّل عليه ما هو فيه؛ فله في بيت المال حقُّ الكفاية، ويدخل فيه العُلماء كلُّهم؛ أعني: العلوم التي تتعلَّقُ بمصالح الدِّين؛ من علم الفقه، والحديث، والتفسير، والقراءة، حتى يدخل فيه المُعلِّمون، والمُؤذِّنون، وطلبة هذه العلوم أيضاً يدخلون؛ فإنهم إن لم يُكْفَوا؛ لم يتمكَّنوا من الطلب، ويدخل فيه العُمَّال، وهم الذين ترتبط مصالحُ الدنيا بأعمالهم، وهم الأجْنَادُ المُرتزقة الذين يَحرُّسون المَمْلكةَ بالسُّيوف عن أعداء الإسلام . ويدخل فيه الكُتَّاب والحُسَّاب والوكلاءُ، وكل مَن يُحتاج إليه في ترتيب ديوان الخَراج؛ أعني: العُمَّالَ على الأموال الحلال، والطبيب وإن ٣٢٨ كان لا يرتبط بعلمه أمرٌ دِينِيٌّ، ولكن يرتبط بعلمه صِحَّةُ الجسد، والدِّين يتبعُه، فيجوز أن يكون له ولمَن يجري مَجراه إِذْرَارٌ من هذه الأموال، وليس يشترط في هؤلاء الحاجةُ، فيجوز أن يُعطَوْا مع الغِنى؛ فإن الخلفاء الراشدين كانوا يُعطُون المهاجرين والأنصار، ولم يعرفوا بالحاجة، وليس يَتَقَّدر أيضاً بمقدار، بل هو إلى اجتهاد الإمام، فله أن يُوسِّعَ، وله أن يقتصرَ على الكفاية على ما يقتضيه الحالُ وسَعَةُ المال. وإنما النظر في السلاطين الظَّلَمة في شيئين: أحدهما: أن السلطان الظالم عليه أن يَكُفَّ عن ولايته، وهو إما مَعزولٌ، أو واجبُ العَزْل، فكيف يجوز أن يأخذَ من يده وهو على التحقيق لیس بسُلطان؟! والثاني: أنه ليس يُعمِّم بماله جميعَ المُستحِقُّين، فكيف يجوز للآحاد أن يأخذوا؟! أفيجوز لهم الأخذ بقَدْر حِصَّتهم، أم لا يجوز أصلاً، أم يجوز أن يأخذ كلُّ [واحد] ما أُعطي؟ وأما الأول: فالذي نراه أنه لا يمنعُ أخذَ الحقِّ؛ لأن السلطان الظالم الجاهل مهما ساعدَتْهُ الشَّوْكَةُ، وعَسُرَ خَلْعُه، وكان في الاستبدال به فتنةٌ ثائرةٌ لا تُطاق؛ وجب تركهُ، ووجبت الطاعةُ له. وأما الثاني: وهو أنه إذا لم يُعمِّم بالعَطاء كلَّ مستحِقٌّ؛ فهل يجوز للواحد أن يأخذَ منه؟ فهذا مِمَّا اختلف العُلماء فيه على أربع مراتب: فقال بعضُهم: كلُّ ما يأخذه يكون المسلمون كلُّهم فيه شُركاءُ، ولا يدري أن حصَّتَه دَانِقٌ أو حبّةٌ؛ فليترك الكُلَّ . وقال قوم: له أن يأخذَ قَدْرَ قُوت يومه فقط . ٣٢٩ وقال قوم: له أن يأخذَ قُوتَ سنة؛ فإنَّ [أَخْذَ] الكفاية كلَّ يومٍ عَسِيرٌ، وهو ذو حقٌّ في هذا المال، فکیف یتر که؟! وقال قوم: إنه يأخذ مما يُعطى، والمَظلوم هم الباقون، وهذا هو القياس؛ لأن المال ليس مُشتركاً بين المسلمين كالغَنيمة بين الغانمين، ولا كالميراث بين الورثة؛ لأن ذلك صار مُلكاً لهم، وهذا لو لم تتفق قِسْمتُه حتى مات هؤلاء؛ لم يجب التوزيعُ على ورثتهم بحُكم الميراث، بل هذا الحقُّ غير مُتَعيِّن، وإنما يتعيَّن بالقبض، بل هو كالصدقات، ومهما أُعطي الفقراء حِصَّتَهم من الصدقات؛ وقع ذلك مُلكاً لهم، ولم يمتنع بظُلم المالك بقيةَ الأصناف بمنع حقُّهم، هذا إذا لم يُصرف إليه كلُّ المال، بل [صرف إليه من المال ما](١) لو صَرفَ إليه بطريق الإيثار والتفضيل مع تعميم الآخرين؛ لجاز له أن يأخذَه(٢). ٥٣٤ - وعنِ ابنِ مسعودٍ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِصَاحِ: ((مَنْ أَصابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَها بِاللهِ، فَيُوشِكُ اللهُ لَهُ بِرِزقٍ عاجِلٍ أَوْ آجِلٍ))، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ. (يُوشكُ)) بكسر الشين: أَيْ: يُسرِعُ. (١) ما بين معكوفتين من ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣ / ٥٣٨). (٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢/ ١٣٥ - ١٤١). ٣٣٠ (الثَّالِثُ عَشَر) (مظ): يعني: مَن عرض حاجتَه على الناس، وطلب إزالةَ فقرة منهم؛ لم يُصلحوا حالهَ، ولم يزيلوا (١) فقره، بل ليعرض العبدُ فقرَه على الله، ويسأل منه قضاء الحوائج؛ فإنه أقربُ أن يُحصِّلَ الله غناه(٢) . (ط): قال في ((أساس البلاغة)): نزل بالمكان، ونزل من عُلو، ومن المَجاز: نزل به مكروهٌ، وأنزلت حاجتي علی کریم. أقول: ففي الكلام استعارةٌ تمثيلية؛ لأن الفاقةَ معنىّ، وقد نُسِبت إلى الإنزال، والإنزال يستدعي جسماً ومكاناً، شبَّه حالَ الفاقة واستكفاءَ مَعرَّتِها من الله تعالى بالتوكُّل عليه، والوثوق به بحال من اضطرّه المكروهُ إلى نزول مكان يلتجئ إليه، ثم استُعمل في جانب المُشَّه ما كان مستعملاً في المُشبَّه به من الإنزال بالمكان؛ ليكون قرينةً مانعةً عن إرادة الحقيقة، انتهى (٣). * قوله: ((برزق عاجل أو آجل)) تعجيله: أن يُساقَ إليه في الدنيا. ٠ ٥٣٥ _ وعَنْ ثَوْبَانَ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِص ◌َاحِ: ((مَنْ تَكَفَّلَ لي أَنْ لاَ يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالجَنَّةِ؟))، فقلتُ: أنا؛ فَكَانَ لاَ يَسْأَلُ أَحَداً شَيْئاً، رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ. (١) في الأصل: ((يلزموا)). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٥٢١ - ٥٢٢). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٥١٩/٥). ٣٣١ (القَّزَةُ عَنْشَ) • قوله وقال: ((من يكفل)): (ط): أي: مَن يضمن؛ من الكفالة، وهي الضَّمَان. وقوله: ((أن لا يسأل)) ((أن)) مصدرية، والفعل معها مفعول ((يكفل))؛ أي: من يلتزم لي على نفسه عدمَ السؤال، وفيه: دلالةٌ على شِدَّة الاهتمام بشأن الكَفِّ عن السؤال(١). (حس): عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: تعاهدوا ثَوْبانَ؛ فإنه لا يسأل أحداً شيئاً، قال: وكانت تَسقُط منه العصا أو السَّوْط، فما يسأل أحداً أن يُناولَه حتى ينزل فيَأْخُذَہ(٢). * ٥٣٦ - وعن أَبِي بِشْرِ قَبِيصَةَ بْنِ المُخَارِقِ ﴿هِ، قالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةٌ، فَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ أَسْأَلُهُ فيها، فقال: ((أَقِمْ حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَةُ، فَنَأمُرَ لَكَ بِها»، ثُمَّ قالَ: ((يَا قَبِيصَةُ! إِنَّ المَسألَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأحَدٍ ثَلاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، ورَجُلٌ أَصابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسألَةُ حتَّى يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قال: سِداداً مِنْ عَيْشٍ - (١) المرجع السابق، (٥ / ١٥٢١). (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٦ / ١١٧ -١١٨). ٣٣٢ ورَجُلٌ أَصابَتْهُ فاقَةٌ، حَتَّى يَقُولَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوي الحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاناً فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسألَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِداداً مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِواهُنَّ مِنَ المَسأَلَةِ - يا قَبِيصَةُ - سُحْتٌ، يَأْكُلُها صاحِبُها سُحْتاً)، رواهُ مسلم. (الحَمَالَةٌ) بفتح الحاءِ: أَنْ يَقَعَ قِتَالٌ وَنحوُهُ بِينَ فَرِيقَيْنِ، فَيُصلِحُ إنسانٌ بَيْثَهُم عَلى مالٍ يَتَحَمَّلُهُ، وَيَلْتَزِمُهُ عَلى نفسه، و((الجائِحَةُ»: الآفَةُ تُصِيبُ مالَ الإنْسانِ، و((القِوَامُ)) بكسر القاف وفتحها: هُوَ ما يقومُ بِهِ أَمْرُ الإنْسانِ مِنْ مَالٍ ونحوِهِ، و(«السِّدادُ) بكسر السين: مَا يَسُدُّ حاجَةَ المُعْوِزِ ويَكْفِيهِ، و((الفَاقَةُ)): الفَقْرُ، و((الحِجَى)): العقلُ. [الجُمَّيُ عَبْشَةَ﴾] * قوله: («تحملت حمالة»: (ق): لاشك أن تحمُّل الحَمَالة من مكارم الأخلاق، ولا يصدر مثلُه إلا عن سادات الناس وخِيَارهم، وكانت العربُ لكرمها إذا علمت بأن أحداً تحمَّل حَمَالةً؛ بادروا إلى مَعُونته، وأعطوه ما يَتِمُ به وجهُ مَكْرُمَته، وتبرأ به ذِمَّته، ولو سأل المُتحمِّل في تلك الحَمَالة؛ لم يُعَدَّ ذلك نقصاً، بل شرفاً وفخراً؛ ولذلك سأل هذا الرجلُ رسولَ اللهِ وَّهِ فِي حَمَالته التي تحَمَّلها على عاداتهم، فأجابه بَّه إلى ذلك بحُكم المَعُونة على المَكْرُمة، ولمَّا قرَّر النبيُّ ◌َل مَنْعَ قاعدة المسألة من الناس بما تقَّدم من الأحاديث، ومبايعتهم على ذلك، وكانت الفاقاتُ والحاجات تنزل بهم، فيحتاجون إلى السؤال؛ بيَّن لهم مَن ٣٣٣ يخرج من عُموم تلك القاعدة، وهم هؤلاء الثلاثة (١). (خط): في هذا الحديث: فوائدُ جَمَّة، وعلمٌ كثير؛ وذلك أنه جعل من تَحِلُّ له المسألة من الناس أقساماً ثلاثةً؛ غنياً، وفقيرين، وجعل الفقر على ضربين: فقراً ظاهراً، وفقراً باطناً، فالغَنيُّ الذي تحِلُّ له المسألة: هو صاحب الحَمَالة، و[صاحب] الفقر الظاهر: هو الذي أصابته جائحةٌ في ماله، فأهلكته، والجَائحةُ في غالب العُرف: هي ما ظهر أمرُه من الآفات، كالسَّيل يُغرق متاعَه، والنار تُحرقه، والبرد يُفسِد زرعَه وثماره، في نَحوهنَّ من الأُمور، وهذه الأشياء لا تَخْفَى آثارُها، فإذا افتقر؛ حَلَّت له المسألة، ووجب على الناس أن يعطوه من غير بيِّنة يطالبونه بها على ثبوت فقره. وأما صاحب الفقر الباطن: فهو الذي كان له مُلكٌ ثابت، ويَسار ظاهر، فادعى تلفَ ماله من لصِّ طرقَهُ، أو خِيانة مِمَّن ائتمنه، أو نحو ذلك من الأُمور التي لا يبين لها أثرٌ ظاهر في المُشاهدة والعِيان، فإذا كان كذلك، ووقعت الرِّيبةُ في النفوس؛ لم يُعط شيئاً من الصدقة إلا بعد استبراء حاله، والكَشْف عنه بالمسألة عن أهل الاختصاص به (٢). * ((حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: قد أصابت فلاناً فاقة))، واشتراط الحِجَى تأكيدٌ لهذا المعنى؛ أي: لا يكونوا من أهل الغَباوة والغَفْلة، وليس هذا من باب الشهادة، ولكن من باب التبيُّن والتعرُّف؛ وذلك أنه لا مدخلَ لعدد الثلاثة في شيء من الشهادة. (تو): بل لعله ذُكر على وجه الاستحباب، وطريقة الاحتياط، فيكون (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٨٧). (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٦٦ - ٦٧). ٣٣٤ أدلَّ على براءة السائل عن التُّهَمَة، وأبلغَ له في الزَّجْر عن السؤال؛ تحذيراً عن الخَوْض فيه، وأصونَ لعِرْضِهِ، وأبقى لمُروءته، وأدعى للناس إلى سَدِّ حاجته، لا سِيَّما إذا كانوا من ذوي الأقدار والعُقول. (ط): وجعلهم من قومه؛ لأنهم أعلمَ بحاله، والضمير في قوله: ((حتى يصيبها)) ليس براجع إلى ((المسألة))، ولا إلى ((الحمالة)) نفسها؛ بل إلى معناهما؛ أي: يصيب ما حصل له من المسألة، أو ما أدَّى من الحَمَالة، وهي الصدقة. وقوله: ((حتى يصيب قواماً أو سداداً) فيه مبالغةٌ بالكَفِّ عن المسألة، حتى شبَّ السائل بالمضطر الذي تحِلُّ له أكل المَيْتة إلى أن يَسُدَّ رمَقَه(١). * قوله: «حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجی)): (ن): وقع في جميع نسخ ((مسلم)): ((حتى يقوم ثلاثة))، والصواب: (يقول) باللام، قال الصغاني(٢): وكذا أخرجه أبو داود(٣). (ط): حذف القول في الكلام الفصيح شائعٌ، قال تعالى: ﴿ وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا ﴾ [الكهف: ٤٨]، فيكون التقدير هنا: حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجی، فیقولوا(٤). (نه): (السُّحت): هو الحرام الذي لا يحل كَسبُه؛ لأنه يَسْحَتُ البركةَ؛ أي: يذهبها، ويقال: مالُ فلان سُحْتٌ؛ أي: لا شيء على مَن استهلكه، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٠٩). (٢) في الأصل ((الصنعاني))، والتصويب من ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ٣٠٠)، وقد تصحّفت في ((شرح المشكاة)) (٥/ ١٥١٠) كذلك. (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٣٣)، و((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥١٠). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥١٠). ٣٣٥ ودَمُه سُختٌ؛ أي: لا شيء على مَن سفكه، واشتقاقه من السّحْت، وهو الإهلاكُ والاستثِصَالُ(١). (ط): ((يأكلها صاحبها سحتاً) صفة لـ (سحت)، والضمير الراجع إلى الموصوف مُؤنَّثٌ على تأويل الصدقة، وفائدة الصفة: أن آكل السُّحت لا يجد للسُّحت الذي يأكله شُبهة تجعلها مُباحاً على نفسه، بل يأكلها من جهة السُّحت، والتعريف في (المسألة) إما للعهد، فيكون الكلام في الزكاة، وإما للجنس، فيشمل التطوُّعَ والفرض(٢). (مظ): هذا بحث سؤال الزكاة، وأما سؤال صدقة التطوُّع: فإن كان لا يقدر على الكَسْب؛ لكونه زَمِناً، أو ذا عِلَّة أُخرى؛ جاز له السؤال بقَدْر قُوت يومه، ولا يدّخر، وإن كان يقدر على الكَسْب: فإن ترك الكسب؛ لاشتغاله بتعلُّم العلم؛ يجوز له الزكاةُ، وصدقة التطوع، وإن تركه؛ الاشتغاله بصلاة التطوع، وصيام التطوع؛ لا يجوز له الزكاة، ويُكره له صدقة التطوع، فإن جلس واحد أو جماعة في بُقعة، واشتغلوا بالطاعة، ورياضة الأنفس، وتصفية القلوب؛ يُستحبُّ لواحد أن يسأل صدقة التطوع، وكِسْراتِ الخبز، واللِباس لأجلهم(٣)، وينبغي أن يكون نيةُ السائل كفافَ أسباب هؤلاء، لا كفافَ نفسه، فإن كان نيته كفافَهم، وأكل معهم؛ لا يكره له، وشرط السائل تركُ الإلحاح، والمُبالغة في السؤال، بل ليقُل (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٣٤٥). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥١٠). (٣) والأولى تحصيل الأرزاق مع الاشتغال بالطاعة وطلب العلم وغيرها، فهذا دَيدن السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين . ٣٣٦ إذا طاف في الأسواق، أو السِّكك: مَنْ يُعطي شيئاً لرضا الله، من غير أن يُواجِهَ أحداً في الخطاب، فإن أُعطي، دعا، وإن لم يعط لا يغضب، ولا يشتُم أحداً، ولا يُغْلِظ القولَ؛ فإن السائل بهذه الصفة إثمُه أكبر من أجره، فإن حفظ السائل ما ذكرناه من الشروط؛ فهو ممن قال فيهم رسولُ الله أَێتر : ((السَّاعِي على الأَرْمَلَةِ والمِسْكِين كالسَّاعِي فِي سَبِيلِ اللهِ»(١). وأما الزكاة المفروضة: فلا تجوز لهم البتّة إذا قَدَرُوا على الكَسْب. ٥٣٧ - وعن أَبِي هُرِيرةَ ﴿له: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قالَ: ((لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذي يَطُوفُ عَلى النّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ، وَالثَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنىٌ يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ، فَيْتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ))، متفقٌ عليه. 3 * قوله ◌َّ: ((ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان))، سبق في (الباب الثالث والثلاثين). (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢/ ٥١٣ - ٥١٤)، والحديث رواه البخاري (٥٠٣٨)، ومسلم (٢٩٨٢) من حديث أبي هريرة ضـ ٣٣٧ ٥٨- باب جوازِ الأخذِ من غيرِ مسألةٍ ولا تطلُّعٍ إليهِ (الباب الثامن والخمسون) (في جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع) ٥٣٨ - عَنْ سالم بنِ عبدِالله بن عُمَرَ، عَنْ أبيهِ عبدِالله بنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ ﴾، قال: كانَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ يُعْطِيْنِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إلَيهِ مِنَّي، فقال: ((خُذْهُ؛ إِذَا جاءَكَ مِن هَذَا المَالِ شَيءٌ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ولا سَائِلِ، فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، فَإِن شِئْتَ كُلْهُ، وإن شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا لا، فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ)). قال سَالمٌ: فَكَانَ عَبدُ الله لا يَسأَلُ أَحَداً شَيْئاً، وَلا يَرُدُّ شَيئاً أُعْطِيَهُ. متفقٌ عليه. (مُشْرِفٌ)) - بالشين المعجمة -: أَيْ: مُتَطَلِّعٌ إِلَيْهِ. * قوله: ((أعطه من هو أفقر مني)): (ن): فيه: مَنْقَبَةٌ لعمر ◌َه، وبيانُ فضله، وزُهده، وإيثاره، والمُشرف إلى الشيء: هو المُتطَلِّع إليه الحريص عليه(١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٣٤). ٣٣٨ (ق): لا شك أن الإشراف الذي هو الحِرصُ والشَّرَه لأخذ المال مِن أول دليل على شِدَّة الرغبة في الدنيا والحُبِّ لها، وعدم الزهد فيها، والرُّكون إليها، والتوسُّع فيها، وكلُّ ذلك أحوال مَذمومةٌ، فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة؛ اجتناباً للمَذمُوم، وقمعاً لدواعي النفس، ومُخالفةً لها في هواها، فإن لم يكن ذلك؛ جاز الأخذُ؛ للأمن من تلك العِلَل المذمومة . قال الطَّحَاويُّ: وليس معنى الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يَقسِمُها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم(١). (ن): اختلف العلماء فيمَن جاءه مالٌ، هل يجب قبولُه، أم يندب؟ على ثلاثة مذاهب، الصحيح المشهور الذي عليه الجُمهور: أنه مُستحبٌّ في غير عَطِيَّة السُّلطان، وأما عَطِيَّة السلطان: فحرَّمها قومٌ، وأباحها قومٌ، وكرهها قوم، والصحيح: أنه إن غلب الحرام فيما في أيدي السلطان؛ حرمت، وكذا إن أعطى مَن لا يستحِقُّ، وإن لم يغلب الحرام؛ فمُباح إن لم يكن في القابض مانعٌ يمنعه من استحقاق الأخذ، وقالت طائفة: الأخذ واجبٌ من السلطان وغيره، وقال آخرون: هو مندوبٌ في عَطِيَّة السلطان دون غيره(٢) . (ق): هذا إنما يصح أن يقال إذا كانت أموالُهم كما كانت أموالُ سلاطين السَّلَف مأخوذةً من وجهها، غيرَ ممنوعة من مُستحقِّيها، فأما اليوم: فالأخذ؛ إما حرامٌ أو مكروهٌ (٣). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٩٠). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٣٤ - ١٣٥). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٩٠). ٣٣٩ (ط): ((من هذا المال)) الإشارة فيه إلى جنس المال، أو إلى ذلك المال، والظاهر أنه أُجرةُ عمل عمله في سَعْي الصَّدقة؛ كما رواه أبو داود عن ابن الساعديِّ قال: استعملني عمر على الصدقة، فلما فرَغْتُ منها وأدَّيتها إليه؛ أمر لي بعُمَالة، فقلت: إنما عَمِلْتُ لله، وأجري على الله، فقال: خُذ ما أعطيتُ؛ فإني قد عملتُ على عهد رسول اللهِ وَّهِ فَعَمَّلني، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله وَّةٍ: ((إذا أُعْطِيتَ شَيْئاً مِن غَيْرِ أن تَسْأَلَه؛ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ))(١). * وقوله: ((وما لا؛ فلا تتبعه نفسك))؛ أي: ما لا يكون على هذه الصفة، بل نفسك تؤثره وتميل إليه؛ فلا تتبعه نفسك، واتركه. (ك): فإذا فعلتَ ذلك؛ سَكَنَتْ، ويَئِست، وهذا النهيُ يرشد إلى المصلحة التي في الأعراض. قال ابن بَطَّال: فيه أن للإمام أن يعطيَ الرجل العطاءَ، وغيرُه أحوجُ إليه منه، وأن ما جاء من المال الحلال من غير سؤال؛ فإن أخذَه خيرٌ من تركه، وأن ردَّ عطاء الإمام ليس من الأدب. قال الطبرانيُّ: قال بعضُهم: ندب النبيُّ نَّه إلى قَبول العطية، سواء كان المُعطي سُلطاناً، أو عامِّياً، صالحاً أو فاسقاً، إلا ما عُلم يقيناً أنه حرام، وهو الصواب، وقَبِلَت الصحابةُ الهدايا، انتهى(٢). وفي ((صحيح ابن حبان)) عن خالد بن عَدِيٍّ الجُهَنيِّ قال: سمعت (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥١٥)، والحديث رواه مسلم (١٠٤٥ / ١١٢). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٨ /١٨ -١٩). ٣٤٠